Ibn 'AshurAr‑Rum · 30:30–34

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:30–34

30:30Page 407

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠

So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.

﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

الفاءُ فَصِيحَةٌ. والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتَ أحْوالَ المُعْرِضِينَ عَنْ دَلائِلِ الحَقِّ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ.

والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ. والمَقْصُودُ: أنْ لا تَهْتَمَّ بِإعْراضِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]

صفحة ٨٩

أيْ مَن آمَنَ، وقَوْلِهِ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] .

فالمَعْنى: فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ والمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١] بِصِيغَةِ الجَمْعِ.

وإقامَةُ الوَجْهِ: تَقْوِيمُهُ وتَعْدِيلُهُ بِاتِّجاهِهِ قُبالَةَ نَظَرِهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا ولا شِمالًا. وهو تَمْثِيلٌ لِحالَةِ الإقْبالِ عَلى الشَّيْءِ والتَّمَحُّضِ لِلشُّغْلِ بِهِ بِحالِ قِصَرِ النَّظَرِ إلى صَوْبِ قُبالَتِهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] وقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] أيْ: أعْطَيْتُهُ لِلَّهِ، وذَلِكَ مَعْنى التَّمْحِيضِ لِعِبادَةِ اللَّهِ وأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى مَعْبُودٍ غَيْرِهِ.

والتَّعْرِيفُ في الدِّينِ لِلْعَهْدِ وهو دِينُهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ. وحَنِيفًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في فِعْلِ أقِمْ فَيَكُونُ حالًا لِلنَّبِيءِ ﷺ كَما كانَ وصْفًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وهَذا هو الأظْهَرُ في تَفْسِيرِهِ.

ويَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الدِّينِ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ الزَّجّاجُ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً بِتَشْبِيهِ الدِّينِ بِرَجُلٍ حَنِيفٍ في خُلُوِّهِ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ، فَيَكُونُ الحَنِيفُ تَمْثِيلِيَّةً وفي إثْباتِهِ لِلدِّينِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ.

وحَنِيفٌ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في الِاتِّصافِ بِالحَنَفِ وهو المَيْلُ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُ هَذا الوَصْفِ في المَيْلِ عَنِ الباطِلِ، أيِ العُدُولُ عَنْهُ بِالتَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ، أيْ عادِلًا ومُنْقَطِعًا عَنِ الشِّرْكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، وقَدْ مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفِطْرَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن حَنِيفًا بَدَلُ اشْتِمالٍ فَهو في مَعْنى الحالِ مِنَ الدِّينِ أيْضًا وهو حالٌ ثانِيَةٌ فَإنَّ الحالَ كالخَبَرِ تَتَعَدَّدُ بِدُونِ عَطْفٍ عَلى التَّحْقِيقِ عِنْدَ النُّحاةِ. وهَذا أحْسَنُ لِأنَّهُ أصْرَحُ في إفادَةِ أنَّ هَذا الدِّينَ مُخْتَصٌّ بِوَصْفَيْنِ هُما: التَّبَرُّؤُ مِنَ الإشْراكِ، ومُوافَقَتُهُ الفِطْرَةَ، فَيُفِيدُ أنَّهُ دِينٌ سَمْحٌ سَهْلٌ لا عَنَتَ فِيهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] أيِ الدِّينُ الَّذِي هو فِطْرَةُ اللَّهِ لِأنَّ

صفحة ٩٠

التَّوْحِيدَ هو الفِطْرَةُ، والإشْراكُ تَبْدِيلٌ لِلْفِطْرَةِ.

والفِطْرَةُ أصْلُهُ اسْمُ هَيْئَةٍ مِنَ الفَطْرِ وهو الخَلْقُ مِثْلَ الخِلْقَةِ كَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ أيْ: جَبَلَ النّاسَ وخَلَقَهم عَلَيْها، أيْ: مُتَمَكِّنِينَ مِنها.

فَحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ مُسْتَعارٌ لِتَمَكُّنِ مُلابَسَةِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ تَمَكُّنًا يُشْبِهُ تَمَكُّنَ المُعْتَلِي عَلى شَيْءٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وحَقِيقَةُ المَعْنى: الَّتِي فَطَرَ النّاسَ بِها.

ومَعْنى فَطَرَ النّاسَ عَلى الدِّينِ الحَنِيفِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ النّاسَ قابِلَيْنِ لِأحْكامِ هَذا الدِّينِ وجَعَلَ تَعالِيمَهُ مُناسِبَةً لِخِلْقَتِهِمْ غَيْرَ مُجافِيَةٍ لَها، غَيْرَ نائِينَ عَنْهُ ولا مُنْكِرِينَ لَهُ مِثْلَ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو الَّذِي يُساوِقُ العَقْلَ والنَّظَرَ الصَّحِيحَ حَتّى لَوْ تُرِكَ الإنْسانُ وتَفْكِيرُهُ ولَمْ يُلَقَّنِ اعْتِقادًا ضالًّا لاهْتَدى إلى التَّوْحِيدِ بِفِطْرَتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ (أيِ الفِطْرَةِ) أنَّها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ الَّتِي في نَفْسِ الإنْسانِ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ ومُهَيَّئَةٌ لِأنْ يُمَيِّزَ بِها مَصْنُوعاتِ اللَّهِ، ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى رَبِّهِ ويَعْرِفُ شَرائِعَهُ اهــ.

وإنْ لَمْ أرَ مَن أتْقَنَ الإفْصاحَ عَنْ مَعْنى كَوْنِ الإسْلامِ هو الفِطْرَةُ فَأُبَيِّنُهُ: بِأنَّ الفِطْرَةَ هي النِّظامُ الَّذِي أوْجَدَهُ اللَّهُ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، والفِطْرَةُ الَّتِي تَخُصُّ نَوْعَ الإنْسانِ هي ما خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ جَسَدًا وعَقْلًا، فَمَشْيُ الإنْسانِ بِرِجْلَيْهِ فِطْرَةٌ جَسَدِيَّةٌ، ومُحاوَلَتُهُ أنْ يَتَناوَلَ الأشْياءَ بِرِجْلَيْهِ خِلافَ الفِطْرَةِ الجَسَدِيَّةِ، واسْتِنْتاجُ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها والنَّتائِجِ مِن مُقَدِّماتِها فِطْرَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ومُحاوَلَةُ اسْتِنْتاجِ أمْرٍ مِن غَيْرِ سَبَبِهِ خِلافُ الفِطْرَةِ العَقْلِيَّةِ وهو المُسَمّى في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِفَسادِ الوَضْعِ، وجَزْمُنا بِأنَّ ما نُبْصِرُهُ مِنَ الأشْياءِ هو حَقائِقُ ثابِتَةٌ في الوُجُودِ ونَفْسُ الأمْرِ فِطْرَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وإنْكارُ السُّوفِسْطائِيَّةِ ثُبُوتَ المَحْسُوساتِ في نَفْسِ الأمْرِ خِلافَ الفِطْرَةِ العَقْلِيَّةِ.

وقَدْ بَيَّنَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا حَقِيقَةَ الفِطْرَةِ في كِتابِهِ النَّجاةِ فَقالَ: ( ومَعْنى الفِطْرَةِ أنْ يَتَوَهَّمَ الإنْسانُ نَفْسَهُ حَصَلَ في الدُّنْيا دَفْعَةً وهو عاقِلٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ رَأْيًا ولَمْ يَعْتَقِدْ مَذْهَبًا ولَمْ يُعاشِرْ أُمَّةً ولَمْ يَعْرِفْ سِياسَةً، ولَكِنَّهُ شاهَدَ المَحْسُوساتِ وأخَذَ مِنها

صفحة ٩١

الحالاتِ، ثُمَّ يَعْرِضُ عَلى ذِهْنِهِ شَيْئًا ويَتَشَكَّكُ فِيهِ فَإنْ أمْكَنَهُ الشَّكُّ فالفِطْرَةُ لا تَشْهَدُ بِهِ وإنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الشَّكُّ فَهو ما تُوجِبُهُ الفِطْرَةُ، ولَيْسَ كُلُّ ما تُوجِبُهُ فِطْرَةُ الإنْسانِ بِصادِقٍ إنَّما الصّادِقُ فِطْرَةُ القُوَّةِ الَّتِي تُسَمّى عَقْلًا، وأمّا فِطْرَةُ الذِّهْنِ بِالجُمْلَةِ فَرُبَّما كانَتْ كاذِبَةً، وإنَّما يَكُونُ هَذا الكَذِبُ في الأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً بِالذّاتِ بَلْ هي مَبادِئُ لِلْمَحْسُوساتِ. فالفِطْرَةُ الصّادِقَةُ هي مُقَدِّماتٌ وآراءٌ مَشْهُورَةٌ مَحْمُودَةٌ أوْجَبَ التَّصْدِيقَ بِها: إمّا شَهادَةُ الكُلِّ مِثْلَ: أنَّ العَدْلَ جَمِيلٌ، وإمّا شَهادَةُ الأكْثَرِ؛ وإمّا شَهادَةُ العُلَماءِ أوِ الأفاضِلِ مِنهم. ولَيْسَتِ الذّائِعاتُ مِن جِهَةِ ما هي ذائِعاتٌ مِمّا يَقَعُ التَّصْدِيقُ بِها في الفِطْرَةِ فَما كانَ مِنَ الذّائِعاتِ لَيْسَ بِأوَّلِيٍّ عَقْلِيٍّ ولا وهْمِيٍّ فَإنَّها غَيْرُ فِطْرِيَّةٍ، ولَكِنَّها مُتَقَرِّرَةٌ عِنْدَ الأنْفُسِ لِأنَّ العادَةَ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَيْها مُنْذُ الصِّبى ورُبَّما دَعا إلَيْها مَحَبَّةُ التَّسالُمِ والِاصْطِناعُ المُضْطَرُّ إلَيْهِما الإنْسانُ، أوْ شَيْءٌ مِنَ الأخْلاقِ الإنْسانِيَّةِ مِثْلَ الحَياءِ والِاسْتِئْناسِ أوِ الِاسْتِقْراءِ الكَثِيرِ، أوْ كَوْنِ القَوْلِ في نَفْسِهِ ذا شَرْطٍ دَقِيقٍ لِأنْ يَكُونَ حَقًّا صِرْفًا فَلا يُفْطَنُ لِذَلِكَ الشَّرْطِ ويُؤْخَذُ عَلى الإطْلاقِ. اهــ.

فَوَصْفُ الإسْلامِ بِأنَّهُ فِطْرَةُ اللَّهِ مَعْناهُ أنَّ أصْلَ الِاعْتِقادِ فِيهِ جارٍ عَلى مُقْتَضى الفِطْرَةِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا تَشْرِيعاتُهُ وتَفارِيعُهُ فَهي: إمّا أُمُورٌ فِطْرِيَّةٌ أيْضًا، أيْ جارِيَةٌ عَلى وفْقِ ما يُدْرِكُهُ العَقْلُ ويَشْهَدُ بِهِ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِصَلاحِهِ مِمّا لا يُنافِي فِطْرَتَهُ.

وقَوانِينُ المُعامَلاتِ فِيهِ هي راجِعَةٌ إلى ما تَشْهَدُ بِهِ الفِطْرَةُ لِأنَّ طَلَبَ المَصالِحِ مِنَ الفِطْرَةِ. وتَفْصِيلُ ذَلِكَ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ وقَدْ بَيَّنْتُهُ في كِتابِي المُسَمّى (مَقاصِدُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ) .

واعْلَمْ أنَّ شَواهِدَ الفِطْرَةِ قَدْ تَكُونُ واضِحَةً بَيِّنَةً وقَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ ابْنِ سِينا، فَإذا خَفِيَتِ المَعانِي الفِطْرِيَّةُ أوِ التَبَسَتْ بِغَيْرِها فالمُضْطَلِعُونَ بِتَمْيِيزِها وكَشْفِها هُمُ العُلَماءُ الحُكَماءُ الَّذِينَ تَمَرَّسُوا بِحَقائِقِ الأشْياءِ

صفحة ٩٢

والتَّفْرِيقِ بَيْنَ مُتَشابِهاتِها، وسَبَرُوا أحْوالَ البَشَرِ، وتَعَرَّضَتْ أفْهامُهم زَمانًا لِتَصارِيفِ الشَّرِيعَةِ، وتَوَسَّمُوا مَرامِيها، وغاياتِها وعَصَمُوا أنْفُسَهم بِوازِعِ الحَقِّ عَنْ أنْ يَمِيلُوا مَعَ الأهْواءِ.

إنَّ المُجْتَمَعَ الإنْسانِيَّ قَدْ مُنِيَ عُصُورًا طَوِيلَةً بِأوْهامٍ وعَوائِدَ ومَأْلُوفاتٍ أدْخَلَها عَلَيْهِ أهْلُ التَّضْلِيلِ، فاخْتَلَطَتْ عِنْدَهُ بِالعُلُومِ الحَقِّ فَتَقاوَلَ النّاسُ عَلَيْها وارْتاضُوا عَلى قَبُولِها، فالتَصَقَتْ بِعُقُولِهِمِ التِصاقَ العَنْكَبُوتِ بِبَيْتِهِ، فَتِلْكَ يُخافُ مِنها أنْ تُتْلَقّى بِالتَّسْلِيمِ عَلى مُرُورِ العُصُورِ فَيَعْسُرُ إقْلاعُهم عَنْها وإدْراكُهم ما فِيها مِن تَحْرِيفٍ عَنِ الحَقِّ، فَلَيْسَ لِتَمْيِيزِها إلّا أهْلُ الرُّسُوخِ أصْحابُ العُلُومِ الصَّحِيحَةِ الَّذِينَ ضَرَبُوا في الوُصُولِ إلى الحَقائِقِ كُلَّ سَبِيلٍ، واسْتَوْضَحُوا خَطِيرَها وسَلِيمَها فَكانُوا لِلسّابِلَةِ خَيْرَ دَلِيلٍ.

وكَوْنُ الإسْلامِ هو الفِطْرَةُ، ومُلازَمَةُ أحْكامِهِ لِمُقْتَضَياتِ الفِطْرَةِ صِفَةٌ اخْتَصَّ بِها الإسْلامُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأدْيانِ في تَفارِيعِهِ أمّا أُصُولُهُ فاشْتَرَكَتْ فِيها الأدْيانُ الإلَهِيَّةُ، وهَذا ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ . فالإسْلامُ عامٌّ خالِدٌ مُناسِبٌ لِجَمِيعِ العُصُورِ وصالِحٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ، ولا يَسْتَتِبُّ ذَلِكَ إلّا إذا بُنِيَتْ أحْكامُهُ عَلى أُصُولِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ لِيَكُونَ صالِحًا لِلنّاسِ كافَّةً ولِلْعُصُورِ عامَّةً وقَدِ اقْتَضى وصْفُ الفِطْرَةِ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ سَمْحًا يُسْرًا لِأنَّ السَّماحَةَ واليُسْرَ مُبْتَغى الفِطْرَةِ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ بَيانٌ لِمَعْنى الإضافَةِ في قَوْلِهِ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ النّاسَ سالِمَةٌ عُقُولُهم مِمّا يُنافِي الفِطْرَةَ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعاداتِ الذَّمِيمَةِ وأنَّ ما يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّلالاتِ ما هو إلّا مِن جَرّاءِ التَّلَقِّي والتَّعَوُّدِ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «يُولَدُ الوَلَدُ عَلى الفِطْرَةِ ثُمَّ يَكُونُ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ» أيْ كَما تُولَدُ البَهِيمَةُ مِن إبِلٍ أوْ بَقَرٍ أوْ غَنَمٍ كامِلَةً جَمْعاءَ أيْ: بِذَيْلِها، أيْ تُوَلَدُ كامِلَةً ويَعْمِدُ بَعْضُ النّاسِ إلى قَطْعِ ذَيْلِها وجَدْعِهِ وهي الجَدْعاءُ، و(تُحِسُّونَ) تُدْرِكُونَ بِالحِسِّ، أيْ: حاسَّةِ البَصَرِ.

فَجَعَلَ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ مُخالِفَةً الفِطْرَةَ، أيْ: في تَفارِيعِها.

صفحة ٩٣

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم (أيْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ) وأنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطِينُ فَأجالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم وأمَرَتْهم أنْ يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا» الحَدِيثَ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى فِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها فَهي جارِيَةٌ مَجْرى حالٍ ثالِثَةٍ مِنَ الدِّينِ عَلى تَقْدِيرِ رابِطٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ فِيهِ، أيْ في هَذا الدِّينِ، فَهو كَقَوْلِهِ في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ في قَوْلِ الرّابِعَةِ (زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرَّ ولا قَرَّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ) أيْ: في ذَلِكَ اللَّيْلِ.

فَمَعْنى ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ الدِّينُ الحَنِيفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَبْدِيلٌ لِخَلْقِ اللَّهِ خِلافَ دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ، قالَ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضَةً لِإفادَةِ النَّهْيِ عَنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ فِيما أوْدَعَهُ الفِطْرَةَ. فَتَكُونُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى النَّهْيِ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ كَقَوْلِهِ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم.

فَنَفْيُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ جِنْسٌ مِنَ التَّبْدِيلِ خاصٌّ بِالوَصْفِ لا نَفْيَ وُقُوعِ جِنْسِ التَّبْدِيلِ فَهو مِنَ العامِ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ.

واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ هَذا الدِّينِ مَعَ تَعْظِيمِهِ.

والقَيِّمُ: وصْفٌ بِوَزْنِ فَيْعِلٍ مِثْلَ هَيِّنٍ ولَيِّنٍ يُفِيدُ قُوَّةَ الِاتِّصافِ بِمَصْدَرِهِ، أيِ البالِغُ قُوَّةَ القِيامِ مِثْلَ اسْتَقامَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في قامَ كاسْتَجابَ.

والقِيامُ: حَقِيقَتُهُ الِانْتِصابُ ضِدَّ القُعُودِ والِاضْطِجاعِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى انْتِفاءِ الِاعْوِجاجِ يُقالُ: عُودٌ مُسْتَقِيمٌ وقَيِّمٌ، فَإطْلاقُ القَيِّمِ عَلى الدِّينِ تَشْبِيهُ انْتِفاءِ الخَطَأِ عَنْهُ بِاسْتِقامَةِ العُودِ وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] وقالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] في سُورَةِ بَراءَةَ.

صفحة ٩٤

ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الرِّعايَةِ والمُراقَبَةِ والكَفالَةِ بِالشَّيْءِ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ القِيامَ والتَّعَهُّدَ قالَ تَعالى ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، ومِنهُ قُلْنا لِراعِي التَّلامِذَةِ ومُراقِبِ أحْوالِهِمْ: قَيَّمٌ. ويُطْلَقُ القَيِّمُ عَلى المُهَيْمِنِ والحافِظِ.

والمَعانِي كُلُّها صالِحَةٌ لِلْحَمْلِ عَلَيْها هُنا، فَإنَّ هَذا الكُتّابَ مَعْصُومٌ عَنِ الخَطَأِ ومُتَكَفِّلٌ بِمَصالِحِ النّاسِ وشاهِدٌ عَلى الكُتُبِ السّالِفَةِ تَصْحِيحًا ونَسْخًا قالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وتَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ الكَهْفِ. فَهَذا الدِّينُ بِهِ قِوامُ أمْرِ الأُمَّةِ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: (يا مُعاذُ ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ ؟ قالَ: الإخْلاصُ وهو الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها، والصَّلاةُ وهي الدِّينُ، والطّاعَةُ وهي العِصْمَةُ، فَقالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ) يُرِيدُ مُعاذٌ بِالإخْلاصِ التَّوْحِيدَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥] .

والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ واهِمٍ يَقُولُ: إذا كانَ فاسْتُدْرِكَ ذَلِكَ بِأنَّهم جُهّالٌ لا عِلْمَ عِنْدَهم فَإنْ كانَ قَدْ بَلَغَهم فَإنَّهم جَهِلُوا مَعانِيَهُ لِإعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ ولا يَعْلَمُونَ مِنهُ إلّا ما لا يُفِيدُهم مُهِمُّهم لِأنَّهم لَمْ يَسْعَوْا في أنْ يَبْلُغَهم عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ؛ فَفِعْلُ لا يَعْلَمُونَ غَيْرُ مُتَطَلَّبٍ مَفْعُولًا بَلْ هو مَنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّ المَعْنى لا عِلْمَ عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في نَظِيرِهِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

والمُرادُ بِـ ”أكْثَرِ النّاسِ“ المُشْرِكُونَ إذْ أعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ، وأهْلُ الكِتابِ إذْ أبَوُا اتِّباعَ الرَّسُولِ ﷺ ومُفارَقَةَ أدْيانِهِمْ بَعْدَ إبْطالِها لِانْتِهاءِ صَلاحِيَّةِ تَفارِيعِها بِانْقِضاءِ الأحْوالِ الَّتِي شَرَعَتْ لَها انْقِضاءً لا مَطْمَعَ بَعْدَهُ لِأنْ تَعُودَ.

ومُقابِلُ أكْثَرِ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وشِرْذِمَةٌ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ عَلِمُوا أحَقِّيَّةَ الإسْلامِ وبَقُوا عَلى أدْيانِهِمْ عِنادًا: فَهم يَعْلَمُونَ ويُكابِرُونَ، أوْ تَحَيُّرًا: فَهم في شَكٍّ بَيْنَ عِلْمٍ وجَهْلٍ.

30:31–32Page 407

۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١

[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh

مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢

[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1

صفحة ٩٥

﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

مُنِيبِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ فَأقِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الخِطابَ المُوَجَّهَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُرادٌ مِنهُ نَفْسُهُ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ كَما تَقَدَّمَ.

والمُنِيبُ: المُلازِمُ لِلطّاعَةِ. ويَظْهَرُ أنَّ مَعْنى أنابَ صارَ ذا نَوْبَةٍ، أيْ ذا رُجُوعٍ مُتَكَرِّرٍ وأنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ، والنَّوْبَةُ: حِصَّةٌ مِن عَمَلٍ يَتَوَزَّعُهُ عَدَدٌ مِنَ النّاسِ. وأصْلُها: فَعْلَةٌ بِصِيغَةِ المَرَّةِ لِأنَّها مَرَّةٌ مِنَ النَّوْبِ وهو قِيامُ أحَدٍ مَقامَ غَيْرِهِ، ومِنهُ النِّيابَةُ، ويُقالُ: تَناوَبُوا عَمَلَ كَذا. وفي حَدِيثِ عُمَرَ («كُنْتُ أنا وجارٍ لِي مِنَ الأنْصارِ نَتَناوَبُ النُّزُولَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وأنْزِلُ يَوْمًا» ) الحَدِيثَ، فَإطْلاقُ المُنِيبِ عَلى المُطِيعِ اسْتِعارَةٌ لِتَعَهُّدِ الطّاعَةِ تَعَهُّدًا مُتَكَرِّرًا، وجُعِلَتْ تِلْكَ الِاسْتِعارَةُ كِنايَةً عَنْ مُواصَلَةِ الطّاعَةِ ومُلازَمَتِها قالَ تَعالى ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ.

وفُسِّرَتِ الإنابَةُ أيْضًا بِالتَّوْبَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ نابَ مُرادِفُ تابَ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ المُوالِيَةِ ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] . والأمْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ.

والَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا: هُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا عِدَّةَ آلِهَةٍ. وإنَّما كُرِّرَتْ مَنِ التَّبْعِيضِيَّةُ لِاعْتِبارِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهم بَدَلًا مِنَ المُشْرِكِينَ بَدَلًا مُطابِقًا أوْ بَيانًا، فَإظْهارُ حَرْفِ الجَرِّ ثانِيَةً مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالبَدَلِيَّةِ تَأْكِيدٌ بِإظْهارِ العامِلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] وشَأْنُ البَدَلِ والبَيانِ أنْ يَجُوزَ مَعَهُما إظْهارُ العامِلِ المُقَدَّرِ فَيَخْرُجانِ عَنْ إعْرابِ التَّوابِعِ إلى الإعْرابِ المُسْتَقِلِّ ويَكُونانِ في المَعْنى بَدَلًا أوْ بَيانًا ولِهَذا قالَ النُّحاةُ: إنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تِكْرارِ العامِلِ. وقالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ البَدَلَ مُعْرَبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ، ومِثْلُهُ البَيانُ وهُما سِيّانِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٩٦

وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَرَّقُوا) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فارَقُوا دِينَهم) بِألِفٍ بَعْدَ الفاءِ فالمُرادُ بِالدِّينِ دِينُ الإسْلامِ. ومَعْنى مُفارَقَتِهِمْ إيّاهُ ابْتِعادُهم مِنهُ، فاسْتُعِيرَتِ المُفارَقَةُ لِلنَّبْذِ إذْ كانَ الإسْلامُ هو الدِّينُ الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّاسَ فَلَمّا لَمْ يَتْبَعُوهُ جَعَلَ إعْراضَهَمْ عَنْهُ كالمُفارَقَةِ لِشَيْءٍ كانَ مُجْتَمِعًا مَعَهُ، ولَيْسَ المُرادُ الِارْتِدادَ عَنِ الإسْلامِ.

والشِّيَعُ: جَمْعُ شِيعَةٍ وهي الجَماعَةُ الَّتِي تُشايِعُ، أيْ تُوافِقُ رَأْيًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] في سُورَةِ مَرْيَمَ.

والحِزْبُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ رَأْيُهم ونَزْعَتُهم واحِدَةٌ. وما لَدَيْهِمْ هو ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. والفَرَحُ: الرِّضا والِابْتِهاجُ. وهَذِهِ حالَةٌ ذَمِيمَةٌ مِن أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ يُرادُ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها، فَإذا اخْتَلَفُوا في أُمُورِ الدِّينِ الِاخْتِلافَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اخْتِلافُ الِاجْتِهادِ أوِ اخْتَلَفُوا في الآراءِ والسِّياساتِ لِاخْتِلافِ العَوائِدِ فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَجُرَّهم ذَلِكَ الِاخْتِلافُ إلى أنْ يَكُونُوا شِيَعًا مُتَعادِينَ مُتَفَرِّقِينَ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُذِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ. وتَقَدَّمَ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.

30:33–34Page 408

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣

And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤

So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.

﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢] أيْ فَرَّقُوا دَيْنَهم وكانُوا شِيَعًا، وإذا مَسَّهم ضُرٌّ فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ فَرَحِمَهم عادُوا إلى شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ نِعْمَةَ الَّذِي رَحِمَهم، فالمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَمَحَلُّ انْتِظامِهِ في مَذامِّ المُشْرِكِينَ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الكُفْرِ، بِخِلافِ حالِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم أذاقَهُمُ اللَّهُ رَحْمَةً بَعْدَ ضُرٍّ شَكَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ وذَلِكَ مِن إنابَتِهِمْ إلى اللَّهِ.

ونُسِجَ الكَلامُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ لِيَكُونَ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ بِما في لَفْظِ

صفحة ٩٧

النّاسِ مِنَ العُمُومِ وإدْماجًا لِفَضِيلَةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَكْفُرُونَ نِعْمَةَ الرَّحِيمِ. فالتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلِاسْتِغْراقِ.

والضُّرُّ، بِضَمِّ الضّادِ: سُوءُ الحالِ في البَدَنِ أوِ العَيْشِ أوِ المالِ، وهَذا نَحْوَ ما أصابَ قُرَيْشًا مِنَ الشِّدَّةِ والقَحْطِ حَتّى كانُوا يُرَوْنَ في الجَوِّ مِثْلَ الدُّخّانِ مِن شِدَّةِ الجَفافِ، وحَتّى أكَلُوا العِظامَ والمَيْتَةَ، وقَدْ أصابَ ذَلِكَ مُشْرِكِيهِمْ ومُؤْمِنِيهِمْ وكانَتْ شِدَّتُهُ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم كانُوا في رَفاهِيَةٍ، فالشِّدَّةُ أقْوى عَلَيْهِمْ. فَأرْسَلُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِكَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم فَدَعا فَأُمْطِرُوا فَعادُوا إلى تَرَفِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] الآياتِ، فَدُعاؤُهم رَبَّهم يَشْمَلُ طَلَبَهم أنْ يَدْعُوَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ . ومُنِيبِينَ حالٌ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ أيِ اسْتَوُوا في الإنابَةِ إلَيْهِ أيْ راجِعِينَ إلَيْهِ بَعْدُ، واشْتَغَلَ المُشْرِكُونَ عَنْهُ بِدُعاءِ الأصْنامِ، قالَ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . وتَقَدَّمَ مُنِيبِينَ آنِفًا.

والمَسُّ: مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ. وحَقِيقَةٌ: المَسُ أنَّهُ وضْعُ اليَدِ عَلى شَيْءٍ لِيَعْرِفَ وُجُودَهُ أوْ يَخْتَبِرَ حالَهَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] في العُقُودِ.

واخْتِيرَ هُنا لِما يَسْتَلْزِمُهُ مِن خِفَّةِ الإصابَةِ، أيْ يَدْعُونَ اللَّهَ إذا أصابَهم خَفِيفُ ضُرٍّ بَلْهَ الضُّرِّ الشَّدِيدِ.

والإذاقَةُ: مُسْتَعارَةٌ لِلْإصابَةِ أيْضًا، وحَقِيقَتُها: إصابَةُ المَطْعُومِ بِطَرَفِ اللِّسانِ وهي أضْعَفُ إصاباتِ الأعْضاءِ لِلْأجْسامِ فَهي أقَلُّ مِنَ المَضْغِ والبَلْعِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ، و﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ [يونس: ٢١] في سُورَةِ يُونُسَ.

واخْتِيرَ فِعْلُ الإذاقَةِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن إسْراعِهِمْ إلى الإشْراكِ عِنْدَ ابْتِداءِ إصابَةِ الرَّحْمَةِ لَهم.

والرَّحْمَةُ: تَخْلِيصُهم مِنَ الشِّدَّةِ.

صفحة ٩٨

وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ إشْراكَهم بِاللَّهِ بَعْدَ الدُّعاءِ والإنابَةِ وحُصُولِ رَحْمَتِهِ أعْجَبُ مِن إشْراكِهِمُ السّابِقِ، فَفي التَّراخِي الرُّتْبِيِّ مَعْنى التَّعْجِيبِ مِن تَجَدُّدِ إشْراكِهِمْ، وحَرْفُ المُفاجَأةِ إذا يُفِيدُ أيْضًا أنَّ هَذا الفَرِيقَ أسْرَعُوا العَوْدَةَ إلى الشِّرْكِ بِحِدْثانِ ذَوْقِ الرَّحْمَةِ لِتَأصُّلِ الكُفْرِ مِنهم وكُمُونِهِ في نُفُوسِهِمْ.

وضَمِيرُ مِنهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أصابَهم) . و”رَحْمَةٌ“ فاعِلُ أصابَهم ولَمْ يُؤَنِّثْ لَها الفِعْلُ لِأنَّ تَأْنِيثَ مُسَمّى الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِأجِلِّ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيُظْهِرَ أنَّ الَّذِي أصابَهم هو مِن فَضْلِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ لا غَيْرَ ذَلِكَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لِيَكْفُرُوا لامُ التَّعْلِيلِ وهي مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى التَّسَبُّبِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُفادَ بِالفاءِ لِأنَّهم لَمّا أشْرَكُوا لَمْ يُرِيدُوا بِشِرْكِهِمْ أنْ يَجْعَلُوهُ عِلَّةً لِلْكُفْرِ بِالنِّعْمَةِ ولَكِنَّهم أشْرَكُوا مَحَبَّةً لِلشِّرْكِ فَكانَ الشِّرْكُ مُفْضِيًا إلى كُفْرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ خَشْيَةَ الإفْضاءِ والتَّسَبُّبِ بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . وضَمِيرُ (لِيَكْفُرُوا) عائِدٌ إلى الفَرِيقِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ.

والإيتاءُ: إعْطاءُ النّافِعِ، أيْ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي هي نِعْمَةُ الإيجادِ والرِّزْقِ وكَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم.

ثُمَّ التَفَتَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ بِقَوْلِهِ فَتَمَتَّعُوا تَوْبِيخًا لَهم وإنْذارًا، وجِيءَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ فَتَمَتَّعُوا لِأنَّ الإنْذارَ والتَّوْبِيخَ مُفَرَّعانِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ.

والأمْرُ في تَمَتَّعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ.

والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمُلائِمِ وبِالنِّعْمَةِ مُدَّةً تَنْقَضِي.

والفاءُ في (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) تَفْرِيعٌ لِلْإنْذارِ عَلى التَّوْبِيخِ، وهو رَشِيقٌ.

و(سَوْفَ) تَعْلَمُونَ إنْذارٌ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ في المُسْتَقْبَلِ شَيْئًا عَظِيمًا، والعِلْمُ كِنايَةٌ عَنْ حُصُولِ الأمْرِ الَّذِي يُعْلَمُ، أيْ عَنْ حُلُولِ مَصائِبَ بِهِمْ لا يَعْلَمُونَ كُنْهَها الآنَ، وهو إيماءٌ إلى عَظَمَتِها وأنَّها غَيْرُ مُتَرَقَّبَةٍ لَهم. وهَذا إشارَةٌ إلى ما سَيُصابُونَ بِهِ

صفحة ٩٩

يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الِاسْتِئْصالِ والخِزْيِ وهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابٍ مِن جِنْسِ ما عَذَّبَ بِهِ الأُمَمَ الماضِيَةَ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ، وكانَتِ الغايَةُ واحِدَةً؛ فَإنَّ إصابَتَهم بِعَذابِ سُيُوفِ المُسْلِمِينَ أبْلَغُ في كَوْنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ مُباشَرَةً، وأظْهَرُ في إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ مِن عَذابٍ لا يُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا خاصَّةً وذَلِكَ هو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . والبَطْشَةُ الكُبْرى: بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском