Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:47–55
30:47Page 409
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾
هَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُسْتَطَرَدَةٌ آثارُها ذِكْرُ سَيْرِ الفُلْكِ في عِدادِ النِّعَمِ فَعُقِبَ ذَلِكَ بِما كانَ سَيْرُ الفُلْكِ فِيهِ تَذْكِيرٌ بِنِقْمَةِ الطُّوفانِ لِقَوْمِ نُوحٍ وبِجَعْلِ اللَّهِ الفُلْكَ لِنَجاةِ نُوحٍ وصالِحِي قَوْمِهِ مِن نِقْمَةِ الطُّوفانِ، فَأُرِيدَ تَحْذِيرُ المُكَذِّبِينَ مِن قُرَيْشٍ أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم، وكانَ في تِلْكَ النِّقْمَةِ نَصْرُ المُؤْمِنِينَ، أيْ نَصْرُ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ؛ ألا تَرى إلى حِكايَةِ قَوْلِ نُوحٍ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ .
والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ ولَيْسَتْ لِلْعَطْفِ.
والِانْتِقامُ: افْتِعالٌ مِنَ النَّقْمِ وهو الكَراهِيَةُ والغَضَبُ، وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وعَلَمَ قالَ تَعالى ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] . وفي المَثَلِ (مَثَلُهُ كَمَثَلِ الأرْقَمِ إنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ - بِفَتْحِ القافِ - وإنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ) . والِانْتِقامُ: العُقُوبَةُ لِمَن يَفْعَلُ ما لا يُرْضِي كَأنَّهُ صِيغَ مِنهُ الِافْتِعالُ لِلدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ أثَرِ النَّقْمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وما تَنْقِمُ مِنّا وقَوْلِهِ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وكَلِمَةُ ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ مِن صِيَغِ الِالتِزامِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ (﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥])، وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، أيْ لازِمٌ لَهُ، قالَ الأعْشى:
صفحة ١٢٠
لَمَحْقُوقَهٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ فَإنَّ وعْدَ الصّادِقِ حَقٌّ
. قالَ تَعالى ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
وقَدِ اخْتَصَرَ طَرِيقَ الإفْصاحِ عَنْ هَذا الغَرَضِ أعْنِي غَرَضِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ والوَعِيدِ لَهُ فَأُدْرِجَ تَحْتَ ذِكْرِ النَّصْرِ مَعْنى الِانْتِصارِ، وأُدْرِجَ ذِكْرُ الفَرِيقَيْنِ: فَرِيقُ المُصَدِّقِينَ المَوْعُودُ، وفَرِيقُ المُكَذِّبِينَ المُتَوَعَّدُ، وقَدْ أُخْلِيَ الكَلامُ أوَّلًا عَنْ ذِكْرِهِما.
وعَنْ أبِي بَكْرٍ شُعْبَةَ راوِي عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ حَقًّا فَيَكُونُ في ”كانَ“ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِانْتِقامِ، أيْ وكانَ الِانْتِقامُ مِنَ المُجْرِمِينَ حَقًّا، أيْ عَدْلًا، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ بِقَوْلِهِ ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ وكَأنَّهُ أرادَ التَّخَلُّصَ مِن إيهامِ أنْ يَكُونَ لِلْعِبادِ حَقٌّ عَلى اللَّهِ إيجابًا فِرارًا مِن مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وهو غَيْرُ لازِمٍ كَما عَلِمْتَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةٍ: وهو وقْفٌ ضَعِيفٌ، وكَذَلِكَ قالَ الكَواشِيُّ عَنْ أبِي حاتِمٍ.
30:48–49Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾
جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى أُسْلُوبِ أمْثالِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ١١] وجاءَتِ المُناسَبَةُ هُنا لِذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ بِإرْسالِ الرِّياحِ في قَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] اسْتِدْلالًا عَلى التَّفَرُّدِ بِالتَّصَرُّفِ وتَصْوِيرِ الصُّنْعِ الحَكِيمِ الدّالِّ عَلى سَعَةِ العِلْمِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِالِاسْتِدْلالِ بِإرْسالِ الرِّياحِ تَوَسُّلًا إلى ذِكْرِ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها المُسْتَدَلِّ بِهِ عَلى البَعْثِ، فَقَدْ أفادَتْ صِيغَةُ الحَصْرِ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ دُونَ غَيْرِهِ، وكَفى بِهَذا إبْطالًا لِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ، لِأنَّها لا تَسْتَطِيعُ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي هو أقْرَبُ التَّصَرُّفاتِ في شُئُونِ نَفْعِ البَشَرِ.
والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في: يُرْسِلُ، وتُثِيرُ، ويَبْسُطُهُ، ويَجْعَلُهُ
صفحة ١٢١
لِاسْتِحْضارِ الصُّوَرِ العَجِيبَةِ في تِلْكَ التَّصَرُّفاتِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يُشاهِدُ تَكْوِينَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ.
وجُمِعَ ”الرِّياحَ“ لِما شاعَ في اسْتِعْمالِهِمْ مِن إطْلاقِها (بِصِيغَةِ الجَمْعِ) عَلى رِيحِ البِشارَةِ بِالمَطَرِ لِأنَّ الرِّياحَ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ هي الرِّياحُ المُخْتَلِفَةُ جِهاتُ هُبُوبِها بَيْنَ: جَنُوبٍ وشَمالٍ وصَبًا ودَبُورٍ، بِخِلافِ اسْمِ الرِّيحِ المُفْرَدَةِ فَإنَّهُ غَلَبَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُهُ عَلى رِيحِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ لِأنَّها تَتَّصِلُ وارِدَةً مِن صَوْبٍ واحِدٍ فَلا تَزالُ تَشْتَدُّ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا لا رِيحًا» . وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والإثارَةُ: تَحْرِيكُ القارِّ تَحْرِيكًا يَضْطَرِبُ بِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ. وإثارَةُ السَّحابِ إنْشاؤُهُ بِما تُحْدِثُهُ الرِّياحُ في الأجْواءِ مِن رُطُوبَةٍ تَحْصُلُ مِن تَفاعُلِ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ.
والبَسْطُ: النَّشْرُ. والسَّماءُ: الجَوُّ الأعْلى وهو جَوُّ الأسْحِبَةِ.
و(كَيْفَ) هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ومَوْقِعُها المَفْعُولِيَّةُ المُطْلَقَةُ مِن يَبْسُطُهُ لِأنَّها نائِبَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، أيْ يَبْسُطُهُ بَسْطًا كَيْفِيَّتُهُ يَشاؤُها اللَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ أنَّ مَن زَعَمَ أنَّها شَرْطٌ لَمْ يُصادِفِ الصَّوابَ.
و”كِسَفا“ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ جَمْعُ كِسْفٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، ويُقالُ: كِسْفَةٌ بَهاءِ تَأْنِيثِ وهو القِطْعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. وتَقَدَّمَ الكِسَفُ في قَوْلِهِ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
والمَعْنى: لِأنَّهُ يَبْسُطُ السَّحابَ في السَّماءِ تارَةً، أيْ يَجْعَلُهُ مُمْتَدًّا عامًّا في جَوِّ السَّماءِ وهو المُدَجَّنُ الَّذِي يُظْلِمُ بِهِ الجَوُّ ويُقالُ المُغْلَقُ، ويَجْعَلُهُ كِسَفا (أيْ تارَةً أُخْرى) كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ، أيْ يَجْعَلُهُ غَماماتٍ لِأنَّ حالَةَ جَعْلِهِ كِسَفًا غَيْرُ حالَةِ بَسْطِهِ في
صفحة ١٢٢
السَّماءِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ مُرادًا مِنهُ اخْتِلافُ أحْوالِ السَّحابِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا: أنَّ اخْتِلافَ الحالِ آيَةٌ عَلى سَعَةِ القُدْرَةِ.
والخِطابُ في ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وهو كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ سَماعُ هَذا وتَتَأتّى مِنهُ رُؤْيَةُ الوَدْقِ. والوَدْقُ: المَطَرُ.
وضَمِيرُ ”خِلالِهِ“ لِلسَّحابِ بِحالَتَيْهِ المَذْكُورَتَيْنِ وهُما حالَةُ بَسْطِهِ في السَّماءِ وحالَةُ جَعْلِهِ كِسَفًا فَإنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِن خِلالِ السَّحابِ المُغْلَقِ والغَماماتِ.
والخِلالُ: جَمْعُ خَلَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ النُّورِ.
وذِكْرُ اخْتِلافِ أحْوالِ العِبادِ في وقْتِ نُزُولِ المَطَرِ وفي وقْتِ انْحِباسِهِ بَيْنَ اسْتِبْشارٍ وإبْلاسٍ إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إيّاهم ولِلِاعْتِبارِ بِاخْتِلافِ تَأثُّراتِ نُفُوسِهِمْ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى عَظِيمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ في خِلْقَةِ الإنْسانِ إذْ جَعَلَهُ قابِلًا لِاخْتِلافِ الِانْفِعالِ مَعَ اتِّحادِ العَقْلِ والقَلْبِ كَما جَعَلَ السَّحابَ مُخْتَلِفَ الِانْفِعالِ مِن بَسْطٍ وتَقْطُعٍ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ وهو خُرُوجُ الوَدْقِ مِن خِلالِهِ.
و(إنَّ) في قَوْلِهِ (وإنْ كانُوا) مُخَفِّفَةٌ مُهْمَلَةٌ عَنِ العَمَلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ لِمُبْلِسِينَ اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ إنِ المُخَفَّفَةِ وإنِ الشَّرْطِيَّةِ.
والإبْلاسُ: يَأْسٌ مَعَ انْكِسارٍ. وقَوْلُهُ (مِن قَبْلِهِ) تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ لِتَوْكِيدِ مَعْنى قَبْلِيَّةِ نُزُولِ المَطَرِ وتَقْرِيرِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفادَ التَّأْكِيدُ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ اهــ. يَعْنِي أنَّ إعادَةَ قَوْلِهِ (مِن قَبْلِهِ) زِيادَةُ تَنْبِيهٍ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ. وقالَ في الكَشّافِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ فاسْتَحْكَمَ إبْلاسَهم فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اغْتِمامِهِمْ اهــ.
صفحة ١٢٣
يَعْنِي أنَّ فائِدَةَ إعادَةِ (مِن قَبْلِهِ) أنَّ مُدَّةَ ما قَبْلَ نُزُولِ المَطَرِ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ فَأُشِيرَ إلى قُوَّتِها بِالتَّوْكِيدِ.
وضَمِيرُ (قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن (أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) أيْ تَنْزِيلِهِ.
30:50Page 409
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
﴿فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لِمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
رُتِّبَ عَلى ما تَقَرَّرَ مِنِ اسْتِحْضارِ صُورَةِ تَكْوِينِ المَطَرِ واسْتِبْشارِ النّاسِ بِنُزُولِهِ بَعْدَ الإبْلاسِ، أنِ اعْتُرِضَ بِذِكْرِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ إلى أثَرِ الرَّحْمَةِ وإغاثَةِ اللَّهِ عِبادَهُ حِينَ يُحْيِي لَهُمُ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بِالجَفافِ. والأمْرُ بِالنَّظَرِ لِلِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ. والنَّظَرُ: رُؤْيَةُ العَيْنِ.
وعَبَّرَ عَنِ الجَفافِ بِالمَوْتِ لِأنَّ قِوامَ الحَياةِ الرُّطُوبَةُ، وعَبَّرَ عَنْ ضِدِّهِ بِالإحْياءِ. والخِطابُ بِـ ”انْظُرْ“ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن يَتَأتّى مِنهُ النَّظَرُ مِثْلَ قَوْلِهِ (فَتَرى الوَدْقَ) .
ورَحْمَةُ اللَّهِ: هي صِفَتُهُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِإمْدادِ مَخْلُوقاتِهِ ذَواتِ الإدْراكِ بِما يُلائِمُها ويَدْفَعُ عَنْها ما يُؤْلِمُها وذَلِكَ هو الإنْعامُ.
وأثَرُ الشَّيْءِ: ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ. فَرَحْمَةُ اللَّهِ دَلَّتْ عَلَيْها الآثارُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ وتَصَرُّفِهِ بِما فِيهِ رَحْمَةٌ لِلْخَلْقِ. و”كَيْفَ“ بَدَلٌ مِن (أثَرِ) أوْ مَفْعُولٌ لِ ”انْظُرْ“ أيِ انْظُرْ هَيْئَةَ إحْياءِ اللَّهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، تِلْكَ الحالَةُ الَّتِي هي أثَرٌ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ النّاسَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] إذْ جَعَلُوا كَيْفَ بَدَلًا مِنَ الإبِلِ بَدَلَ اشْتِمالٍ وإنْ أباهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ. وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] في سُورَةِ الفُرْقانِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [الروم: ٤٨] . وأُطْلِقَ عَلى إنْباتِ الأرْضِ إحْياءٌ وعَلى قُحُولَتِها المَوْتُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.
وجُمْلَةُ إنَّ ذَلِكَ لِمُحْيِي المَوْتى اسْتِئْنافٌ وهو إدْماجُ دَلِيلِ البَعْثِ عَقِبَ
صفحة ١٢٤
الِاعْتِبارِ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها. وحَرْفُ التَّوْكِيدِ يُفِيدُ مَعَ تَقْرِيرِ الخَبَرِ زِيادَةَ مَعْنى فاءِ التَّسَبُّبِ كَقَوْلِ بَشّارٍ
بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
إذِ التَّقْدِيرُ: فالنَّجاحُ في التَّبْكِيرِ، كَما تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْبارِ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها لِيُفِيدَ اسْمُ الإشارَةِ مَعْنى أنَّهُ جَدِيرٌ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الخَبَرِ عَنِ المُشارِ إلَيْهِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ الَّذِي يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها لَمُحْيِي المَوْتى، تَقْرِيبًا لِتَصَوُّرِ البَعْثِ.
وعَدَلَ عَنِ المَوْصُولِ إلى الإشارَةِ لِلْإيجازِ، ولِما في الإشارَةِ مِنَ التَّعْظِيمِ، وذُيِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَإنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ والبَعْثُ مِن جُمْلَتِها إذْ لَيْسَ هو إلّا إيجادُ خَلْقٍ وهو مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى كَما أنْشَأ الخَلْقَ أوَّلَ مَرَّةٍ.
والشَّبَهُ تامٌّ لِأنَّ إحْياءَ الأرْضِ إيجادُ أمْثالِ ما كانَ عَلَيْها مِنَ النَّباتِ فَكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى إيجادُ أمْثالِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (إلى أثَرِ) بِالإفْرادِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (إلى آثارِ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ.
30:51Page 410
وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١
But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1
﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ لِغَرَضٍ قَدْ عَلِمْتَهُ آنِفًا. وهَذِهِ الجُمْلَةُ سِيقَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكُفْرانَ مَطْبُوعٌ في نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ يُعاوِدُهم بِأدْنى سَبَبٍ فَهم إذا أصابَتْهُمُ النِّعْمَةُ اسْتَبْشَرُوا ولَمْ يَشْكُرُوا وإذا أصابَتْهُمُ البَأْساءُ أسْرَعُوا إلى الكُفْرانِ فَصُوَّرَ لِكُفْرِهِمْ أعْجَبَ صُورَةٍ وهي إظْهارُهم إيّاهُ بِحِدْثانِ ما كانُوا مُسْتَبْشِرِينَ مِنهُ إذْ يَكُونُ الزَّرْعُ أخْضَرَ والأمَلُ في الِارْتِزاقِ مِنهُ قَرِيبًا فَيُصِيبُهُ إعْصارٌ فَيَحْتَرِقُ فَيَضِجُّونَ مِن
صفحة ١٢٥
ذَلِكَ وتَكُونُ حالُهم حالَةَ مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وتَجْرِي عَلى أقْوالِهِمْ عِباراتُ السُّخْطِ والقُنُوطِ، كَما قالَ بَعْضُ رُجّازِ الأعْرابِ إذْ أصابَ قَوْمَهُ قَحْطٌ:
رَبَّ العِبادِ مَـا لَـنَـا وما لَـكَ قَدْ كُنْتَ تَسْقِينا فَما بَدا لَـكَ
أنْزِلْ عَلَيْنا الغَيْثَ لا أبا لَكَ
فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في رَأوْهُ عائِدٌ إلى (أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ) وهو الزَّرْعُ والكَلَأُ والشَّجَرُ. والِاصْفِرارُ في الزَّرْعِ ونَحْوِهِ مُؤْذِنٌ بِيُبْسِهِ، وسُمُّوا صُفارًا بِضَمِّ وتَخْفِيفِ الفاءِ: داءٌ يُصِيبُ الزَّرْعَ.
والمُصْفَرُّ: اسْمُ فاعِلٍ مُقْتَضٍ الوَصْفَ بِمَعْناهُ في الحالِ، أيْ فَرَأوْهُ يَصِيرُ أصْفَرَ، فالتَّعْبِيرُ بِـ ”مُصْفَرًّا“ لِتَصْوِيرِ حِدَثانِ الِاصْفِرارِ عَلَيْهِ دُونَ أنْ يُقالَ: فَرَأوْهُ أصْفَرَ.
وظَلَّ: بِمَعْنى صارَ، والإتْيانُ بِفِعْلِ التَّصْبِيرِ مَعَ الإخْبارِ عَنْهُ بِالمُضارِعِ لِتَصْوِيرِ مُبادَرَتِهِمْ إلى الكُفْرِ ثُمَّ اسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ. والحاصِلُ أنَّ المَعْنى أنَّهُ يَغْلِبُ الكُفْرُ عَلى أحْوالِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ الإتْيانَ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ ماضِيَةً لِأنَّ وُقُوعَها في سِياقِ الشَّرْطِ يَمْحَضُها لِلِاسْتِقْبالِ، فَأُوثِرَتْ صِيغَةُ المُضِيِّ لِأنَّها أخَفُّ والمُتَكَلِّمُ مُخَيَّرٌ في اجْتِلابِ أيِّ الصِّيغَتَيْنِ مَعَ الشَّرْطِ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ المَقامَ لِلنَّفْي بِـ ”لا“ وهي لا تَدْخُلُ عَلى الماضِي المُسْنَدِ إلى مُفْرَدٍ إلّا في الدُّعاءِ.
30:52–53Page 410
فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢
So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].
﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ عَلى قَوْلِهِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١] المُفِيدُ أنَّ الكُفْرَ غالِبُ أحْوالِهِمْ لِأنَّهم بَيْنَ كُفْرٍ بِاللَّهِ وبَيْنَ إعْراضٍ عَنْ شُكْرِهِ، أوِ الفاءُ فَصِيحَةٌ تَدُلُّ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنْ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم وساءَكَ اسْتِرْسالُهم عَلى الكُفْرِ فَإنَّهم
صفحة ١٢٦
كالمَوْتى وإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى. وهَذا مَعْذِرَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ونِداءٌ عَلى أنَّهُ بَذَلَ الجُهْدَ في التَّبْلِيغِ.
وفِيما عَدا الفاءِ فالآيَةُ نَظِيرُ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النَّمْلِ ونَزِيدُ هُنا فَنَقُولُ: إنَّ تَعْدادَ التَّشابِيهِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ طَوائِفِ المُشْرِكِينَ فَكانَ لِكُلِّ فَرِيقٍ تَشْبِيهٌ: فَمِنهم مَن غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّوَغُّلُ في الشِّرْكِ فَلا يُصَدِّقُونَ بِما يُخالِفُهُ ولا يَتَأثَّرُونَ بِالقُرْآنِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ فَهَؤُلاءِ بِمَنزِلَةِ الأمْواتِ أشْباحٌ بِلا إدْراكٍ، وهَؤُلاءِ هم دَهْماؤُهم وأغْلَبُهم ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِمْ.
ومِنهم مَن يُعْرِضُ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴿فِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] ويَقُولُونَ ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وهَؤُلاءِ هم ساداتُهم ومُدَبِّرُوا أمْرَهم يَخافُونَ إنْ أصْغَوْا إلى القُرْآنِ أنْ يَمْلِكَ مَشاعِرَهم فَلِذَلِكَ يَتَباعَدُونَ عَنْ سَماعِهِ، ولِهَذا قُيِّدَ الَّذِي شَبَّهَوا بِهِ بِوَقْتِ تَوَلِّيهِمْ مُدْبِرِينَ إعْراضًا عَنِ الدَّعْوَةِ، فَهو تَشْبِيهُ تَمْثِيلٍ.
ومِنهم مَن سَلَكُوا مَسْلَكَ ساداتِهِمْ واقْتَفُوا خُطاهم فانْحَرَفَتْ أفْهامُهم عَنِ الصَّوابِ فَهم يَسْمَعُونَ القُرْآنَ ولا يَسْتَطِيعُونَ العَمَلَ بِهِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ اعْتادُوا مُتابَعَةَ أهْوائِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . ويَحْصُلُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ تَشْبِيهُ جَماعَتِهِمْ بِجَماعَةٍ تَجْمَعُ أمْواتًا وصُمًّا وعُمْيًا فَلَيْسَ هَذا مِن تَعَدُّدِ التَّشَبُّهِ لِمُشَبَّهٍ واحِدٍ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ) بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ مِيمٍ (تُسْمِعُ) ونَصْبِ (الصُّمَّ) عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ) بِتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وبِفَتْحِ مِيمٍ (يَسْمَعُ) ورَفَعَ (الصُّمُّ) عَلى الفاعِلِيَّةِ لِ (يَسْمَعُ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِهادِي) بِمُوَحَّدَةٍ وبِألِفٍ بَعْدَ الهاءِ وبِإضافَةِ (هادِي) إلى
صفحة ١٢٧
(العُمْيِ) وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ (تَهْدِي) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وبِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الهاءِ عَلى الخِطابِ وبِنَصْبِ (العُمْيَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
30:54Page 410
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤
Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهْوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾
هَذا رابِعُ اسْتِئْنافٍ مِنَ الأرْبَعَةِ المُتَقَدِّمَةِ رُجُوعٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ في مُخْتَلَفِ المَصْنُوعاتِ مِنَ العَوالِمِ لِتَقْرِيرِ إمْكانِيَّةِ البَعْثِ وتَقْرِيبِ حُصُولِهِ إلى عُقُولِ مُنْكِرِيهِ لِأنَّ تَعَدُّدَ صُوَرِ إيجادِ المَخْلُوقاتِ وكَيْفِيّاتِهِ مِنِ ابْتِدائِها عَنْ عَدَمٍ أوْ مِن إعادَتِها بَعْدَ انْعِدامِها ويَتَطَوَّرُ وبِدُونِهِ مِمّا يَزِيدُ إمْكانَ البَعْثِ وُضُوحًا عِنْدَ مُنْكِرِيهِ، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] ونَظائِرُها كَما تَقَدَّمَ؛ ولِذَلِكَ جاءَتْ فاتِحَتُها عَلى أُسْلُوبِ فَواتِحِ نَظائِرِها وهَذا ما يُؤْذِنُ بِهِ تَعْقِيبُها بِقَولِهِ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥] الآيَةَ.
ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وصِفَةٌ، وقَوْلُهُ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو الخَبَرُ، أيْ يَخْلُقُ ما يَشاءُ مِمّا أخْبَرَ بِهِ وأنْتُمْ تُنْكِرُونَ.
والضُّعْفُ بِضَمِّ الضّادِ في الآيَةِ وهو أفْصَحُ وهو لُغَةُ قُرَيْشٍ. ويَجُوزُ في ضادِهِ الفَتْحُ وهو لُغَةُ تَمِيمٍ. ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللَّهِ (الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ) يَعْنِي لِفَتْحِ الضّادِ فَأقْرَأنِي (مِن ضُعْفٍ) يَعْنِي بِضَمِّ الضّادِ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ ألْفاظَ ضُعْفٍ الثَّلاثَةَ بِضَمِّ الضّادِ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأها عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الضّادِ، فَلَهُما سَنَدٌ لا مَحالَةَ يُعارِضُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ. والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ نَطَقَ بِلُغَةِ الضَّمِّ لِأنَّها لُغَةُ قَوْمِهِ، وأنَّ الفَتْحَ رُخْصَةٌ لِمَن يَقْرَأُ بِلُغَةِ قَبِيلَةٍ أُخْرى، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ لُغَةٌ تَخُصُّهُ فَهو مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ. والضَّعْفُ: الوَهْنُ واللِّينُ.
و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ مُبْتَدَأُ خَلْقِهِ مِن ضَعْفٍ، أيْ مِن حالَةِ ضَعْفٍ، وهي حالَةُ كَوْنِهِ جَنِينًا ثُمَّ صَبِيًّا إلى أنْ يَبْلُغَ أشَدَّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ خُلِقَ الإنْسانُ مِن
صفحة ١٢٨
عَجَلٍ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ حَتّى كَأنَّهُ مُنْتَزَعٌ مِنهُ، قالَ تَعالى ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] .
والمَعْنى: أنَّهُ كَما أنْشَأكم أطْوارًا تَبْتَدِئُ مِنَ الوَهْنِ وتَنْتَهِي إلَيْهِ فَكَذَلِكَ يُنْشِئُكم بَعْدَ المَوْتِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِأعْجَبَ مِنَ الإنْشاءِ الأوَّلِ وما لَحِقَهُ مِنَ الأطْوارِ، ولِهَذا أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
وذَكَرَ وصْفَ العِلْمِ والقُدْرَةِ لِأنَّ التَّطَوُّرَ هو مُقْتَضى الحِكْمَةِ وهي مِن شُئُونِ العِلْمِ، وإبْرازِهِ عَلى أحْكَمِ وجْهٍ هو مِن أثَرِ القُدْرَةِ.
وتَنْكِيرُ (ضَعْفٍ وقُوَّةٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ؛ فَ ”ضُعْفٍ“ المَذْكُورِ ثانِيًا هو عَيْنُ ضُعْفٍ المَذْكُورِ أوَّلًا، و”قُوَّةٍ“ المَذْكُورَةِ ثانِيًا عَيْنُ ”قُوَّةً“ المَذْكُورَةِ أوَّلًا. وقَوْلُهُمُ: النَّكِرَةُ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَتْ غَيْرَ الأوْلى، يُرِيدُونَ بِهِ التَّنْكِيرَ المَقْصُودَ مِنهُ الفَرْدُ الشّائِعُ لا التَّنْكِيرُ المُرادُ بِهِ النَّوْعِيَّةُ.
وعَطْفُ ”وشَيْبَةً“ لِلْإيماءِ إلى أنَّ هَذا الضَّعْفَ لا قُوَّةَ بَعْدَهُ وأنَّ بَعْدَهُ العَدَمَ بِما شاعَ مِن أنَّ الشَّيْبَ نَذِيرُ المَوْتِ.
والشَّيْبَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ الشَّيْبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
30:55Page 410
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥
And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ عَدَمَ انْتِفاعِ المُشْرِكِينَ بِآياتِ القُرْآنِ وشُبِّهُوا بِالأمْواتِ والصُّمِّ والعُمْيِ فَظَهَرَتْ فَظاعَةُ حالِهِمْ في العاجِلَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ حالِهِمْ حِينَ تَقُومُ السّاعَةُ في اسْتِصْحابِ مُكابَرَتِهِمُ الَّتِي عاشُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، بِأنَّ اللَّهَ حِينَ يُعِيدُ خَلْقَهم ويُنْشِئُ لَهم أجْسامًا كَأجْسامِهِمْ ويُعِيدُ إلَيْهِمْ عُقُولَهم يَكُونُ تَفْكِيرُهم يَوْمئِذٍ عَلى وِفاقِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ السَّفْسَطَةِ والمُغالَطَةِ والغُرُورِ، فَإذا نُشِرُوا مِنَ القُبُورِ وشَعَرُوا بِصِحَّةِ أجْسامِهِمْ وعُقُولِهِمْ وكانُوا قَدْ عَلِمُوا في آخِرِ أوْقاتِ حَياتِهِمْ
صفحة ١٢٩
أنَّهم مَيِّتُونَ خامَرَتْهم حِينَئِذٍ عَقِيدَةُ إنْكارِ البَعْثِ وحُجَّتُهُمُ السُّفِسْطائِيَّةُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] هُنالِكَ يُرِيدُونَ أنْ يُقْنِعُوا أنْفُسَهم بِصِحَّةِ دَلِيلِهِمُ القَدِيمِ ويَلْتَمِسُونَ اعْتِلالًا لِتَخَلُّفِ المَدْلُولِ بِعِلَّةِ أنَّ بَعْثَهم إلَيْهِمْ أنَّهم مُحِقُّونَ في إنْكارِهِ في الدُّنْيا إذْ كانُوا قَدْ أُخْبِرُوا أنَّ البَعْثَ يَكُونُ بَعْدَ فَناءِ الأجْسامِ، فَهم أرادُوا الِاعْتِذارَ عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ حِينَ تَحَقَّقُوهُ بِما حاصِلُهُ: أنَّهم لَوْ عَلِمُوا أنَّ البَعْثَ يَكُونُ بَعْدَ ساعَةٍ مِنَ الحُلُولِ في القَبْرِ لَأقَرُّوا بِهِ.
وقَدْ أنْبَأ عَنْ هَذا تَسْمِيَةُ كَلامِهِمْ هَذا مَعْذِرَةً بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] . وهَذِهِ فِتْنَةٌ أُصِيبُوا بِها حِينَ البَعْثِ جَعَلَها اللَّهُ لَهم لِيَكُونُوا هُزْأةً لِأهْلِ النُّشُورِ. ويَتَّضِحُ غَلَطُهم وسُوءُ فَهْمِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ [الروم: ٥٦] الآيَةَ، وقَدْ أوْمَأ إلى أنَّ هَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ قالَ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾، أيْ كَهَذا الخَطَأِ كانُوا في الدُّنْيا يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بِمِثْلِ هَذِهِ التُّرَّهاتِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] في سُورَةِ طه. وبَلَغَ مِن ضَلالِهِمْ في ذَلِكَ أنَّهم يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ، وهَذا بَعْدَ ما يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ الجِدالِ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] وقَوْلُ آخَرِينَ ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وبَعْضُ اليَوْمِ يُصْدَقُ بِالسّاعَةِ، كَما حُكِيَ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَسَمَ يَتَخاطَبُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهم كَما اقْتَضَتْهُ آيَةُ سُورَةِ طه، أوْ هو حَدِيثٌ آخَرُ أعْلَنُوا بِهِ حِينَ اشْتَدَّ الخِلافُ بَيْنَهم لِأنَّ المَصِيرَ إلى الحَلِفِ يُؤْذِنُ بِمُشادَّةٍ ولَجاجٍ في الخِلافِ.
وفِي قَوْلِهِ ”السّاعَةُ“ و”ساعَةٍ“ الجِناسُ التّامُّ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ غَرابَةَ حالِهِمْ مِن فَسادِ تَقْدِيرِ المُدَّةِ والقَسَمُ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ تَوَهُّمًا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ مَثارِ هَذا الوَهْمِ في نُفُوسِهِمْ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ، ومَعْناهُ: أنَّهم لا
صفحة ١٣٠
عَجَبَ في صُدُورٍ ذَلِكَ مِنهم فَإنَّهم كانُوا يَجِيئُونَ بِمِثْلِ تِلْكَ الأوْهامِ مُدَّةَ كَوْنَهم في الدُّنْيا، فَتَصْرِفُهم أوْهامُهم عَنِ اليَقِينِ، وكانُوا يُقْسِمُونَ عَلى عَقائِدِهِمْ كَما في قَوْلِهِ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] اسْتِخْفافًا بِالأيْمانِ، وكَذَلِكَ إشارَةً إلى انْصِرافِهِمْ عَنِ الحَقِّ يَوْمَ البَعْثِ. والمُشارُ إلَيْهِ هو المُشَبَّهُ بِهِ والمُشَبَّهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ كافُ التَّشْبِيهِ، والتَّقْدِيرُ: إفْكًا مِثْلَ إفْكِهِمْ هَذا كانُوا يُؤْفَكُونَ بِهِ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا. والمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُماثَلَةُ والمُساواةُ.
والأفْكُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: الصَّرْفُ وهو مِن بابِ ضَرَبَ، ويُعَدّى إلى الشَّيْءِ المَصْرُوفِ عَنْهُ بِحَرْفِ (عَنْ) وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ﴾ [لقمان: ٢٥] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.
ولَمْ يُسْنَدْ إفْكُهم إلى آفِكٍ مُعَيَّنٍ لِأنَّ بَعْضَ صَرْفِهِمْ يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِمْ وأيِمَّةِ دِينِهِمْ، وبَعْضَهُ مِن طَبْعِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
وإقْحامُ فِعْلِ ”كانُوا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ في زَمانٍ قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَنِ، أيْ في زَمَنِ الحَياةِ الدُّنْيا.
والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ خُلُقٌ تَخَلَّقُوا بِهِ وصارَ لَهم كالسَّجِيَّةِ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا حَتّى إذا أعادَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أرْواحَهم صَدَرَ عَنْهم ما كانُوا تَخَلَّقُوا بِهِ، وقالَ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ الآيَةَ.
وفِي هَذا الخَبَرِ أدَبٌ عَظِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَتَحامَوُا الرَّذائِلَ والكَبائِرَ في الحَياةِ الدُّنْيا خَشْيَةَ أنْ تَصِيرَ لَهم خُلُقًا فَيُحْشَرُوا عَلَيْها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences