Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:53–55

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:53–55, continued

تَتَضاءَلُ مِنَ القُوَّةِ المُدْرَكَةِ حَتّى يُصْبِحَ مَعْنى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ مَعْنًى قَرِيبًا في النُّفُوسِ مِن حَقائِقِ المُجَرَّداتِ كالمَلائِكَةِ، وهَذِهِ حِكْمَةٌ مِن حِكَمِ الحِجابِ الَّذِي سَنَّهُ النّاسُ لِمُلُوكِهِمْ في القِدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْخَلَ لِطاعَتِهِمْ في نُفُوسِ الرَّعِيَّةِ. وبِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ الآيَةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُها مِن قَوْلِهِ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ تَحَقَّقَ مَعْنى الحِجابِ لِأُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ المُرَكَّبِ مِن مُلازَمَتِهِنَّ بُيُوتَهُنَّ وعَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ مِن ذَواتِهِنَّ حَتّى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وهو حِجابٌ خاصٌّ بِهِنَّ لا يَجِبُ عَلى غَيْرِهِنَّ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِأُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ورَعًا وهم مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ عَلى حَسَبِ العاداتِ، ولَمّا أنْشَدَ النُّمَيْرِيُّ عِنْدَ الحَجّاجِ قَوْلَهُ:

يُخَمِّرْنَ أطْرافَ البَنانِ مِنَ التُّقى ∗∗∗ ويَخْرُجْنَ جُنْحَ اللَّيْلِ مُعْتَجِراتٍ

قالَ الحَجّاجُ: وهَكَذا المَرْأةُ الحُرَّةُ المُسْلِمَةُ.

ودَلَّ قَوْلُهُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ أنَّ الأمْرَ مُتَوَجِّهٌ لِرِجالِ الأُمَّةِ ولِنِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى السَّواءِ. وقَدْ أُلْحِقَ بِأزْواجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ بِنْتُهُ فاطِمَةُ فَلِذَلِكَ لَمّا خَرَجُوا بِجِنازَتِها جَعَلُوا عَلَيْها قُبَّةً حَتّى دُفِنَتْ، وكَذَلِكَ قُبَّةٌ عَلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.

* * *

﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾

لَمّا جِيءَ في بَيانِ النَّهْيِ عَنِ المُكْثِ في بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ يُؤْذِيِهِ أُتْبِعَ بِالنَّهْيِ عَنْ أذى النَّبِيءِ ﷺ نَهْيًا عامًا، فالخِطابُ في لَكم لِلْمُؤْمِنِينَ المُفْتَتَحِ بِخِطابِهِمْ آيَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بِيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.

والواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ أوْ هي واوُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ وجُمْلَةِ ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] .

ودَلَّتْ جُمْلَةُ (ما كانَ لَكم) عَلى الحَظْرِ المُؤَكَّدِ لِأنَّ (ما كانَ لَكم) نَفْيٌ لِلِاسْتِحْقاقِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ، وإقْحامُ فِعْلِ كانَ لِتَأْكِيدِ انْتِفاءِ الإذْنِ.

وهَذِهِ الصِّيغَةُ مِن صِيَغِ شِدَّةِ التَّحْرِيمِ.

صفحة ٩٣

وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حُكْمَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْرِيمُ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، والأذى: قَوْلٌ يُقالُ لَهُ، أوْ فِعْلٌ يُعامَلُ بِهِ، مِن شَأْنِهِ أنْ يُغْضِبَهُ أوْ يَسُوءُهُ لِذاتِهِ.

والأذى تَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ الآياتِ آنِفًا. والمَعْنى: أنَّ أذى النَّبِيِّ ﷺ مَحْظُورٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. وانْظُرِ البابَ الثّالِثَ مِنَ القَسْمِ الثّانِي مِن كِتابِ الشِّفاءِ لِعِياضٍ.

والحُكْمُ الثّانِي: تَحْرِيمُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى النّاسِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ وهو تَقْرِيرٌ لِحُكْمِ أُمُومَةِ أزْواجِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ السّالِفِ في قَوْلِهِ ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .

وقَدْ حُكِيَتْ أقْوالٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: مِنها أنَّ رَجُلًا قالَ: لَوْ ماتَ مُحَمَّدٌ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ، أيْ قالَ بِمَسْمَعٍ مِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذا الرَّجُلُ مِنَ المُنافِقِينَ وهَذا هو المَظْنُونُ بِقائِلِ ذَلِكَ. وقِيلَ هو مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ خَطَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وذَكَرُوا رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ هَفْوَةٌ مِنهُ وتابَ وكَفَّرَ بِالحَجِّ ماشِيًا وبِإعْتاقِ رِقابٍ كَثِيرَةٍ وحَمَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى عَشَرَةِ أفْراسٍ أوْ أبْعِرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَلى طَلْحَةَ واللَّهُ عاصِمُهُ مِن ذَلِكَ، أيْ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ صُدُورِ القَوْلِ مِنهُ فَأمّا إنْ كانَ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ فَذَلِكَ خاطِرٌ شَيْطانِيٌّ أرادَ تَطْهِيرَ قَلْبَهُ فِيهِ بِالكَفّاراتِ الَّتِي أعْطاها إنْ صَحَّ ذَلِكَ. وأقُولُ لا شَكَّ أنَّهُ مِن مَوْضُوعاتِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ في طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وهَذِهِ الأخْبارُ واهِيَةُ الأسانِيدِ ودَلائِلُ الوَضْعِ واضِحَةٌ فَإنَّ طَلْحَةَ إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ بِلِسانِهِ لَمْ يَكُنْ لِيَخْفى عَلى النّاسِ فَكَيْفَ يَتَفَرَّدُ بِرِوايَتِهِ مَنِ انْفَرَدَ. وإنْ كانَ خَطَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَمَن ذا الَّذِي اطَّلَعَ عَلى ما في قَلْبِهِ، ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ أنْ يَكُونَ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ سَبَبٌ. فَإنْ كانَ لَها سَبَبٌ فَلا شَكَّ أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَ هَذِهِ الآياتِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠] الآيَةَ. وإنَّما شَرَعَتِ الآيَةُ أنَّ حُكْمَ أُمُومَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ حُكْمٌ دائِمٌ في حَياةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ مِن بَعْدِهِ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ هُنا عَلى التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ حُكْمٌ ثابِتٌ مِن بَعْدُ

صفحة ٩٤

لِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ في حَياتِهِ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وإضافَةُ البَعْدِيَّةِ إلى ضَمِيرِ ذاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تُعِيِّنُ أنَّ المُرادَ بَعْدَ حَياتِهِ كَما هو الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ مِثْلِ هَذِهِ الإضافَةِ فَلَيْسَ المُرادُ بَعْدَ عِصْمَتِهِ مِن نَحْوِ الطَّلاقِ لِأنَّ طَلاقَ النَّبِيِّ ﷺ أزْواجَهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ شَرْعًا لِقَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] .

وأُكِّدَ ظَرْفُ (بَعْدُ) بِإدْخالِ (مِن) الزّائِدَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُكِّدَ عُمُومُهُ بِظَرْفِ (أبَدًا) لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَطَرَّقُهُ النُّسَخُ ثُمَّ زِيدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَحْذِيرًا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، فَهو اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ . والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ ﷺ وتَزَوُّجِ أزْواجِهِ، أيْ ذَلِكُمُ المَذْكُورُ.

والعَظِيمُ هُنا في الإثْمِ والجَرِيمَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

وتَقْيِيدُ العَظِيمِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ اللَّهِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ؛ لِأنَّهُ عَظِيمٌ في الشَّناعَةِ. وعِلَّةُ كَوْنِ تَزَوَّجِ أحَدِ المُسْلِمِينَ إحْدى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ إثْمًا عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ نِساءَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُمَّهاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ تَزَوُّجَ أحَدِ المُسْلِمِينَ إحْداهُنَّ لَهُ حُكْمُ تَزَوُّجِ المَرْءِ أُمَّهُ، وذَلِكَ إثْمٌ عَظِيمٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ هَلِ التَّحْرِيمُ الَّذِي في الآيَةِ يَخْتَصُّ بِالنِّساءِ اللّاتِي بَنى بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ هو يَعُمُّ كُلَّ امْرَأةٍ عَقَدَ عَلَيْها مِثْلَ الكِنْدِيَّةِ الَّتِي اسْتَعاذَتْ مِنهُ فَقالَ لَها: الحَقِي بِأهْلِكِ، فَتَزَوَّجَها الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومِثْلَ قُتَيْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الكَلْبِيَّةِ الَّتِي زَوَّجَها أخُوها الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حَمَلَها مَعَهُ إلى حَضْرَمَوْتَ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ قُفُولِهِما فَتَزَوَّجَها عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهِلٍ وأنَّ أبا بَكْرٍ هَمَّ بِعِقابِهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَدْخُلْ بِها.

والمَرْوِيّاتُ في هَذا البابِ ضَعِيفَةٌ. والَّذِي عِنْدِي أنَّ البِناءَ والعَقْدَ كانا يَكُونانِ مُقْتَرَنَيْنِ وأنَّ ما يَسْبِقُ البِناءَ مِمّا يُسَمُّونَهُ تَزْوِيجًا فَإنَّما هو مُراكَنَةٌ ووَعْدٌ ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أُحْضِرَتْ إلَيْهِ الكِنْدِيَّةُ ودَخَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ

صفحة ٩٥

لَها: هَبِي لِي نَفْسَكِ أيْ لِيَعْلَمَ أنَّها رَضِيَتْ بِما عَقَدَ لَها ولِيُّها فَقالَتْ: ما كانَ لِمَلِكَةٍ أنْ تَهَبَ نَفْسَها لِسُوقَةٍ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ. فَقالَ لَها: لَقَدِ اسْتَعَذْتِ بِمُعاذٍ» . فَذَلِكَ لَيْسَ بِطَلاقٍ ولَكِنَّهُ رُجُوعٌ عَنِ التَّزَوُّجِ بِها دالٌّ عَلى أنَّ العَقْدَ لَمْ يَقَعْ وأنَّ قَوْلَ عُمَرَ، لِأبِي بَكْرٍ أوْ قَوْلُ مَن قالَ لِعُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَدْخُلْ بِها هو كِنايَةٌ عَنِ العَقْدِ.

وعَنِ الشّافِعِيِّ تَحْرِيمُ تَزَوُّجِ مَن عَقَدَ عَلَيْها النَّبِيءُ ﷺ . ورَجَعَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، والرّافِعِيُّ أنَّ التَّحْرِيمَ قاصِرٌ عَلى الَّتِي دَخَلَ بِها. عَلى أنَّهُ يَظْهَرُ أنَّ الإضافَةَ في قَوْلِهِ (أزْواجَهُ) بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، أيِ الأزْواجَ اللّائِي في شَأْنِهِنَّ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَهُنَّ اللّاءِ ثَبَتَ لَهُنَّ حُكْمُ الأُمَّهاتِ.

وبَعْدُ فَإنَّ البَحْثَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُجَرَّدُ تَفَقُّهٍ لا يُبْنى عَلَيْهِ عَمَلٌ.

33:54Page 425

إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤

Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .

كَلامٌ جامِعٌ تَحْرِيضًا وتَحْذِيرًا ومُنْبِئٌ عَنْ وعِيدٍ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ قَدْ حَوى أمْرًا ونَهْيًا، وإذا كانَ الِامْتِثالُ مُتَفاوِتًا في الظّاهِرِ والباطِنِ وبِخاصَّةٍ في النَّوايا والمُضْمَراتِ كانَ المَقامُ مُناسِبًا لِتَنْبِيهِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ مَطَّلِعٌ عَلى كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ في ذَلِكَ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ، فالمُرادُ مِن (شَيْئًا) الأوَّلِ شَيْءٌ مِمّا يُبْدُونَهُ أوْ يُخْفُونَهُ وهو يَعُمُّ كُلَّ ما يَبْدُو وما يَخْفى لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ في قَوْلِهِ (بِكُلِّ شَيْءٍ) . وإظْهارُ لَفْظِ شَيْءٍ هُنا دُونَ إضْمارِ لِأنَّ الإضْمارَ لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ الشَّيْءَ المَذْكُورَ ثانِيًا هو غَيْرُ المَذْكُورِ أوَّلًا، إذِ المُرادُ بِالثّانِي جَمِيعُ المَوْجُوداتِ والمُرادُ بِالأوَّلِ خُصُوصُ أحْوالِ النّاسِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ كائِنٍ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يُبْدُونَهُ ويُخْفُونَهُ مِن أحْوالِهِمْ.

33:55Page 426

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥

There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.

﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ .

تَخْصِيصٌ مِن عُمُومِ الأمْرِ بِالحِجابِ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]

صفحة ٩٦

وإنَّما رَفَعَ الجُناحَ عَنْ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُنَّ مَأْمُوراتٌ بِالحِجابِ كَما أُمِرَ رِجالُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ مَعَهُنَّ فَكانَ المَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ ولا عَلَيْكم، كَما أنَّ مَعْنى ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أنَّهُنَّ أيْضًا يُجِبْنَ مِن وراءِ حِجابٍ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] .

والظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ مِن حَرْفِ (في) مَجازِيَّةٌ شائِعَةٌ في مِثْلِهِ، يُقالُ: لا جُناحَ عَلَيْكَ في كَذا، فَهو كالحَقِيقَةِ فَلا تُلاحِظُ فِيهِ الِاسْتِعارَةَ، والمَجْرُورُ مُقَدَّرٌ فِيهِ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: في رُؤْيَةِ آبائِهِنَّ إيّاهُنَّ، وإنَّما رَجَّحَ جانِبَهُنَّ هُنا؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الإذْنِ؛ لِأنَّ الرِّجالَ مَأْمُورُونَ بِالِاسْتِئْذانِ كَما اقْتَضَتْهُ آيَةُ سُورَةِ النُّورِ والإذْنُ يَصْدُرُ مِنهُنَّ فَلِذَلِكَ رَجَّحَ هُنا جانِبَهُنَّ فَأُضِيفَ الحُكْمُ إلَيْهِنَّ.

والنِّساءُ اسْمُ جَمْعِ امْرَأةٍ لا مُفْرِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ في كَلامِهِمْ، وهُنَّ الإناثُ البالِغاتُ أوِ المُراهِقاتُ.

والمُرادُ بِـ (نِسائِهِنَّ) جَمِيعُ النِّساءِ، فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الأزْواجِ اعْتِبارٌ بِالغالِبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَكُونَ النِّساءُ اللّاتِي يَدْخُلْنَ إلى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ نِساءٌ اعْتَدْنَ أنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْهِنَّ، والمُرادُ جَمِيعُ النِّساءِ.

ولَمْ يَذْكُرْ مِن أصْنافِ الأقْرِباءِ والأعْمامِ ولا الأخْوالِ لِأنَّ ذِكْرَ أبْناءِ الإخْوانِ وأبْناءِ الأخَواتِ يَقْتَضِي اتِّحادَ الحُكْمِ، مِن أنَّهُ لَمّا رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهُنَّ في الأعْمامِ والأخْوالِ كَذَلِكَ، وأمّا قَرابَةُ الرَّضاعَةِ فَمَعْلُومَةٌ مِنَ السُّنَّةِ فَأُرِيدَ الِاخْتِصارُ هُنا إذِ المَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى تَحْقِيقِ الحِجابِ لِيُفْضِيَ إلى قَوْلِهِ ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ .

والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى خِطابِهِنَّ ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ لِتَشْرِيفِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ الإلَهِيِّ إلَيْهِنَّ.

والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ مُبالَغَةً في الفِعْلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском