Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:28–32
33:28–29Page 421
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٢٨
O Prophet, say to your wives, "If you should desire the worldly life and its adornment, then come, I will provide for you and give you a gracious release.
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٢٩
But if you should desire Allāh and His Messenger and the home of the Hereafter - then indeed, Allāh has prepared for the doers of good among you a great reward."
صفحة ٣١٤
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾
يُسْتَخْلَصُ مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رِوايَةً عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ومِمّا ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ وغَيْرِ ذَلِكَ: أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذِهِ الآياتِ بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا فُتِحَتْ عَلى المُسْلِمِينَ أرْضُ قُرَيْظَةَ وغَنِمُوا أمْوالَهم وكانَتْ أرْضُ النَّضِيرِ قُبَيْلَ ذَلِكَ فَيْئًا لِلنَّبِيءِ ﷺ حَسِبَ أزْواجُ رَسُولِ اللَّهِ أنَّ مِثْلَهُ مِثْلُ أحَدٍ مِنَ الرِّجالِ إذا وُسِّعَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ تَوَسَّعُوا فِيهِ هم وعِيالُهم فَلَمْ يَكُنْ أزْواجُ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْألْنَهُ تَوْسِعَةً قَبْلَ أنْ يَفِيءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ النَّضِيرِ وقَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهُ الخُمْسُ مِنَ الغَنائِمِ، فَلَمّا رَأيْنَ النَّبِيءَ ﷺ جَعَلَ لِنَفْسِهِ ولِأزْواجِهِ أقْواتَهم مِن مالِ اللَّهِ ورَأيْنَ وفْرَةَ ما أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ المالِ حَسِبْنَ أنَّهُ يُوَسِّعُ في الإنْفاقِ فَصارَ بَعْضُهُنَّ يَسْتَكْثِرْنَهُ مِنَ النَّفَقَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ ابْنَتِهِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ (لا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيءَ ولا تُراجِعِيهِ في شَيْءٍ وسَلِينِي ما بَدا لَكِ) . ولَكِنَّ اللَّهَ أقامَ رَسُولَهُ ﷺ مُقامًا عَظِيمًا فَلا يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِمَتاعِ الدُّنْيا إلّا بِما يَقْتَضِيهِ قِوامُ الحَياةِ وقَدْ كانَ يَقُولُ: «ما لِي ولِلدُّنْيا» وقالَ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ» . وقَدْ بَيَّنْتُ وجْهَ اسْتِثْناءِ هَذَيْنِ في رِسالَةٍ كَتَبْتُها في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ مِن رِياضَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ بِتَقْلِيلِ الطَّعامِ.
وقالَ عُمَرُ: (كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِمّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خالِصَةً يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ ما بَقِيَ في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً لِلْمُسْلِمِينَ) . وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ أرْضَ قُرَيْظَةَ قُسِّمَتْ عَلى المُهاجِرِينَ بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَلَعَلَّ المُهاجِرِينَ لَمّا اتَّسَعَتْ أرْزاقُهم عَلى أزْواجِهِمْ أمَّلَ أزْواجُ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَكُنَّ كالمُهاجِرِينَ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَعَلِّمَهُنَّ سِيرَةَ الصّالِحاتِ في العَيْشِ وغَيْرِهِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهُنَّ سَألْنَهُ أشْياءَ مِن زِينَةِ الدُّنْيا فَأوْحى إلى رَسُولِهِ بِهَذِهِ الآياتِ المُتَتابِعاتِ. وهَذا مِمّا يُؤْذِنُ بِهِ
صفحة ٣١٥
وقْعُ هَذِهِ الآياتِ عَقِبَ ذِكْرِ وقْعَةِ قُرَيْظَةَ وذِكْرِ الأرْضِ الَّتِي لَمْ يَطَئُوها وهي أرْضُ بَنِي النَّضِيرِ.
وإذْ قَدْ كانَ شَأْنُ هَذِهِ السِّيرَةِ أنْ يَشُقَّ عَلى غالِبِ النّاسِ وخاصَّةً النِّساءَ - أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُنْبِئَ أزْواجَهُ بِها ويُخَيِّرَهُنَّ عَنِ السَّيْرِ عَلَيْها تَبَعًا لِحالِهِ وبَيْنَ أنْ يُفارِقَهُنَّ.
لِذا فافْتِتاحُ هَذِهِ الأحْكامِ بِنِداءِ النَّبِيءِ ﷺ بِـ (يا أيُّها النَّبِيءُ) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَ النِّداءِ لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِهِ وهو غَرَضُ تَحْدِيدِ سِيرَةِ أزْواجِهِ مَعَهُ سِيرَةً تُناسِبُ مَرْتَبَةَ النُّبُوءَةِ، وتَحْدِيدِ تَزَوُّجِهِ وهو الغَرَضُ الثّانِي مِنَ الأغْراضِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ (يا أيُّها النَّبِيءُ اتَّقِ اللَّهَ) .
والأزْواجُ المَعْنِيّاتُ في هَذِهِ الآيَةِ هُنَّ أزْواجُهُ التِّسْعُ اللّاتِي تُوُفِّيَ عَلَيْهِنَّ. وهُنَّ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ الخُزاعِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ العامِرِيَّةُ القُرَشِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ النَّضِيرِيَّةُ.
وأمّا زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الهِلالِيَّةُ المُلَقَّبَةُ أُمَّ المَساكِينِ فَكانَتْ مُتَوَفّاةً وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾: إنْ كُنْتُنَّ تُؤْثِرْنَ ما في الحَياةِ مِنَ التَّرَفِ عَلى الِاشْتِغالِ بِالطّاعاتِ والزُّهْدِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يُقَدَّرُ صالِحًا لِلْعُمُومِ إذْ لا دَلِيلَ عَلى إرادَةِ شَأْنٍ خاصٍّ مِن شُئُونِ الدُّنْيا. وهَذِهِ نُكْتَةُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ تُرِدْنَ إلى اسْمِ ذاتِ الحَياةِ دُونَ حالٍ مِن شُئُونِها.
وعَطْفُ (زِينَتَها) عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ، وفي عَطْفِهِ زِيادَةُ تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ المُضافَ المَحْذُوفَ عامٌّ، وأيْضًا فَفِعْلُ تُرِدْنَ يُؤْذِنُ بِاخْتِيارِ شَيْءٍ عَلى غَيْرِهِ فالمَعْنى: إنَّ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الِانْغِماسَ في شُئُونِ الدُّنْيا، وقَدْ دَلَّتْ عَلى هَذا مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ كَما سَيَأْتِي.
صفحة ٣١٦
و(تَعالَيْنَ) اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى: أقْبِلْنَ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ تَمْثِيلًا لِحالِ تَهَيُّؤِ الأزْواجِ لِأخْذِ التَّمْتِيعِ وسَماعِ التَّسْرِيحِ بِحالِ مَن يَحْضُرُ إلى مَكانِ المُتَكَلِّمِ.
وقَدْ مَضى القَوْلُ عَلى (تَعالَ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والتَّمْتِيعُ: أنْ يُعْطِيَ الزَّوْجُ امْرَأتَهُ حِينَ يُطَلِّقُها عَطِيَّةً جَبْرًا لِخاطِرِها لِما يَعْرِضُ لَها مِنَ الِانْكِسارِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُزِمَ أُمَتِّعْكُنَّ في جَوابِ (تَعالَيْنَ) وهو اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ ولَيْسَ أمْرًا صَرِيحًا فَجَزْمُ جَوابِهِ غَيْرُ واجِبٍ فَجِيءَ بِهِ مَجْزُومًا لِيَكُونَ فِيهِ مَعْنى الجَزاءِ فَيُفِيدَ حُصُولَ التَّمْتِيعِ بِمُجَرَّدِ إرادَةِ إحْداهُنَّ الحَياةَ الدُّنْيا.
والسَّراحُ: الطَّلاقُ، وهو مِن أسْمائِهِ وصِيَغِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] .
والجَمِيلُ: الحَسَنُ حُسْنًا بِمَعْنى القَبُولِ عِنْدَ النَّفْسِ، وهو الطَّلاقُ دُونَ غَضَبٍ ولا كَراهِيَةٍ لِأنَّهُ طَلاقٌ مُراعًى فِيهِ اجْتِنابُ تَكْلِيفِ الزَّوْجَةِ ما يَشُقُّ عَلَيْها. ولَيْسَ المَذْكُورُ في الآيَةِ مِن قَبِيلِ التَّخْيِيرِ والتَّمْلِيكِ اللَّذَيْنِ هُما مِن تَفْوِيضِ الطَّلاقِ إلى الزَّوْجَةِ، وإنَّما هَذا تَخْيِيرُ المَرْأةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَكُونُ اخْتِيارُها أحَدَهُما داعِيًا زَوْجَها لِأنْ يُطَلِّقَها إنْ أرادَ ذَلِكَ.
ومَعْنى ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنْ كُنْتُنَّ تُؤْثِرْنَ اللَّهَ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، أيْ تُؤْثِرْنَ رِضى اللَّهِ لِما يُرِيدُهُ لِرَسُولِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ. وإرْضاءُ اللَّهِ: فِعْلُ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَقَرَّبُ إلَيْهِ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ (تُرِدْنَ) إلى اسْمِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرٍ تَقْتَضِيهِ صِحَّةُ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِاسْمِ ذاتٍ لِأنَّ الذّاتَ لا تُرادُ حَقِيقَةً فَوَجَبَ تَقْدِيرُ مُضافٍ ولَزِمَ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا كَما تَقَدَّمَ.
وإرادَةُ رِضى الرَّسُولِ ﷺ كَذَلِكَ عَلى تَقْدِيرٍ، أيْ كُلَّ ما يُرْضِي الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوَّلُ ذَلِكَ أنْ يَبْقَيْنَ في عِشْرَتِهِ طَيِّباتِ الأنْفُسِ.
صفحة ٣١٧
وإرادَةُ الدّارِ الآخِرَةِ: إرادَةُ فَوْزِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْضًا، فَأُسْلُوبُ الكَلامِ جَرى عَلى إناطَةِ الحُكْمِ بِالأعْيانِ وهو أُسْلُوبٌ يَقْتَضِي تَقْدِيرًا في الكَلامِ مِن قَبِيلِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.
وفِي حَذْفِ المُضافاتِ وتَعْلِيقِ الإرادَةِ بِأسْماءِ الأعْيانِ الثَّلاثَةِ مَقْصِدُ أنْ تَكُونَ الإرادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِشُئُونِ المُضافِ إلَيْهِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ ذاتِهِ مَعَ قَضاءِ حَقِّ الإيجازِ بَعْدَ قَضاءِ حَقِّ الإعْجازِ.
فالمَعْنى: إنْ كُنْتُنَّ تُؤْثِرْنَ ما يُرْضِي اللَّهَ ويُحِبُّهُ رَسُولُهُ وخَيْرَ الدّارِ الآخِرَةِ فَتَخْتَرْنَ ذَلِكَ عَلى ما يُشْغِلُ عَنْ ذَلِكَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقابَلَةُ إرادَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والدّارِ الآخِرَةِ بِإرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتِها، فَإنَّ المُقابَلَةَ تَقْتَضِي إرادَتَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَ إحْداهُما وبَيْنَ الأُخْرى، فَإنَّ التَّعَلُّقَ بِالدُّنْيا يَسْتَدْعِي الِاشْتِغالَ بِأشْياءَ كَثِيرَةٍ مِن شُئُونِ الدُّنْيا لا مَحِيصَ مِن أنْ تُلْهِيَ صاحِبَها عَنِ الِاشْتِغالِ بِأشْياءَ عَظِيمَةٍ مِن شُئُونِ ما يُرْضِي اللَّهَ وما يُرْضِي رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَنِ التَّمَلِّي مِن أعْمالٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يُكْسِبُ الفَوْزَ في الآخِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ تَرْتَقِيَ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ إلى مَراتِبِ المَلَكِيَّةِ والرَّسُولُ ﷺ يَبْتَغِي أنْ يَكُونَ أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ وأعْقَلُهم بِهِ سائِرًا عَلى طَرِيقَتِهِ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ هي الَّتِي اخْتارَها اللَّهُ لَهُ. وبِمِقْدارِ الِاسْتِكْثارِ مِن ذَلِكَ يَكْثُرُ الفَوْزُ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فالنّاسُ مُتَسابِقُونَ في هَذا المِضْمارِ وأوْلاهم بِقَصَبِ السَّبْقِ فِيهِ أشَدُّهم تَعَلُّقًا بِالرَّسُولِ ﷺ وكَذَلِكَ كانَتْ هِمَمُ أفاضِلِ السَّلَفِ، وأوْلى النّاسِ بِذَلِكَ أزْواجُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ وقَدْ ذَكَّرَهُنَّ اللَّهُ تَذْكِيرًا بَدِيعًا بِقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] كَما سَيَأْتِي.
ولَمّا كانَتْ إرادَتُهُنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ مُقْتَضِيَةً عَمَلَهُنَّ الصّالِحاتِ وكانَ ذَلِكَ العَمَلُ مُتَفاوِتًا، وجَعَلَ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ بِالإحْسانِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ لِيَعْلَمْنَ أنَّ هَذا الأجْرَ حاصِلٌ لَهُنَّ عَلى قَدْرِ إحْسانِهِنَّ، فَهَذا وجْهُ ذِكْرِ وصْفِ المُحْسِناتِ ولَيْسَ هو لِلِاحْتِرازِ.
وفِي ذِكْرِ الإعْدادِ إفادَةُ العِنايَةِ بِهَذا الأجْرِ والتَّنْوِيهُ بِهِ زِيادَةً عَلى وصْفِهِ بِالعَظِيمِ.
وتَوْكِيدُ جُمْلَةِ الجَزاءِ بِحَرْفِ إنَّ الَّذِي لَيْسَ هو لِإزالَةِ التَّرَدُّدِ إظْهارٌ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا
صفحة ٣١٨
الأجْرِ. وقَدْ جاءَ في كُتُبِ السُّنَّةِ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «ابْتَدَأ النَّبِيءُ ﷺ بِعائِشَةَ فَقالَ لَها: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَتْ عائِشَةُ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وقالَ لِسائِرِ أزْواجِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْنَ مِثْلَ ما قالَتْ عائِشَةُ» .
ولا طائِلَ تَحْتَ الِاشْتِغالِ بِأنَّ هَذا التَّخْيِيرَ هَلْ كانَ واجِبًا عَلى النَّبِيءِ ﷺ أوْ مَندُوبًا فَإنَّهُ أمْرٌ قَدِ انْقَضى ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى بِالوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ.
33:30Page 421
يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ٣٠
O wives of the Prophet, whoever of you should commit a clear immorality - for her the punishment would be doubled two fold, and ever is that, for Allāh, easy.
﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
تَوَلّى اللَّهُ خِطابَهُنَّ بَعْدَ أنْ أمَرَ رَسُولَهُ بِتَخْيِيرِهِنَّ فَخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَخاطَبَهُنَّ رَبُّهُنَّ خِطابًا لِأنَّهُنَّ أصْبَحْنَ عَلى عَهْدٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى: ”أنْ يُؤْتِيَهُنَّ أجْرًا عَظِيمًا“ . وقَدْ سَمّاهُ عُمَرُ عَهْدًا فَإنَّهُ كانَ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ في صَلاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ الأحْزابِ فَإذا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ رَفَعَ بِها صَوْتَهُ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ (أُذَكِّرُهُنَّ العَهْدَ)، ولَمّا كانَ الأجْرُ المَوْعُودُ مَنُوطًا بِالإحْسانِ أُرِيدَ تَحْذِيرُهُنَّ مِنَ المَعاصِي بُلُوغًا بِهِنَّ إلى مَرْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ إذْ جُعِلَ عَذابُ المَعْصِيَةِ عَلى فَرْضِ أنْ تَأْتِيَها إحْداهُنَّ عَذابًا مُضاعَفًا.
ونِداؤُهُنَّ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُلْقى إلَيْهِنَّ.
وناداهُنَّ بِوَصْفِ (نِساءَ النَّبِيءِ) لِيَعْلَمْنَ أنَّ ما سَيُلْقى إلَيْهِنَّ خَبَرٌ يُناسِبُ عُلُوَّ أقْدارِهِنَّ. والنِّساءُ هَنا مُرادٌ بِهِ الحَلائِلُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونِساءَنا ونِساءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَأْتِ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مُراعاةً لِمَدْلُولِ (مَنِ) الشَّرْطِيَّةِ لِأنَّ مَدْلُولَها شَيْءٌ فَأصْلُهُ عَدَمُ التَّأْنِيثِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ (مَن تَأْتِ) بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ مُراعاةً لِماصَدَقَ (مَن) أيْ إحْدى النِّساءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُضاعَفْ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ لِلْغائِبِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ
صفحة ٣١٩
ورَفْعُ (العَذابُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (نُضَعِّفْ) بِنُونِ العَظَمَةِ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ مَكْسُورَةً ونُصِبَ (العَذابَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ، فَيَكُونُ إظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ. وقَرَأهُ أبُو عُمَرٍو ويَعْقُوبُ (يُضَعَّفْ) بِتَحْتِيَّةٍ لِلْغائِبِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ مَفْتُوحَةً. ومُفادُ هَذِهِ القِراءاتِ مُتَّحِدُ المَعْنى عَلى التَّحْقِيقِ.
ورَوى الطَّبَرَيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنّى أنَّ بَيْنَ (ضاعَفَ وضَعَّفَ) فَرْقًا، فَأمّا (ضاعَفَ) فَيُفِيدُ جَعْلَ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ فَتَصِيرُ ثَلاثَةَ أعْذِبَةٍ وأمّا (ضَعَّفَ) المُشَدَّدُ فَيُفِيدُ جَعْلَ الشَّيْءِ مِثْلَهُ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وهَذا التَّفْرِيقُ لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ ادَّعاهُ غَيْرُهُما.
وصِيغَةُ التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ ضِعْفَيْنِ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] لِظُهُورِ أنَّ البَصَرَ لا يَرْجِعُ خاسِئًا وحَسِيرًا مِن تَكَرُّرِ النَّظَرِ مَرَّتَيْنِ، والتَّثْنِيَةُ تَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ كِنايَةً عَنِ التَّكْرِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وقَوْلِهِمْ: دَوالَيْكَ، ولِذَلِكَ لا نَشْتَغِلُ بِتَحْدِيدِ المُضاعَفَةِ المُرادَةِ في الآيَةِ بِأنَّها تَضْعِيفٌ مَرَّةً واحِدَةً بِحَيْثُ يَكُونُ هَذا العَذابُ بِمِقْدارِ ما هو لِأمْثالِ الفاحِشَةِ مَرَّتَيْنِ أوْ بِمِقْدارِ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ وذَلِكَ ما لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وما إعْراضُهم عَنْهُ إلّا لِأنَّ أفْهامَهم سَبَقَتْ إلى الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ في الكَلامِ، فَما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأبِي عُبَيْدَةَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
والفاحِشَةُ: المَعْصِيَةُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وكُلَّما ورَدَتِ الفاحِشَةُ في القُرْآنِ نَكِرَةً فَهي المَعْصِيَةُ وإذا ورَدَتْ مَعْرِفَةً فَهي الزِّنا ونَحْوُهُ.
والمُبَيِّنَةُ: بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُبالَغَةٌ في بَيانِ كَوْنِها فاحِشَةً ووُضُوحِهِ حَتّى كَأنَّها تُبَيِّنُ نَفْسَها وكَذَلِكَ قَرَأها الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الياءِ، أيْ يُبَيِّنُها فاعِلُها.
والمُضاعَفَةُ: تَكْرِيرُ شَيْءٍ ذِي مِقْدارٍ بِمِثْلِ مِقْدارِهِ.
صفحة ٣٢٠
والضِّعْفُ: مُماثِلُ عَدَدٍ ما. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ومَعْنى مُضاعَفَةِ العَذابِ: أنَّهُ يَكُونُ ضِعْفَ عَذابِ أمْثالِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ إذا صَدَرَتْ مِن غَيْرِهِنَّ، وهو ضِعْفٌ في القُوَّةِ وفي المُدَّةِ، وأُرِيدَ عَذابُ الآخِرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِها آنِفًا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُحَقِّقُ وعِيدَهُ ولا يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ أنَّها زَوْجَةُ نَبِيءٍ، قالَ تَعالى: ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم: ١٠] .
والتَّعْرِيفُ في العَذابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ العَذابُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْفاحِشَةِ.
33:31Page 422
۞ وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا ٣١
And whoever of you devoutly obeys Allāh and His Messenger and does righteousness - We will give her her reward twice; and We have prepared for her a noble provision.
صفحة ٥
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾
أعْقَبَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ جَرْيًا عَلى سُنَّةِ القُرْآنِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
والقُنُوتُ: الطّاعَةُ، والقُنُوتُ لِلرَّسُولِ: الدَّوامُ عَلى طاعَتِهِ واجْتِلابُ رِضاهُ؛ لِأنَّ في رِضاهُ رِضى اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مُراعاةً لِمَدْلُولِ مَنِ الشَرْطِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] .
وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ مُراعاةً لِماصَدَقَ (مَن) أيْ إحْدى النِّساءِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] .
وأُسْنِدَ فِعْلُ إيتاءِ أجْرِهِنَّ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ بِوَجْهٍ صَرِيحٍ تَشْرِيفًا لِإيتائِهِنَّ الأجْرَ؛ لِأنَّهُ المَأْمُولُ بِهِنَّ، وكَذَلِكَ فِعْلُ (وأعْتَدْنا) .
ومَعْنى مَرَّتَيْنِ تَوْفِيرُ الأجْرِ وتَضْعِيفُهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ضِعْفَيْنِ.
وضَمِيرُ أجْرَها عائِدٌ إلى (مَن) بِاعْتِبارِ أنَّها صادِقَةٌ عَلى واحِدَةٍ مِن نِساءِ النَّبِيءِ ﷺ .
وفِي إضافَةِ الأجْرِ إلى ضَمِيرِها إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ ذَلِكَ الأجْرِ بِأنَّهُ يُناسِبُ مَقامَها وإلى تَشْرِيفِها بِأنَّها مُسْتَحِقَّةٌ ذَلِكَ الأجْرَ.
ومُضاعَفَةُ الأجْرِ لَهُنَّ عَلى الطّاعاتِ كَرامَةٌ لِقَدْرِهِنَّ، وهَذِهِ المُضاعَفَةُ في الحالَيْنِ
صفحة ٦
مِن خَصائِصِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ لِعِظَمِ قَدْرِهِنَّ لَأنَّ زِيادَةَ قُبْحِ المَعْصِيَةِ تَتْبَعُ زِيادَةَ فَضْلِ الآتِي بِها.
ودَرَجَةُ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ عَظِيمَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وتَعْمَلْ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى مَنِ المَوْصُولَةِ المُرادِ بِها أحَدَ النِّساءِ، وحَسَّنَهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ يَقْنُتْ بَعْدَ أنْ تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ وهو ضَمِيرُ نِسْوَةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (ويَعْمَلْ) بِالتَّحْتِيَّةِ مُراعاةً لِمَدْلُولِ (مَن) في أصْلِ الوَضْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ نُؤْتِها بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى اعْتِبارِ ضَمِيرِ الغائِبِ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] .
والقَوْلُ في أعْتَدْنا لَها كالقَوْلِ في ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ﴾ [الأحزاب: ٢٩] . والتّاءُ في أعْتَدْنا بَدَلٌ عَنْ أحَدِ الدّالَيْنِ مِن أعَدَّ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْها وقَصْدِ التَّخْفِيفِ. والعُدُولُ عَنِ المُضارِعِ إلى فِعْلِ الماضِي في قَوْلِهِ أعْتَدْنا لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
والرِّزْقُ الكَرِيمُ: هو رِزْقُ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةَ. ووَصَفَهُ بِالكَرِيمِ لَأنَّهُ أفْضَلُ جِنْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
33:32Page 422
يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢
O wives of the Prophet, you are not like anyone among women. If you fear Allāh, then do not be soft in speech [to men],1 lest he in whose heart is disease should covet, but speak with appropriate speech.
﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ .
أُعِيدَ خِطابُهُنَّ مِن جانِبِ رَبِّهِنَّ وأُعِيدَ نِداؤُهُنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ اهْتِمامًا يَخُصُّهُ.
وأحَدٌ: اسْمٌ بِمَعْنى واحِدٍ مِثْلَ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وهَمْزَتُهُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ. وأصْلُهُ: وحَدَ بِوَزْنِ فَعَلَ، أيْ مُتَوَحِّدٌ، كَما قالُوا: فَرَدَ بِمَعْنى مُنْفَرِدٌ. قالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ رُكُوبَهُ راحِلَتَهُ:
كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا يَوْمَ الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحِدِ
يُرِيدُ عَلى ثَوْرٍ وحْشِيٍّ مُنْفَرِدٍ. فَلَمّا ثَقُلَ الِابْتِداءُ بِالواوِ شاعَ أنْ يَقُولُوا: أحَدٌ
صفحة ٧
وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في سِياقِ النَّفْيِ، قالَ تَعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] فَإذا وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ دَلَّ عَلى نَفْيِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسِ.
ونَفْيُ المُشابَهَةِ هُنا يُرادُ بِهِ نَفْيُ المُساواةِ مُكَنًّى بِهِ عَنِ الأفْضَلِيَّةِ عَلى غَيْرِهِنَّ مِثْلُ نَفْيِ المُساواةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، فَلَوْلا قَصْدُ التَّفْضِيلِ ما كانَ لِزِيادَةِ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] وجْدٌ ولا لِسَبَبِ نُزُولِها داعٍ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ. فالمَعْنى: أنْتُنَّ أفْضَلُ النِّساءِ، وظاهِرُهُ تَفْضِيلٌ لِجُمْلَتِهِنَّ عَلى نِساءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُنَّ اتَّصَلْنَ بِالنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - اتِّصالًا قَرِيبًا مِن كُلِّ اتِّصالٍ وصِرْنَ أنِيساتِهِ مُلازِماتِ شُئُونِهِ، فَيَخْتَصِصْنَ بِاطِّلاعِ ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِن أحْوالِهِ وخُلُقِهِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، ويَتَخَلَّقْنَ بِخُلُقِهِ أكْثَرَ مِمّا يَقْتَبِسُ مِنهُ غَيْرُهُنَّ، ولَأنَّ إقْبالَهُ عَلَيْهِنَّ إقْبالٌ خاصٌّ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ» وقالَ تَعالى الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ. ثُمَّ إنَّ نِساءَ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَتَفاضَلْنَ بَيْنَهُنَّ.
والتَّقَيُّدُ بِقَوْلِهِ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ لَيْسَ لِقَصْدِ الِاحْتِرازِ عَنْ ضِدِّ ذَلِكَ، وإنَّما هو إلْهابٌ وتَحْرِيضٌ إلى الِازْدِيادِ مِنَ التَّقْوى، وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِحَفْصَةَ «إنَّ عَبْدَ اللَّهِ (يَعْنِي أخاها) رَجُلٌ صالِحٌ لَوْ كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ» أبْلَغَتْ حَفْصَةُ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَلَمْ يَتْرُكْ قِيامَ اللَّيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ المَقْصُودَ التَّحْرِيضُ عَلى القِيامِ.
وفِعْلُ الشَّرْطِ مُسْتَعْمَلٌ في الدِّلالَةِ عَلى الدَّوامِ، أيْ إنْ دُمْتُنَّ عَلى التَّقْوى فَإنَّ نِساءَ النَّبِيءِ ﷺ مُتَّقِياتٌ مِن قَبْلُ، وجَوابُ الشَّرْطِ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلُ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى جَمِيعِ نِساءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في التَّفاضُلِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ وبَيْنَ بَناتِ النَّبِيءِ ﷺ . وعَنِ الأشْعَرِيِّ الوَقْفُ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ ولِاخْتِلافِ جِهاتِ أُصُولِ التَّفْضِيلِ الدِّينِيَّةِ والرُّوحِيَّةِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ ضَبْطُها بِضَوابِطَ.
صفحة ٨
أشارَ إلى جُمْلَةٍ مِنها أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ في حَدِيثِ رُؤْيا رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ: أنَّهُ رَأى مِيزانًا نُزِّلَ مِنَ السَّماءِ، فَوُزِنَ النَّبِيءُ ﷺ وأبُو بَكْرٍ، فَرَجَحَ النَّبِيءُ ﷺ ووُزِنَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَرَجَحَ أبُو بَكْرٍ، ووُزِنَ عُمَرُ وعُثْمانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ المِيزانُ. والجِهاتُ الَّتِي بَنى عَلَيْها أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أكْثَرُها مِن شُئُونِ الرِّجالِ. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَناتُ النَّبِيءِ ﷺ ولا نِساؤُهُ سَواءٌ في الفَضْلِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن جَزَمُوا بِتَفْضِيلِ بَناتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أزْواجِهِ وبِخاصَّةٍ فاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وهو ظاهِرُ كَلامِ التَّفْتَزانِيِّ في كِتابِ المَقاصِدِ. وهي مَسْألَةٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلى تَدْقِيقِها عَمَلٌ فَلا يَنْبَغِي تَطْوِيلُ البَحْثِ فِيها.
والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾، وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ ابْتِداءُ تَفْرِيعٍ ولَيْسَ هو جَوابُ الشَّرْطِ.
* * *
﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾
فُرِّعَ عَلى تَفْضِيلِهِنَّ وتَرْفِيعِ قَدْرِهِنَّ إرْشادُهُنَّ إلى دَقائِقَ مِنَ الأخْلاقِ قَدْ تَقَعُ الغَفْلَةُ عَنْ مُراعاتِها لِخَفاءِ الشُّعُورِ بِآثارِها، ولِأنَّها ذَرائِعُ خَفِيَّةٌ نادِرَةٌ تُفْضِي إلى ما لا يَلِيقُ بِحُرْمَتِهِنَّ في نُفُوسِ بَعْضٍ مِمَّنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، وفِيها مُنافِقُوها.
وابْتُدِئَ مِن ذَلِكَ بِالتَّحْذِيرِ مِن هَيْئَةِ الكَلامِ فَإنَّ النّاسَ مُتَفاوِتُونَ في لِينِهِ، والنِّساءُ في كَلامِهِنَّ رِقَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ وقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِهِنَّ مِنَ اللَّطافَةِ ولِينِ النَّفْسِ ما إذا انْضَمَّ إلى لِينِها الجِبِلِّيِّ قُرَّبَتْ هَيْئَتُهُ مِن هَيْئَةِ التَّدَلُّلِ لِقِلَّةِ اعْتِيادِ مِثْلِهِ إلّا في تِلْكَ الحالَةِ. فَإذا بَدا ذَلِكَ عَلى بَعْضِ النِّساءِ ظَنَّ بَعْضُ مَن يُشافِهُها مِنَ الرِّجالِ أنَّها تَتَحَبَّبُ إلَيْهِ، فَرُبَّما اجْتَرَأتْ نَفْسُهُ عَلى الطَّمَعِ في المُغازَلَةِ فَبَدَرَتْ مِنهُ بادِرَةٌ تَكُونُ مُنافِيَةً لِحُرْمَةِ المَرْأةِ، بَلْهَ أزْواجُ النَّبِيءِ ﷺ اللّاتِي هُنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ.
والخُضُوعُ: حَقِيقَتُةُ التَّذَلُّلُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى الرِّقَّةِ لِمُشابَهَتِها التَّذَلُّلِ.
والباءُ في قَوْلِهِ بِالقَوْلِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ بِمَنزِلَةِ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، أيْ لا
صفحة ٩
تُخْضِعْنَ القَوْلَ، أيْ تَجْعَلْنَهُ خاضِعًا ذَلِيلًا، أيْ رَقِيقًا مُتَفَكِّكًا. ومَوْقِعُ الباءِ هُنا أحْسَنُ مِن مَوْقِعِ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ باءَ التَّعْدِيَةِ جاءَتْ مِن باءِ المُصاحَبَةِ عَلى ما بَيَّنَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ النُّحاةِ أنَّ أصْلَ قَوْلِكَ: ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، أنَّكَ ذَهَبْتَ مُصاحِبًا لَهُ فَأنْتَ أذْهَبْتَهُ مَعَكَ، ثُمَّ تُنُوسِيَ مَعْنى المُصاحَبَةِ في نَحْوِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فَلَمّا كانَ التَّفَكُّكُ والتَّزْيِينُ لِلْقَوْلِ يُتْبِعُ تَفَكُّكَ القائِلِ أسْنَدَ الخُضُوعَ إلَيْهِنَّ في صُورَةٍ، وأُفِيدَتِ التَّعْدِيَةُ بِالباءِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ بِمَعْنى في، أيْ لا يَكُنْ مِنكُنَّ لِينٌ في القَوْلِ.
والنَّهْيُ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ إشارَةٌ إلى التَّحْذِيرِ مِمّا هو زائِدٌ عَلى المُعْتادِ في كَلامِ النِّساءِ مِنَ الرِّقَّةِ وذَلِكَ تَرْخِيمُ الصَّوْتِ، أيْ لِيَكُنْ كَلامُكُنَّ جَزْلًا.
والمَرَضُ: حَقِيقَتُهُ اخْتِلالُ نِظامِ المَزاجِ البَدَنِيِّ مَن ضَعْفِ القُوَّةِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِاخْتِلالِ الوازِعِ الدِّينِيِّ مِثْلَ المُنافِقِينَ ومَن كانَ في أوَّلِ الإيمانِ مِنَ الأعْرابِ مِمَّنْ لَمْ تَرْسَخْ فِيهِ أخْلاقُ الإسْلامِ، وكَذَلِكَ مَن تَخَلَّقُوا بِسُوءِ الظَّنِّ فَيَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ، وقَضِيَّةُ إفْكِ المُنافِقِينَ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - شاهِدٌ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وانْتَصَبَ يَطْمَعَ في جَوابِ النَّهْيِ بَعْدَ الفاءِ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ سَبَبٌ في هَذا الطَّمَعِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَطْمَعَ تَنَزُّهًا وتَعْظِيمًا لِشَأْنِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ قِيامِ القَرِينَةِ.
وعَطْفُ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عَلى ﴿لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ لِئَلّا يَحْسَبْنَ أنَّ اللَّهَ كَلَّفَهُنَّ بِخَفْضِ أصْواتِهِنَّ كَحَدِيثِ السِّرارِ.
والقَوْلُ: الكَلامُ.
والمَعْرُوفُ: هو الَّذِي يَأْلَفُهُ النّاسُ بِحَسَبِ العُرْفِ العامِّ، ويَشْمَلُ القَوْلُ المَعْرُوفُ هَيْئَةَ الكَلامِ وهي الَّتِي سِيقَ لَها المَقامُ، ويَشْمَلُ مَدْلُولاتُهُ أنْ لا يَنْتَهِرْنَ مَن يُكَلِّمُهُنَّ أوْ يُسْمِعْنَهُ قَوْلًا بَذِيئًا مِن بابِ: فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ. وبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences