Ibn 'AshurAr‑Rum · 30:22–26

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:22–26

30:22Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢

And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.

﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالَمِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الثّالِثَةُ وهي آيَةُ النِّظامِ الأرْضِيِّ في خَلْقِ الأرْضِ بِمَجْمُوعِها وسُكّانِها؛ فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ مَشْهُودَةٌ بِما فِيها مِن تَصارِيفِ الأجْرامِ

صفحة ٧٣

السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، وما هو مَحَلُّ العِبْرَةِ مِن أحْوالِهِما المُتَقارِنَةِ المُتَلازِمَةِ كاللَّيْلِ والنَّهارِ والفُصُولِ، والمُتَضادَّةِ كالعُلُوِّ والِانْخِفاضِ.

وإذْ قَدْ كانَ أشْرَفُ ما عَلى الأرْضِ نَوْعَ الإنْسانِ قُرِنَ ما في بَعْضِ أحْوالِهِ مِنَ الآياتِ بِما في خَلْقِ الأرْضِ مِنَ الآياتِ، وخُصَّ مِن أحْوالِهِ المُتَخالِفَةِ لِأنَّها أشَدُّ عِبْرَةً إذْ كانَ فِيها اخْتِلافٌ بَيْنَ أشْياءَ مُتَّحِدَةٍ في الماهِيَّةِ، ولِأنَّ هاتِهِ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ لِهَذا النَّوْعِ الواحِدِ نَجْدُ أسْبابَ اخْتِلافِها مِن آثارِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فاخْتِلافُ الألْسِنَةِ سَبَّبَهُ القَرارُ بِأوْطانٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَباعِدَةٍ، واخْتِلافُ الألْوانِ سَبَّبَهُ اخْتِلافُ الجِهاتِ المَسْكُونَةِ مِنَ الأرْضِ، واخْتِلافُ مُسامَتَةِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ لَها؛ فَهي مِن آثارِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.

ولِذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ هو آيَةُ اخْتِلافِ اللُّغاتِ والألْوانِ وأنَّ ما تَقَدَّمَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ تَمْهِيدًا لَهُ وإيماءً إلى انْطِواءِ أسْبابِ الِاخْتِلافِ في أسْرارِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.

وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِأحْوالٍ عَرَضِيَّةٍ في الإنْسانِ مُلازِمَةٍ لَهُ فَبِتِلْكَ المُلازَمَةِ أشْبَهَتِ الأحْوالَ الذّاتِيَّةَ المُطْلَقَةَ ثُمَّ النِّسْبِيَّةَ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَ الآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ حَسَبِ التَّرْتِيبِ السّابِقِ.

وقَدْ ظَهَرَ وجْهُ المُقارَنَةِ بَيْنَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وبَيْنَ اخْتِلافِ ألْسُنِ البَشَرِ وألْوانِهِمْ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .

والألْسِنَةُ: جَمْعُ لِسانٍ، وهو يُطْلَقُ عَلى اللُّغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وقَوْلِهِ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] .

واخْتِلافُ لُغاتِ البَشَرِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فَهم مَعَ اتِّحادِهِمْ في النَّوْعِ كانَ اخْتِلافُ لُغاتِهِمْ آيَةً دالَّةً عَلى ما كَوَّنَهُ اللَّهُ في غَرِيزَةِ البَشَرِ مِنِ اخْتِلافِ التَّفْكِيرِ وتَنْوِيعِ التَّصَرُّفِ في وضْعِ اللُّغاتِ، وتَبَدُّلِ كَيْفِيّاتِها بِاللَّهَجاتِ والتَّخْفِيفِ والحَذْفِ والزِّيادَةِ بِحَيْثُ تَتَغَيَّرُ الأُصُولُ المُتَّحِدَةُ إلى لُغاتٍ كَثِيرَةٍ.

صفحة ٧٤

فَلا شَكَّ أنَّ اللُّغَةَ كانَتْ واحِدَةً لِلْبَشَرِ حِينَ كانُوا في مَكانٍ واحِدٍ، وما اخْتَلَفَتِ اللُّغاتُ إلّا بِانْتِشارِ قَبائِلِ البَشَرِ في المَواطِنِ المُتَباعِدَةِ، وتَطَرَّقَ التَّغَيُّرُ إلى لُغاتِهِمْ تَطَرُّقًا تَدْرِيجِيًّا؛ عَلى أنَّ تَوَسُّعَ اللُّغاتِ بِتَوَسُّعِ الحاجَةِ إلى التَّعْبِيرِ عَنْ أشْياءَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْبِيرِ عَنْها حاجَةٌ قَدْ أوْجَبَ اخْتِلافًا في وضْعِ الأسْماءِ لَها فاخْتَلَفَتِ اللُّغاتُ بِذَلِكَ في جَوْهَرِها كَما اخْتَلَفَتْ فِيما كانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَها بِاخْتِلافِ لَهَجاتِ النُّطْقِ، واخْتِلافِ التَّصَرُّفِ، فَكانَ لِاخْتِلافِ الألْسِنَةِ مُوجِبانِ. فَمَحَلُّ العِبْرَةِ هو اخْتِلافٌ مَعَ اتِّحادِ أصْلِ النَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] ولِما في ذَلِكَ الِاخْتِلافِ مِنَ الأسْرارِ المُقْتَضِيَةِ إيّاهُ.

ووَقَعَ في الإصْحاحِ الحادِي عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يُوهِمُ ظاهِرُهُ أنَّ اخْتِلافَ الألْسُنِ حَصَلَ دُفْعَةً واحِدَةً بَعْدَ الطُّوفانِ في أرْضِ بابِلَ وأنَّ البَشَرَ تَفَرَّقُوا بَعْدَ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّهُ وقَعَ في العِبارَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وأنَّ التَّفَرُّقَ وقَعَ قَبْلَ تَبَلْبُلِ الألْسُنِ. وقَدْ عُلِّلَ في ذَلِكَ الإصْحاحِ بِما يُنَزِّهُ اللَّهُ عَنْ مَدْلُولِهِ.

وقِيلَ: أرادَ بِاخْتِلافِ الألْسِنَةِ اخْتِلافَ الأصْواتِ بِحَيْثُ تَتَمايَزُ أصْواتُ النّاسِ المُتَكَلِّمِينَ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ فَنَعْرِفُ صاحِبَ الصَّوْتِ وإنْ كانَ غَيْرَ مَرْئِيٍّ.

وأمّا اخْتِلافُ ألْوانِ البَشَرِ فَهو آيَةٌ أيْضًا لِأنَّ البَشَرَ مُنْحَدِرٌ مِن أصْلٍ واحِدٍ وهو آدَمُ، ولَهُ لَوْنٌ واحِدٌ لا مَحالَةَ، ولَعَلَّهُ البَياضُ المَشُوبُ بِحُمْرَةٍ، فَلَمّا تَعَدَّدَ نَسْلُهُ جاءَتِ الألْوانُ المُخْتَلِفَةُ في بَشَراتِهِمْ وذَلِكَ الِاخْتِلافُ مَعْلُولٌ لِعِدَّةِ عِلَلٍ أهَمُّها المَواطِنُ المُخْتَلِفَةُ بِالحَرارَةِ والبُرُودَةِ، ومِنها التَّوالُدُ مِن أبَوَيْنِ مُخْتَلِفَيِ اللَّوْنِ مِثْلَ المُتَوَلِّدِ مِن أُمٍّ سَوْداءَ وأبٍ أبْيَضَ، ومِنها العِلَلُ والأمْراضُ الَّتِي تُؤَثِّرُ تَلْوِينًا في الجِلْدِ، ومِنها اخْتِلافُ الأغْذِيَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اخْتِلافُ ألْوانِ البَشَرِ دَلِيلًا عَلى اخْتِلافِ النَّوْعِ بَلْ هو نَوْعٌ واحِدٌ، فَلِلْبَشَرِ ألْوانٌ كَثِيرَةٌ أصْلاها البَياضُ والسَّوادُ وقَدْ أشارَ إلى هَذا أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا في أُرْجُوزَتِهِ في الطِّبِّ بِقَوْلِهِ:

بِالنَّزْجِ حَرٌّ غَيَّرَ الأجْسَـادَ حَتّى كَسا بَياضَها سَـوادا

والصَّقْلَبُ اكْتَسَبَتِ البَياضـا ∗∗∗ حَتّى غَدَتْ جُلُودُها بِضاضا

وكانَ أصْلُ اللَّوْنِ البَياضَ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى عِلَّةٍ ولِأنَّ التَّشْرِيحَ أثْبَتَ أنَّ ألْوانَ

صفحة ٧٥

لُحُومِ البَشَرِ الَّتِي تَحْتَ الطَّبَقَةِ الجِلْدِيَّةِ مُتَّحِدَةُ اللَّوْنِ. ومِنَ البَياضِ والسَّوادِ انْشَقَّتْ ألْوانُ قَبائِلِ البَشَرِ فَجاءَ مِنها اللَّوْنُ الأصْفَرُ واللَّوْنُ الأسْمَرُ واللَّوْنُ الأحْمَرُ، ومِنَ العُلَماءِ وهو (كُوقْيَيْ) جَعَلَ أُصُولَ ألْوانِ البَشَرِ ثَلاثَةً: الأبْيَضُ والأسْوَدُ والأصْفَرُ، وهو لَوْنُ أهْلِ الصِّينِ. ومِنهم مَن زادَ الأحْمَرَ وهو لَوْنُ سُكّانِ قارَّةِ أمْرِيكا الأصْلِيِّينَ المَدْعُوِّينَ هُنُودَ أمْرِيكا.واعْلَمْ أنَّ مِن مَجْمُوعِ اخْتِلافِ اللُّغاتِ واخْتِلافِ الألْوانِ تَمايَزَتِ الأجْذامُ البَشَرِيَّةُ واتَّحَدَتْ مُخْتَلِطاتُ أنْسابِها.

وقَدْ قَسَّمُوا أجْذامَ البَشَرِ الآنَ إلى ثَلاثَةِ أجْذامٍ أصْلِيَّةٍ وهي الجَذْمُ القُوقاسِيُّ الأبْيَضُ، والجَذْمُ المَغُولِيُّ الأصْفَرُ، والجَذْمُ الحَبَشِيُّ الأسْوَدُ، وفَرَّعُوها إلى ثَمانِيَةٍ وهي الأبْيَضُ، والأسْوَدُ، والحَبَشِيُّ، والأحْمَرُ، والأصْفَرُ، والسّامِيُّ، والهِنْدِيُّ، والمَلايِيُّ نِسْبَةً إلى بِلادِ (المَلايُو) .

وجَعَلَ ذَلِكَ آياتٍ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ لِما عُلِمَتْ مِن تَفاصِيلِ دَلائِلِهِ وعِلَلِهِ، أيْ آياتٍ لِجَمِيعِ النّاسِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] .

واللّامُ في قَوْلِهِ (لِلْعالَمِينَ) نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَها. وجَعَلَ ذَلِكَ آياتٍ لِلْعالَمِينَ لِأنَّهُ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ يُمَكِّنُهُمُ الشُّعُورَ بِآياتِهِ بِمُجَرَّدِ التِفاتِ الذِّهْنِ دُونَ إمْعانِ نَظَرٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِلْعالَمِينَ) بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ لِأُولِي العِلْمِ.

30:23Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣

And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.

﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ هَذِهِ آيَةٌ رابِعَةٌ وهي كائِنَةٌ في أعْراضٍ مِن أعْراضِ النّاسِ لا يَخْلُو عَنْها أحَدٌ مِن

صفحة ٧٦

أفْرادِهِمْ، إلّا أنَّها أعْراضٌ مُفارِقَةٌ غَيْرُ مُلازِمَةٍ فَكانَتْ دُونَ الأعْراضِ الَّتِي أُقِيمَتْ عَلَيْها الآيَةُ الثّالِثَةُ ولِذَلِكَ ذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَها.

وحالَةُ النَّوْمِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ مِن أحْوالِ الإنْسانِ والحَيَوانِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ في نِظامِ أعْصابِ دِماغِهِ قانُونًا يَسْتَرِدُّ بِهِ قُوَّةَ مَجْمُوعِهِ العَصَبِيِّ بَعْدَ أنْ يَعْتَرِيَهُ فَشَلُ الإعْياءِ مِن إعْمالِ عَقْلِهِ وجَسَدِهِ فَيَعْتَرِيَهُ شِبْهُ مَوْتٍ يُخَدِّرُ إدْراكَهُ ولا يُعَطِّلُ حَرَكاتِ أعْضائِهِ الرَّئِيسِيَّةَ ولَكِنَّهُ يُثَبِّطُها حَتّى يَبْلُغَ مِنَ الزَّمَنِ مِقْدارًا كافِيًا لِاسْتِرْجاعِ قُوَّتِهِ فَيُفِيقُ مِن نَوْمَتِهِ وتَعُودُ إلَيْهِ حَياتُهُ كامِلَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَنامُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلنَّوْمِ أوْ هو اسْمُ مَصْدَرٍ.

وقَوْلُهُ ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (﴿مَنامُكُمْ﴾) . والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى (في) فالنّاسُ يَنامُونَ بِاللَّيْلِ ومِنهم مَن يَنامُ بِالنَّهارِ في القائِلَةِ وبِخاصَّةٍ أهْلُ الأعْمالِ المُضْنِيَةِ إذا اسْتَراحُوا مِنها في مُنْتَصَفِ النَّهارِ خُصُوصًا في البِلادِ الحارَّةِ أوْ في فَصْلِ الحَرِّ.

والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللَّهِ: طَلَبُ الرِّزْقِ بِالعَمَلِ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ الرِّزْقُ، وجُعِلَ هَذا كِنايَةً عَنِ الهُبُوبِ إلى العَمَلِ لِأنَّ الِابْتِغاءَ يَسْتَلْزِمُ الهُبُوبَ مِنَ النَّوْمِ، وذَلِكَ آيَةٌ أُخْرى لِأنَّهُ نَشاطُ القُوَّةِ بَعْدَ أنْ خارَتْ وفَشِلَتْ. ولِكَوْنِ ابْتِغاءِ الرِّزْقِ مِن خَصائِصِ النَّهارِ أُطْلِقَ هُنا فَلَمْ يُقَيَّدْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ عَدَمَ تَقْيِيدِهِ بِمِثْلِ ما قَيَّدَ بِهِ مَنامُكم لِلِاسْتِغْناءِ بِدَلالَةِ القَيْدِ الَّذِي قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ: وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما. وقَدْ تَكَلَّفَ صاحِبُ الكَشّافِ فَجَعَلَ الكَلامَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ؛ عَلى أنَّ اللَّفَّ وقَعَ فِيهِ تَفْرِيقٌ، ووَجَّهَهُ مُحَشِّيهِ القَزْوِينِيُّ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ بِآيَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.

وقَدْ جُعِلَتْ دَلالاتُ المَنامِ والِابْتِغاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذَيْنِ حالَتانِ مُتَعاوِرَتانِ عَلى النّاسِ قَدِ اعْتادُوهُما فَقَلَّ مَن يَتَدَبَّرُ في دَلالَتِهِما عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى؛ فَمُعْظَمُ النّاسِ في حاجَةٍ إلى مَن يُوقِفُهم عَلى هَذِهِ الدَّلالَةِ ويُرْشِدُهم إلَيْها.

وثانِيهُما: أنَّ في ما يَسْمَعُهُ النّاسُ مِن أحْوالِ النَّوْمِ ما هو أشَدُّ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ

صفحة ٧٧

صُنْعِ اللَّهِ تَعالى مِمّا يَشْعُرُ بِهِ صاحِبُ النَّوْمِ مِن أحْوالِ نَوْمِهِ، لِأنَّ النّائِمَ لا يَعْرِفُ مِن نَوْمِهِ إلّا الِاسْتِعْدادَ لَهُ وإلّا أنَّهُ حِينَ يَهُبُّ مَن نَوْمِهِ يَعْلَمُ أنَّهُ كانَ نائِمًا؛ فَأمّا حالَةُ النّائِمِ في حِينِ نَوْمِهِ ومِقْدارُ تَنَبُّهِهِ لِمَن يُوقِظُهُ، وشُعُورُهُ بِالأصْواتِ الَّتِي تَقَعُ بِقُرْبِهِ، والأضْواءِ الَّتِي تَنْتَشِرُ عَلى بَصَرِهِ فَتُنَبِّهُهُ أوْ لا تُنَبِّهُهُ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَتَلَقّاهُ النّائِمُ إلّا بِطَرِيقِ الخَبَرِ مِنَ الَّذِينَ يَكُونُونَ أيْقاظًا في وقْتِ نَوْمِهِ. فَطَرِيقُ العِلْمِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ النّائِمِينَ واخْتِلافِها السَّمْعُ، وقَدْ يُشاهِدُ المَرْءُ حالَ نَوْمِ غَيْرِهِ إلّا أنَّ عِبْرَتَهُ بِنَوْمِهِ الخاصِّ بِهِ أشَدُّ، فَطَرِيقُ السَّمْعِ هو أعَمُّ الطُّرُقِ لِمَعْرِفَةِ تَفاصِيلِ أحْوالِ النَّوْمِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.

وأيْضًا لِأنَّ النَّوْمَ يَحُولُ دُونَ الشُّعُورِ بِالمَسْمُوعاتِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ قَبْلَ أنْ يَحُولَ دُونَ الشُّعُورِ بِالمُبْصَراتِ.

وأُجْرِيَتْ صِفَةُ يَسْمَعُونَ عَلى قَوْمٍ لِلْإيماءِ إلى أنَّ السَّمْعَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم حَتّى كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَجْهُ جَعْلِ ذَلِكَ آياتٍ لِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِن تَعَدُّدِ الدَّلالاتِ بِتَعَدُّدِ المُسْتَدِلِّينَ وتَوَلُّدِ دَقائِقِ تِلْكَ الآيَةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

ومَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ في مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] .

30:24Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤

And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.

﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ تِلْكَ آيَةٌ خامِسَةٌ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْسانِ ولَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ، فَإنَّ البَرْقَ آيَةٌ مِن آياتٍ صُنْعِ اللَّهِ وهو مَن خَلْقِ القُوى الكَهْرَبائِيَّةِ النُّورانِيَّةِ في الأسْحِبَةِ وجَعْلِها آثارًا مُشاهَدَةً، وكَمْ مِن قُوًى أمْثالِها مُنْبَثَّةٍ في العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ لا تُشاهَدُ آثارُها.

صفحة ٧٨

ومِنَ الحِكَمِ الإلَهِيَّةِ في كَوْنِ البَرْقِ مَرْئِيًّا أنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ في النُّفُوسِ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ اللَّهُ سَلَّطَهُ عِقابًا، وطَمَعًا في أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ خَيْرًا لِلنّاسِ فَيَطْمَعُونَ في نُزُولِ المَطَرِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فَإنَّ نُزُولَ المَطَرِ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ البَرْقِ.

وقَوْلُهُ مِن آياتِهِ جارٌّ ومَجْرُورٌ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ كَوْنٍ إنْ كانَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، أوْ إلى مُتَعَلَّقٍ إنْ كانَ ظَرْفًا لَغْوًا. ومُوقِعُ هَذا الجارِّ والمَجْرُورِ في هَذِهِ الآيَةِ وارِدٌ عَلى مِثْلِ مَواقِعِ أمْثالِهِ في الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ الشَّبِيهَةِ بِها، وذَلِكَ مِمّا يَدْعُو إلى اعْتِبارِ ما يُذْكَرُ بَعْدَ الجارِّ والمَجْرُورِ في مَعْنى مُبْتَدَأٍ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ حَمْلًا عَلى نَظائِرِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ومِن آياتِهِ إراءَتُهُ إيّاكُمُ البَرْقَ إلَخْ، فَلِذَلِكَ قالَ أيِمَّةُ النَّحْوِ: يَجُوزُ هُنا جَعْلُ الفِعْلِ المُضارِعِ بِمَعْنى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ وُجُودِ (أنْ) ولا تَقْدِيرِها، أيْ مِن غَيْرِ نَصْبِ المُضارِعِ بِتَقْدِيرِ (أنْ) مَحْذُوفَةٍ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ:

وقالُوا ما تَشاءُ فَقُلْتُ ألْهُو إلى الإصْباحِ آثَرُ ذِي آثارِ

وقَوْلَ طَرَفَةَ:

ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى

وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] بِرَفْعِ أعْبُدُ في مَشْهُورِ القِراءاتِ، وقَوْلَهم في المَثَلِ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، وقَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ «كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةً، وتُعِينُ الرَّجُلَ عَلى دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْها أوْ تَحْمِلُ عَلَيْها مَتاعَهُ صَدَقَةً» وقَوْلَهَ فِيهِ «وتُمِيطُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةً» رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

ومِن بَدِيعِ الِاسْتِعْمالِ تَفَنُّنُ هَذِهِ الآياتِ في التَّعْبِيرِ عَنْ مَعانِي المَصْدَرِ بِأنْواعِ صِيَغِهِ الوارِدَةِ في الِاسْتِعْمالِ، مِن تَعْبِيرٍ بِصِيغَةِ صَرِيحِ المَصْدَرِ تارَةً كَقَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الروم: ٢٢] وقَوْلِهِ ﴿وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] وبِالمَصْدَرِ الَّذِي يَنْسَبِكُ مِنِ اقْتِرانِ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ بِالفِعْلِ الماضِي ﴿أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الروم: ٢١] واقْتِرانِها بِالفِعْلِ المُضارِعِ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]

صفحة ٧٩

وبِاسِمِ المَصْدَرِ تارَةً ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الروم: ٢٣] ومَرَّةً بِالفِعْلِ المُجَرَّدِ المُئَوَّلِ بِالمَصْدَرِ ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ .

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المَجْرُورَ مُتَعَلِّقًا بِـ (يُرِيكم) وتَكُونُ مِنَ ابْتِدائِيَّةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ البَرْقِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ يُرِيكُمُ البَرْقَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الروم: ٢٣] إلَخْ فَيَكُونُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِأنَّ مَناطَ هَذِهِ الآيَةِ هو تَقْرِيرُ النّاسِ بِها إذْ هي غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِذَواتِهِمْ فَلَيْسَ حَظُّهم مِنها سِوى مُشاهَدَتِها والإقْرارِ بِأنَّها آيَةٌ بَيِّنَةٌ، فَهَذا التَّقْرِيرُ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] ولِيَتَأتّى عَطْفُ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ عَلَيْهِ لِأنَّهُ تَكْمِلَةٌ لِهَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. والمُرادُ: خَوْفًا تَخافُونَهُ وطَمَعًا تَطْمَعُونَهُ. فالمَصْدَرانِ مُئَوَّلانِ بِمَعْنى الإرادَةِ، أيْ إرادَةَ أنْ تَخافُوا خَوْفًا وتَطْمَعُوا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى البَرْقِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] في سُورَةِ الرَّعْدِ. وتَقَدَّمَ هُنالِكَ أنَّ خَوْفًا مَفْعُولٌ لَهُ وطَمَعًا كَذَلِكَ وتَوْجِيهُ ذَلِكَ.

وجُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ آياتٍ لِانْطِوائِها عَلى دَقائِقَ عَظِيمَةٍ في خَلْقِ القُوى الَّتِي هي أسْبابُ البَرْقِ ونُزُولِ المَطَرِ وخُرُوجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ جَفافِها ومَوْتِها. ونِيطَ الِانْتِفاعُ بِهَذِهِ الآياتِ بِأصْحابِ صِفَةِ العَقْلِ لِأنَّ العَقْلَ المُسْتَقِيمَ غَيْرَ المَشُوبِ بِعاهَةِ العِنادِ والمُكابَرَةِ كافٍ في فَهْمِ ما في تِلْكَ المَذْكُوراتِ مِنَ الدَّلائِلِ والحِكَمِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في نَظائِرِهِ آنِفًا.

وإجْراءُ (يَعْقِلُونَ) عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) لِلْإيماءِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا في مِثْلِهِ.

ومَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ (﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾) مِثْلَ مَعْنى أُخْتِها في قَوْلِهِ (﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]) .

30:25Page 407

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥

And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.

﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ خُتِمَتِ الآياتُ بِهَذِهِ الآيَةِ السّادِسَةِ وهي الَّتِي دَلَّتْ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ عَلى

صفحة ٨٠

حِفْظِ نِظامِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ بَعْدَ خَلْقِها؛ فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ تَقَدَّمَتْ، وبَقاءُ نِظامِهِما عَلى مَمَرِّ القُرُونِ آيَةٌ أُخْرى. ومَوْقِعُ العِبْرَةِ مِن هاتِهِ الآيَةِ هو أوَّلُها وهو أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ هَذا القِيامَ المُتْقَنَ بِأمْرِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ.

فَمَعْنى القِيامِ هُنا: البَقاءُ الكامِلُ الَّذِي يُشْبِهُ بَقاءَ القائِمِ غَيْرِ المُضْطَجِعِ وغَيْرِ القاعِدِ مِن قَوْلِهِمْ: قامَتِ السُّوقُ، إذا عَظُمَ فِيها البَيْعُ والشِّراءُ، وهَذا هو المُعَبَّرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] وقَوْلِهِ ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] .

والأمْرُ المُضافُ إلى اللَّهِ هو أمْرُهُ التَّكْوِينِيُّ وهو مَجْمُوعُ ما وضَعَهُ اللَّهُ مِن نِظامِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، ذَلِكَ النِّظامُ الحارِسُ لَهُما مِن تَطَرُّقِ الِاخْتِلالِ بِإيجادِ ذَلِكَ النِّظامِ.

وبِأمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ تَقُومُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.

وثُمَّ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ الِاحْتِراسُ عَمًّا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ مِن أبَدِيَّةِ وُجُودِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَأفادَتِ الجُمْلَةُ أنَّ هَذا النِّظامَ الأرْضِيَّ يَعْتَوِرُهُ الِاخْتِلالُ إذا أرادَ اللَّهُ انْقِضاءَ العالَمِ الأرْضِيِّ وإحْضارَ الخَلْقِ إلى الحَشْرِ تَسْجِيلًا عَلى المُشْرِكِينَ بِإثْباتِ البَعْثِ.

فَمَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ لَيْسَ مِن تَمامِ هَذِهِ الآيَةِ السّادِسَةِ ولَكِنَّهُ تَكْمِلَةٌ وإدْماجٌ مُوَجَّهٌ إلى مُنْكِرِي البَعْثِ.

وفِي مُتَعَلِّقِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الأرْضِ﴾) اضْطِرابٌ؛ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (دَعاكم) لِأنَّ دَعاكم لِما اشْتَمَلَ عَلى فاعِلٍ ومَفْعُولٍ فالمُتَعَلِّقُ بِالفِعْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن شُئُونِ الفاعِلِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن شُئُونِ المَفْعُولِ عَلى حَسَبِ القَرِينَةِ، كَما تَقُولُ: دَعَوْتُ فَلانًا مِن أعْلى الجَبَلِ فَنَزَلَ إلَيَّ، أيْ دَعْوَتُهُ وهو في أعْلى الجَبَلِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ خِلافُ الغالِبِ ولَكِنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ مَعَ التَّفَصِّي مِن أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَخْرُجُونَ) لِأنَّ ما بَعْدَ حَرْفِ المُفاجَأةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، عَلى أنَّ في هَذا المَنعِ نَظَرًا. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ

صفحة ٨١

بِـ (دَعْوَةً) لِعَدَمِ اشْتِمالِ المَصْدَرِ عَلى فاعِلٍ ومَفْعُولٍ، وهو وجِيهٌ وكَفاكَ بِذَوْقِ قائِلِهِ. وأقُولُ: قَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.

ومِن لِابْتِداءِ المَكانِ، والمَجْرُورُ ظَرْفُ لَغْوٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في دَعاكم فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَخْرُجُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ. وهَذا ذُكِرَ في مُغْنِي اللَّبِيبِ أنَّهُ حَكاهُ عَنْهم أبُو حاتِمٍ في كِتابِ الوَقْفِ، وهَذا أحْسَنُ وأبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ، وعَلَيْهِ فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ تَعْرِيضًا بِخَطَئِهِمْ إذْ أحالُوا أنْ يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ مِنَ الأرْضِ عَنْ بُعْدِ صَيْرُورَتِهِمْ فِيها في قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] وقَوْلِهِمْ ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] .

وأمّا قَضِيَّةُ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ عَلى (إذا) الفُجائِيَّةِ فَإذا سَلِمَ عَدَمُ جَوازِهِ فَإنَّ التَّوَسُّعَ في المَجْرُورِ والمَظْرُوفِ مِن حَدِيثِ البَحْرِ، فَمِنَ العَجَبِ كَيْفَ سَدَّ بابَ التَّوَسُّعِ فِيهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ في الجِهَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ.

وجِيءَ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ في قَوْلِهِ ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ لِإفادَةِ سُرْعَةِ خُرُوجِهِمْ إلى الحَشْرِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] .

وإذا الفُجائِيَّةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُبْتَدَأً. وجِيءَ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لِإفادَةِ التَّقَوِّي الحاصِلِ مِن تَحَمُّلِ الفِعْلِ ضَمِيرَ المُبْتَدَأِ فَكَأنَّهُ أُعِيدَ ذِكْرُهُ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ في ذَلِكَ الخُرُوجِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .

30:26Page 407

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦

And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.

﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أتْبَعَ ذِكْرَ إقامَةِ اللَّهِ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ كُلَّ العُقَلاءِ في

صفحة ٨٢

السَّماواتِ والأرْضِ عَبِيدٌ لِلَّهِ تَعالى فَيَكُونُ مِن مُكَمِّلاتِ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ فَعُطِفَتْ عَلَيْها هَذِهِ الجُمْلَةُ زِيادَةً لِبَيانِ مَعْنى إقامَتِهِ السَّماءَ والأرْضَ.

فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لامُ المُلْكِ، واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ لامُ التَّقْوِيَةِ، أيْ تَقْوِيَةِ تَعْدِيَةِ العامِلِ إلى مَعْمُولِهِ لِضَعْفِ العامِلِ بِكَوْنِهِ فَرْعًا في العَمَلِ، وبِتَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ.

وعَلَيْهِ تَكُونُ (مَن) صادِقَةً عَلى العُقَلاءِ كَما هو الغالِبُ في اسْتِعْمالِها.

وظاهِرُ مَعْنى القُنُوتِ امْتِثالُ الأمْرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ. وإذْ قَدْ كانَ في العُقَلاءِ عُصاةٌ كَثِيرُونَ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ القُنُوتِ بِاسْتِعْمالِهِ في الِامْتِثالِ لِأمْرِ التَّكْوِينِ، أوْ في الشَّهادَةِ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ بِدَلالَةِ الحالِ، وهَذا هو المَقْصُودُ هُنا لِأنَّ هَذا الكَلامَ أُورِدَ بَعْدَ ذِكْرِ الآياتِ السِّتِّ إيرادَ الفَذْلَكَةِ بِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ فَلا يَحْمِلُ قُنُوتَهم عَلى امْتِثالِهِمْ لِما يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أمْرِ التَّكْلِيفِ مُباشَرَةً أوْ بِواسِطَةٍ لِأنَّ المَخْلُوقاتِ مُتَفاوِتُونَ في الِامْتِثالِ لِلتَّكْلِيفِ؛ فالشَّيْطانُ أمْرَهُ اللَّهُ مُباشَرَةً بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَلَمْ يَمْتَثِلْ، وآدَمُ أمَرَهُ اللَّهُ مُباشَرَةً أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَأكَلَ مِنها؛ إلّا أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ ابْتِداءِ التَّكْلِيفِ.

والمَخْلُوقاتُ السَّماوِيَّةُ مُمْتَثِلُونَ لِأمْرِهِ ساعُونَ في مَرْضاتِهِ قالَ تَعالى: ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] . وأمّا المَخْلُوقاتُ الأرْضِيَّةُ العُقَلاءُ فَهم مَخْلُوقُونَ لِلطّاعَةِ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَزَيْغُ الزّائِغِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى انْحِرافٌ مِنهم عَنِ الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْها، وهم في انْحِرافِهِمْ مُتَفاوِتُونَ؛ فالضّالُّونَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ فَجَعَلُوا لَهُ أنْدادًا، والعُصاةُ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ تَوْحِيدِهِ، ولَكِنَّهم رُبَّما خالَفُوا بَعْضَ أوامِرِهِ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، هم في ذَلِكَ آخِذُونَ بِجانِبٍ مِنَ الإباقِ مُتَفاوِتُونَ فِيهِ.

فَجُمْلَةُ ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ تَكْمِلَةً

صفحة ٨٣

لِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] عَلى مَعْنى: ولَهُ يَوْمئِذٍ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ، فالقُنُوتُ بِمَعْنى الِامْتِثالِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو امْتِثالُ الخُضُوعِ لِأنَّ امْتِثالَ التَّكْلِيفِ قَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسَعُهم إلّا الخُضُوعُ فِيما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ مِن شَأْنِهِمْ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] .

والقُنُوتُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] في سُورَةِ النَّحْلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском