Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:18–21

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:18–21

33:18Page 420

۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨

Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩]

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧] لِأنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤالًا يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم يُخْفُونَ مَقاصِدَهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا يَشْعُرُ بِمُرادِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْذانِ، فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أيْ فاللَّهُ يُنْبِئُ رَسُولَهُ بِكم بِأنَّ فِعْلَ أُولَئِكَ تَعْوِيقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَدْ جُعِلَ هَذا الِاسْتِئْنافُ تَخَلُّصًا لِذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ المُعَوِّقِينَ.

و(قَدْ) مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّهم لِنِفاقِهِمْ ومَرَضِ قُلُوبِهِمْ يَشُكُّونَ في لازِمِ هَذا الخَبَرِ وهو إنْباءُ اللَّهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ، أوْ لِأنَّهم لِجَهْلِهِمُ النّاشِئِ عَنِ الكُفْرِ يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ خَفايا القُلُوبِ. وذَلِكَ لَيْسَ بِعَجِيبٍ في عَقائِدِ أهْلِ الكُفْرِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ أوْ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيُّ كَثِيرَةُ شَحْمِ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةُ فِقْهِ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا. وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] .

صفحة ٢٩٤

فَلِلتَّوْكِيدِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَوْقِعٌ.

ودُخُولُ (قَدْ) عَلّى المُضارِعِ لا يُخْرِجُها عَنْ مَعْنى التَّحْقِيقِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّ ما تَوَهَّمُوهُ مِنَ التَّقْلِيلِ إنَّما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ في بَعْضِ المَواضِعِ لا مِن دَلالَةِ قَدْ، ومِثْلُهُ إفادَةُ التَّكْثِيرِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] في آخِرِ سُورَةِ النُّورِ.

والمُعَوِّقُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن عَوَّقَ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ حُصُولِ العَوْقِ. يُقالُ: عاقَهُ عَنْ كَذا، إذا مَنَعَهُ وثَبَّطَهُ عَنْ شَيْءٍ، فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلشِّدَّةِ والتَّكْثِيرِ مِثْلَ: قَطَّعَ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ قِطَعًا كَبِيرَةً، ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، أيْ أحْكَمَتْ غَلْقَها. ويَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ القاصِرِ مِثْلَ: مَوَّتَ المالُ، إذا كَثُرَ المَوْتُ في الإبِلِ، وطَوَّفَ فُلانٌ، إذا أكْثَرَ الطَّوافَ، والمَعْنى: يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَحْرِصُونَ عَلى تَثْبِيطِ النّاسِ عَنِ القِتالِ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ مِنكم لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾ [الأحزاب: ١٦] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُونَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا هُمُ المُعَوِّقِينَ أنْفُسُهم فَيَكُونَ مِن عَطْفِ صِفاتِ المَوْصُوفِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ:

إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا طائِفَةً أُخْرى وإخْوانُهم هُمُ المُوافِقُونَ لَهم في النِّفاقِ، فالمُرادُ: الأُخُوَّةُ في الرَّأْيِ والدِّينِ. وذَلِكَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، ومَن مَعَهُما مِنَ الَّذِينَ انْخَزَلُوا عَنْ جَيْشِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَرَجَعُوا إلى المَدِينَةِ كانُوا يُرْسِلُونَ إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لَهم ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيِ ارْجِعُوا إلَيْنا. قالَ قَتادَةُ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُونَ لَهم: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ (أيْ نَفَرٌ قَلِيلٌ يَأْكُلُونَ رَأْسَ بَعِيرٍ) ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ ومِن مَعَهُ (تَمْثِيلًا بِأنَّهم سَهْلٌ تَغَلُّبُ أبِي سُفْيانَ عَلَيْهِمْ) .

وهَلُمَّ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى أقْبِلْ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ وهي الفُصْحى، فَلِذَلِكَ تَلْزَمُ هَذِهِ الكَلِمَةُ حالَةً واحِدَةً عِنْدَهم لا تَتَغَيَّرُ عَنْها، يَقُولُونَ: هَلُمَّ، لِلْواحِدِ

صفحة ٢٩٥

والمُتَعَدِّدِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وهي فِعْلٌ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ فَلِذَلِكَ يُلْحِقُونَها العَلاماتِ يَقُولُونَ: هَلُمَّ وهَلُمِّي وهَلُمّا وهَلُمُّوا وهَلْمُمْنَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمَعْنى: انْخَزِلُوا عَنْ جَيْشِ المُسْلِمِينَ وأقْبِلُوا إلَيْنا.

وجُمْلَةُ ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ القائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى المُعَوِّقِينَ والقائِلِينَ لِأنَّ الفِعْلَ يُعْطَفُ عَلى المُشْتَقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا فَأثَرْنَ﴾ [العاديات: ٣] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ [الحديد: ١٨]، فالتَّقْدِيرُ هُنا: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوَّقِينَ والقائِلِينَ وغَيْرَ الآتِينَ البَأْسَ، أوْ والَّذِينَ لا يَأْتُونَ البَأْسَ. ولَيْسَ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ العِلْمِ إلى لا يَأْتُونَ إشْكالٌ لِأنَّهُ عَلى تَأْوِيلٍ كَما أنَّ عَمَلَ النّاسِخِ في قَوْلِهِ وأقْرَضُوا عَلى تَأْوِيلِ، أيْ يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهم لا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا، أيْ يَعْلَمُ أنَّهم لا يَقْصِدُونَ بِجَمْعِ إخْوانِهِمْ مَعَهُمُ الِاعْتِضادَ بِهِمْ في الحَرْبِ ولَكِنْ عَزْلَهم عَنِ القِتالِ.

ومَعْنى إلّا قَلِيلًا إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وهو زَمانُ حُضُورِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ المُرابِطِينَ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، أيْ إيمانًا ظاهِرًا، ومِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أو بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقَلِيلًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إتْيانًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ تَظْهَرُ في قِلَّةِ زَمانِهِ وفي قِلَّةِ غَنائِهِ.

والبَأْسُ: الحَرْبُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وإتْيانُ الحَرْبِ مُرادٌ بِهِ إتْيانُ أهْلِ الحَرْبِ أوْ مَوْضِعِها. والمُرادُ: البَأْسُ مَعَ المُسْلِمِينَ، أيْ مَكْرًا بِالمُسْلِمِينَ لا جُبْنًا.

و﴿أشِحَّةً﴾ [الأحزاب: ١٩] جَمْعُ شَحِيحٍ بِوَزْنِ أفْعِلَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وهو فَصِيحٌ وقِياسُهُ أشِحّاءُ. وضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ عَلَيْكم لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِلْمُسْلِمِينَ، وهو انْتِقالٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم إلى كَشْفِ أحْوالِهِمْ لِلرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ بِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ . وتَقَدَّمَ الشُّحُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ٢٩٦

و﴿أشِحَّةً﴾ [الأحزاب: ١٩] حالٌ مِن ضَمِيرِ يَأْتُونَ. والشُّحُّ: البُخْلُ بِما في الوُسْعِ مِمّا يَنْفَعُ الغَيْرَ. وأصْلُهُ: عَدَمُ بَذْلِ المالِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مَنعِ المَقْدُورِ مِنَ النَّصْرِ أوِ الإعانَةِ، وهو يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَبْخُولِ بِهِ بِالباءِ وبِـ عَلى قالَ تَعالى: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] ويَتَعَدّى إلى الشَّخْصِ المَمْنُوعِ بِـ عَلى أيْضًا لِما في الشُّحِّ مِن مَعْنى الِاعْتِداءِ فَتَعْدِيَتُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] مِنَ التَّعْدِيَةِ إلى المَمْنُوعِ.

والمَعْنى: يَمْنَعُونَكم ما في وُسْعِهِمْ مِنَ المالِ أوِ المَعُونَةِ، أيْ إذا حَضَرُوا البَأْسَ مَنَعُوا فائِدَتَهم عَنِ المُسْلِمِينَ ما اسْتَطاعُوا ومِن ذَلِكَ شُحُّهم بِأنْفُسِهِمْ وكُلِّ ما يُشَحُّ بِهِ.

ويَجُوزُ جَعْلُ عَلى هُنا مُتَعَدِّيَةً إلى المُضْنُونِ بِهِ، أيْ كَما في البَيْتِ الَّذِي أنْشَدَهُ الجاحِظُ:

لَقَدْ كُنْتَ في قَوْمٍ عَلَيْكَ أشِحَّةً ∗∗∗ بِنَفْسِكَ إلّا أنَّ ما طاحَ طائِحُ

وجَعَلَ المَعْنى: أشِحَّةً في الظّاهِرِ، أيْ يُظْهِرُونَ أنَّهم يَخافُونَ عَلَيْكُمُ الهَلاكَ فَيَصُدُّونَكم عَنِ القِتالِ ويُحَسِّنُونَ إلَيْكُمُ الرُّجُوعَ عَنِ القِتالِ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ.

وفُرِّعَ عَلى وصْفِهِمْ بِالشُّحِّ عَلى المُسْلِمِينَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩] إلى آخِرِهِ.

والمَجِيءُ: مَجازٌ مَشْهُورٌ مِن حُدُوثِ الشَّيْءِ وحُصُولِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] .

والخَوْفُ: تَوَقُّعُ القِتالِ بَيْنَ الجَيْشَيْنِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ صَلاةُ الخَوْفِ.

والمَقْصُودُ: وصْفُهم بِالجُبْنِ، أيْ إذا رَأوْا جُيُوشَ العَدُوِّ مُقْبِلَةً رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما حَصَلَ في بَعْضِ أيّامِ الأحْزابِ مِنَ القِتالِ بَيْنَ الفُرْسانِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ اقْتَحَمُوا الخَنْدَقَ مِن أضْيَقِ جِهاتِهِ وبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ.

والخِطابُ في (رَأيْتُمْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو يَقْتَضِي أنَّ هَذا حِكايَةُ حالَةٍ وقَعَتْ لا فَرْضُ وُقُوعِها ولِهَذا أُتِيَ بِفِعْلِ رَأيْتُهم ولَمْ يَقُل: فَإذا جاءَ الخَوْفُ يَنْظُرُونَ

صفحة ٢٩٧

إلَيْكَ. ونَظَرُهم إلَيْهِ نَظَرَ المُتَفَرِّسِ فَيَماذا يَصْنَعُ ولِسانُ حالِهِمْ يَقُولُ: ألَسْنا قَدْ قُلْنا لَكم إنَّكم لا قِبَلَ لَكم بِقِتالِ الأحْزابِ فارْجِعُوا، وهم يَرَوْنَهُ أنَّهم كانُوا عَلى حَقٍّ حِينَ يُحَذِّرُونَهُ قِتالَ الأحْزابِ، ولِذَلِكَ خَصَّ نَظَرَهم بِأنَّهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ: يَنْظُرُونَ إلَيْكم.

وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى تَكَرُّرِ هَذا النَّظَرِ وتَجَدُّدِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] حالٌ مِن ضَمِيرِ يَنْظَرُونَ لِتَصْوِيرِ هَيْئَةِ نَظَرِهِمْ نَظَرَ الخائِفِ المَذْعُورِ الَّذِي يُحْدِقُ بِعَيْنَيْهِ إلى جِهاتٍ يَحْذَرُ أنْ تَأْتِيَهُ المَصائِبُ مِن إحْداها.

والدَّوْرُ والدَّوْرانُ: حَرَكَةُ جِسْمٍ رَحَوِيَّةٌ (أيْ كَحَرَكَةِ الرَّحى) مُنْتَقِلٌ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ فَيَنْتَهِي إلى حَيْثُ ابْتَدَأ. وأحْسَبُ أنَّ هَذا الفِعْلَ وما تَصَّرَفَ مِنهُ مُشْتَقّاتٌ مِنِ اسْمِ الدّارِ، وهي المَكانُ المَحْدُودُ المُحِيطُ بِسُكّانِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ حَوْلَهم. ومِنهُ سُمِّيَتِ الدّارَةُ لِكُلِّ أرْضٍ تُحِيطُ بِها جِبالٌ. وقالُوا: دارَتِ الرَّحى حَوْلَ قُطْبِها. وسَمَّوُا الصَّنَمَ: دُوارًا بِضَمِّ الدّالِ وفَتْحِها لِأنَّهُ يَدُورُ بِهِ زائِرُوهُ كالطَّوافِ. وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ دُوارًا أيْضًا، وسَمَّوْا ما يُحِيطُ بِالقَمَرِ دارَةً. وسُمِّيَتْ مُصِيبَةُ الحَرْبِ دائِرَةً لِأنَّهم تَخَيَّلُوها مُحِيطَةً بِالَّذِي نَزَلَتْ بِهِ لا يَجِدُ مِنها مَفَرًّا، قالَ عَنْتَرَةُ:

ولَقَدْ خَشِيتُ بِأنْ أمُوتَ ولَمْ تَدُرْ ∗∗∗ في الحَرْبِ دائِرَةٌ عَلى ابْنَيْ ضَمْضَمِ

فَمَعْنى ﴿تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أنَّها تَضْطَرِبُ في أجْفانِها كَحَرَكَةِ الجِسْمِ الدّائِرَةِ مِن سُرْعَةٍ تَنْقُلُها مُحَمْلِقَةٍ إلى الجِهاتِ المُحِيطَةِ.

وشَبَّهَ نَظَرَهَمْ بِنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ بِسَبَبِ النَّزْعِ عِنْدَ المَوْتِ فَإنَّ عَيْنَيْهِ تَضْطَرِبانِ.

وذَهابُ الخَوْفِ مَجازٌ مَشْهُورٌ في الِانْقِضاءِ، أيْ زَوالِ أسْبابِهِ بِأنْ يُتْرَكَ القِتالُ أوْ يَتَبَيَّنَ أنْ لا يَقَعَ قِتالٌ. وذَلِكَ عِنْدَ انْصِرافِ الأحْزابِ عَنْ مُحاصَرَةِ المَدِينَةِ كَما سَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب: ٢٠] .

صفحة ٢٩٨

والسَّلْقُ: قُوَّةُ الصَّوْتِ والصِّياحِ. والمَعْنى: رَفَعُوا أصْواتَهم بِالمَلامَةِ عَلى التَّعَرُّضِ لِخَطَرِ العَدُوِّ الشَّدِيدِ وعَدَمِ الِانْصِياعِ إلى إشارَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ بِمُسالَمَةِ المُشْرِكِينَ، وفُسِّرَ السَّلْقُ بِأذى اللِّسانِ. قِيلَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ عَنْ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] فَقالَ: الطَّعْنُ بِاللِّسانِ. فَقالَ نافِعٌ: هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ قَوْلَ الأعْشى:

فِيهِمِ الخِصْبُ والسَّماحَةُ والنَّجْ ∗∗∗ دَةُ فِيهِمْ والخاطِبُ المِسْلاقُ

وحِدادٌ: جَمْعُ حَدِيدٍ، وحَدِيدٌ: كُلُّ شَيْءٍ نافِذٌ فِعْلُ أمْثالِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .

وانْتَصَبَ ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩]، أيْ خاصَمُوكم ولامُوكم وهم في حالِ كَوْنِهِمْ أشِحَّةً عَلى ما فِيهِ الخَيْرُ لِلْمُسْلِمِينَ، أيْ أنَّ خِصامَهم إيّاهم لَيْسَ كَما يَبْدُو خَوْفًا عَلى المُسْلِمِينَ واسْتِبْقاءً عَلَيْهِمْ ولَكِنَّهُ عَنْ بُغْضٍ وحِقْدٍ؛ فَإنَّ بَعْضَ اللَّوْمِ والخِصامِ يَكُونُ الدّافِعُ إلَيْهِ حُبُّ المَلُومِ وإبْداءُ النَّصِيحَةِ لَهُ، وأقْوالُ الحُكَماءِ والشُّعَراءِ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَيْرُ هُنا هو المالُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، أيْ هم في حالَةِ السِّلْمِ يُسْرِعُونَ إلى مَلامِكم ولا يُواسُونَكم بِأمْوالِهِمْ لِلتَّجْهِيزِ لِلْعَدُوِّ إنْ عادَ إلَيْكم. ودَخَلَتْ عَلى هُنا عَلى المَبْخُولِ بِهِ.

33:19Page 420

أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩

Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.

﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

جِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِقَصْدِ تَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلُ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ مِنَ الحُكْمِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ انْتِفاءِ الإيمانِ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ كَشْفًا لِدَخائِلِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُوهِمُونَ المُسْلِمِينَ أنَّهم مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٩٩

ورُتِّبَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ أنَّ اللَّهَ أحْبَطَ أعْمالَهم.

والإحْباطُ: جَعْلُ شَيْءٍ حابِطًا، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ مِثْلَ الإذْهابِ. والحَبْطُ حَقِيقَتُهُ: أنَّهُ فَسادُ ما يُرادُ بِهِ الصَّلاحُ والنَّفْعُ.

ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى إفْسادِ ما كانَ نافِعًا أوْ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ فاسِدًا ويُظَنُّ أنَّهُ يَنْفَعُ يُقالُ: حَبِطَ حَقُّ فُلانٍ، إذا بَطَلَ. والإطْلاقُ المَجازِيُّ ورَدَ كَثِيرًا في القُرْآنِ. وفِعْلُهُ مِن بابَيْ سَمِعَ وضَرَبَ. ومَصْدَرُهُ: الحَبْطُ، واسْمُ المَصْدَرِ: الحُبُوطُ.

ويُقالُ: أحْبَطَ فُلانٌ الشَّيْءَ، إذا أبْطَلَهُ، ومِنهُ إحْباطُ دَمِ القَتِيلِ، أيْ إبْطالُ حَقِّ القَوَدِ بِهِ.

فَإحْباطُ الأعْمالِ: إبْطالُ الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ المَقْصُودِ بِها القُرْبَةُ والمَظْنُونِ بِها أنَّها أعْمالٌ صالِحَةٌ لِمانِعٍ مَنَعَ مِنَ الِاعْتِدادِ بِها في الدِّينِ.

وقَدْ صارَ لَفْظُ الحَبْطِ والحُبُوطِ مِنَ الألْفاظِ الشَّرْعِيَّةِ الِاصْطِلاحِيَّةِ بَيْنَ عُلَماءِ الفِقْهِ والكَلامِ، فَأُطْلِقَ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ، أوْ بِسَبَبِ زِيادَةِ السَّيِّئاتِ عَلى الحَسَناتِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ صاحِبُ الأعْمالِ العَذابَ بِسَبَبِ زِيادَةِ سَيِّئاتِهِ عَلى حَسَناتِهِ بِحَسَبِ ما قَدَّرَ اللَّهُ لِذَلِكَ وهو أعْلَمُ بِهِ، ومِن هَذِهِ الجِهَةِ عُدَّتْ مَسْألَةُ الحُبُوطِ مَعَ المَسائِلِ الكَلامِيَّةِ؛ أوْ بِحَيْثُ يُنْظُرُ في انْتِفاعِهِ بِما فَعَلَ مِنَ الواجِباتِ عَلَيْهِ إذا ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ عادَ إلى الإسْلامِ كَمَن حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، ومِن هَذِهِ الجِهَةِ تُعَدُّ مَسْألَةُ الحُبُوطِ في مَسائِلِ الفِقْهِ، فَقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ: الرِّدَّةُ تُحْبِطُ الأعْمالَ بِمُجَرَّدِ حُصُولِها فَإذا عادَ إلى الإسْلامِ وكانَ قَدْ حَجَّ مَثَلًا قَبْلَ رِدَّتِهِ وجَبَتْ عَلَيْهِ إعادَةُ الحَجِّ تَمَسُّكًا بِإطْلاقِ هَذِهِ الآيَةِ إذْ ناطَتِ الحُبُوطَ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، ولَمْ يَرَيا أنَّ هَذا مِمّا يُحْمَلُ فِيهِ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ احْتِياطًا لِأنَّ هَذا الحُكْمَ راجِعٌ إلى الِاعْتِقاداتِ ولا يَكْفِي فِيها الظَّنُّ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا رَجَعَ إلى الإسْلامِ رَجَعَتْ إلَيْهِ أعْمالُهُ الصّالِحَةُ الَّتِي عَمِلَها قَبْلَ الرِّدَّةِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ في آيَةِ سُورَةِ الأحْزابِ ونَحْوِها عَلى المُقَيَّدِ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ تَغْلِيبًا لِلْجانِبِ الفُرُوعِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى الجانِبِ الِاعْتِقادِيِّ.

صفحة ٣٠٠

وتُعْرَفُ هَذِهِ المَسْألَةُ بِمَسْألَةِ المُوافاةِ، أيِ اسْتِمْرارُ المُرْتَدِّ عَلى الرِّدَّةِ إلى انْقِضاءِ حَياتِهِ فَيُوافِي يَوْمَ القِيامَةِ مُرْتَدًّا. فَمالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَرَيا شَرْطَ المُوافاةِ والشّافِعِيُّ اعْتَبَرَ المُوافاةَ. والمُعْتَزِلَةُ قائِلُونَ بِمِثْلِ ما قالَ بِهِ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ. وحَكى الفَخْرُ عَنِ المُعْتَزِلَةِ اعْتِبارَ المُوافاةِ عَلى الكُفْرِ، وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: أنَّهم لا تَنْفَعُهم قُرُباتُهم ولا جِهادُهم.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو تَحْقِيرُهم وأنَّ اللَّهَ لَمّا أخْرَجَهم مِن حَظِيرَةِ الإسْلامِ فَأحْبَطَ أعْمالَهم لَمْ يَعْبَأْ بِهِمْ ولا عَدَّ ذَلِكَ ثُلْمَةً في جَماعَةِ المُسْلِمِينَ.

وكانَ المُنافِقُونَ يُدْلُونَ بِإظْهارِ الإيمانِ ويَحْسَبُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ يَعْتَزُّونَ بِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] .

33:20Page 420

يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠

They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.

﴿يَحْسِبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾

لَمّا ذُكِرَ حالُ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِن فِتْنَتِهِمْ في المُسْلِمِينَ وإذا هم حِينَ مَجِيءِ جُنُودِ الأحْزابِ وحِينَ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ - ثُنِيَ عَنانُ الكَلامِ الآنَ إلى حالِهِمْ حِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ بِانْكِشافِ جُنُودِ الأحْزابِ عَنْهم، فَأفادَ بِأنَّ انْكِشافَ الأحْزابِ حَصَلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَلِذَلِكَ كانُوا يَشْتَدُّونَ في مَلامِ المُسْلِمِينَ ويَسْلُقُونَهم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ عَلى أنْ تَعَرَّضُوا لِلْعَدُوِّ الكَثِيرِ، وكانَ اللَّهُ ساعَتَئِذٍ قَدْ هَزَمَ الأحْزابَ فانْصَرَفُوا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ شَرَّهم، ولَيْسَ لِلْمُنافِقِينَ وساطَةٌ في ذَلِكَ.

ولَعَلَّهم كانُوا لا يَوَدُّونَ رُجُوعَ الأحْزابِ دُونَ أنْ يَأْخُذُوا المَدِينَةَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ

صفحة ٣٠١

يَحْسَبُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] إلَخْ، جاءَ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ يُؤْذِنُ بِانْهِزامِ الأحْزابِ ورُجُوعِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ، أيْ وقَعَ ذَلِكَ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ المُنافِقُونَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم كانُوا يَسْلُقُونَ المُؤْمِنِينَ اعْتِزازًا بِالأحْزابِ لِأنَّ الأحْزابَ حُلَفاءُ لِقُرَيْظَةَ ٠ وكانَ المُنافِقُونَ أخِلّاءَ لِلْيَهُودِ فَكانَ سَلْقُهُمُ المُسْلِمِينَ في وقْتِ ذَهابِ الأحْزابِ وهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ لَخَفَّضُوا مِن شِدَّتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ يَحْسَبُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ حاسِبِينَ الأحْزابَ مُحِيطِينَ بِالمَدِينَةِ ومُعْتَزِّينَ بِهِمْ فَظَهَرَتْ خَيْبَتُهم فِيما قَدَّرُوا.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ فَهو وصْفٌ لِجُبْنِ المُنافِقِينَ، أيْ لَوْ جاءَ الأحْزابُ كَرَّةً أُخْرى لَأخَذَ المُنافِقُونَ حِيطَتَهم فَخَرَجُوا إلى البادِيَةِ بَيْنَ الأعْرابِ القاطِنِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ وهم غِفارُ وأسْلَمُ وغَيْرُهم، قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيَةَ.

والوُدُّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ السَّعْيِ لِحُصُولِ الشَّيْءِ المَوْدُودِ لِأنَّ الشَّيْءَ المَحْبُوبَ لا يَمْنَعُ مِن تَحْصِيلِهِ إلّا مانِعٌ قاهِرٌ فَهو لازِمٌ لِلْوُدِّ.

والبادِي: ساكِنُ البادِيَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ [الحج: ٢٥] في سُورَةِ الحَجِّ.

والأعْرابُ: هم سُكّانُ البَوادِي بِالأصالَةِ، أيْ يَوَدُّوا الِالتِحاقَ بِمَنازِلِ الأعْرابِ ما لَمْ يَعْجِزُوا لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾، أيْ فَلَوْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَكانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا.

ولَوْ حَرْفٌ يُفِيدُ التَّمَنِّيَ بَعْدَ فِعْلِ وُدٍّ ونَحْوِهِ. أنْشَدَ الجاحِظُ وعَبْدُ القاهِرِ:

يَوَدُّونَ لَوْ خاطُوا عَلَيْكَ جُلُودَهم ولا تَمْنَعُ المَوْتَ النُّفُوسُ الشَّحائِحُ

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في البَقَرَةِ.

والسُّؤالُ عَنِ الأنْباءِ لِقَصْدِ التَّجَسُّسِ عَلى المُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ ولِيَسُرَّهم ما عَسى أنْ يَلْحَقَ المُسْلِمِينَ مِنَ الهَزِيمَةِ.

صفحة ٣٠٢

ومَعْنى ﴿ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ أنَّهم إذا فُرِضَ أنْ لا يَتَمَكَّنُوا مِنَ الخُرُوجِ إلى البادِيَةِ وبَقُوا في المَدِينَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ ما قاتَلُوا مَعَ المُسْلِمِينَ إلّا قِتالًا قَلِيلًا، أيْ ضَعِيفًا لا يُؤْبَهُ بِهِ وإنَّما هو تَعِلَّةٌ ورِياءٌ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا.

والأنْباءُ: جَمَعُ نَبَأٍ وهو: الخَبَرُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَسْألُونَ) بِسُكُونِ السِّينِ فَهَمْزَةٌ، مُضارِعُ (سَألَ) . وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (يَسّاءَلُونَ) بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً وألِفٍ بَعْدَها الهَمْزَةُ، مُضارِعُ تَساءَلَ، وأصْلُهُ: يَتَساءَلُونَ أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ.

33:21Page 420

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١

There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .

بَعْدَ تَوْبِيخِ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أقْبَلَ الكَلامُ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ جَماعَتِهِمْ ثَناءً عَلى ثَباتِهِمْ وتَأسِّيهِمْ بِالرَّسُولِ ﷺ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِهِمْ في ذَلِكَ الِائْتِساءِ، فالكَلامُ خَبَرٌ ولَكِنَّ اقْتِرانَهُ بِحَرْفَيِ التَّوْكِيدِ في لَقَدْ يُومِئُ إلى تَعْرِيضٍ بِالتَّوْبِيخِ لِلَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالإسْوَةِ الحَسَنَةِ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِالضَّمِيرِ مُجْمَلًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ لَكم، ثُمَّ فُصِّلَ بِالبَدَلِ مِنهُ بِقَوْلِهِ ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، أيْ بِخِلافٍ لِمَن لَمْ يَكُنْ كَأُولَئِكَ، فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ تَوْكِيدٌ لِلّامِ الَّتِي في المُبْدَلِ مِنهُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةٌ في قِصَّةِ تَبُوكَ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧] الآيَةَ.

والإسْوَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها اسْمٌ لِما يُؤْتَسى بِهِ، أيْ يُقْتَدى بِهِ ويُعْمَلُ مِثْلُ عَمَلِهِ. وحَقُّ الأُسْوَةِ أنْ يَكُونَ المُؤْتَسى بِهِ هو القُدْوَةُ ولِذَلِكَ فَحَرْفُ في جاءَ عَلى

صفحة ٣٠٣

أُسْلُوبِ ما يُسَمّى بِالتَّجْرِيدِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ إذْ يُجَرَّدُ مِنَ المَوْصُوفِ بِصِفَةِ مَوْصُوفٍ مِثْلِهِ لِيَكُونَ كَذاتَيْنِ، كَقَوْلِأبِي خالِدٍ الخارِجِيِّ:

وفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ

أيِ الرَّحْمَنُ كافٍ. فالأصْلُ: رَسُولُ اللَّهِ إسْوَةٌ، فَقِيلَ: في رَسُولِ اللَّهِ إسْوَةٌ. وجُعِلَ مُتَعَلِّقُ الِائْتِساءِ ذاتَ الرَّسُولِ ﷺ دُونَ وصْفٍ خاصٍّ لِيَشْمَلَ الِائْتِساءَ بِهِ في أقْوالِهِ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ ما يُنْهى عَنْهُ، والِائْتِساءَ بِأفْعالِهِ مِنَ الصَّبْرِ والشَّجاعَةِ والثَّباتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (إسْوَةٌ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وهُما لُغَتانِ.

و﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ أوْ شِبْهَ الِاشْتِمالِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِضَمِيرِ لَكم يَشْتَمِلُونَ عَلى مَن يَرْجُونَ اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ، أوْ هو بَدَلٌ مُطابِقٌ إنْ كانَ المُرادُ بِضَمِيرِ لَكم خُصُوصُ المُؤْمِنِينَ، وفي إعادَةِ اللّامِ في البَدَلِ تَكْثِيرٌ لِلْمَعانِي المَذْكُورَةِ بِكَثْرَةِ الِاحْتِمالاتِ وكُلٌّ يَأْخُذُ حَظَّهُ مِنها.

فالَّذِينَ ائْتَسَوْا بِالرَّسُولِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ثَبَتَ لَهم أنَّهم مِمَّنْ يَرْجُونَ اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفَرِيقٍ مِنَ الَّذِينَ صَدَّهم عَنِ الِائْتِساءِ بِهِ مِمَّنْ كانُوا مُنافِقِينَ أوْ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِنَ الشَّكِّ في الدِّينِ.

وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِ الِاقْتِداءِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وأنَّهُ الإسْوَةُ الحَسَنَةُ لا مَحالَةَ ولَكِنْ لَيْسَ فِيها تَفْصِيلٌ وتَحْدِيدٌ لِمَراتِبِ الِائْتِساءِ والواجِبِ مِنهُ والمُسْتَحَبِّ، وتَفْصِيلُهُ في أُصُولِ الفِقْهِ. واصْطِلاحُ أهْلِ الأُصُولِ عَلى جَعْلِ التَّأسِّي لَقَبًا لِاتِّباعِ الرَّسُولِ في أعْمالِهِ الَّتِي لَمْ يُطالِبْ بِها الأُمَّةَ عَلى وجْهِ التَّشْرِيعِ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الخَطِيبِ البَغْدادِيِّ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ حَسّانَ الهَجَرِيِّ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في جُوعِ النَّبِيءِ ﷺ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском