Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:9–13
33:9Page 419
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾
ابْتِداءٌ لِغَرَضٍ عَظِيمٍ مِن أغْراضِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ والَّذِي حُفَّ بِآياتٍ وعِبَرٍ مِنِ ابْتِدائِهِ ومِن عَواقِبِهِ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَذْكِيرًا لِيَزِيدَهم يَقِينًا وتَبْصِيرًا. فافْتُتِحَ الكَلامُ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ لِأنَّهم أهْلُهُ وأحِقّاءُ بِهِ، ولِأنَّ فِيهِ تَخْلِيدَ كَرامَتِهِمْ ويَقِينِهِمْ وعِنايَةَ اللَّهِ بِهِمْ ولُطْفَهُ لَهم وتَحْقِيرًا لِعَدُوِّهِمْ ومَن يَكِيدُ لَهم، وأُمِرُوا أنْ يَذْكُرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ
صفحة ٢٧٧
ولا يَنْسَوْها لِأنَّ في ذِكْرِها تَجْدِيدًا لِلِاعْتِزازِ بِدِينِهِمْ والثِّقَةِ بِرَبِّهِمْ والتَّصْدِيقِ لِنَبِيِّهِمْ ﷺ .
واخْتِيرَتْ لِلتَّذْكِيرِ بِهَذا اليَوْمِ مُناسَبَةُ الأمْرِ بِعَدَمِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ لِأنَّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي حَفَّتْ بِالمُؤْمِنِينَ في يَوْمِ الأحْزابِ أنَّ اللَّهَ رَدَّ كَيْدَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَذَكَّرَ المُؤْمِنُونَ بِسابِقِ كَيْدِ المُنافِقِينَ في تِلْكَ الأزْمَةِ لِيَحْذَرُوا مَكائِدَهم وأراجِيفَهم في قَضِيَّةِ التَّبَنِّي وتَزَوُّجِ النَّبِيءِ ﷺ مُطَلَّقَةَ مُتَبَنّاهُ، ولِذَلِكَ خُصَّ المُنافِقُونَ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] الآياتِ؛ عَلى أنَّ قَضِيَّةَ إبْطالِ التَّبَنِّي وإباحَةِ تَزَوُّجِ مُطَلَقِ الأدْعِياءِ كانَ بِقُرْبِ وقْعَةِ الأحْزابِ.
وإذْ ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي مُتَعَلِّقٌ بِـ نِعْمَةَ لِما فِيها مِن مَعْنى الإنْعامِ، أيِ اذْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم زَمانَ جاءَتْكم جُنُودٌ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها.
وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تُشِيرُ إلى ما جَرى مِن عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ بِالمُؤْمِنِينَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ فَلْنَأْتِ عَلى خُلاصَةِ ما ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ والتَّفْسِيرِ لِيَكُونَ مِنهُ بَيانٌ لِمَطاوِي هَذِهِ الآياتِ.
وكانَ سَبَبَ هَذِهِ الغَزْوَةِ أنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ تَهادَنُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِمُدَّةِ عامٍ عَلى أنْ يَلْتَقُوا بِبَدْرٍ مِنَ العامِ القابِلِ فَلَمْ يَقَعْ قِتالٌ بِبَدْرٍ لِتَخَلُّفِ أبِي سُفْيانَ عَنِ المِيعادِ، فَلَمْ يُناوِشْ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ الفَرِيقَ الآخَرَ إلّا ما كانَ مِن حادِثَةِ غَدْرِ المُشْرِكِينَ بِالمُسْلِمِينَ وهي حادِثَةُ بِئْرِ مَعُونَةَ حِينَ غَدَرَتْ قَبائِلُ عُصَيَّةَ، ورِعْلٍ، وذَكْوانَ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِأرْبَعِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ إذْ سَألَ عامِرُ بْنُ مالِكٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُوَجِّهَهم إلى أهْلِ نَجْدٍ يَدْعُونَهم إلى الإسْلامِ. وكانَ ذَلِكَ كَيْدًا كادَهُ عامِرُ بْنُ مالِكٍ وذَلِكَ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مِنِ انْقِضاءِ غَزْوَةِ أُحُدٍ.
فَلَمّا أجْلى النَّبِيءُ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ لِما ظَهَرَ مِن غَدْرِهِمْ بِهِ وخَيْسِهِمْ بِالعَهْدِ الَّذِي لَهم مَعَ المُسْلِمِينَ، هُنالِكَ اغْتاظَ كَبَراءُ يَهُودِ قُرَيْظَةَ بَعْدَ الجَلاءِ وبَعْدَ أنْ نَزَلُوا بِدِيارِ بَنِي قُرَيْظَةَ وبِخَيْبَرَ فَخَرَجَ سَلّامُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ (بِتَشْدِيدِ لامِ سَلّامِ وضَمِّ حاءِ الحُقَيْقِ وفَتْحِ قافِهِ)
وكِنانَةُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ (بِضَمِّ حاءِ حُيَيٍّ، وفَتْحِ هَمْزَةِ وطاءِ أخْطَبَ) وغَيْرُهم في نَفَرٍ مِن بَنِي النَّضِيرِ فَقَدِمُوا عَلى قُرَيْشٍ لِذَلِكَ
صفحة ٢٧٨
وتَآمَرُوا مَعَ غَطَفانَ عَلى أنْ يَغْزُوا المَدِينَةَ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وأحابِيشُها وبَنُو كِنانَةَ في عَشَرَةِ آلافٍ وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ، وخَرَجَتْ غَطَفانُ في ألْفٍ قائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وخَرَجَتْ مَعَهم هَوازِنُ وقائِدُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ.
وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَزْمُهم عَلى مُنازَلَةِ المَدِينَةِ أبْلَغَتْهُ إيّاهُ خُزاعَةُ وخافَ المُسْلِمُونَ كَثْرَةَ عَدُوِّهِمْ، وأشارَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ أنْ يُحْفَرَ خَنْدَقٌ يُحِيطُ بِالمَدِينَةِ تَحْصِينًا لَها مِن دُخُولِ العَدُوِّ فاحْتَفَرَهُ المُسْلِمُونَ والنَّبِيءُ ﷺ مَعَهم يَحْفُرُ ويَنْقُلُ التُّرابَ، وكانَتْ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ سَنَةَ أرْبَعٍ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: سَنَةَ خَمْسٍ. وهو الَّذِي اشْتَهَرَ عِنْدَ النّاسِ وجَرى عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ في جامِعِ البَيانِ والتَّحْصِيلِ اتِّباعًا لِما اشْتُهِرَ، وقَوْلُ مالِكٍ أصَحُّ.
وعِنْدَما تَمَّ حَفْرُ الخَنْدَقِ أقْبَلَتْ جُنُودُ المُشْرِكِينَ وتَسَمَّوْا بِالأحْزابِ لِأنَّهم عِدَّةُ قَبائِلَ تَحَزَّبُوا، أيْ صارُوا حِزْبًا واحِدًا، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَكانَ وُرُودُ قُرَيْشٍ مِن أسْفَلَ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ، ووُرُودُ غَطَفانَ وهَوازِنَ مِن أعْلى الوادِي مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، فَنَزَلَ جَيْشُ قُرَيْشٍ بِمُجْتَمَعِ الأسْيالِ مِن رُومَةَ بَيْنَ الجُرْفِ وزُغابَةَ (بِزايٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وبَعْضُهم يَرْوِيهِ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ وبَعْضُهم يَقُولُ: والغابَةُ،، والتَّحْقِيقُ هو الأوَّلُ كَما في الرَّوْضِ الأُنُفِ) ونَزَلَ جَيْشُ غَطَفانَ وهَوازِنَ بِذَنَبِ نَقْمى إلى جانِبِ أُحُدٍ، وكانَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وخَرَجَ المُسْلِمُونَ إلى خارِجِ المَدِينَةِ فَعَسْكَرُوا تَحْتَ جَبَلِ سَلْعٍ وجَعَلُوا ظُهُورَهم إلى الجَبَلِ والخَنْدَقَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ، وجَعَلَ المُسْلِمُونَ نِساءَهم وذَرارِيهِمْ في آطامِ المَدِينَةِ، وأمَّرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى المَدِينَةِ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ودامَ الحالُ كَذَلِكَ بِضْعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً لَمْ تَكُنْ بَيْنَهم فِيها حَرْبٌ إلّا مُصارَعَةٌ بَيْنَ ثَلاثَةِ فُرْسانٍ اقْتَحَمُوا الخَنْدَقَ مِن جِهَةٍ ضَيِّقَةٍ عَلى أفَراسِهِمْ فَتَقاتَلُوا في السَّبْخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ وسَلْعٍ وقُتِلَ أحَدُهم، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وفَرَّ صاحِباهُ، وأصابَ سَهْمٌ غَرْبٌ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ في أكْحُلِهِ فَكانَ مِنهُ مَوْتُهُ في المَدِينَةِ. ولَحِقَتِ المُسْلِمِينَ شِدَّةٌ مِنَ الحِصارِ وخَوْفٌ مِن كَثْرَةِ جَيْشِ عَدُوِّهِمْ حَتّى «هَمَّ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يُصالِحَ الأحْزابَ عَلى أنْ يُعْطِيَهم نِصْفَ ثَمَرِ المَدِينَةِ في عامِهِمْ ذَلِكَ يَأْخُذُونَهُ عِنْدَ طِيبِهِ وكادَ أنْ يَكْتُبَ مَعَهم كِتابًا في ذَلِكَ، فاسْتَشارَ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ وسَعْدَ بْنَ عُبادَةَ فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ:
صفحة ٢٧٩
قَدْ كُنّا نَحْنُ وهَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى الشِّرْكِ ولا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ثَمَرَةً إلّا قِرًى أوْ بَيْعًا، أفَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وأعَزَّنا بِكَ نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا واللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَأبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما كانَ عَزَمَ عَلَيْهِ» .
وأرْسَلَ اللَّهُ عَلى جَيْشِ المُشْرِكِينَ رِيحًا شَدِيدَةً فَأزالَتْ خِيامَهم وأكْفَأتْ قُدُورَهم وأطْفَأتْ نِيرانَهم، واخْتَلَّ أمْرُهم، وهَلَكَ كُراعُهم وخُفُّهم، وحَدَثَ تَخاذُلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرَيْظَةَ وظَنَّتْ قُرَيْشٌ أنَّ قُرَيْظَةَ صالَحَتِ المُسْلِمِينَ وأنَّهم يَنْضَمُّونَ إلى المُسْلِمِينَ عَلى قِتالِ الأحْزابِ، فَرَأى أهْلُ الأحْزابِ الرَّأْيَ في أنْ يَرْتَحِلُوا فارْتَحَلُوا عَنِ المَدِينَةِ وانْصَرَفَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ راجِعًا إلى المَدِينَةِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ ذُكِرَ تَوْطِيئَةً لِقَوْلِهِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ إلَخْ لِأنَّ ذَلِكَ هو مَحَلُّ المِنَّةِ.
والرِّيحُ المَذْكُورَةُ هُنا هي رِيحُ الصَّبا وكانَتْ بارِدَةً وقَلَعَتِ الأوْتادَ والأطْنابَ وسَفَّتِ التُّرابَ في عُيُونِهِمْ وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ وهَلَكَ كَثِيرٌ مِن خَيْلِهِمْ وإبِلِهِمْ وشائِهِمْ. وفِيها قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «”نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ“» .
والجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْها هي جُنُودُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ أرْسَلُوا الرِّيحَ وألْقَوُا التَّخاذُلَ بَيْنَ الأحْزابِ وكانُوا وسِيلَةَ إلْقاءِ الرُّعْبِ في نُفُوسِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ في مَوْقِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ، وهي إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ نَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِما لَقِيَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ المَشَقَّةِ والمُصابَرَةِ في حَفْرِ الخَنْدَقِ والخُرُوجِ مِن دِيارِهِمْ إلى مُعَسْكَرِهِمْ خارِجَ المَدِينَةِ وبَذْلِهِمُ النُّفُوسَ في نَصْرِ دِينِ اللَّهِ فَجازاهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ المُبِينِ كَما قالَ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ ومَحْمَلُها عَلى الِالتِفاتِ. والجُنُودُ الأُوَّلُ جَمْعُ جُنْدٍ، وهو الجَمْعُ المُتَّحِدُ المُتَناصِرُ ولِذَلِكَ غَلَبَ عَلى الجَمْعِ المُجْتَمِعِ لِأجْلِ القِتالِ فَشاعَ الجُنْدُ بِمَعْنى الجَيْشِ. وذَكَرَ جُنُودَ هُنا بِلَفْظِ الجَمْعِ مَعَ
صفحة ٢٨٠
أنَّ مُفْرَدَهُ مُؤْذِنٌ بِالجَماعَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] فَجَمَعَهُ هُنا لِأنَّهم كانُوا مُتَجَمِّعِينَ مِن عِدَّةِ قَبائِلَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ جَيْشٌ خَرَجُوا مُتَسانِدِينَ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والجُنُودُ الثّانِي جَمْعُ جُنْدٍ بِمَعْنى الجَماعَةِ مِن صِنْفٍ واحِدٍ. والمُرادُ بِهِمْ مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ والخَوْفِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ.
33:10–11Page 419
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾
﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ.
والمُرادُ بِـ فَوْقِ وأسْفَلَ ”فَوْقُ“ جِهَةِ المَدِينَةِ وأسْفَلُها.
﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ عَطْفٌ عَلى البَدَلِ وهو مِن جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ، والتَّعْرِيفُ في الأبْصارُ والقُلُوبُ والحَناجِرَ لِلْعَهْدِ، أيْ أبْصارُ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم وحَناجِرَهم، أوْ تُجْعَلُ اللّامُ فِيها عِوَضًا عَنِ المُضافاتِ إلَيْها، أيْ زاغَتْ أبْصارُكم وبَلَغَتْ قُلُوبُكم حَناجِرَكم.
والزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الاسْتِواءِ إلى الِانْحِرافِ. فَزَيْغُ البَصَرِ أنْ لا يَرى ما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ، أوْ أنْ يُرِيدَ التَّوَجُّهَ إلى صَوْبٍ فَيَقَعَ إلى صَوْبٍ آخَرَ مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ والِانْذِعارِ.
والحَناجِرُ: جَمَعُ حَنْجَرَةٍ بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الجِيمِ: مُنْتَهى الحُلْقُومِ وهي رَأْسُ الغَلْصَمَةِ. وبُلُوغُ القُلُوبِ الحَناجِرَ تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ اضْطِرابِ القُلُوبِ مِنَ الفَزَعِ والهَلَعِ حَتّى كَأنَّها لِاضْطِرابِها تَتَجاوَزُ مَقارَّها وتَرْتَفِعُ طالِبَةً الخُرُوجَ مِنَ الصُّدُورِ فَإذا بَلَغَتِ الحَناجِرَ لَمْ تَسْتَطِعْ تُجاوُزَها مِنَ الضِّيقِ؛ فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ قَلْبِ الهُلُوعِ المَرْعُودِ بِهَيْئَةِ قَلْبٍ تَجاوَزَ مَوْضِعَهُ وذَهَبَ مُتَصاعِدًا طالِبًا الخُرُوجَ، فالمُشَبَّهُ القَلْبُ نَفْسُهُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الهَيْئَتَيْنِ.
صفحة ٢٨١
ولَيْسَ الكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّ القُلُوبَ لا تَتَجاوَزُ مَكانَها، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ، وبَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقِيَ.
وجُمْلَةُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿زاغَتِ الأبْصارُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْحالِ وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ تِلْكَ الظُّنُونِ بِتَجَدُّدِ أسْبابِها كِنايَةً عَنْ طُولِ مُدَّةِ هَذا البَلاءِ.
وفِي صِيغَةِ المُضارِعِ مَعْنى التَّعْجِيبِ مِن ظُنُونِهِمْ لِإدْماجِ العِتابِ بِالِامْتِنانِ فَإنَّ شِدَّةَ الهَلَعِ الَّذِي أزاغَ الأبْصارَ وجَعَلَ القُلُوبَ بِمِثْلِ حالَةِ أنْ تَبْلُغَ الحَناجِرَ، دَلَّ عَلى أنَّهم أشْفَقُوا مِن أنْ يُهْزَمُوا لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ الأحْزابِ وضِيقِ الحِصارِ أوْ خافُوا طُولَ مُدَّةِ الحَرْبِ وفَناءَ الأنْفُسِ، أوْ أشْفَقُوا مِن أنْ تَكُونَ مِنَ الهَزِيمَةِ جَراءَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الظُّنُونِ وتَفاوُتِ دَرَجاتِ أهْلِها.
والمُؤْمِنُ وإنْ كانَ يَثِقُ بِوَعْدِ رَبِّهِ لَكِنَّهُ لا يَأْمَنُ غَضَبَهُ مِن جَرّاءِ تَقْصِيرِهِ، ويَخْشى أنْ يَكُونَ النَّصْرُ مُرْجَأً إلى زَمَنٍ آخَرَ، فَإنَّ ما في عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ لا يُحاطُ بِهِ.
وحُذِفَ مَفْعُولا (تَظُنُّونَ) بِدُونِ وُجُودِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِهِما فَهو حَذْفٌ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ويُسَمّى هَذا الحَذْفُ عِنْدَ النُّحاةِ الحَذْفَ اقْتِصارًا، أيْ لِلِاقْتِصارِ عَلى نِسْبَةِ فِعْلِ الظَّنِّ لِفاعِلِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْزِيلِ أنْ تَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ، وهو حَذْفٌ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا في الكَلامِ الفَصِيحِ وعَلى جَوازِهِ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢]، وقَوْلُ المَثَلِ: مَن يَسْمَعْ يَخَلْ، ومَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ.
وضُمِّنَ (تَظُنُّونَ) مَعْنى تَلْحَقُونَ فَعُدِّيَ بِالباءِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُهم: ظَنَنْتُ بِهِ، مَعْناهُ: جَعَلْتُهُ مَوْضِعَ ظَنِّي، ولَيْسَتِ الباءُ هُنا بِمَنزِلَتِها في ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]، أيْ لَيْسَتْ زائِدَةً، ومَجْرُورُها مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَها كَأنَّكَ قُلْتَ: ظَنَنْتُ في الدّارِ، ومِثْلُهُ: شَكَكْتُ فِيهِ، أيْ فالباءَ عِنْدَهُ بِمَعْنى ”في“ . والوَجْهُ أنَّها لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المَسَرَّدِ
صفحة ٢٨٢
وسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (الظُّنُونا) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلْعَدَدِ، وهو جَمْعُ ظَنٍّ. وتَعْرِيفُهُ بِاللّامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وجَمْعُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنْواعٍ مِنَ الظَّنِّ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
أتَيْتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابِي ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ
وكُتِبَ الظُّنُونا في الإمامِ بَعْدَ النُّونِ، زِيدَتْ هَذِهِ الألِفُ في النُّطْقِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ في الوُقُوفِ، لِأنَّ الفَواصِلَ مِثْلَ الأسْجاعِ تُعْتَبَرُ مَوْقُوفًا عَلَيْها لِأنَّ المُتَكَلِّمَ أرادَها كَذَلِكَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ بُنِيَتْ عَلى فاصِلَةِ الألِفِ مِثْلَ القَصائِدِ المَقْصُورَةِ، كَما زِيدَتِ الألِفُ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦]) وقَوْلِهِ (﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧]) .
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: مَن أثْبَتَ الألِفَ في الوَصْلِ لِأنَّها في المُصْحَفِ كَذَلِكَ وهو رَأْسُ آيَةِ ورُءُوسُ الآياتِ تُشَبَّهُ بِالقَوافِي مِن حَيْثُ كانَتْ مَقاطِعَ، فَأمّا مَن طَرَحَ الألِفَ في الوَصْلِ فَإنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ في القَوافِي ولَيْسَ رُءُوسُ الآيِ بِقَوافٍ.
فَأمّا القُرّاءُ فَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِإثْباتِ الألِفِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ الألِفِ في الوَصْلِ وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِحَذْفِ الألِفِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ خَلَفٌ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ النُّونِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ. وهَذا اخْتِلافٌ مِن قَبِيلِ الِاخْتِلافِ في وُجُوهِ الأداءِ لا في لَفْظِ القُرْآنِ. وهي كُلُّها فَصِيحَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلَيْها لِأنَّ الفَواصِلَ كالأسْجاعِ والأسْجاعَ كالقَوافِي.
والإشارَةُ بِـ هُنالِكَ إلى المَكانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] وقَوْلُهُ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ . والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الزَّمانِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ إذْ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ . وكَثِيرًا ما يُنَزَّلُ أحَدُ الظَّرْفَيْنِ مَنزِلَةَ الآخَرِ ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنالِكَ ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ فِيهِ
صفحة ٢٨٣
ابْتُلِيَ اهـ. قُلْتُ: ومِنهُ دُخُولُ (لاتَ) عَلى (هَنّا) في قَوْلِ حَجْلِ بْنِ نَضْلَةَ:
خَنَّتْ نَوارُ ولاتَ هَنّا حَنَّتِ ∗∗∗ وبَدا الَّذِي كانَتْ نَوارُ أجَنَّتِ
فَإنَّ (لاتَ) خاصَّةٌ بِنَفْيِ أسْماءِ الزَّمانِ فَكانَ (هَنّا) إشارَةً إلى زَمانٍ مُنْكَرٍ وهو لُغَةٌ في (هُنا) . ويَقُولُونَ: يَوْمُ هُنا، أيْ يَوْمُ أوَّلَ، فَيُشِيرُونَ إلى زَمَنٍ قَرِيبٍ، وأصْلُ ذَلِكَ مَجازٌ تُوُسِّعَ فِيهِ وشاعَ.
والِابْتِلاءُ: أصْلُهُ الِاخْتِبارُ، ويُطْلَقُ كِنايَةً عَنْ إصابَةِ الشِّدَّةِ لِأنَّ اخْتِبارَ حالِ الثَّباتِ والصَّبْرِ لازِمٌ لَها، وسَمّى اللَّهُ ما أصابَ المُؤْمِنِينَ ابْتِلاءً إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يُزَعْزِعْ إيمانَهم.
والزِّلْزالُ: اضْطِرابُ الأرْضِ، وهو مُضاعَفُ زَلَّ تَضْعِيفًا يُفِيدُ المُبالَغَةَ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِاخْتِلالِ الحالِ اخْتِلالًا شَدِيدًا بِحَيْثُ تُخَيَّلُ مُضْطَرِبَةً اضْطِرابًا شَدِيدًا كاضْطِرابِ الأرْضِ وهو أشَدُّ اضْطِرابًا لِلِحاقِهِ أعْظَمَ جِسْمٍ في هَذا العالَمِ. ويُقالُ: زُلْزِلَ فُلانٌ، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ تَبَعًا لِقَوْلِهِمْ: زُلْزِلَتِ الأرْضُ، إذْ لا يُعْرَفُ فاعِلُ هَذا الفِعْلِ عُرْفًا. وهَذا هو غالِبُ اسْتِعْمالِهِ قالَ تَعالى: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ.
والمُرادُ بِزَلْزَلَةِ المُؤْمِنِينَ شِدَّةُ الِانْزِعاجِ والذُّعْرِ لِأنَّ أحْزابَ العَدُوِّ تَفُوقُهم عَدَدًا وعُدَّةً.
33:12–13Page 419
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أْهَلَ يَثْرِبَ لا مَقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيءَ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ [الأحزاب: ١٠] فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا أُلْحِقَ بِالمُسْلِمِينَ ابْتِلاءً فَبَعْضُهُ مِن حالِ الحَرْبِ وبَعْضُهُ مِن أذى المُنافِقِينَ، لِيَحْذَرُوا المُنافِقِينَ فِيما يَحْدُثُ مِن بَعْدُ، ولِئَلّا يَخْشَوْا كَيْدَهم فَإنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ كَما صَرَفَ أشَدَّهُ يَوْمَ الأحْزابِ.
صفحة ٢٨٤
وقَوْلُ المُنافِقِينَ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قالُوهُ عَلَنًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ قَصَدُوا بِهِ إدْخالَ الشَّكِّ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرُدُّونَهم عَنْ دِينِهِمْ فَأوْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلَخْ أنَّهم مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنِسْبَةُ الغُرُورِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ إمّا عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وإمّا لِأنَّهم بِجَهْلِهِمْ يُجَوِّزُونَ عَلى اللَّهِ أنْ يَغُرَّ عِبادَهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ مِلَّتِهِمْ فَيَكُونُ نِسْبَةُ الوَعْدِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ تَهَكُّمًا كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] .
والغُرُورُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ المَكْرُوهِ في صُورَةِ المَحْبُوبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهُمُ النَّصْرَ فَكانَ الأمْرُ هَزِيمَةً وهم يَعْنُونَ الوَعْدَ العامَّ وإلّا فَإنَّ وقْعَةَ الخَنْدَقِ جاءَتْ بَغْتَةً ولَمْ يُرْوَ أنَّهم وُعِدُوا فِيها بِنَصْرٍ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هُمُ الَّذِينَ كانُوا مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ فَأخْلَصُوا يَوْمَئِذٍ النِّفاقَ وصَمَّمُوا عَلَيْهِ.
والمُرادُ بِالطّائِفَةِ الَّذِينَ قالُوا ﴿يا أْهَلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا﴾
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وأصْحابُهُ. كَذا قالَ السُّدِّيُّ. وقالَ الأكْثَرُ هو أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أحَدُ بَنِي حارِثَةَ، وهو والِدُ عَرابَةَ بْنِ أوْسٍ المَمْدُوحِ بِقَوْلِ الشَّمّاخِ:
رَأيْتُ عَرابَةَ الأوْسِيَّ يَسْمُو إلى الخَيْراتِ مُنْقَطِعَ القَرِينِ
فِي جَماعَةٍ مِن مُنافِقِي قَوْمِهِ. والظّاهِرُ هو ما قالَهُ
السُّدِّيُّ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، فَهو الَّذِي يَدْعُو أهْلَ يَثْرِبَ كُلَّهم.
وقَوْلُهُ (﴿لا مَقامَ لَكُمْ﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ وهو اسْمٌ لِمَكانِ القِيامِ، أيِ الوُجُودِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ المِيمِ، أيْ مَحَلُّ الإقامَةِ، والنَّفْيُ هُنا بِمَعْنى نَفْيِ المَنفَعَةِ فَلَمّا رَأى هَذا الفَرِيقُ قِلَّةَ جَدْوى وُجُودِهِمْ جَعَلَها كالعَدَمِ، أيْ لا فائِدَةَ لَكم في ذَلِكَ، وهو يَرُومُ تَخْزِيلَ النّاسِ كَما فَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
ويَثْرِبُ: اسْمُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ يَثْرِبُ: اسْمُ أرْضٍ والمَدِينَةُ
صفحة ٢٨٥
فِي ناحِيَةٍ مِنها، أيِ اسْمُ أرْضٍ بِما فِيها مِنَ الحَوائِطِ والنَّخْلِ والمَدِينَةُ في تِلْكَ الأرْضِ سُمِّيتْ باسِمِ يَثْرِبَ مِنَ العَمالِقَةِ، وهو يَثْرِبُ مِن قانِيَةَ الحَفِيدِ الخامِسِ لِإرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ
البَراءِ بْنِ عازِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ نَهى عَنْ تَسْمِيَتِها يَثْرِبَ وسَمّاها طابَةَ» .
وفِي قَوْلِهِ ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ، وهو الِاتِّزانُ لِأنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ مِنهُ مِصْراعٌ مِن بَحْرِ السَّرِيعِ مِن عَرُوضِهِ الثّانِيَةِ المَخْبُولَةِ المَكْشُوفَةِ إذْ صارَتْ ”مَفْعُولاتُ“ بِمَجْمُوعِ الخَبْلِ والكَشْفِ إلى (فَعِلُنْ) فَوَزْنُهُ (مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ) .
والمُرادُ بِقَوْلِهِ فَرِيقٌ مِنهم جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، ولَيْسُوا فَرِيقًا مِنَ الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، بَلْ هَؤُلاءِ هُمْ
أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وجَمْعٌ مِن عَشِيرَتِهِ بَنِي حارِثَةَ وكانَ بَنُو حارِثَةَ أكْثَرُهم مُسْلِمِينَ وفِيهِمْ مُنافِقُونَ، فَجاءَ مُنافِقُوهم يَعْتَذِرُونَ بِأنَّ مَنازِلَهم عَوْرَةٌ، أيْ غَيْرُ حَصِينَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قالَتْ طائِفَةٌ، وجِيءَ فِيها بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَلِحُّونَ في الِاسْتِئْذانِ ويُكَرِّرُونَهُ ويُجَدِّدُونَهُ.
والعَوْرَةُ: الثَّغْرُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ العَدُوُّ أنْ يَتَسَرَّبَ مِنهُ إلى الحَيِّ، قالَ لَبِيدٌ:
وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
والِاسْتِئْذانُ: طَلَبُ الإذْنِ وهَؤُلاءِ رامُوا الِانْخِزالَ واسْتَحْيَوْا. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أذِنَ لَهم. وذَكَرَ أهْلُ السِّيَرِ أنَّ ثَمانِينَ مِنهم رَجَعُوا دُونَ إذْنِهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهم وإلّا لَما ظَهَرَ تَمَيُّزُهم عَنْ غَيْرِهِمْ، وأيْضًا فَإنَّ في الفِعْلِ المُضارِعِ مِن قَوْلِهِ (يَسْتَأْذِنُ) إيماءً إلى أنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهم وسَتَعْلَمُ ذَلِكَ، ومَنازِلُ بَنِي حارِثَةَ كانَتْ في أقْصى المَدِينَةِ قُرْبَ مَنازِلِ بَنِي سَلَمَةَ فَإنَّهُما كانا حَيَّيْنِ مُتَلازِمَيْنِ قالَ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران: ١٢٢] هُما بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ بَنِي سَلَمَةَ رامُوا أنْ يَنْقُلُوا مَنازِلَهم قُرْبَ المَسْجِدِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ يا بَنِي سَلَمَةَ ألا تَحْتَسِبُونَ آثارَكم» أيْ خُطاكم.
صفحة ٢٨٦
فَهَذا الفَرِيقُ مِنهم يَعْتَلُّونَ بِأنَّ مَنازِلَهم بَعِيدَةٌ عَنِ المَدِينَةِ وآطامِها.
والتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ إنَّ في قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ تَمْوِيهٌ لِإظْهارِ قَوْلِهِمْ ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ في صُورَةِ الصِّدْقِ. ولَمّا عَلِمُوا أنَّهم كاذِبُونَ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَعْلَمُ كَذِبَهم جَعَلُوا تَكْذِيبَهُ إيّاهم في صُورَةِ أنَّهُ يَشُكُّ في صِدْقِهِمْ فَأكَّدُوا الخَبَرَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ مَسْئُولًا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾ [الأحزاب: ١٦] الآيَةَ.
فَقَوْلُهُ ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ تَكْذِيبٌ لَهم فَإنَّ المَدِينَةَ كانَتْ مُحَصَّنَةً يَوْمَئِذٍ بِخَنْدَقٍ وكانَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ حارِسَها. ولَمْ يُقْرَنْ هَذا التَّكْذِيبُ بِمُؤَكِّدٍ لِإظْهارِ أنَّ كَذِبَهم واضِحٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى تَأْكِيدٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences