Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:12–21
30:12–13Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] تَبْيِينًا لِحالِ المُشْرِكِينَ في وقْتِ ذَلِكَ الإرْجاعِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ويَوْمَئِذٍ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ. ولَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ [الروم: ١٠] وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ويَوْمَئِذٍ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ أوْ ويَوْمَئِذٍ تُبْلِسُونَ، أيْ ويَوْمَ تُرْجَعُونَ إلَيْهِ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ، فَعَدَلَ عَنْ تَقْدِيرِ الجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها (يَوْمَ) الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها ﴿إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] بِذِكْرِ جُمْلَةٍ أُخْرى هي في مَعْناها لِتُزِيدَ الإرْجاعَ بَيانًا أنَّهُ إرْجاعُ النّاسِ إلَيْهِ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَهو إطْنابٌ لِأجْلِ البَيانِ وزِيادَةُ التَّهْوِيلِ لِما يَقْتَضِيهِ إسْنادُ القِيامِ إلى السّاعَةِ مِنَ المُباغَتَةِ والرُّعْبِ. ويَدُلُّ لِهَذا القَصْدِ تَكْرِيرُ هَذا الظَّرْفِ في الآيَةِ بَعْدَها بِهَذا الإطْنابِ.
وشاعَ إطْلاقُ السّاعَةِ عَلى وقْتِ الحَشْرِ والحِسابِ وأصْلُ السّاعَةِ: المِقْدارُ مِنَ الزَّمَنِ، ويَتَعَيَّنُ تَحْدِيدُهُ بِالإضافَةِ أوِ التَّعْرِيفِ.
والإبْلاسُ: سُكُونٌ بِحَيْرَةٍ. يُقالُ: أبْلَسَ، إذا لَمْ يَجِدْ مَخْرَجًا مِن شِدَّةٍ هو فِيها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
والمُجْرِمُونَ المُشْرِكُونَ، وهُمُ الَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ وضَمائِرُ الخِطابِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ .
والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإجْراءِ وصْفِ الإجْرامِ عَلَيْهِمْ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنَّهُ يُقالُ: تُبْلِسُونَ، بِالخِطابِ أوْ بِياءِ الغَيْبَةِ. ووُصِفُوا بِالإجْرامِ لِتَحْقِيرِ دِينِ الشِّرْكِ وأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى إجْرامٍ كَبِيرٍ.
وقَدْ ذُكِرَ أحَدُ أسْبابِ الإبْلاسِ وأعْظُمُها حِينَئِذٍ وهو أنَّهم لَمْ يَجِدُوا شُفَعاءَ مِن
صفحة ٦٣
آلِهَتِهِمُ الَّتِي أشْرَكُوا بِها وكانُوا يَحْسَبُونَها شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمّا نَظَرُوا وقَلَّبُوا النَّظَرَ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعاءَ خابُوا وخَسِئُوا وأُبْلِسُوا، ولَهم أسْبابُ خَيْبَةٍ أُخْرى لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِها. وأمّا ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ فَذَلِكَ حالَةُ يَأْسٍ لا حالَةُ إبْلاسٍ.
ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، ولَيْسَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ.
ونَفْيُ فِعْلِ (يَكُنْ) بِـ (لَمِ) الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلْمُضِيِّ لِلْإشارَةِ إلى تَحْقِيقِ حُصُولِ هَذا النَّفْيِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
ومُقابَلَةُ ضَمِيرِ الجَمْعِ بِصِيغَةِ جَمْعِ الشُّرَكاءِ مِن بابِ التَّوْزِيعِ، أيْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ المُجْرِمِينَ أحَدٌ شَفِيعٌ فَضْلًا عَنْ عِدَّةِ شُفَعاءَ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ لِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِهِمْ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] .
وكُتِبَ في المُصْحَفِ (شُفَعَؤُا) بِواوٍ بَعْدَ العَيْنِ وألِفٍ بَعْدَ الواوِ، أرادُوا بِالجَمْعِ بَيْنَ الواوِ والألِفِ أنْ يُنَبِّهُوا عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَضْمُومَةٌ لِيُعْلَمَ أنَّ شُفَعاءَ اسْمُ كانَ وأنْ لَيْسَ اسْمُها قَوْلَهُ (﴿مِن شُرَكائِهِمْ﴾) بِتَوَهُّمِ أنَّ مِنِ اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ، أوْ أنَّها مَزِيدَةٌ في النَّفْيِ، فَأثْبَتُوا الواوَ تَحْقِيقًا لِضَمِّ الهَمْزَةِ وأثْبَتُوا الألِفَ لِأنَّ الألِفَ صُورَةٌ لِلْهَمْزَةِ.
30:14–16Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾
أُعِيدَ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا. وكَرَّرَ يَوْمئِذٍ لِتَأْكِيدِ حَقِيقَةِ الظَّرْفِيَّةِ.
ولَمّا ذُكِرَ إبْلاسُ المُشْرِكِينَ المُشْعِرُ بِتَوَقُّعِهِمُ السُّوءَ والعَذابَ أعْقَبَ بِتَفْصِيلِ أحْوالِ النّاسِ يَوْمئِذٍ مَعَ بَيانِ مَغَبَّةِ إبْلاسِ الفَرِيقِ الكافِرِينَ.
والضَّمِيرُ في (﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُجْرِمِينَ فَعُلِمَ
صفحة ٦٤
أنَّ فَرِيقًا آخَرَ ضِدَّهم لِأنَّ ذِكْرَ إبْلاسِ المُجْرِمِينَ يَوْمئِذٍ يُفْهِمُ أنَّ غَيْرَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ.
والتَّفَرُّقُ: انْقِسامُ الجَمْعِ وتَشَتُّتُ أجْزاءِ الكُلِّ. وقَدْ كُنِّيَ بِهِ هُنا عَنِ التَّباعُدِ لِأنَّ التَّفَرُّقَ يُلازِمُهُ التَّباعُدُ عُرْفًا.
وقَدْ فُصِلَ التَّفَرُّقُ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِهِ.
والرَّوْضَةُ: كُلُّ أرْضٍ ذاتِ أشْجارٍ وماءٍ وأزْهارٍ في البادِيَةِ أوْ في الجِنانِ. ومِن أمْثالِ العَرَبِ (أحْسَنُ مِن بَيْضَةٍ في رَوْضَةٍ) يُرِيدُونَ بَيْضَةَ النَّعامَةِ.
وقَدْ جَمَعَ مَحاسِنَ الرَّوْضَةِ قَوْلُ الأعْشى:
ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشَبَةٌ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَـطِـلُ
يُضاحِكُ الشَّمْسَ مِنها كَوْكَبٌ شَـرِقٌ ∗∗∗ مُؤَزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْـتِ مُـكْـتَـهِـلُ
ويُحْبَرُونَ: يُسَرُّونَ مِنَ الحُبُورِ وهو السُّرُورُ الشَّدِيدُ يُقالُ: حَبَّرَهُ: إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ وظَهَرَ فِيهِ أثَرُهُ.
ومُحْضَرُونَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإحْضارِ، أيْ جَعْلِ الشَّيْءِ حاضِرًا، أيْ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ، أيْ لا يَخْرُجُونَ مِنهُ، وهو يُفِيدُ التَّأْيِيدَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّهُ لَمّا ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿فِي العَذابِ﴾) ناسَبَ أنْ لا يَكُونَ المَقْصُودُ مِن وصْفِهِمُ المُحْضَرِينَ أنَّهم كائِنُونَ في العَذابِ لِئَلّا يَكُونَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ بِمَدْلُولٍ في الظَّرْفِيَّةِ فَإنَّ التَّأْسِيسَ أوْقَعُ مِنَ التَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُحْضَرُونَ بِمَعْنى مَأْتِيٌّ بِهِمْ إلى العَذابِ فَقَدْ كَثُرَ في القُرْآنِ اسْتِعْمالُ مُحْضَرٍ ونَحْوِهِ بِمَعْنى مُعاقَبٍ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] واسْمُ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
وكُتِبَ في رَسْمِ المُصْحَفِ (ولِقائِي) بِهَمْزَةٍ عَلى ياءٍ تَحْتِيَّةٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَكْسُورَةٌ وذَلِكَ مِنَ الرَّسْمِ التَّوْفِيقِيِّ، ومُقْتَضى القِياسِ أنْ تُكْتَبَ الهَمْزَةُ في السَّطْرِ بَعْدَ الألِفِ.
30:17–18Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
صفحة ٦٥
﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
الفاءُ تَقْتَضِي اتِّصالَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها وهي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أوْ عَطْفَ تَفْرِيعٍ عَلى ما قَبْلَها وقَدْ كانَ أوَّلُ الكَلامِ قَوْلَهُ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أكْثَرِ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] والمُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ فالتَّفْرِيعُ أوِ الإفْصاحُ ناشِئٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن (سُبْحانَ اللَّهِ) إنْشاءَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ العَجْزِ عَنْ إحْياءِ النّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وإنْشاءَ ثَناءٍ عَلَيْهِ.
والخِطابُ في (﴿تُمْسُونَ﴾) و(﴿تُصْبِحُونَ﴾) تابِعٌ لِلْخِطابِ الَّذِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] وهو مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ المُبْتَدِئَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] إلى آخِرِها كَما عَلِمْتَ آنِفًا. وهَذا هو الأنْسَبُ بِاسْتِعْمالِ مَصْدَرِ سُبْحانَ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ في الكَلامِ وفي القُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] وهو الغالِبُ في اسْتِعْمالِ مَصْدَرِ سُبْحانَ في الكَلامِ إنْ لَمْ يَكُنْ هو المُتَعَيَّنُ كَما تَقْتَضِيهِ أقْوالُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ. وهَذا غَيْرُ اسْتِعْمالِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] وقَوْلِ الأعْشى في دالِيِّتِهِ:
وسَبِّحْ عَلى حِينِ العَشِّياتِ والضُّحى
وقَوْلُهُ ﴿حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ظُرُوفٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما في إنْشاءِ التَّنْزِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ يُنْشَأُ تَنْزِيهُ اللَّهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ وهي الأجْزاءُ الَّتِي يَتَجَزَّأُ الزَّمانُ إلَيْها، والمَقْصُودُ التَّأْيِيدُ كَما تَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ دَوْمًا. وسَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ لِأنَّهُ مُناسِبٌ لِمَقامِ الثَّناءِ.
وجَوَّزَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يَكُونَ سُبْحانَ هُنا مَصْدَرًا واقِعًا بَدَلًا عَنْ فِعْلِ أمْرٍ بِالتَّسْبِيحِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَبِّحُوا اللَّهَ سُبْحانًا. وعَلَيْهِ يَخْرُجُ ما رُوِيَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ: نَعَمْ. وتَلا قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وحِينَ
صفحة ٦٦
تُظْهِرُونَ﴾ . فَإذا صَحَّ ما رُوِيَ عَنْهُ فَتَأْوِيلُهُ: أنَّ سُبْحانَ أمْرٌ بِأنْ يَقُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الصَّلاةِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وبِحَمْدِهِ.
وقَوْلُهُ (﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾) إلى آخِرِهِ إشارَةٌ إلى أوْقاتِ الصَّلَواتِ وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى المُؤْمِنِينَ. والمُناسَبَةُ مَعَ سابِقِهِ أنَّهُ لَمّا وعَدَهم بِحُسْنِ مَصِيرِهِمْ لَقَّنَهم شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في أجْزاءِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ.
وهَذا التَّفْرِيعُ يُؤْذِنُ بِأنَّ التَّسْبِيحَ والتَّحْمِيدَ الواقِعَيْنِ إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ كِنايَةً عَنِ الشُّكْرِ عَنِ النِّعْمَةِ لِأنَّ التَّصَدِّي لِإنْشاءِ الثَّناءِ عَقِبَ حُصُولِ الإنْعامِ أوِ الوَعْدِ بِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المادِحَ ما بَعَثَهُ عَلى المَدْحِ في ذَلِكَ المَقامِ إلّا قَصْدُ الجَزاءِ عَلى النِّعْمَةِ بِما في طَوْقِهِ، كَما ورَدَ (فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلى مُكافَأتِهِ فادْعُوا لَهُ) .
ولَيْسَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ وأوْقاتُها هي المُرادُ مِنَ الآيَةِ ولَكِنْ نُسِجَتْ عَلى نَسْجٍ صالِحٍ لِشُمُولِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسَ وأوْقاتَها وذَلِكَ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، لِأنَّ الصَّلاةَ وإنْ كانَ فِيها تَسْبِيحٌ ويُطْلَقُ عَلَيْها السُّبْحَةَ فَلا يُطْلَقُ عَلَيْها: سُبْحانَ اللَّهِ.
وأُضِيفَ الحِينُ إلى جُمْلَتَيْ تُمْسُونَ وتُصْبِحُونَ.
وقُدِّمَ فِعْلُ الإمْساءِ عَلى فِعْلِ الإصْباحِ: إمّا لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَعْتَبِرُونَ فِيهِ اللَّيالِي مَبْدَأُ عَدَدِ الأيّامِ كَثِيرًا قالَ تَعالى ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ [سبإ: ١٨] وإمّا لِأنَّ الكَلامَ لَمّا وقَعَ عَقِبَ ذِكْرِ الحَشْرِ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] وذِكْرُ قِيامِ السّاعَةِ ناسَبَ أنْ يَكُونَ الإمْساءُ وهو آخِرُ اليَوْمِ خاطِرًا في الذِّهْنِ فَقُدِّمَ لَهم ذِكْرُهُ.
وعَشِيًّا عَطْفٌ عَلى حِينِ تُمْسُونَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الظُّرُوفِ تُفِيدُ أنَّ تَسْبِيحَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ لَيْسَ لِمَنفَعَةِ اللَّهِ تَعالى بَلْ لِمَنفَعَةِ المُسَبِّحِينَ لِأنَّ اللَّهَ مَحْمُودٌ في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو غَنِيٌّ عَنْ حَمْدِنا.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ الِادِّعائِيِّ لِجِنْسِ الحَمْدِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ حَمْدَهُ هو الحَمْدُ الكامِلُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ الشُّجاعُ، كَما تَقَدَّمَ
صفحة ٦٧
فِي طالِعَةِ سُورَةِ الفاتِحَةِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ.
والإمْساءُ: حُلُولُ المَساءِ. والإصْباحُ: حُلُولُ الصَّباحِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. والإمْساءُ: اقْتِرابُ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى العِشاءِ. والصَّباحُ: أوَّلُ النَّهارِ، والإظْهارُ: حُلُولُ وقْتِ الظُّهْرِ وهو نِصْفُ النَّهارِ.
وقَدِ اسْتُعْمِلَ الإفْعالُ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلدُّخُولِ في المَكانِ مِثْلَ: أنْجَدَ، وأتْهَمَ، وأيْمَنَ، وأشْأمَ في حُلُولِ الأوْقاتِ مِنَ المَساءِ والصَّباحِ والظُّهْرِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ الحُلُولِ بِالكَوْنِ في المَكانِ. فَيَكْثُرُ أنْ يُقالَ: أصْبَحَ وأضْحى وأمْسى وأعْتَمَ وأشْرَقَ، قالَ تَعالى ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] .
والعَشِيُّ: ما بَعْدَ العَصْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
30:19Page 406
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] . ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُوقِعَ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وما عُطِفَ عَلَيْها، أيْ هو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّسْبِيحِ والحَمْدِ لِتَصَرُّفِهِ في المَخْلُوقاتِ بِالإيجادِ العَجِيبِ وبِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. واخْتِيرَ مِن تَصَرُّفاتِهِ العَظِيمَةِ تَصَرُّفُ الإحْياءِ والإماتَةِ في الحَيَوانِ والنَّباتِ لِأنَّهُ تَخَلَّصٌ لِلْغَرَضِ المَقْصُودِ مِن إثْباتِ البَعْثِ رَدًّا لِلْكَلامِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] .
فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِتَسْبِيحِهِ وحَمْدِهِ مَعْلُولٌ بِأمْرَيْنِ: إيفاءُ حَقِّ شُكْرِهِ المُفادِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ (﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ [الروم: ١٧])، وإيفاءُ حَقِّ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، والمَقْصُودُ هو إخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ. وأمّا عَطْفُ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ فَلِلِاحْتِراسِ مِنِ اقْتِصارِ قُدْرَتِهِ عَلى بَعْضِ التَّصَرُّفاتِ ولِإظْهارِ عَجِيبِ قُدْرَتِهِ أنَّها تَفْعَلُ الضِّدَّيْنِ.
وفِي الآيَةِ الطِّباقُ. وهَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ.
صفحة ٦٨
والإخْراجُ: فَصْلُ شَيْءٍ مَحْوِيٍّ عَنْ حاوِيهِ. يُقالُ: أخْرَجَهُ مِنَ الدّارِ، وأخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ لِإنْشاءِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ.
والإتْيانُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يَخْرُجُ، ويُحْيِي لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ [الروم: ٤٨] . فَهَذا الإخْراجُ والإحْياءُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِ التَّعْظِيمَ والإفْرادَ بِالعِبادَةِ إذْ أوْدَعَ هَذا النِّظامَ العَجِيبَ في المَوْجُوداتِ فَجَعَلَ في الشَّيْءِ الَّذِي لا حَياةَ لَهُ قُوَّةً وخَصائِصَ تَجْعَلُهُ يَنْتِجُ الأشْياءَ الحَيَّةَ الثّابِتَةَ المُتَصَرِّفَةَ ويَجْعَلُ في تُرابِ الأرْضِ قُوًى تُخْرِجُ الزَّرْعَ والنَّباتَ حَيًّا نامِيًا.
وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ يَظْهَرُ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها: إنْشاءُ الأجِنَّةِ مِنَ النُّطَفِ، وإنْشاءُ الفِراخِ مِنَ البَيْضِ؛ وإخْراجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ يَظْهَرُ في العَكْسِ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وفي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِن غُلاةِ المُشْرِكِينَ أفاضِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَ إخْراجِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ مِن أبِيهِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وإخْراجِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مِن أبِيها أحَدِ أيِمَّةِ الكُفْرِ وقَدْ قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ ( «ما كانَ أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ أنْ يَذِلُّوا مَن أهْلِ خِبائِكَ واليَوْمَ ما أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ أنْ يُعَزُّوا مَن أهْلِ خِبائِكَ، فَقالَ لَها النَّبِيءُ ﷺ: وأيْضًا» أيْ سَتَزِيدِينَ حُبًّا لَنا بِسَبَبِ نُورِ الإسْلامِ. وإخْراجُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ مِن أبِيها. «ولَمّا كَلَّمَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَأْنِ إسْلامِها وهِجْرَتِها إلى المَدِينَةِ حِينَ جاءَ أخَواها يَرُومانِ رَدَّها إلى مَكَّةَ حَسَبِ شُرُوطِ الهُدْنَةِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا امْرَأةٌ وحالُ النِّساءِ إلى الضَّعْفِ فَأخْشى أنْ يَفْتِنُونِي في دِينِي ولا صَبْرَ لِي، فَقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ»﴾ ونَزَلَتْ آيَةُ الِامْتِحانِ فَلَمْ يَرُّدَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِما وكانَتْ أوَّلَ النِّساءِ المُهاجِراتِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ (﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾) راجِعٌ إلى ما يَصْلُحُ لَهُ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وهو ما فِيهِ إنْشاءُ حَياةِ شَيْءٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِناءً عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ لَيْسَ مَقْصُودًا مِنَ الِاسْتِدْلالِ ولَكِنَّهُ احْتِراسٌ وتَكْمِلَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ راجِعًا إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، أيْ وكَإخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِيها يَكُونُ إخْراجُكم مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ أمْواتًا فِيها، كَما قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم
صفحة ٦٩
إخْراجًا﴾ [نوح: ١٧] . ولا وجْهَ لِاقْتِصارِ التَّشْبِيهِ عَلى الثّانِي دُونَ الأوَّلِ.
والمَعْنى: أنَّ الإبْداءَ والإعادَةَ مُتَساوِيانِ فَلَيْسَ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ بِأعْجَبَ مِنِ ابْتِداءِ الخَلْقِ ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ حَكَّمُوا الإلْفَ في مَوْضِعِ تَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ (المَيِّتَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُخْرَجُونَ) بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِها.
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ لَمّا كانَ الِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ مُتَضَمِّنًا آياتٍ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ ودَلالَتِهِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ إلى آياتٍ عَلى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ العَظِيمِ غَيْرَ ما فِيهِ إثْباتُ البَعْثِ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ وإعْذارًا لِمَن أشْرَكُوا في الإلَهِيَّةِ. وقَدْ سَبَقَتْ سِتُّ آياتٍ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وابْتُدِئَتْ بِكَلِمَةٍ ومِن آياتِهِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّحادِ غَرَضِها، فَهَذِهِ هي الآيَةُ الأُولى ولَها شَبَهٌ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ لِأنَّ خَلْقَ النّاسِ مِن تُرابٍ وبَثَّ الحَياةِ والِانْتِشارَ فِيهِمْ هو ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، فَلِذَلِكَ كانَتْ هي الأوْلى في الذِّكْرِ لِمُناسَبَتِها لِما قَبْلَها فَجُعِلَتْ تَخَلُّصًا مِن دَلائِلِ البَعْثِ إلى دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ كائِنَةٌ في خَلْقِ جَوْهَرِ الإنْسانِ وتَقْوِيمِ بَشَرِيَّتِهِ.
وتَقَدَّمَ كَيْفَ كانَ الخَلْقُ مِن تُرابٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
فَضَمِيرُ النَّصْبِ في خَلَقَكم عائِدٌ إلى جَمِيعِ النّاسِ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ [الحج: ٥] الآيَةَ.
وهَذا اسْتِدْلالٌ لِلنّاسِ بِأنْفُسِهِمْ لِأنَّهم أشْعَرُ بِها مِمّا سِواها، والنّاسُ يَعْلَمُونَ أنَّ النُّطَفَ أصَّلُ الخِلْقَةِ، وهم إذا تَأمَّلُوا عَلِمُوا أنَّ النُّطْفَةَ تَتَكَوَّنُ مِنَ الغِذاءِ، وأنَّ الغِذاءَ يَتَكَوَّنُ مِن نَباتِ الأرْضِ، وأنَّ نَباتَ الأرْضِ مُشْتَمِلٌ عَلى الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ الَّتِي أنْبَتَتْهُ
صفحة ٧٠
فَعَلِمُوا أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن تُرابٍ، فَبِذَلِكَ اسْتَقامَ جَعْلُ التَّكْوِينِ مِنَ التُّرابِ آيَةً لِلنّاسِ أيْ عَلامَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مَعَ كَوْنِهِ أمْرًا خَفِيًّا.
عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِدْلالُ مَبْنِيًّا عَلى ما هو شائِعٌ بَيْنَ البَشَرِ أنَّ أصْلَ الإنْسانِ تُرابٌ حَسْبَما أنْبَأتْ بِهِ الأدْيانُ كُلُّها.
وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ خَلَقَ أصْلَكم وهو آدَمُ، وأوَّلُ الوُجُوهِ أظْهَرُها.
فالتُّرابُ مَواتٌ لا حَياةَ فِيهِ وطَبْعُهُ مُنافٍ لِطَبْعِ الحَياةِ لِأنَّ التُّرابَ بارِدٌ يابِسٌ وذَلِكَ طَبْعُ المَوْتِ، والحَياةُ تَقْتَضِي حَرارَةً ورُطُوبَةً فَمِن ذَلِكَ البارِدِ اليابِسِ يَنْشَأُ المَخْلُوقُ الحَيُّ المُدْرِكُ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الحَياةِ والإدْراكِ بِقَوْلِهِ ﴿إذا أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ وإلى التَّصَرُّفِ والحَرَكَةِ بِقَوْلِهِ تَنْتَشِرُونَ. ولَمّا كانَ تَمامُ البَشَرِيَّةِ يَنْشَأُ عَنْ تَطَوُّرِ التُّرابِ إلى نَباتٍ ثُمَّ إلى نُطْفَةٍ ثُمَّ إلى أطْوارِ التَّخَلُّقِ في أزْمِنَةٍ مُتَتالِيَةٍ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ المُهْلَةِ الدّالِّ عَلى تَراخِي الزَّمَنِ مَعَ تَراخِي الرُّتْبَةِ الَّذِي هو الأصْلُ في عَطْفِ الجُمَلِ بِحَرْفِ ثُمَّ.
وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ لِأنَّ الكَوْنَ بَشَرًا يَظْهَرُ لِلنّاسِ فَجْأةً بِوَضْعِ الأجِنَّةِ أوْ خُرُوجِ الفِراخِ مِنَ البَيْضِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الأطْوارِ الَّتِي اقْتَضاها حَرْفُ المُهْلَةِ هي أطْوارٌ خَفِيَّةٌ غَيْرُ مُشاهَدَةٍ؛ فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ حَرْفِ المُهْلَةِ وحَرْفِ المُفاجَأةِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ التَّطَوُّرِ العَجِيبِ. وحَصَلَ مِنَ المُقارَنَةِ بَيْنَ حَرْفِ المُهْلَةِ وحَرْفِ المُفاجَأةِ شِبْهُ الطِّباقِ وإنْ كانَ مَرْجِعُ كُلٍّ مِنَ الحَرْفَيْنِ غَيْرَ مَرْجِعِ الآخَرِ.
والِانْتِشارُ: الظُّهُورُ عَلى الأرْضِ والتَّباعُدُ بَيْنَ النّاسِ في الأعْمالِ قالَ تَعالى فانْتَشِرُوا في الأرْضِ.
30:21Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ هَذِهِ آيَةٌ ثانِيَةٌ فِيها عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ بِنِظامِ النّاسِ العامِّ وهو نِظامُ الِازْدِواجِ وكَيْنُونَةِ
صفحة ٧١
العائِلَةِ وأساسِ التَّناسُلِ، وهو نِظامٌ عَجِيبٌ جَعَلَهُ اللَّهُ مُرْتَكِزًا في الجِبِلَّةِ لا يَشِذُّ عَنْهُ إلّا الشُّذّاذُ.
وهِيَ آيَةٌ تَنْطَوِي عَلى عِدَّةِ آياتٍ مِنها: أنْ جُعِلَ لِلْإنْسانِ نامُوسُ التَّناسُلِ، وأنْ جُعِلَ تَناسُلُهُ بِالتَّزاوُجِ ولَمْ يَجْعَلْهُ كَتَناسُلِ النَّباتِ مِن نَفْسِهِ، وأنْ جَعَلَ أزْواجَ الإنْسانِ مِن صِنْفِهِ ولَمْ يَجْعَلْها مِن صِنْفٍ آخَرَ لِأنَّ التَّآنُسَ لا يَحْصُلُ بِصِنْفٍ مُخالِفٍ، وأنْ جَعَلَ في ذَلِكَ التَّزاوُجِ أُنْسًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ تَزاوُجًا عَنِيفًا أوْ مُهْلِكًا كَتَزاوُجِ الضَّفادِعِ، وأنْ جَعَلَ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مَوَدَّةً ومُحَبَّةً فالزَّوْجانِ يَكُونانِ مِن قَبْلِ التِّزْواجِ مُتَجاهِلَيْنِ فَيُصْبِحانِ بَعْدَ التِّزْواجِ مُتَحابَّيْنِ، وأنْ جَعَلَ بَيْنَهُما رَحْمَةً فَهُما قَبْلَ التِّزاوُجِ لا عاطِفَةَ بَيْنَهُما فَيُصْبِحانِ بَعْدَهُ مُتَراحِمَيْنِ كَرَحْمَةِ الأُبُوَّةِ والأُمُومَةِ، ولِأجَلِّ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ هَذا الدَّلِيلُ ويَتْبَعَهُ مِنَ النِّعَمِ والدَّلائِلِ جُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ آياتٍ عِدَّةً في قَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وهَذِهِ الآيَةُ كائِنَةٌ في خَلْقِ جَوْهَرِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الإنْسانِ: صِنْفُ الذَّكَرِ، وصِنْفُ الأُنْثى، وإيداعُ نِظامِ الإقْبالِ بَيْنَهُما في جِبِلَّتِهِما. وذَلِكَ مِنَ الذّاتِيّاتِ النِّسْبِيَّةِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ.
وقَدْ أُدْمِجَ في الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ بِنِعْمَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ (لَكم) أيْ لِأجْلِ نَفْعِكم.
و(﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِـ (آياتٍ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدَّلالَةِ. وجُعِلَتِ الآياتُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّ التَّفَكُّرَ والنَّظَرَ في تِلْكَ الدَّلائِلِ هو الَّذِي يُجَلِّي كُنْهَها ويَزِيدُ النّاظِرَ بَصارَةً بِمَنافِعَ أُخْرى في ضِمْنِها.
والَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ: المُؤْمِنُونَ وأهْلُ الرَّأْيِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ لِجَمِيعِ نَوْعِ الإنْسانِ الذُّكُورِ والإناثِ. والزَّوْجُ: هو الَّذِي بِهِ يَصِيرُ لِلْواحِدِ ثانٍ فَيُطْلَقُ عَلى امْرَأةِ الرَّجُلِ ورَجُلِ المَرْأةِ فَجَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ فَرْدِ زَوْجَهُ.
صفحة ٧٢
ومَعْنى ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مَن نَوْعِكم، فَجَمِيعُ الأزْواجِ مِن نَوْعِ النّاسِ، وأمّا قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا:
وتَزَوَّجْتُ في الشَّبِيبَةِ غُولًا بِغَزالٍ وصَدْقَتِي زِقُّ خَمْرِ
فَمِن تَكاذِيبِهِمْ، وكَذَلِكَ ما يَزْعُمُهُ المُشَعْوِذُونَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِالجِنِّيّاتِ وما يَزْعُمُهُ أهْلُ الخُرافاتِ والرِّواياتِ مِن وُجُودِ بَناتٍ في البَحْرِ وأنَّها قَدْ يَتَزَوَّجُ بَعْضُ الإنْسِ بِبَعْضِها.
والسُّكُونُ: هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّأنُسِ وفَرِحِ النَّفْسِ لِأنَّ في ذَلِكَ زَوالَ اضْطِرابِ الوَحْشَةِ والكَمَدِ والسُّكُونِ الَّذِي هو زَوالُ اضْطِرابِ الجِسْمِ كَما قالُوا: اطْمَأنَّ إلى كَذا وانْقَطَعَ إلى كَذا.
وضَمِنَ لِتَسْكُنُوا مَعْنى لِتَمِيلُوا فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (إلى) وإنْ كانَ حَقُّهُ أنْ يُعَلَّقَ بِـ (عِنْدَ) ونَحْوِها مِنَ الظُّرُوفِ.
والمَوَدَّةُ: المَحَبَّةُ. والرَّحْمَةُ: صِفَةٌ تَبْعَثُ عَلى حُسْنِ المُعامَلَةِ.
وإنَّما جَعَلَ في ذَلِكَ آياتٍ كَثِيرَةً بِاعْتِبارِ اشْتِمالِ ذَلِكَ الخَلْقِ عَلى دَقائِقِ كَثِيرَةٍ مُتَوَلِّدٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ يُظْهِرُها التَّأمُّلُ والتَّدَبُّرُ بِحَيْثُ يَتَجَمَّعُ مِنها آياتٌ كَثِيرَةٌ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ شِبْهُ التَّمْلِيكِ وهو مَعْنى أثْبَتَهُ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ ويَظْهَرُ أنَّهُ واسِطَةٌ بَيْنَ مَعْنى التَّمْلِيكِ ومَعْنى التَّعْلِيلِ. ومَثَّلَهُ في المُغْنِي بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] وذُكِرَ في المَعْنى العِشْرِينَ مِن مَعانِي اللّامِ أنَّ ابْنَ مالِكٍ في كافِيَّتِهِ سَمّاهُ لامَ التَّعْدِيَةِ ولَعَلَّهُ يُرِيدُ تَعْدِيَةً خاصَّةً، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [مريم: ٥] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences