Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:41–46
30:41Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
صفحة ١٠٩
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ ومَعْناها صالِحٌ لِعِدَّةِ وُجُوهٍ مِنَ المَوْعِظَةِ، وهي مِن جَوامِعِ كَلِمِ القُرْآنِ. والمَقْصِدُ مِنها هو المَوْعِظَةُ بِالحَوادِثِ ماضِيها وحاضِرِها لِلْإقْلاعِ عَنِ الإشْراكِ وعَنْ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ فَأمّا مَوْقِعُها فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ قَبْلَها ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٤٤] الآياتِ، فَلَمّا طُولِبُوا بِالإقْرارِ عَلى ما رَأوْهُ مِن آثارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، أوْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ النَّظَرِ في تِلْكَ الآثارِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِما أدّى إلَيْهِ طَرِيقُ المَوْعِظَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] ومِن ذِكْرِ الإنْذارِ بِعَذابِ الآخِرَةِ، والتَّذْكِيرِ بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ ونِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وتَفْرِيعِ اسْتِحْقاقِهِ تَعالى الشُّكْرَ لِذاتِهِ ولِأجْلِ إنْعامِهِ اسْتِحْقاقًا مُسْتَقِرًّا إدْراكُهُ في الفِطْرَةِ البَشَرِيَّةِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الإرْشادِ والمَوْعِظَةِ، عادَ الكَلامُ إلى التَّذْكِيرِ بِأنَّ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ المَصائِبِ ما كانَ إلّا بِما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ، أيْ بِأعْمالِهِمْ، فَيُوشِكُ أنْ يَحِلَّ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ بِالمُخاطَبِينَ الَّذِينَ كَسَبَتْ أيْدِيهم مِثْلَ ما كَسَبَتْ أيْدِي أُولَئِكَ.
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِن مَجْمُوعِ الِاسْتِدْلالِ أوْ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ عَنْ سَبَبِ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ الأُمَمِ.
ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ الآيَةُ مَوْقِعَ التَّكْمِلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] الآيَةَ، فَهي خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ عَلى ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ المُخاطَبِينَ مِن ضُرٍّ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيُقْلِعُوا عَنْهُ خَشْيَةَ أنْ يُحِيطَ بِهِمْ ما هو أشَدُّ مِنهُ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ. فالإتْيانُ بِلَفْظِ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ إيضاحِ المَقْصُودِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ”بِما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ“ . فالآيَةُ تُشِيرُ إلى مَصائِبَ نَزَلَتْ بِبِلادِ المُشْرِكِينَ وعَطَّلَتْ مَنافِعَها، ولَعَلَّها مِمّا نَشَأ عَنِ الحَرْبِ بَيْنَ الرُّومِ وفارِسَ، وكانَ العَرَبُ مُنْقَسِمِينَ بَيْنَ أنْصارِ هَؤُلاءِ وأنْصارِ أُولَئِكَ، فَكانَ مِن جَرّاءَ ذَلِكَ أنِ انْقَطَعَتْ سُبُلَ الأسْفارِ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَعَطَّلَتِ التِّجارَةُ وقَلَّتِ
صفحة ١١٠
الأقْواتُ بِمَكَّةَ والحِجازِ كَما يَقْتَضِيهِ سَوْقُ هَذِهِ المَوْعِظَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِـ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] .
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِسَبَبِ مَسِّ الضُّرِّ إيّاهم حَتّى لَجَئُوا إلى الضَّراعَةِ إلى اللَّهِ، وما بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ [الروم: ٣٣] إلى آخِرِهِ اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ تَخَلَّلَ في الِاعْتِراضِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعُها مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ بَيْنَ ذِكْرِ ابْتِهالِ النّاسِ إلى اللَّهِ إذا أحاطَ بِهِمْ ضُرٌّ ثُمَّ إعْراضُهم عَنْ عِبادَتِهِ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً وبَيْنَ ذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ اعْتِراضًا يُنْبِئُ أنَّ الفَسادَ الَّذِي يَظْهَرُ في العالَمِ ما هو إلّا مِن جَرّاءَ اكْتِسابِ النّاسِ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا لَكانَ حالُهم عَلى صَلاحٍ.
والفَسادُ: سُوءُ الحالِ، وهو ضِدُّ الصَّلاحِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَلى أنَّهُ سُوءُ الأحْوالِ في ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مِن خَيْراتِ الأرْضِ بَرِّها وبَحْرِها.
ثُمَّ التَّعْرِيفُ في الفَسادِ: إمّا أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ لِفَسادٍ مَعْهُودٍ لَدى المُخاطَبِينَ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ الشّامِلِ لِكُلِّ فَسادٍ ظَهَرَ في الأرْضِ بَرِّها وبَحْرِها أنَّهُ فَسادٌ في أحْوالِ البَرِّ والبَحْرِ، لا في أعْمالِ النّاسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ .
وفَسادُ البَرِّ يَكُونُ بِفِقْدانِ مَنافِعِهِ وحُدُوثِ مَضارِّهِ، مِثْلَ حَبْسِ الأقْواتِ مِنَ الزَّرْعِ والثِّمارِ والكَلَأِ، وفي مَوَتانِ الحَيَوانِ المُنْتَفَعِ بِهِ، وفي انْتِقالِ الوُحُوشِ الَّتِي تُصادُ مِن جَرّاءَ قَحْطِ الأرْضِ إلى أرَضِينَ أُخْرى، وفي حُدُوثِ الجَوائِحِ مِن جَرادٍ وحَشَراتٍ وأمْراضٍ.
وفَسادُ البَحْرِ كَذَلِكَ يَظْهَرُ في تَعْطِيلِ مَنافِعِهِ مِن قِلَّةِ الحِيتانِ واللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ (فَقَدْ كانا مِن أعْظَمِ مَوارِدِ بِلادِ العَرَبِ) وكَثْرَةِ الزَّوابِعِ الحائِلَةِ عَنِ الأسْفارِ في البَحْرِ، ونُضُوبِ مِياهِ الأنْهارِ وانْحِباسِ فَيَضانِها الَّذِي بِهِ يَسْتَقِي النّاسَ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالبَرِّ البَوادِي وأهْلُ الغُمُورِ وبِالبَحْرِ المُدُنُ والقُرى، وهو عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقالَ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأمْصارَ بَحْرًا. قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ: (ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ)
صفحة ١١١
يَعْنِي بِالبَحْرَةِ مَدِينَةَ يَثْرِبَ وفِيهِ بُعْدٌ.
وكَأنَّ الَّذِي دَعا إلى سُلُوكِ هَذا الوَجْهِ في إطْلاقِ البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهُ حَدَثَ اخْتِلالٌ في سَيْرِ النّاسِ في البَحْرِ وقِلَّةٌ فِيما يَخْرُجُ مِنهُ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ السَّيْرِ أنْ قُرَيْشًا أُصِيبُوا بِقَحْطٍ وأكَلُوا المَيْتَةَ والعِظامَ، ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهم تَعَطَّلَتْ أسْفارُهم في البَحْرِ ولا انْقَطَعَتْ عَنْهم حِيتانُ البَحْرِ، عَلى أنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَ بِالِاقْتِياتِ مِنَ الحِيتانِ.
وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ لِلْعِوَضِ، أيْ جَزاءً لَهم بِأعْمالِهِمْ، كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى ”وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم“ ويَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ لِيُذِيقَهم عَلى حَقِيقَةِ مَعْنى التَّعْلِيلِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَسادِ الشِّرْكَ قالَهُ قَتادَةُ والسَّدِّيُّ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] إلى قَوْلِهِ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] فَتَكُونُ الجُمْلَةُ إتْمامًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ العالَمَ سالِمًا مِنَ الإشْراكِ، وأنَّ الإشْراكَ ظَهَرَ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ مِن صَنِيعِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم، وأنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطِينُ فَأجالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وأمَرَتْهم أنْ يُشْرِكُوا بِي» الحَدِيثَ.
فَذَكَرَ البَرَّ والبَحْرَ لِتَعْمِيمِ الجِهاتِ بِمَعْنى: ظَهَرَ الفَسادُ في جَمِيعِ الأقْطارِ الواقِعَةِ في البَرِّ والواقِعَةِ في الجَزائِرِ والشُّطُوطِ، ويَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ويَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لامَ العاقِبَةِ، والمَعْنى: فَأذَقْناهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، فَجُعِلَتْ لامُ العاقِبَةِ في مَوْضِعِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ فَأذَقْنا الَّذِينَ أشْرَكُوا بَعْضَ ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ العَذابِ لِشِرْكِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ العالَمَ عَلى نِظامٍ مُحْكَمٍ مُلائِمٍ صالِحٍ لِلنّاسِ فَأحْدَثَ الإنْسانُ فِيهِ أعْمالًا سَيِّئَةً مُفْسِدَةً، فَكانَتْ وشائِجَ لِأمْثالِها:
وهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلّا وشِيجُهُ
صفحة ١١٢
فَأخَذَ الِاخْتِلالُ يَتَطَرَّقُ إلى نِظامِ العالَمِ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٤] وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَحْمَلُ الباءِ ومَحْمَلُ اللّامِ مِثْلُ مَحْمَلِهِما عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ.
وأُطْلِقَ الظُّهُورُ عَلى حُدُوثِ حادِثٍ لَمْ يَكُنْ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ الحُدُوثَ بَعْدَ العَدَمِ بِظُهُورِ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ مُخْتَفِيًا.
ومَحْمَلُ صِيغَةِ فِعْلِ ظَهَرَ عَلى حَقِيقَتِها مِنَ المُضِيِّ يَقْتَضِي أنَّ الفَسادَ حَصَلَ وأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى فَسادٍ مُشاهَدٍ أوْ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ بِالأخْبارِ المُتَواتِرَةِ. وقَدْ تُحْمَلُ صِيغَةُ الماضِي عَلى مَعْنى تَوَقُّعِ حُصُولِ الفَسادِ والإنْذارِ بِهِ فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى طَرِيقَةِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
وأيًّا ما كانَ الفَسادُ مِن مَعْهُودٍ أوْ شامِلٍ، فالمَقْصُودُ أنَّ حُلُولَهُ بِالنّاسِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وأنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ أسْبابَهُ تَقْدِيرًا خاصًّا لِيُجازِيَ مَن يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ عَلى سُوءِ أفْعالِهِمْ.
وهُوَ المُرادُ بِما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ لِأنَّ إسْنادَ الكَسْبِ إلى الأيْدِي جَرى مَجْرى المَثَلِ في فِعْلِ الشَّرِّ والسُّوءِ مِنَ الأعْمالِ كُلِّها، دُونَ خُصُوصِ ما يَعْمَلُ مِنها بِالأيْدِي لِأنَّ ما يَكْسِبُهُ النّاسُ يَكُونُ بِالجَوارِحِ الظّاهِرَةِ كُلِّها، وبِالحَواسِّ الباطِنَةِ مِنَ العَقائِدِ الضّالَّةِ والأدْواءِ النَّفْسِيَّةِ.
و(ما) مَوْصُولَةٌ، وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ، وتَقْدِيرُهُ: بِما كَسَبَتْهُ أيْدِي النّاسِ، أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ. وأعَظْمُ ما كَسَبَتْهُ أيْدِي النّاسِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الإشْراكُ وهو المَقْصُودُ هُنا وإنْ كانَ الحُكْمُ عامًا. ويَعْلَمُ أنَّ مَراتِبَ ظُهُورِ الفَسادِ حاصِلَةٌ عَلى مَقادِيرَ ما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسُئِلَ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» وقالَ تَعالى ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .
ويَجْرِي حُكْمُ تَعْرِيفِ النّاسِ عَلى نَحْوِ ما يَجْرِي في تَعْرِيفِ الفَسادِ مِن عَهْدٍ أوْ عُمُومٍ، فالمَعْهُودُ هُمُ المُشْرِكُونَ وقَدْ شاعَ في القُرْآنِ تَغْلِيبُ اسْمِ النّاسِ عَلَيْهِمْ.
صفحة ١١٣
والإذاقَةُ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ؛ شَبَّهَ ما يُصِيبُهم مِنَ الآلامِ فَيُحِسُّونَ بِها بِإصابَةِ الطَّعامِ حاسَّةَ المَطْعَمِ.
ولَمّا كانَ ما عَمِلُوهُ لا يُصِيبُهم بِعَيْنِهِ تَعَيَّنَ أنَّ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أُطْلِقَ عَلى جَزاءِ العَمَلِ ولِذَلِكَ فالبَعْضِيَّةُ تَبْعِيضٌ لِلْجَزاءِ، فالمُرادُ بَعْضُ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ العَمَلِ لا الجَزاءُ عَلى بَعْضِ العَمَلِ، أيْ أنَّ ما يُذِيقُهم مِنَ العَذابِ هو بَعْضُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ.
وفِي هَذا تَهْدِيدٌ إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ مَساوِئِ أعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ثُمَّ وراءَ ذَلِكَ عَذابُ الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧] .
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: بَعْضُ أعْمالِهِمْ إلى ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لِلْإيماءِ إلى ما في المَوْصُولِ مِن قُوَّةِ التَّعْرِيفِ، أيْ أعْمالُهُمُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَهُمُ المُتَقَرَّرُ صُدُورُها مِنهم.
والرَّجاءُ المُسْتَفادُ مِن لَعَلَّ يُشِيرُ إلى أنَّ ما ظَهَرَ مِن فَسادٍ كافٍ لِإقْلاعِهِمْ عَمّا هُمُ اكْتَسَبُوهُ، وأنَّ حالَهم حالُ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ فَإنْ هم لَمْ يَرْجِعُوا فَقَدْ تَبَيَّنَ تَمَرُّدُهم وعَدَمُ إجْداءِ المَوْعِظَةِ فِيهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] .
والرُّجُوعُ مُسْتَعارٌ لِلْإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي كَأنَّ الَّذِي عَصى رَبَّهُ عَبْدٌ أبَقَ عَنْ سَيِّدِهِ، أوْ دابَّةٌ قَدْ أبَدَتْ، ثُمَّ رَجَعَ. وفي الحَدِيثِ «لَلَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن رَجُلِ نَزَلَ مَنزِلًا وبِهِ مَهْلَكَةٌ، ومَعَهُ راحِلَتُهُ عَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ نَوْمَةً فاسْتَيْقَظَ وقَدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ حَتّى إذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ والعَطَشُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ قالَ: أرْجِعُ إلى مَكانِي، فَرَجَعَ فَنامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإذا دابَّتُهُ عِنْدَهُ» .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيُذِيقَهم) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، أيْ لِيُذِيقَهُمُ اللَّهُ. ومَعادُ الضَّمِيرِ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] . وقَرَأهُ قَنْبَلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ورَوْحٌ عَنْ عاصِمٍ بِنُونِ العَظَمَةِ.
30:42Page 409
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
صفحة ١١٤
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾
لَمّا وعَظَهم بِما أصابَهم مِن فَسادِ الأحْوالِ ونَبَّهَهم إلى أنَّها بَعْضُ الجَزاءِ عَلى ما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ عَرَضَ لَهم بِالإنْذارِ بِفَسادٍ أعَظَمَ قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ مِثْلُهُ وهو ما أصابَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِسَبَبِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن نَظِيرِ حالِ هَؤُلاءِ في الإشْراكِ فَأمَرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ والنَّظَرِ في مَصِيرِ الأُمَمِ الَّتِي أشْرَكَتْ وكَذَّبَتْ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ المُشْرِكِينَ قَدِ اجْتازُوا في أسْفارِهِمْ بِدِيارِ تِلْكَ الأُمَمِ كَما قالَ تَعالى ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧] .
فَهَذا تَكْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ السّابِقِ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: ٩] وإنَّما أُعِيدَ اهْتِمامًا بِهَذِهِ العِبْرَةِ مَعَ مُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١] . والعاقِبَةُ: نِهايَةُ الأمْرِ. المُرادُ بِالعاقِبَةِ الجِنْسُ، وهو مُتَعَدِّدُ الأفْرادِ بِتَعَدُّدِ الَّذِينَ مِن قَبْلُ، ولِكُلِّ قَوْمٍ عاقِبَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾، أيْ سَبَبُ تِلْكَ العاقِبَةِ المَنظُورَةِ هو إشْراكُ الأكْثَرِينَ مِنهم، أيْ أنَّ أكْثَرَ تِلْكَ الأُمَمِ الَّتِي شُوهِدَتْ عاقِبَتُها الفَظِيعَةُ كانَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ فَتَعْلَمُونَ أنَّ سَبَبَ حُلُولِ تِلْكَ العاقِبَةِ بِهِمْ هو شِرْكُهم، وبَعْضُ تِلْكَ الأُمَمِ لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ وإنَّما أصابَهم ما أصابَهم لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلِهِمْ مِثْلَ أهْلِ مَدْيَنَ قالَ تَعالى ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] .
30:43Page 409
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾
تَفَرَّعَ عَلى الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ مِن عَواقِبِ الشِّرْكِ تَثْبِيتُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى
صفحة ١١٥
شَرِيعَتِهِ ووَعَدَ بِأنْ يَأْتِيَهُ النَّصْرُ كَقَوْلِهِ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] مَعَ التَّعْرِيضِ بِالإرْشادِ إلى الخَلاصِ مِنَ الشِّرْكِ بِاتِّباعِ الدِّينِ القَيِّمِ، أيِ الحَقِّ. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] فَإنَّ ذَلِكَ لَمّا فُرِّعَ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: ٩] وما اتَّصَلَ مَن تَسَلْسُلِ الحُجَجِ والمَواعِظِ فُرِّعَ أيْضًا نَظِيرُهُ هَذا عَلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الروم: ٤٢] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ وعَلى مَعْنى إقامَةِ الوَجْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] .
و”القَيِّمُ“ بِوَزْنِ فَيْعِلٍ، وهي زِنَةٌ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ ما تُصاغُ مِنهُ، أيِ الشَّدِيدُ القِيامِ، والقِيامُ هُنا مَجازٌ في الإصابَةِ لِأنَّ الصَّوابَ يُشَبَّهُ بِالقِيامِ، وضِدَّهُ يُشَبَّهُ بِالعِوَجِ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] فَوُصِفَ الإسْلامُ في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالحَنِيفِ والفِطْرَةِ ووُصِفَ هُنا بِالقَيِّمِ. وبَيْنَ أقِمْ و”القِيَمِ“ مُحْسِنٌ الجِناسُ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِهَذا الأمْرِ إعْراضٌ عَنْ صَرِيحِ خِطابِ المُشْرِكِينَ. والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهم مِنِ اتِّباعِ هَذا الدِّينِ العَظِيمِ الَّذِي فِيهِ النَّجاةُ. يُؤْخَذُ هَذا التَّعْرِيضُ مِن أمْرِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالدَّوامِ عَلى الإسْلامِ ومِن قَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ الآيَةَ.
والمَرَدُّ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنَ الرَّدِّ وهو الدَّفْعُ، و”لَهُ“ يَتَعَلَّقُ بِهِ، و”مِنَ اللَّهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَأْتِي“ و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، والمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ عَذابٍ في الدُّنْيا وأنَّهُ إذا جاءَ لا يَرُدُّهُ عَنِ المُجازَيْنِ بِهِ رادٌّ لِأنَّهُ آتٍ مِنَ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ بَدْرٍ.
و”يَصَّدَّعُونَ“ أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ فَقُلِبَتِ التّاءُ صادًا لِتُقارُبِ مَخْرَجَيْهِما لِتَأْتِيَ التَّخْفِيفَ بِالإدْغامِ. والتَّصَدُّعُ: مُطاوِعُ الصَّدْعِ، وحَقِيقَةُ الصَّدْعِ: الكَسْرُ والشَّقُّ، ومِنهُ تَصَدَّعَ القَدَحُ.
والمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّصَدُّعُ: التَّفَرُّقُ والتَّمايُزُ. ويَكُونُ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدًا إلى جَمِيعِ النّاسِ، أيْ يَوْمئِذٍ يَفْتَرِقُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكافِرِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤] .
30:44–45Page 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
صفحة ١١٦
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِإجْمالِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهي ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣] إذِ التَّثْبِيتُ عَلى الدِّينِ بَعْدَ ذِكْرِ ما أصابَ المُشْرِكِينَ مِنَ الفَسادِ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ شَأْنِهِمْ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يَضُرُّونَ بِكُفْرِهِمْ إلّا أنْفُسَهَمْ، والَّذِي يَكْشِفُ هَذا المَعْنى تَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ فَإنَّهُ يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ، أيْ فَكُفْرُهُ عَلَيْهِ لا عَلَيْكَ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، ولِهَذا ابْتُدِئَ بِذِكْرِ حالِ مَن كَفَرَ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ مَن عَمِلَ صالِحًا. واقْتَضى حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ أنَّ في الكُفْرِ تَبِعَةً وشَدَّةً وضُرًّا عَلى الكافِرِ، لِأنَّ عَلى تَقْتَضِي ذَلِكَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، كَما اقْتَضى اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أنَّ لِمَجْرُورِها نَفَعًا وغَنْمًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقالَ تَوْبَةُ بْنُ الحُمَيِّرِ:
وقَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّيَ فاجِـرٌ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها
وأفْرَدَ ضَمِيرَ كُفْرِهِ رَعْيًا لِلَّفْظِ مَن. وهَذا التَّرْكِيبُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ لِدَلالَتِهِ عَلى ما لا يُحْصى مِنَ المَضارِّ في الكُفْرِ عَلى الكافِرِ وأنَّهُ لا يَضُرُّ غَيْرَهُ، مَعَ تَمامِ الإيجازِ، وهو وعِيدٌ لِأنَّهُ في مَعْنى: مَن كَفَرَ فَجَزاؤُهُ عِقابُ اللَّهِ، فاكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ عَلى مِن قَوْلِهِ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وبِمُقابَلَةِ حالِهِمْ بِحالِ مَن عَمِلَ صالِحًا بِقَوْلِهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ فَهو بَيانٌ أيْضًا لِما في جُمْلَةِ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣] مِنَ الأمْرِ بِمُلازَمَةِ التَّحَلِّي بِالإسْلامِ وما في ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ العاجِلِ والآجِلِ مَعَ ما تَقْتَضِيهِ عادَةُ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ والتَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ فَهو كالتَّكْمِلَةِ لِلْبَيانِ.
وإنَّما قُوبِلَ مَن كَفَرَ بِمَن عَمِلَ صالَحًا ولَمْ يُقابِلْ بِمَن آمَنَ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم أهْلُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ دُونَ الكافِرِينَ. فاسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ العَمَلِ
صفحة ١١٧
الصّالِحِ عَنْ ذِكْرِ الإيمانِ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ، ولِتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى الإيمانِ وحْدَهُ فَتَفُوتُهُمُ النَّجاةُ التّامَّةُ. وهَذا اصْطِلاحُ القُرْآنِ في الغالِبِ أنْ يَقْرِنَ الإيمانَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ كَما في قَوْلِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤] حَتّى تَوَهَّمَتِ المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ شَرْطٌ في قَبُولِ الإيمانِ.
وتَقْدِيمُ فَلِأنْفُسِهِمْ عَلى يَمْهَدُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الِاسْتِحْقاقِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولَيْسَ لِلِاخْتِصاصِ.
ويَمْهَدُونَ يَجْعَلُونَ مِهادًا، والمِهادُ: الفِراشُ. مُثِّلَتْ حالَةُ المُؤْمِنِينَ في عَمَلِهِمُ الصّالِحِ بِحالِ مَن يَتَطَلَّبُ راحَةَ رُقادِهِ فَيُوَطِّئُ فِراشَهُ ويُسَوِّيهُ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُ في مَضْجَعِهِ مِنَ النُّتُوءِ أوِ اليَبْسِ ما يَسْتَفِزُّ مَنامَهُ.
وتَقْدِيمُ لِأنْفُسِهِمْ عَلى يَمْهَدُونَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ قَرِينَةَ عَدَمِ الِاخْتِصاصِ واضِحَةٌ.
ورَوْعِيَ في جَمْعِ ضَمِيرِ يَمْهَدُونَ مَعْنى (مَن) دُونَ لَفْظِها مَعَ ما تَقْتَضِيهِ الفاصِلَةُ مِن تَرْجِيحِ تِلْكَ المُراعاةِ.
ويَتَعَلَّقُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا بِـ (يَمْهَدُونَ) أيْ يُمَهِّدُونَ لِعِلَّةٍ أنْ يَجْزِيَ اللَّهُ إيّاهم مِن فَضْلِهِ. وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّصْرِيحِ بِأنَّهم أصْحابُ صِلَةِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وأنَّ جَزاءَ اللَّهِ إيّاهم مُناسِبٌ لِذَلِكَ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ في الأذْهانِ، مَعَ التَّنْوِيهِ بِوَصْفِهِمْ ذَلِكَ بِتَكْرِيرِهِ وتَقْرِيرِهِ كَما أنْبَأ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ.
وقَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ (مِن فَضْلِهِ) أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِمْ أضْعافًا لِرِضاهُ عَنْهم ومَحَبَّتِهِ إيّاهم كَما اقْتَضاهُ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ المُقْتَضِي أنَّهُ يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَحَصَلَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دَلَّ بِصَرِيحِهِ عَلى أنَّهم أهْلُ الجَزاءِ بِالفَضْلِ، ودَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّهم أهْلُ الوِلايَةِ.
صفحة ١١٨
وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يَدُلُّ بِتَعْلِيلِهِ لِما قَبْلَهُ عَلى أنَّ الكافِرِينَ مَحْرُومُونَ مِنَ الفَضْلِ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ الجَزاءَ مَوْفُورٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَضْلًا وأنَّ العِقابَ مُعَيَّنٌ لِلْكافِرِينَ عَدْلًا.
30:46Page 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
عَوْدٌ إلى تَعْدادِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ وما تَخَلَّلَ بَيْنَهُما مِن أفانِينِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ ومِن طَرائِقِ المَوْعِظَةِ لِتَطْرِيَةِ نَشاطِ السّامِعِينَ لِهَذِهِ الدَّلائِلِ المُوَضِّحَةِ المُبَيِّنَةِ.
والإرْسالُ مُسْتَعارٌ لِتَقْدِيرِ الوُصُولِ، أيْ يُقَدِّرُ تَكْوِينَ الرِّياحِ ونِظامَها الَّذِي يُوَجِّهُها إلى بَلَدٍ مُحْتاجٍ المَطَرَ.
والمُبَشِّراتُ: المُؤْذِنَةُ بِالخَيْرِ وهو المَطَرُ. وأصْلُ البِشارَةِ: الخَبَرُ السّارُّ. شُبِّهَتِ الرِّياحُ بِرُسُلٍ مُوَجَّهَةٍ بِأخْبارِ المَسَرَّةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البِشارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ [النحل: ٥٨] في سُورَةِ النَّحْلِ، وذَلِكَ أنَّ الرِّياحَ تَسُوقُ سَحابَ المَطَرِ إلى حَيْثُ يُمْطِرُ.
وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى الرِّياحِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعَلى كَوْنِها لَواقِحَ في سُورَةِ الحِجْرِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُبَشِّراتٍ لِأنَّ مُبَشِّراتٍ في مَعْنى التَّعْلِيلَ لِلْإرْسالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الإذاقَةِ آنِفًا.
و”مِن رَحْمَتِهِ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ لِيُذِيقَكم أيْ مَذُوقًا. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، ورَحْمَةُ اللَّهِ: هي المَطَرُ.
صفحة ١١٩
وجَرَيانُ الفُلْكِ بِالرِّياحِ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ الرِّياحِ ومَن نِعَمِهِ، وتَقَدَّمَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ بِأمْرِهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَحْقِيقٌ لِلْمِنَّةِ، أيْ لَوْلا تَقْدِيرُ اللَّهِ ذَلِكَ وجَعْلُهُ أسْبابَ حُصُولِهِ لَما جَرَتِ الفُلْكُ، وتَحْتَ هَذا مَعانٍ كَثِيرَةٌ يَجْمَعُها إلْهامُ اللَّهِ البَشَرَ لِصُنْعِ الفُلْكِ وتَهْذِيبِ أسْبابِ سَيْرِها. وخَلَقَ نِظامَ الرِّيحِ والبَحْرِ لِتَسْخِيرِ سَيْرِها كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الحَجِّ، وتَقَدَّمَ هُنالِكَ مَعْنى لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences