Ibn 'AshurAr‑Rum · 30:56–60

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:56–60

30:56Page 410

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦

But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1

﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

جَعَلَ اللَّهُ مُنْكِرِي البَعْثِ هَدَفًا لِسِهامِ التَّغْلِيطِ والِافْتِضاحِ في وقْتِ النُّشُورِ، فَلَمّا سَمِعَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أُوتُوا عِلْمَ القُرْآنِ وأشْرَقَتْ عُقُولُهم في الحَياةِ الدُّنْيا بِالعَقائِدِ

صفحة ١٣١

الصَّحِيحَةِ وآثارِ الحِكْمَةِ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ لا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ غَلَطَهم رَدًّا يَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ أنْ لا يَكُونُوا قَبِلُوا دَعْوَةَ الحَقِّ كَما قَبِلَها المُؤْمِنُونَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.

وعَطَفَ الإيمانَ عَلى العِلْمِ لِاهْتِمامٍ بِهِ لِأنَّ العِلْمَ بِدُونِ إيمانٍ لا يُرْشِدُ إلى العَقائِدِ الحَقِّ الَّتِي بِها الفَوْزُ في الحَياةِ الآخِرَةِ. والمَعْنى: وقالَ لَهُمُ المُؤْمِنُونَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَحْسِيرًا لَهم.

والظّاهِرُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْمَعُونَ تَحاجَّ المُشْرِكِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَيُبادِرُونَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ سَجِيَّتَهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. وفي هَذا أدَبٌ إسْلامِيٌّ وهو أنَّ الَّذِي يَسْمَعُ الخَطَأ في الدِّينِ والإيمانِ لا يُقِرُّهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ هو المُخاطَبُ بِهِ.

وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ صَرْفٌ لَهم عَنْ تِلْكَ المَعْذِرَةِ كَأنَّهم يَقُولُونَ: دَعُوا عَنْكم هَذا فَلا جَدْوى فِيهِ واشْتَغِلُوا بِالمَقْصُودِ وما وُعِدْتُمْ بِهِ مِنَ العَذابِ يَوْمَ البَعْثِ.

وفِعْلُ ”لَبِثْتُمْ“ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، أيْ مَكَثْتُمْ، أيِ اسْتَقْرَرْتُمْ في القُبُورِ، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْزِينِ والتَّرْوِيعِ بِاعْتِبارِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الإفْصاحِ عَنْ حُضُورِ وقْتِ عَذابِهِمْ.

و(في) مِن قَوْلِهِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لَبِثْتُمْ إلى هَذا اليَوْمِ، ولَمْ يُعَذَّبُوا مِن قَبْلُ لِأجْلِ ما جاءَ في كِتابِ اللَّهِ مِن تَهْدِيدِهِمْ بِهَذا اليَوْمِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ لَقَدْ بَلَغَكم ذَلِكَ وسَمِعْتُمُوهُ فَكانَ الشَّأْنُ أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ ولا تَعْتَذِرُوا بِقَوْلِكم ما لَبِثْنا غَيْرَ ساعَةٍ.

والفاءُ في ”فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ“ فاءُ الفَصِيحَةِ أفْصَحَتْ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتُفِيدُ مَعْنى المُفاجَأةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] في سُورَةِ الفُرْقانِ، أيْ إذْ كانَ كَذَلِكَ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ كالفاءِ في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ:

قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خَراسَـانَـا

وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَهْدِيدٌ وتَعْجِيلٌ لِإساءَتِهِمْ بِما يَتَرَقَّبُهم مِنَ العَذابِ. والِاقْتِصارُ عَلى ”﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾“ لِيَتَوَقَّعُوا كُلَّ سُوءٍ وعَذابٍ.

صفحة ١٣٢

والِاسْتِدْراكُ في ﴿ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾، أيْ لَقَدْ بَلَغَكم ذَلِكَ وكانَ الشَّأْنُ أنْ تَسْتَعِدُّوا لَهُ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، أيْ لا تَتَصَدَّوْنَ لِلْعِلْمِ بِما فِيهِ النَّفْعُ بَلْ كانَ دَأْبَكُمُ الإعْراضُ عَنْ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ .

وفِي التَّعْبِيرِ بِنَفْيِ العِلْمِ وقَصْدِ نَفْيِ الِاهْتِمامِ بِهِ والعِنايَةِ بِتَلَقِّيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّصَدِّيَ لِلتَّعَلُّمِ وسِيلَةٌ لِحُصُولِهِ.

30:57Page 410

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧

So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].

﴿فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥]“ . والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ أقْسَمُوا ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ ظَلَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِغَرَضِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الظُّلْمِ وهو الإشْراكُ بِاللَّهِ لِأنَّهُ جامِعٌ لِفُنُونِ الظُّلْمِ، فَفِيهِ الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ اللَّهِ، وظُلْمُ المُشْرِكِ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ، وظُلْمُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ، وظُلْمُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالِاعْتِداءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأبْشارِهِمْ.

والمَعْذِرَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ اعْتَذَرَ، إذا أبْدى عِلَّةً أوْ حُجَّةً لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مُؤاخَذَةً عَلى ذَنْبٍ أوْ تَقْصِيرٍ. وهو مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ عَذَرَهُ، إذا لَمْ يُؤاخِذْهُ عَلى ذَنْبٍ أوْ تَقْصِيرٍ لِأجْلِ ظُهُورِ سَبَبٍ يَدْفَعُ عَنْهُ المُؤاخَذَةَ بِما فَعَلَهُ.

وإضافَةُ مَعْذِرَةٍ إلى ضَمِيرِ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) تَقْتَضِي أنَّ المَعْذِرَةَ واقِعَةٌ مِنهم. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ لِلتَّعْرِيفِ بِمَعْذِرَةٍ مَعْهُودَةً فَتَكُونُ هي قَوْلُهم ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعُمُومِ كَما هو شَأْنُ المَصْدَرِ المُضافِ، أيْ لا تَنْفَعُهم مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقَوْلِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] .

واعْلَمْ أنَّ هَذا لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] المُقْتَضِي نَفْيَ وُقُوعِ الِاعْتِذارِ مِنهم لِأنَّ الِاعْتِذارَ المَنفِيَّ هو الِاعْتِذارُ المَأْذُونُ فِيهِ، أيِ المَقْبُولُ، لِأنَّ اللَّهَ لَوْ

صفحة ١٣٣

أذِنَ لَهم في الِاعْتِذارِ لَكانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِقَبُولِهِ اعْتِذارَهم نَظِيرَ قَوْلِهِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ.

والمُثْبَتُ هُنا مَعْذِرَةٌ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهم بِها فَهي غَيْرُ نافِعَةٍ لَهم كَما قالَ تَعالى ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقَوْلُهُ لا ﴿تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَنْفَعُ) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ وهو وجْهٌ جائِزٌ لِأنَّ مَعْذِرَةً مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ولِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ بِالمَفْعُولِ.

و”يُسْتَعْتَبُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ والمَبْنِيُّ مِنهُ لِلْفاعِلِ اسْتَعْتَبَ، إذا سَألَ العُتْبى بِضَمِّ العَيْنِ وبِالقَصْرِ وهي اسْمٌ لِلْإعْتابِ، أيْ إزالَةُ العَتَبِ، فَهَمْزَةُ الإعْتابِ لِلْإزالَةِ قالَ تَعالى ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] فَصارَ اسْتُعْتِبَ المَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ جارِيًا عَلى اسْتَعْتَبَ المَبْنِيِّ لِلْمَعْلُومِ فَلَمّا قِيلَ: اسْتَعْتَبَ بِمَعْنى طَلَبَ العُتْبى صارَ اسْتُعْتِبَ المَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ بِمَعْنى أُعْتِبُ، فَمَعْنى ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ: ولا هم بِمُزالٍ عَنْهُمُ المُؤاخَذَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] .

وهَذا اسْتِعْمالٌ عَجِيبٌ جارٍ عَلى تَصارِيفَ مُتَعَدِّدَةٍ في الفَصِيحِ مِنَ الكَلامِ، وبَعْضُ اشْتِقاقِها غَيْرُ قِياسِيٍّ ومَن حاوَلُوا إجْراءَهُ عَلى القِياسِ اضْطُرُّوا إلى تَكْلِفاتٍ في المَعْنى لا يَرْضى بِها الذَّوْقُ السَّلِيمُ، والعَجَبُ وُقُوعُها في الكَشّافِ. وقالَ في القامُوسِ: واسْتَعْتَبَهُ: أعْطاهُ العُتْبى كَأعْتَبَهُ، وطَلَبَ إلَيْهِ العُتْبى ضِدٌّ.

والمَعْنى: لا يَنْفَعُهُمُ اعْتِذارٌ بِعُذْرٍ ولا إقْرارٌ بِالذَّنْبِ وطَلَبِ العَفْوِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ في سُورَةِ النَّمْلِ.

30:58–59Page 410

وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨

And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."

كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩

Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1

﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾

لَمّا انْتَهى ما أُقِيمَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وإثْباتِ البَعْثِ عَقِبَ

صفحة ١٣٤

ذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وبُلُوغِهِ الغايَةَ القُصْوى في البَيانِ والهُدى.

والضَّرْبُ حَقِيقَتُهُ: الوَضْعُ والإلْصاقُ. واسْتُعِيرَ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لِلذِّكْرِ والتَّبْيِينِ لِأنَّهُ كَوَضْعِ الدّالِّ بِلَصْقِ المَدْلُولِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦]، وتَقَدَّمَ أيْضًا آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩] المُتَقَدَّمِ في سُورَةِ الإسْراءِ، و(النّاسِ) أُرِيدَ بِهِ المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن تَكْرِيرِ هَذِهِ الأمْثالِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ إلَخْ فَهو وصْفٌ لِتَلَقِّي المُشْرِكِينَ أمْثالَ القُرْآنِ فَإذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ فِيها إرْشادُهم تَلَقَّوْها بِالِاعْتِباطِ والإنْكارِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ .

وضَمِيرُ جَمْعِ المُخاطِبِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِقَصْدِ تَعْظِيمِهِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا: إنْ أنْتَ إلّا مُبْطِلٌ، فَحُكِيَ كَلامُهم بِالمَعْنى لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ فَهو حِكايَةٌ بِاللَّفْظِ.

وهَذا تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن إيمانِ مُعانَدِيهِ، أيْ أيِمَّةِ الكُفْرِ مِنهم، ولِذَلِكَ اعْتَرَضَ بَعْدَهُ بِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ تَمْهِيدًا لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى غَلْوائِهِمْ، أيْ تِلْكَ سُنَّةُ أمْثالِهِمْ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الَّذِي عَلِمْتَهُ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ.

والطَّبْعُ عَلى القَلْبِ: تَصْيِيرُهُ غَيْرَ قابِلٍ لِفَهْمِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وهو الخَتْمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و”الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ“ مُرادٌ بِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسُهم، فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ وصْفِهِمْ بِانْتِفاءِ العِلْمِ عَنْهم بَعْدَ أنْ وُصِفُوا: بِالمُجْرِمِينَ، والَّذِينَ ظَلَمُوا، والَّذِينَ كَفَرُوا.

30:60Page 410

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠

So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].

صفحة ١٣٥

﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾

الأمْرُ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالصَّبْرِ تَفَرَّعَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨] لِتَضَمُّنِها تَأْيِيسَهُ مِن إيمانِهِمْ.

وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيِ اصْبِرْ عَلى تَعَنُّتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ وهو تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِتَحْقِيقِ وعْدِ اللَّهِ مِنَ الِانْتِقامِ مِنَ المُكَذِّبِينَ ومِن نَصْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والحَقُّ: مَصْدَرُ حَقَّ يُحِقُّ بِمَعْنى ثَبَتَ، فالحَقُّ: الثّابِتُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ ولا مُبالَغَةَ.

والِاسْتِخْفافُ: مُبالَغَةٌ في جَعْلِهِ خَفِيفًا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّقْوِيَةِ مِثْلُها في نَحْو: اسْتَجابَ واسْتَمْسَكَ، وهو ضِدُّ الصَّبْرِ. والمَعْنى: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى تَرْكِ الصَّبْرِ.

والخِفَّةُ مُسْتَعارَةٌ لِحالَةِ الجَزَعِ وظُهُورِ آثارِ الغَضَبِ. وهي مِثْلُ القَلَقِ المُسْتَعارِ مِنِ اضْطِرابِ الشَّيْءِ لِأنَّ آثارَ الجَزَعِ والغَضَبِ تُشْبِهُ تَقَلْقُلَ الشَّيْءِ الخَفِيفِ، فالشَّيْءُ الخَفِيفُ يَتَقَلْقَلُ بِأدْنى تَحْرِيكٍ، وفي ضِدِّهِ يُسْتَعارُ الرُّسُوخُ والتَّثاقُلُ. وشاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعاراتُ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ في الِاسْتِعْمالِ.

ونَهْيُ الرَّسُولِ عَنْ أنْ يَسْتَخِفَّهُ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ نَهْيٌ عَنِ الخِفَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَحْدُثَ لِلْعاقِلِ إذا رَأى عِنادَ مَن هو يُرْشِدُهُ إلى الصَّلاحِ، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَفِزُّ غَضَبَ الحَلِيمِ، فالِاسْتِخْفافُ هُنا هو أنْ يُؤَثِّرُوا في نَفْسِهِ ضِدَّ الصَّبْرِ، ويَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، فانْظُرْهُ إكْمالًا لِما هُنا.

وأسْنَدَ الِاسْتِخْفافَ إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّهم سَبَبُهُ بِما يَصْدُرُ مِن عِنادِهِمْ.

والَّذِينَ لا يُوقِنُونَ: هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ المُتَقَدِّمَةُ مِنَ

صفحة ١٣٦

الإجْرامِ، والظُّلْمِ، والكُفْرِ، وعَدَمِ العِلْمِ فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّصْرِيحِ بِمَساوِيهِمْ. قِيلَ: كانَ مِنهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ.

ومَعْنى لا يُوقِنُونَ أنَّهم لا يُوقِنُونَ بِالأُمُورِ اليَقِينِيَّةِ، أيِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الدَّلائِلُ القَطْعِيَّةُ فَهم مُكابِرُونَ.

* * *

صفحة ١٣٧

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ لُقْمانَ

سَمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِإضافَتِها إلى لُقْمانَ؛ لِأنَّ فِيها ذِكْرَ لُقْمانَ وحِكْمَتِهِ وجُمَلًا مِن حِكْمَتِهِ الَّتِي أدَّبَ بِها ابْنَهُ. ولَيْسَ لَها اسْمٌ غَيْرَ هَذا الِاسْمِ، وبِهَذا الِاسْمِ عُرِفَتْ بَيْنَ القُرّاءِ والمُفَسِّرِينَ. ولَمْ أقِفْ عَلى تَصْرِيحٍ بِهِ فِيما يُرْوى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَدٍ مَقْبُولٍ.

ورَوى البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لُقْمانَ بِمَكَّةَ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ في أشْهَرِ قَوْلَيْهِ وعَلَيْهِ إطْلاقُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ النَّحاسِ اسْتِثْناءُ ثَلاثِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى قَوْلِهِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩] . وعَنْ قَتادَةَ إلّا آيَتَيْنِ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، وفي تَفْسِيرِ الكَواشِيِّ حِكايَةُ قَوْلِ إنَّها مَكِّيَّةٌ عَدا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] قائِلًا لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ورَدَّهُ البَيْضاوِيُّ عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ بِأنَّ فَرْضَها بِالمَدِينَةِ لا يُنافِي تَشْرِيعَها بِمَكَّةَ عَلى غَيْرِ إيجابٍ، والمُحِقُّونَ يَمْنَعُونَ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ والزَّكاةُ فُرِضَتا بِالمَدِينَةِ فَأمّا الصَّلاةُ فَلا رَيْبَ في أنَّها فُرِضَتْ عَلى الجُمْلَةِ بِمَكَّةَ وأمّا الزَّكاةُ فَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ دُونَ تَعْيِينِ أنْصِباءٍ ومَقادِيرَ، ثُمَّ عُيِّنَتِ الأنْصِباءُ والمَقادِيرُ بِالمَدِينَةِ.

ويَتَحَصَّلُ مِن هَذا أنَّ القائِلَ بِأنَّ آيَةَ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [لقمان: ٤] إلى آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ قالَهُ مِن قِبَلِ رَأْيِهِ ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعْتَمَدُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ إلَخْ. ثُمَّ هو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صَدْرُ سُورَةِ النّازِلِ بِمَكَّةَ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ، ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [لقمان: ٥] إلَخْ ثُمَّ ألْحَقَ بِهِ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] .

صفحة ١٣٨

وأمّا القَوْلُ بِاسْتِثْناءِ آيَتَيْنِ وثَلاثٍ فَمُسْتَنِدٌ إلى ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخَرِ الآيَتَيْنِ أوِ الثَّلاثِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «مُجادَلَةٍ كانَتْ مِنَ اليَهُودِ أنَّ أحْبارَهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَهُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلًّا أرَدْتُ. قالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآياتِ» . وذَلِكَ مَرْوِيٌّ بِأسانِيدَ ضَعِيفَةٍ وعَلى تَسْلِيمِها فَقَدْ أُجِيبُ بِأنَّ اليَهُودَ جادَلُوا في ذَلِكَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ بِأنْ لَقَّنُوا ذَلِكَ وفْدًا مِن قُرَيْشٍ وفَدَ إلَيْهِمْ إلى المَدِينَةِ، وهَذا أقْرَبُ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ الأقْوالِ. وهَذِهِ الرِّواياتُ وإنْ كانَتْ غَيْرَ ثابِتَةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلّا أنَّ مِثْلَ هَذا يُكْتَفى فِيهِ بِالمَقْبُولِ في الجُمْلَةِ. قالَ أبُو حَيّانَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ قُرَيْشًا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ لُقْمانَ مَعَ ابْنِهِ، أيْ سَألُوهُ سُؤالَ تَعَنُّتٍ واخْتِبارٍ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ يُؤَيِّدُ تَصْدِيرَ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] .

وهَذِهِ السُّورَةُ هي السّابِعَةُ والخَمْسُونَ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الصّافّاتِ وقَبْلَ سُورَةِ سَبَأٍ.

وعُدَّتْ آياتُها ثَلاثًا وثَلاثِينَ في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأرْبَعًا وثَلاثِينَ في عَدِّ أهَّلِ الشّامِ والبَصْرَةِ والكُوفَةِ.

* * *

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ

الأغْراضُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ السُّورَةُ تَتَّصِلُ بِسَبَبِ نُزُولِها الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ سَألُوا عَنْ قِصَّةِ لُقْمانَ وابْنِهِ، وإذا جَمَعْنا بَيْنَ هَذا وبَيْنَ ما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] مِن أنَّ المُرادَ بِهِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ إذْ كانَ يُسافِرُ إلى بِلادِ الفُرْسِ فَيَقْتَنِي كُتُبَ قِصَّةِ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ وبَهْرامَ، وكانَ يَقْرَؤُها عَلى قُرَيْشٍ ويَقُولُ: يُخْبِرُكم مُحَمَّدٌ عَنْ عادٍ وثَمُودَ وأُحَدِّثُكم أنا عَنْ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ وبَهْرامَ، فَصُدِّرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِهَدْيِ القُرْآنِ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّهُ لا

صفحة ١٣٩

يَشْتَمِلُ إلّا عَلى ما فِيهِ هُدًى وإرْشادٌ لِلْخَيْرِ ومِثْلَ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ، فَلا التِفاتَ فِيهِ إلى أخْبارِ الجَبابِرَةِ وأهْلِ الضَّلالِ إلّا في مَقامِ التَّحْذِيرِ مِمّا هم فِيهِ ومِن عَواقِبِهِ، فَكانَ صَدْرُ هَذِهِ السُّورَةِ تَمْهِيدًا لِقِصَّةِ لُقْمانَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإلْماعُ إلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] ونَبَّهْتُ عَلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ بِهَذا التَّفْسِيرِ.

وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى تَسْفِيهِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وقِصَصِهِ الباطِلَةِ.

وابْتُدِئَ ذِكْرُ لُقْمانَ بِالتَّنْوِيهِ بِأنْ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ وأمَرَهُ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. وأُطِيلَ الكَلامُ في وصايا لُقْمانَ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ: مِنَ التَّحْذِيرِ مِنَ الإشْراكِ، ومِنَ الأمْرِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، ومِن مُراقَبَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والصَّبْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الكِبْرِ والعُجْبِ، والأمْرِ بِالِاتِّسامِ بِسِماتِ المُتَواضِعِينَ في المَشْيِ والكَلامِ.

وسَلَكَتِ السُّورَةُ أفانِينَ ذاتَ مُناسَباتٍ لِما تَضَمَّنَتْهُ وصِيَّةُ لُقْمانَ لِابْنِهِ، وأُدْمِجَ في ذَلِكَ تَذْكِيرُ المُشْرِكِينَ بِدَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وبِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ أعْرَضُوا عَنْ هَدْيِهِ وتَمَسَّكُوا بِما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم.

وذَكَرَتْ مَزِيَّةَ دِينِ الإسْلامِ.

وتَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ بِتَمَسُّكِ المُسْلِمِينَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، وأنَّهُ لا يُحْزِنُهُ كُفْرُ مَن كَفَرُوا.

وانْتَظَمَ في هَذِهِ السُّورَةِ الرَّدُّ عَلى المُعارِضِينَ لِلْقُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] وما بَعْدَها. وخُتِمَتْ بِالتَّحْذِيرِ مِن دَعْوَةِ الشَّيْطانِ والتَّنْبِيهِ إلى بُطْلانِ ادِّعاءِ عِلْمِ الغَيْبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском