Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:56–59

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:56–59

33:56Page 426

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦

Indeed, Allāh confers blessing upon the Prophet, and His angels [ask Him to do so]. O you who have believed, ask [Allāh to confer] blessing upon him and ask [Allāh to grant him] peace.

صفحة ٩٧

”﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾“ أُعْقِبَتْ أحْكامُ مُعامَلَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَشْرِيفِ مَقامِهِ إيماءً إلى أنَّ تِلْكَ الأحْكامَ جارِيَةٌ عَلى مُناسَبَةِ عَظَمَةِ مَقامِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإلى أنَّ لِأزْواجِهِ مِن ذَلِكَ التَّشْرِيفِ حَظًّا عَظِيمًا.

ولِذَلِكَ كانَتْ صِيغَةُ الصَّلاةِ عَلَيْهِ الَّتِي عَلَّمَها لِلْمُسْلِمِينَ مُشْتَمِلَةً عَلى ذِكْرِ أزْواجِهِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، ولِيُجْعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالثَّناءِ والدُّعاءِ والتَّعْظِيمِ، وذُكِرَ صَلاةُ المَلائِكَةِ مَعَ صَلاةِ اللَّهِ لِيَكُونَ مِثالًا لِصَلاةِ أشْرَفِ المَخْلُوقاتِ عَلى الرَّسُولِ لِتَقْرِيبِ دَرَجَةِ صَلاةِ المُؤْمِنِينَ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِها عَقِبَ ذَلِكَ، والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ. ومَجِيءُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ، وافْتِتاحُها بِاسْمِ الجَلالَةِ لِإدْخالِ المَهابَةِ والتَّعْظِيمِ في هَذا الحُكْمِ، والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] لِأنَّ عَظَمَةَ مَقامِ النَّبِيِّ يَقْتَضِي عَظَمَةَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ هي المَقْصُودَةُ وما قَبْلَها تَوْطِئَةٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ ما يُؤْذِي الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْقَبَهُ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هو أقْصى حَظِّهِمْ مِن مُعامَلَةِ رَسُولِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا أذاهُ، بَلْ حَظُّهم أكْبَرُ مِن ذَلِكَ وهو أنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ ويُسَلِّمُوا، وذَلِكَ هو إكْرامُهم لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَهو يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إكْرامِهِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ بِحَضْرَتِهِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، فَجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ التَّمْهِيدِ. وجِئَ في صَلاةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ لِيَكُونَ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمِ عَقِبَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى تَكْرِيرِ ذَلِكَ مِنهم أُسْوَةً بِصَلاةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ.

والأمْرُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ مَعْناهُ: إيجادُ الصَّلاةِ، وهي الدُّعاءُ، فالأمْرُ يُئَوَّلُ إلى إيجادِ أقْوالٍ فِيها دُعاءٌ وهو مُجْمَلٌ في الكَيْفِيَّةِ.

والصَّلاةُ: ذِكْرٌ بِخَيْرٍ، وأقْوالٌ تَجْلِبُ الخَيْرَ، فَلا جَرَمَ كانَ الدُّعاءُ هو أشْهَرَ

صفحة ٩٨

مُسَمَّياتِ الصَّلاةِ، فَصَلاةُ اللَّهِ: كَلامُهُ الَّذِي يُقَدِّرُ بِهِ خَيْرًا لِرَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ حَقِيقَةَ الدُّعاءِ في جانِبِ اللَّهِ مُعَطَّلٌ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَدْعُوهُ النّاسُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ والنّاسِ: اسْتِغْفارٌ ودُعاءٌ بِالرَّحَماتِ.

وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ الواجِبَ كُلُّ كَلامٍ فِيهِ دُعاءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولَكِنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الصَّلاةِ قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا السَّلامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْناهُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ» ؟ يَعْنُونَ أنَّهم عَلِمُوا السَّلامَ عَلَيْهِ مِن صِيغَةِ بَثِّ السَّلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وفي التَّشَهُّدِ فالسَّلامُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ صِيغَتُهُ: السَّلامُ عَلَيْكم. والسَّلامُ في التَّشَهُّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ أوِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى أزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما بارَكَتَ عَلى إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. هَذِهِ رِوايَةُ مالِكٍ في المُوَطَّأِ عَنْ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ بِلَفْظِ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ عَنْ أزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ في المَوْضِعَيْنِ وبِزِيادَةٍ في العالَمِينَ، قَبْلَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ. وهُما أصَحُّ ما رُوِيَ كَما قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ. وهُناكَ رِواياتٌ خَمْسٌ أُخْرى مُتَقارِبَةُ المَعْنى وفي بَعْضِها زِيادَةٌ وقَدِ اسْتَقْصاها ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ. ومَرْجِعُ صِيَغِها تَوَجُّهٌ إلى اللَّهِ بِأنْ يُفِيضَ خَيْراتٍ عَلى رَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ مَعْنى الصَّلاةِ الدُّعاءُ، ودُعاءُ المُؤْمِنِينَ لا يَتَوَجَّهُ إلّا إلى اللَّهِ.

وظاهِرُ صِيغَةِ الأمْرِ مَعَ قَرِينَةِ السِّياقِ يَقْتَضِي وُجُوبَ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، إلّا أنَّهُ كانَ مُجْمَلًا في العَدَدِ فَمَحْمَلُهُ مَحْمَلُ الأمْرِ المُجْمَلِ أنْ يُفِيدَ المَرَّةَ لِأنَّها ضَرُورِيَّةٌ لِإيقاعِ الفِعْلِ ولِمُقْتَضى الأمْرِ. ولِذَلِكَ اتَّفَقَ فُقَهاءُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ واجِبًا عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يُصَلِّيَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً في العُمُرِ فَجَعَلُوا وقْتَها العُمُرَ كالحَجِّ. وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ في حُكْمِهِ ومِقْدارِهِ، ولا خِلافَ في اسْتِحْبابِ الإكْثارِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ وخاصَّةً عِنْدَ وُجُودِ أسْبابِها. قالَ الشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ مِنَ المالِكِيَّةِ واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ مِنَ المالِكِيَّةِ: أنَّ

صفحة ٩٩

الصَّلاةَ عَلَيْهِ فَرْضٌ في الصَّلاةِ فَمَن تَرَكَها بَطَلَتْ صَلاتُهُ. قالَ إسْحاقُ: ولَوْ كانَ ناسِيًا.

وظاهِرُ حِكاياتِهِمْ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ تَرْكَها إنَّما يُبْطِلُ الصَّلاةَ إذا كانَ عَمْدًا وكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ بَيانًا لِلْإجْمالِ الَّذِي في الأمْرِ مِن جِهَةِ الوَقْتِ والعَدَدِ، فَجَعَلُوا الوَقْتَ هو إيقاعُ الصَّلاةِ لِلْمُقارَنَةِ بَيْنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ، والتَّسْلِيمُ وارِدٌ في التَّشَهُّدِ، فَتَكُونُ الصَّلاةُ مَعَهُ عَلى نَحْوِ ما اسْتَدَلَّ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ: لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَإذا كانَ هَذا مَأْخَذَهم فَهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تَرِدْ في مَقامِ أحْكامِ الصَّلاةِ، وإلّا فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُبَيِّنَ مُجْمَلًا بِلا دَلِيلٍ.

وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هي في الصَّلاةِ مُسْتَحَبَّةٌ وهي في التَّشَهُّدِ الأخِيرِ وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ أيْضًا. قالَ الخَطّابِيُّ: ولا أعْلَمُ لِلشّافِعِيِّ فِيها قُدْوَةً وهو مُخالِفٌ لِعَمَلِ السَّلَفِ قَبْلَهُ، وقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ جِدًّا. وهَذا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ والَّذِي اخْتارَهُ الشّافِعِيُّ لَيْسَ فِيهِ الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ كَذَلِكَ كُلُّ مَن رَوى التَّشَهُّدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يُعَلِّمُنا التَّشَهُّدَ عَلى المِنبَرِ كَما تُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في الكُتّابِ، وعَلَّمَهُ أيْضًا عَلى المِنبَرِ عُمَرُ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ذِكْرُ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ . قُلْتُ: فَمَن قالَ إنَّها سَنَةٌ في الصَّلاةِ فَإنَّما أرادَ المُسْتَحَبَّ.

وأمّا حَدِيثُ «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أهْلُ الحَدِيثِ كُلُّهم.

ومِن أسْبابِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَن جَرى ذِكْرُهُ عِنْدَهُ، وكَذَلِكَ في افْتِتاحِ الكُتُبِ والرَّسائِلِ، وعِنْدَ الدُّعاءِ، وعِنْدَ سَماعِ الآذانِ، وعِنْدَ انْتِهاءِ المُؤَذِّنِ، وعِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ، وفي التَّشَهُّدِ الأخِيرِ.

وفِي التَّوْطِئَةِ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيءِ بِذِكْرِ الفِعْلِ المُضارِعِ في (يُصَلُّونَ) إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في الإكْثارِ مِنَ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ تَأسِّيًا بِصَلاةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ.

واعْلَمْ أنّا لَمْ نَقِفْ عَلى أنَّ أصْحابَ النَّبِيءِ ﷺ كانُوا يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ كُلَّما ذُكِرَ اسْمُهُ ولا أنْ يَكْتُبُوا الصَّلاةَ عَلَيْهِ إذا كَتَبُوا اسْمَهُ ولَمْ نَقِفْ عَلى تَعْيِينِ مَبْدَأِ كِتابَةِ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.

صفحة ١٠٠

والَّذِي يَبْدُو أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ إذا تَذَكَّرُوا بَعْضَ شُئُونِهِ كَما كانُوا يَتَرَحَّمُونَ عَلى المَيِّتِ إذا ذَكَرُوا بَعْضَ مَحاسِنِهِ. وفي السِّيرَةِ الحَلَبِيَّةِ لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعْتَرى عُمَرُ مِنَ الدَّهَشِ ما هو مَعْلُومٌ وتَكَلَّمَ أبُو بَكْرٍ بِما هو مَعْلُومٌ قالَ عُمَرُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلى رَسُولِهِ وعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ رَسُولَهُ، ورَوى البُخارِيُّ في بابِ: مَتى يُحِلُّ المُعْتَمِرُ: عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّها كانَتْ تَقُولُ كُلَّما مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلّى اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ لَقَدْ نَزَلْنا مَعَهُ هاهُنا ونَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفافٌ إلى آخِرِهِ.

وفِي بابِ ما يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِها فاطِمَةَ الكُبْرى قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلّى عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ وقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وافْتَحْ لِي أبْوابَ رَحْمَتِكَ، وإذا خَرَجَ صَلّى عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ وقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وافْتَحْ لِي أبْوابَ فَضْلِكَ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ ولَيْسَ إسْنادُهُ بِمُتَّصِلٍ.

ومِن هَذا القَبِيلِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الأثِيرِ في التّارِيخِ الكامِلِ في حَوادِثِ سَنَةِ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ رَثى مُحَمَّدًا النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ بِأبْياتٍ مِنها:

واللَّهِ لَوْ شَهِدَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلّى الإلَهُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّما

ثُمَّ أُحْدِثَتِ الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في أوائِلِ الكُتُبِ في زَمَنِ هارُونَ الرَّشِيدِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الأثِيرِ في الكامِلِ في سَنَةِ إحْدى وثَمانِينَ ومِائَةٍ، وذَكَرَهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ، ولَمْ يَذْكُرا صِيغَةَ التَّصْلِيَةِ. وفي المُخَصَّصِ لِابْنِ سِيدَهْ في ذِكْرِ الخُفِّ والنَّعْلِ: أنَّ أبا مُحَلِّمٍ بَعَثَ إلى حَذّاءٍ بِنَعْلٍ لِيَحْذُوَها وقالَ لَهُ (ثُمَّ سُنَّ شَفْرَتَكَ وسُنَّ رَأْسَ الإزْمِيلِ ثُمَّ سَمِّ بِاسْمِ اللَّهِ وصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ ثُمَّ انْحُها) إلى آخِرِهِ.

ولا شَكَّ أنَّ إتْباعَ اسْمَ النَّبِيءِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ في كُتُبِ الحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ وغَيْرِها كانَ مَوْجُودًا في القَرْنِ الرّابِعِ وقَدْ وقَفْتُ عَلى قِطْعَةٍ عَتِيقَةٍ مِن تَفْسِيرِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ البَصْرِيِّ مُؤَرَّخٍ نَسْخُها سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمانِينَ وثَلاثِمِائَةٍ فَإذا فِيها الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ عَقِبَ ذِكْرِهِ اسْمَهُ.

صفحة ١٠١

وأحْسَبُ أنَّ الَّذِينَ سَنُّوا ذَلِكَ هم أهْلُ الحَدِيثِ قالَ النَّوَوِيُّ في مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: يُسْتَحَبُّ لِكاتِبِ الحَدِيثِ إذا مَرَّ ذِكْرُ اللَّهِ أنْ يَكْتُبَ عَزَّ وجَلَّ، أوْ تَعالى، أوْ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ تَبارَكَ وتَعالى، أوْ جَلَّ ذِكْرُهُ، أوْ تَبارَكَ اسْمُهُ، أوْ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَكْتُبُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِكامِلِها لا رامِزًا إلَيْها ولا مُقْتَصِرًا عَلى بَعْضِها، ويَكْتُبُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا في الأصْلِ الَّذِي يُنْقَلُ مِنهُ فَإنَّ هَذا لَيْسَ رِوايَةً وإنَّما هو دُعاءٌ. ويَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يَقْرَأ كُلَّ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا في الأصْلِ الَّذِي يَقْرَأُ مِنهُ ولا يَسْأمُ مِن تَكَرُّرِ ذَلِكَ، ومَن أغْفَلَ ذَلِكَ حُرِمَ خَيْرًا عَظِيمًا اهـ.

وقَوْلُهُ ﴿وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في (صَلُّوا عَلَيْهِ) حُكْمًا ومَكانًا وصِفَةً فَإنَّ صِفَتَهُ حُدِّدَتْ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ» فَإنَّ المَعْلُومَ هو صِيغَتُهُ الَّتِي في التَّشَهُّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحِمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِيهِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ والجُمْهُورُ أبْقَوْا لَفْظَهُ عَلى اللَّفْظِ الَّذِي كانَ في حَياةِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَعْيًا لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ حَيٌّ يَبْلُغُهُ تَسْلِيمَ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ.

ومِن أجْلِ هَذا المَعْنى أُبْقِيَتْ لَهُ صِيغَةُ التَّسْلِيمِ عَلى الأحْياءِ وهي الصِّيغَةُ الَّتِي يَتَقَدَّمُ فِيها لَفَظُ التَّسْلِيمِ عَلى المُتَعَلِّقِ بِهِ لِأنَّ التَّسْلِيمَ عَلى الأمْواتِ يَكُونُ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى لَفْظِ السَّلامِ. وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلَّذِي سَلَّمَ فَقالَ: «عَلَيْكَ السَّلامُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ إنَّ (عَلَيْكَ السَّلامُ) تَحِيَّةُ المَوْتى، فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكَ» .

والتَّسْلِيمُ مَشْهُورٌ في أنَّهُ التَّحِيَّةُ بِالسَّلامِ، والسَّلامُ فِيهِ بِمَعْنى الأمانِ والسَّلامَةِ وجُعِلَ تَحِيَّةً في الأوَّلِينَ عِنْدَ اللِّقاءِ مُبادَأةً بِالتَّأْمِينِ مِنَ الِاعْتِداءِ والثَّأْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ إذْ كانُوا إذا اتَّقَوْا أحَدًا تَوَجَّسُوا خِيفَةً أنْ يَكُونَ مُضْمِرًا شَرًّا لِمُلاقِيهِ، فَكِلاهُما يَدْفَعُ ذَلِكَ الخَوْفَ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ مُلْقٍ عَلى مُلاقِيهِ سَلامَةً وأمْنًا. ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ هَذا اللَّفْظُ دالًّا عَلى الكَرامَةِ والتَّلَطُّفِ، قالَ النّابِغَةُ:

صفحة ١٠٢

أتارِكَةٌ تَدَلُّلَها قَطامِ ∗∗∗ وضِنًّا بِالتَّحِيَّةِ والسَّلامِ

ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى (وسَلِّمُوا) غَيْرَ مُجْمَلٍ ولا مُحْتاجٍ إلى بَيانٍ فَلَمْ يَسْألْ عَنْهُ الصَّحابَةُ النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: هَذا السَّلامُ قَدْ عَرَفْناهُ، وقالَ لَهم: والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ، أيْ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ مِن صِيغَةِ السَّلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ ومِن ألْفاظِ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ.

وإذْ قَدْ كانَتْ صِيغَةُ السَّلامِ مَعْرُوفَةً كانَ المَأْمُورُ بِهِ هو ما يُماثِلُ تِلْكَ الصِّيغَةَ أعْنِي أنْ نَقُولَ: السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ أوْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَوَجُّهٍ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنْ يُسَلِّمَ عَلى النَّبِيءِ بِخِلافِ التَّصْلِيَةِ لِما عَلِمْتَ مِمّا اقْتَضى ذَلِكَ فِيها.

والآيَةُ تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِشَيْئَيْنِ: الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ والتَّسْلِيمُ عَلَيْهِ، ولَمْ تَقْتَضِ جَمْعَهُما في كَلامٍ واحِدٍ وهُما مُفَرَّقانِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ فالمُسْلِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ بِأنْ يَقُولَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلَيْهِ، أوْ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتِي في جانِبِ التَّصْلِيَةِ بِصِيغَةِ طَلَبِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، وفي جانِبِ التَّسْلِيمِ بِصِيغَةِ إنْشاءِ السَّلامِ بِمَنزِلَةِ التَّحِيَّةِ لَهُ، وبَيْنَ أنْ يُفْرِدَ الصَّلاةَ ويُفْرِدَ التَّسْلِيمَ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقالَ لِي: أُبَشِّرُكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ومَن صَلّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ» . وعَنِ النَّوَوِيِّ: أنَّهُ قالَ بِكَراهَةِ إفْرادِ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَعَلَّهُ أرادَ خِلافَ الأوْلى. وفي الِاعْتِذارِ والمُعْتَذَرِ عَنْهُ نَظَرٌ إذْ لا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ.

وأمّا أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى مُحَمَّدٍ، فَلَيْسَ بِوارِدٍ فِيهِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ولا حَسَنٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَرِدْ عَنْهُ إلّا بِصِيغَةِ إنْشاءِ السَّلامِ مِثْلَ ما في التَّحِيَّةِ، ولَكِنَّهم تَسامَحُوا في حالَةِ الِاقْتِرانِ بَيْنَ التَّصْلِيَةِ والتَّسْلِيمِ فَقالُوا: ﷺ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ فِيما نَرى. وقَدِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النّاسِ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ وفي حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ المُتَقَدِّمِ أنَّها قالَتْ صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ.

ومَعْنى تَسْلِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِ إكْرامُهُ وتَعْظِيمُهُ فَإنَّ السَّلامَ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ.

صفحة ١٠٣

وقَدِ اسْتَحْسَنَ أيِمَّةُ السَّلَفِ أنْ يُجْعَلَ الدُّعاءُ بِالصَّلاةِ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيءِ ﷺ .

وعَنْ مالِكٍ: لا يُصَلّى عَلى غَيْرِ نَبِيئِنا مِنَ الأنْبِياءِ. يُرِيدُ أنَّ تِلْكَ هي السُّنَّةُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ الصَّلاةَ خاصَّةٌ بِالنَّبِيئِينَ كُلِّهِمْ.

وأمّا التَّسْلِيمُ في الغَيْبَةِ فَمَقْصُورٌ عَلَيْهِ وعَلى الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ لا يُشْرِكُهم فِيهِ غَيْرُهم مِن عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، وقَوْلِهِ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]، ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠]، ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] .

وأنَّهُ يَجُوزُ إتْباعُ آلِهِمْ وأصْحابِهِمْ وصالِحِي المُؤْمِنِينِ إيّاهم في ذَلِكَ دُونَ اسْتِقْلالٍ. هَذا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اصْطِلاحُ أهْلِ السُّنَّةِ ولَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَحْرِيمًا ولَكِنَّهُ اصْطِلاحٌ وتَمْيِيزٌ لِمَراتِبِ رِجالِ الدِّينِ، كَما قَصَرُوا الرِّضى عَلى الأصْحابِ وأيِمَّةِ الدِّينِ، وقَصَرُوا كَلِماتِ الإجْلالِ نَحْوَ: تَبارَكَ وتَعالى، وجَلَّ جَلالُهُ، عَلى الخالِقِ دُونَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.

وأمّا الشِّيعَةُ فَإنَّهم يَذْكُرُونَ التَّسْلِيمَ عَلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وآلِهِما، وهو مُخالِفٌ لِعَمَلِ السَّلَفِ فَلا يَنْبَغِي اتِّباعُهم فِيهِ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الغَضَّ مِنَ الخُلَفاءِ والصَّحابَةِ.

وانْتَصَبَ تَسْلِيمًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِـ (سَلِّمُوا) وإنَّما لَمْ يُؤَكِّدِ الأمْرَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ بِمَصْدَرٍ فَيُقالُ: صَلُّوا عَلَيْهِ صَلاةً؛ لِأنَّ الصَّلاةَ غَلَبَ إطْلاقُها عَلى مَعْنى الِاسْمِ دُونَ المَصْدَرِ، وقِياسُ المَصْدَرِ التَّصْلِيَةُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في الكَلامِ؛ لِأنَّهُ اشْتُهِرَ في الإحْراقِ، قالَ تَعالى (﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤])، عَلى أنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ قَدْ حَصَلَ تَأْكِيدُهُ بِالمَعْنى لا بِالتَّأْكِيدِ الِاصْطِلاحِيِّ فَإنَّ التَّمْهِيدَ لَهُ بِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ ) مُشِيرٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الِاقْتِداءِ بِشَأْنِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ.

33:57Page 426

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٥٧

Indeed, those who abuse Allāh and His Messenger - Allāh has cursed them in this world and the Hereafter and prepared for them a humiliating punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى تَناهِي مَراتِبِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وتَكْرِيمِهِ وحَذَّرَهم

صفحة ١٠٤

مِمّا قَدْ يَخْفى عَلى بَعْضِهِمْ مِن خَفِيِّ الأذى في جانِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيءَ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ، وعَلَّمَهم كَيْفَ يُعامِلُونَهُ مُعامَلَةَ التَّوْقِيرِ والتَّكْرِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآيَةَ، وعَلِمَ أنَّهم قَدِ امْتَثَلُوا أوْ تَعَلَّمُوا أرْدَفَ ذَلِكَ بِوَعِيدِ قَوْمٍ اتَّسَمُوا بِسِماتِ المُؤْمِنِينَ وكانَ مِن دَأْبِهِمُ السَّعْيُ فِيما يُؤْذِي الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ أُولَئِكَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِيُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ أنَّ أُولَئِكَ لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ في شَيْءٍ وأنَّهم مُنافِقُونَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الوَعِيدِ لا يُعْهَدُ إلّا لِلْكافِرِينَ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ يَخْطُرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَسْمَعُ الآياتِ السّابِقَةِ أنْ يَتَساءَلُوا عَنْ حالِ قَوْمٍ قَدْ عُلِمَ مِنهم قِلَّةُ التَّحَرُّزِ مِن أذى الرَّسُولِ ﷺ بِما لا يَلِيقُ بِتَوْقِيرِهِ.

وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بِأنَّ إيذاءَ النَّبِيءِ ﷺ مِن أحْوالِهِمُ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ، ولِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ أذى النَّبِيءِ ﷺ هو عِلَّةُ لَعْنِهِمْ وعَذابِهِمْ.

واللَّعْنُ: الإبْعادُ عَنِ الرَّحْمَةِ وتَحْقِيرِ المَلْعُونِ. فَهم في الدُّنْيا مُحَقَّرُونَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ ومَحْرُومُونَ مِن لُطْفِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ وهم في الآخِرَةِ مُحَقَّرُونَ بِالإهانَةِ في الحَشْرِ وفي الدُّخُولِ في النّارِ.

والعَذابُ المُهِينُ: هو عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ وهو مُهِينٌ؛ لِأنَّهُ عَذابٌ مَشُوبٌ بِتَحْقِيرٍ وخِزْيٍ.

والقَرْنُ بَيْنَ أذى اللَّهِ ورَسُوِلِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أذى الرَّسُولِ ﷺ يُغْضِبُ اللَّهَ تَعالى فَكَأنَّهُ أذًى لِلَّهِ.

وفِعْلُ (يُؤْذُونَ) مُعَدًّى إلى اسْمِ اللَّهِ عَلى مَعْنى المَجازِ المُرْسَلِ في اجْتِلابِ غَضَبِ اللَّهِ وتَعْدِيَتُهُ إلى الرَّسُولِ حَقِيقَةٌ. فاسْتُعْمِلَ (يُؤْذُونَ) في مَعْنَيَيْهِ المَجازِيِّ والحَقِيقِيِّ.

صفحة ١٠٥

ومَعْنى هَذا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «مَن آذانِي فَقَدْ آذى اللَّهَ» وأذى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَحْصُلُ بِالإنْكارِ عَلَيْهِ فِيما يَفْعَلُهُ، وبِالكَيْدِ لَهُ، وبِأذى أهْلِهِ مِثْلَ المُتَكَلِّمِينَ في الإفْكِ، والطّاعِنِينَ أعْمالَهُ، كالطَّعْنِ في إمارَةِ زَيْدٍ، وأُسامَةَ، والطَّعْنِ في أخْذِهِ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا في اتِّخاذِ النَّبِيءِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ.

33:58Page 426

وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨

And those who harm believing men and believing women for [something] other than what they have earned [i.e., deserved] have certainly borne upon themselves a slander and manifest sin.

﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ أُلْحِقَتْ حُرْمَةُ المُؤْمِنِينَ بِحُرْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وذُكِرُوا عَلى حِدَةٍ لِلْإشارَةِ إلى نُزُولِ رُتْبَتِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وهَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ أحْكامِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وآدابِ أزْواجِهِ وبَناتِهِ المُؤْمِناتِ.

وعَطْفُ (المُؤْمِناتِ) عَلى (المُؤْمِنِينَ) لِلتَّصْرِيحِ بِمُساواةِ الحُكْمِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرِيعَةِ، لِوَزْعِ المُؤْذِينَ عَنْ أذى المُؤْمِناتِ لِأنَّهُنَّ جانِبٌ ضَعِيفٌ بِخِلافِ الرِّجالِ فَقَدْ يَزَعُهم عَنْهُمُ اتِّقاءُ غَضَبِهِمْ وثَأْرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ.

والمُرادُ بِالأذى: أذى القَوْلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا﴾ لِأنَّ البُهْتانَ مِن أنْواعِ الأقْوالِ وذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِأقْوالِهِمْ، وأتْبَعَ ذَلِكَ التَّحْقِيرَ بِأنَّهُ إثْمٌ مُبِينٌ. والمُرادُ بِالمُبِينِ العَظِيمُ القَوِيُّ، أيْ جُرْمًا مِن أشَدِّ الجُرْمِ، وهو وعِيدٌ بِالعِقابِ عَلَيْهِ.

وضَمِيرُ (اكْتَسَبُوا) عائِدٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ. وهَذا الحالُ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ ذَلِكَ الأذى بِأنَّهُ ظُلْمٌ وكَذِبٌ.

ولَيْسَ المُرادُ بِالحالِ تَقْيِيدَ الحُكْمِ حَتّى يَكُونَ مَفْهُومُهُ جَوازَ أذى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِما اكْتَسَبُوا، أيْ أنْ يُسَبُّوا بِعَمَلٍ ذَمِيمٍ اكْتَسَبُوهُ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ مَوْكُولًا لِعُمُومِ النّاسِ ولَكِنَّهُ مَوْكُولٌ إلى وُلاةِ الأُمُورِ كَما قالَ تَعالى ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] . وقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الغِيبَةِ وقالَ: «هِيَ أنْ تَذْكُرَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ» . فَقِيلَ: وإنْ كانَ حَقًّا. قالَ: إنْ كانَ غَيْرَ حَقٍّ فَذَلِكَ البُهْتانُ فَأمّا تَغْيِيرُ المُنْكَرِ فَلا يَصْحَبُهُ أذًى.

صفحة ١٠٦

وماصَدَقُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ (ما اكْتَسَبُوا) سَيِّئًا، أيْ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا مِن سَيِّئٍ. ومَعْنى احْتَمَلُوا كَلَّفُوا أنْفُسَهم حِمْلًا، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِلْبُهْتانِ بِحِمْلٍ ثَقِيلٍ عَلى صاحِبِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

33:59Page 426

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩

O Prophet, tell your wives and your daughters and the women of the believers to bring down over themselves [part] of their outer garments.1 That is more suitable that they will be known2 and not be abused. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.3

”﴿يا أيُّها النَّبِيءُ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾“ أُتْبِعَ النَّهْيُ عَنْ أذى المُؤْمِناتِ بِأنْ أُمِرْنَ بِاتِّقاءِ أسْبابِ الأذى لِأنَّ مِن شَأْنِ المَطالِبِ السَّعْيَ في تَذْلِيلِ وسائِلِها كَما قالَ تَعالى ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] وقالَ أبُو الأسْوَدِ:

تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلُكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ

وهَذا يَرْجِعُ إلى قاعِدَةِ التَّعاوُنِ عَلى إقامَةِ المَصالِحِ وإماتَةِ المَفاسِدِ. وفي الحَدِيثِ «رَحِمَ اللَّهُ والِدًا أعانَ ولَدَهُ عَلى بِرِّهِ» . وهَذا الحَدِيثُ ضَعِيفُ السَّنَدِ لَكِنَّهُ صَحِيحُ المَعْنى لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ مَطْلُوبٌ، فالإعانَةُ عَلَيْهِ إعانَةٌ عَلى وُجُودِ المَعْرُوفِ والخَيْرِ.

وابْتُدِئَ بِأزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ وبَناتِهِ لِأنَّهُنَّ أكْمَلُ النِّساءِ، فَذِكْرُهُنَّ مِن ذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

والنِّساءُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْمَرْأةِ لا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]) . فَلَيْسَ المُرادُ بِالنِّساءِ هُنا أزْواجَ المُؤْمِنِينَ بَلِ المُرادُ الإناثُ المُؤْمِناتُ، وإضافَتُهُ إلى المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى (مِن) أيِ النِّساءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والجَلابِيبُ: جَمْعُ جِلْبابٍ وهو ثَوْبٌ أصْغَرُ مِنَ الرِّداءِ وأكْبَرُ مِنَ الخِمارِ والقِناعِ، تَضَعُهُ المَرْأةُ عَلى رَأْسِها فَيَتَدَلّى جانِباهُ عَلى عِذارَيْها ويَنْسَدِلُ سائِرُهُ عَلى كَتِفَيْها وظَهْرِها، تَلْبَسُهُ عِنْدَ الخُرُوجِ والسَّفَرِ.

صفحة ١٠٧

وهَيْئاتُ لِبْسِ الجَلابِيبِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النِّساءِ تُبَيِّنُها العاداتُ. والمَقْصُودُ هو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ .

والإدْناءُ: التَّقْرِيبُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ اللِّبْسِ والوَضْعِ، أيْ يَضَعْنَ عَلَيْهِنَّ جَلابِيبَهُنَّ، وقالَ بِشّارٌ:

لَيْلَةٌ تَلْبَسُ البَياضَ مِنَ الشَّهْرِ ∗∗∗ وأُخْرى تُدْنِي جَلابِيبَ سُودًا

فَقابَلَ بِـ (تُدْنِي) (تَلْبَسُ) فالإدْناءُ هُنا اللِّبْسُ.

وكانَ لِبْسُ الجِلْبابِ مِن شِعارِ الحَرائِرِ فَكانَتِ الإماءُ لا يَلْبَسْنَ الجَلابِيبَ.

وكانَتِ الحَرائِرُ يَلْبَسْنَ الجَلابِيبَ عِنْدَ الخُرُوجِ إلى الزِّياراتِ ونَحْوِها فَكُنَّ لا يَلْبَسْنَها في اللَّيْلِ وعِنْدَ الخُرُوجِ إلى المَناصِعِ، وما كُنَّ يَخْرُجْنَ إلَيْها إلّا لَيْلًا فَأُمِرْنَ بِلَبْسِ الجَلابِيبِ في كُلِّ الخُرُوجِ لِيُعْرَفَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ فَلا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِنَّ شَبابُ الدُّعّارِ يَحْسَبُهُنَّ إماءً أوْ يَتَعَرَّضُ إلَيْهِنَّ المُنافِقُونَ اسْتِخْفافًا بِهِنَّ بِالأقْوالِ الَّتِي تُخْجِلُهُنَّ فَيَتَأذَّيْنَ مِن ذَلِكَ ورُبَّما يَسْبُبْنَ الَّذِينَ يُؤْذُونَهُنَّ فَيَحْصُلُ أذًى مِنَ الجانِبَيْنِ. فَهَذا مِن سَدِّ الذَّرِيعَةِ.

والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى الإدْناءِ المَفْهُومِ مِن (يُدْنِينَ)، أيْ ذَلِكَ اللِّباسُ أقْرَبُ إلى يُعْرَفُ أنَّهُنَّ حَرائِرٌ بِشِعارِ الحَرائِرِ فَيَتَجَنَّبُ الرِّجالُ إيذاءَهُنَّ فَيَسْلَمُوا وتَسْلَمْنَ.

وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مُدَّةَ خِلافَتِهِ يَمْنَعُ الإماءَ مِنَ التَّقَنُّعِ كَيْ لا يَلْتَبِسْنَ بِالحَرائِرِ ويَضْرِبُ مَن تَتَقَنَّعُ مِنهُنَّ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ زالَ ذَلِكَ بَعْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ كُثَيْرٍ:

هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتَ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ صَفْحٌ عَمّا سَبَقَ مِن أذى الحَرائِرِ قَبْلَ تَنْبِيهِ النّاسِ إلى هَذا الأدَبِ الإسْلامِيِّ، والتَّذْيِيلُ يَقْتَضِي إنْهاءَ الغَرَضِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском