Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:60–66
33:60–61Page 426
۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠
If the hypocrites and those in whose hearts is disease1 and those who spread rumors in al-Madīnah do not cease, We will surely incite you against them; then they will not remain your neighbors therein except for a little,
مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١
Accursed wherever they are found, [being] seized and massacred completely.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ انْتِقالٌ مِن زَجْرِ قَوْمٍ عُرِفُوا بِأذى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ومِن تَوَعُّدِهِمْ
صفحة ١٠٨
بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِعِقابٍ في الدُّنْيا يَشْرَعُهُ اللَّهُ لَهم إنْ هم لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأنْ لا يَنْفَعَ في أُولَئِكَ وعِيدُ الآخِرَةِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وأُولَئِكَ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى قَوْلِهِ (عَظِيمًا)، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] .
وصَرَّحَ هُنا بِما كُنِّيَ عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ إذْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُنافِقِينَ فَعُلِمَ أنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ هُمُ المُنافِقُونَ ومَن لُفَّ لِفَّهم.
و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] قَدْ ذَكَرْناهم في أوَّلِ السُّورَةِ وهُمُ المُنْطَوُونَ عَلى النِّفاقِ أوِ التَّرَدُّدِ في الإيمانِ.
والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ: هُمُ المُنافِقُونَ، فالأوْصافُ الثَّلاثَةُ لِشَيْءٍ واحِدٍ قالَهُ أبُو رَزِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْتَهِ) لِظُهُورِهِ، أيْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ أذى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ.
والإرْجافُ: إشاعَةُ الأخْبارِ. وفِيهِ مَعْنى كَوْنِ الأخْبارِ كاذِبَةً أوْ مُسِيئَةً لِأصْحابِها يُعِيدُونَها في المَجالِسِ لِيَطْمَئِنَّ السّامِعُونَ لَها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِأنَّها صادِقَةٌ لِأنَّ الإشاعَةَ إنَّما تُقْصَدُ لِلتَّرْوِيجِ بِشَيْءٍ غَيْرِ واقِعٍ أوْ مِمّا لا يُصَدَّقُ بِهِ لِاشْتِقاقِ ذَلِكَ مِنَ الرَّجْفِ والرَّجَفانِ وهو الِاضْطِرابُ والتَّزَلْزُلُ.
فالمُرْجِفُونَ قَوْمٌ يَتَلَقَّوْنَ الأخْبارَ فَيُحَدِّثُونَ بِها في مَجالٍ ونَوادٍ ويُخْبِرُونَ بِها مَن يَسْألُ ومَن لا يَسْألُ. ومَعْنى الإرْجافُ هُنا: أنَّهم يُرْجِفُونَ بِما يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، ويَتَحَدَّثُونَ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: هُزِمُوا أوْ أسْرَعَ فِيهِمُ القَتْلُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِإيقاعِ الشَّكَّ في نُفُوسِ النّاسِ والخَوْفِ وسُوءِ ظَنِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وهم مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرِضٌ وأتْباعِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] في سُورَةِ النِّساءِ. فَهَذِهِ الأوْصافُ لِأصْنافٍ مِنَ النّاسِ. وكانَ أكْثَرُ المُرْجِفِينَ مِنَ اليَهُودِ ولَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ عَقِبَهُ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لا يُساعِدُ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ.
صفحة ١٠٩
واللّامُ في (لَئِنْ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فالكَلامُ بَعْدَها قَسَمٌ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ.
واللّامُ في (لَنُغْرِيَنَّكَ) لامُ جَوابِ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ.
والإغْراءُ: الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى فِعْلٍ. ويَتَعَدّى فِعْلُهُ بِحَرْفِ عَلى والباءِ، والأكْثَرُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ (عَلى) تُفِيدُ حَثًّا عَلى الفِعْلِ مُطْلَقًا في حَدِّ ذاتِهِ وأنَّ تَعْدِيَتَهُ بِالباءِ تُفِيدُ حَثًّا عَلى الإيقاعِ بِشَخْصٍ لِأنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ. فالمُغْرى عَلَيْهِ مُلابِسٌ لِذاتِ المَجْرُورِ بِالباءِ، أيْ واقِعًا عَلَيْها. فَلا يُقالُ: أغْرَيْتُهُ بِهِ، إذا حَرَّضَهُ عَلى إحْسانٍ إلَيْهِ.
فالمَعْنى: لَنُغْرِيَنَّكَ بِعُقُوبَتِهِمْ، أيْ بِأنْ تُغْرِيَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فَإذا حَلَّ ذَلِكَ بِهِمُ انْجَلُوا عَنِ المَدِينَةِ فائِزِينَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ.
واخْتِيرَ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ بِـ (ثُمَّ) دُونَ الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي انْتِفاءِ المُجاوَرَةِ عَنِ الإغْراءِ بِهِمْ تَراخِي رُتْبَةٍ لِأنَّ الخُرُوجَ مِنَ الأوْطانِ أشَدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا يَلْحَقُها مِن ضُرٍّ في الأبْدانِ كَما قالَ تَعالى ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أيْ وفِتْنَةُ الإخْراجِ مِن بَلَدِهِمْ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ.
واسْتِثْناءُ (إلّا قَلِيلًا) لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المُجاوِرَةِ وأنَّهُ لَيْسَ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ أيْ لا يَبْقُونَ مَعَكَ في المَدِينَةِ إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً، وهي ما بَيْنَ نُزُولِ الآيَةِ والإيقاعِ بِهِمْ. و(قَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (يُجاوِرُونَكَ) أيْ جِوارًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ مُدَّةِ زَمَنِهِ. وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ صِفَةً لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ فَإنَّ وُقُوعَ ضَمِيرِهِمْ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَقْتَضِي إفْرادَهم، وعُمُومُ الأشْخاصِ يَقْتَضِي عُمُومَ أزْمانِها فَيَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الوَصْفِ لِاسْمِ الزَّمانِ ولَيْسَ هو ظَرْفًا.
و(مَلْعُونِينَ) حالٌ مِمّا تَضَمَّنَهُ (قَلِيلًا) مِن مَعْنى الجِوارِ. فالجِوارُ مَصْدَرُ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ صاحِبِهِ لِأنَّ أصْلَ المَصْدَرِ أنْ يُضافَ إلى فاعِلِهِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا جِوارَهم مَلْعُونِينَ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (مَلْعُونِينَ) مُسْتَثْنًى مِن أحْوالٍ بِأنْ
صفحة ١١٠
يَكُونَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ دَخَلَ عَلى الظَّرْفِ والحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وبَوْنٌ ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ ما نَظَّرَهُ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَصْلُحُ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ. والوَجْهُ هُنا هو ما سَلَكْناهُ في تَقْدِيرِ نَظْمِهِ.
واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] في سُورَةِ الحِجْرِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا كِنايَةً عَنِ الإهانَةِ والتَّجَنُّبِ في المَدِينَةِ، أيْ يُعامِلُهُمُ المُسْلِمُونَ بِتَجَنُّبِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ ويَبْتَعِدُونَ هم مِنَ المُؤْمِنِينَ اتِّقاءً ووَجَلًا فَتَضْمَنُ أنْ يَكُونُوا مُتَوارِينَ مُخْتَفِينَ خَوْفًا مِن بَطْشِ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ حَيْثُ أغْراهُمُ النَّبِيءُ ﷺ، فَفي قَوْلِهِ مَلْعُونِينَ إيجازٌ بَدِيعٌ.
وقَوْلُهُ (﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾) ظَرْفٌ مُضافٌ إلى جُمْلَةٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَلْعُونِينَ) لِأنَّ مَلْعُونِينَ حالٌ مِنهم بَعْدَ صِفَتِهِمْ بِأنَّهم في المَدِينَةِ، فَأفادَ عُمُومَ أمْكِنَةِ المَدِينَةِ. وأيْنَما: اسْمُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. والثَّقَفُ: الظَّفَرُ والعُثُورُ عَلى العَدُوِّ بِدُونِ قَصْدٍ. وقَدْ مَهَّدَ لِهَذا الفِعْلِ قَوْلُهُ (مَلْعُونِينَ) كَما تَقَدَّمَ.
ومَعْنى (أُخِذُوا) أُمْسِكُوا. والأخْذُ: الإمْساكُ والقَبْضُ، أيْ أُسِرُوا، والمُرادُ: أُخِذَتْ أمْوالُهم إذْ أغْرى اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ بِهِمْ.
والتَّقْتِيلُ: قُوَّةُ القَتْلِ. والقُوَّةُ هُنا بِمَعْنى الكَثْرَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ قَوِيٌّ في أصْنافِ نَوْعِهِ وأيْضًا هو شَدِيدٌ في كَوْنِهِ سَرِيعًا لا إمْهالَ لَهم فِيهِ.
و(تَقْتِيلًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ، أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا شامِلًا. فالتَّأْكِيدُ هُنا تَأْكِيدٌ لِتَسَلُّطِ القَتْلِ عَلى جَمِيعِ الأفْرادِ المَدْلُولَةِ لِضَمِيرِ (قُتِّلُوا)، لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ في عُمُومِ القَتْلِ، فالمَعْنى: قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا لا يَفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ.
وبِهَذا الوَعِيدِ انْكَفَّ المُنافِقُونَ عَنْ أذاةِ المُسْلِمِينَ وعَنِ الإرْجافِ فَلَمْ يَقَعِ التَّقْتِيلُ فِيهِمْ إذْ لَمْ يُحْفَظْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَتَلَ مِنهم أحَدًا ولا أنَّهم خَرَجَ مِنهم أحَدٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُرْشِدُ إلى تَقْدِيمِ إصْلاحِ الفاسِدِ مِنَ الأُمَّةِ عَلى قَطْعِةٍ مِنها لِأنَّ إصْلاحَ الفاسِدِ يُكْسِبُ الأُمَّةَ فَرْدًا صالِحًا أوْ طائِفَةً صالِحَةً تَنْتَفِعُ الأُمَّةُ مِنها كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ . «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» . ولِهَذا شُرِعَتْ
صفحة ١١١
اسْتِتابَةُ المُرْتَدِّ قَبْلَ قَتْلِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ تُعْرَضُ عَلَيْهِ فِيها التَّوْبَةُ، وشُرِعَتْ دَعْوَةُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَغْزُوهُمُ المُسْلِمُونَ إلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ الشُّرُوعِ في غَزْوِهِمْ فَإنْ أسْلَمُوا وإلّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ في دُخُولِهِمُ الذِّمَّةَ انْتِفاعًا لِلْمُسْلِمِينَ بِجِزْيَتِهِمْ والِاعْتِضادِ بِهِمْ.
وأمّا قَتْلُ القاتِلِ عَمْدًا فَشُرِعَ فِيهِ مُجاراةً لِقَطْعِ الأحْقادِ مِن قُلُوبِ أوْلِياءِ القَتِيلِ لِئَلّا يَقْتُلَ بَعْضُ الأُمَّةِ بَعْضًا، إذْ لا دَواءَ لِتِلْكَ العِلَّةِ إلّا القِصاصُ. ولِذَلِكَ رَغَّبَ الشَّرْعُ في العَفْوِ وفي قَبُولِهِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ مالِكٌ في آيَةِ (﴿جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]) أنَّ (أوْ) فِيها لِلتَّنْوِيعِ لا لِلتَّخْيِيرِ فَقالَ: يَكُونُ الجَزاءُ بِقَدْرِ جُرْمِ المُحارِبِ وكَثْرَةِ مَقامِهِ في فَسادِهِ. وكانَ النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ آخَرَ أصْنافِ الجَزاءِ لِأنَّ فِيهِ اسْتِبْقاءَهُ رَجاءَ تَوْبَتِهِ وصَلاحِ حالِهِ.
33:62Page 426
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢
[This is] the established way of Allāh with those who passed on before; and you will not find in the way of Allāh any change.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ انْتَصَبَ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: سَنَّ اللَّهُ إغْراءَكَ بِهِمْ سُنَّتَهُ في أعْداءِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ وفي الكُفّارِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا وأُخِذُوا في غَزْوَةِ بَدْرٍ وغَيْرِها.
وحَرْفُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، شُبِّهَتِ السُّنَّةُ الَّتِي عُومِلُوا بِها بِشَيْءٍ في وسَطِهِمْ كِنايَةً عَنْ تَغَلْغُلِهِ فِيهِمْ وتَناوُلِهِ جَمِيعَهم ولَوْ جاءَ الكَلامُ عَلى غَيْرِ المَجازِ لَقِيلَ: سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الَّذيِنَ خَلَوْا. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الَّذِينَ مَضَوْا وتَقَدَّمُوا. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن سَبَقُوا مِن أعْداءِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِينَ أذِنَهُ اللَّهُ بِقَتْلِهِمْ مِثْلَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ ومِثْلَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن يَهُودِ قُرَيْظَةَ. وهَذا أظْهَرُ لِأنَّ ما أصابَ أُولَئِكَ أوْقَعُ في المَوْعِظَةِ إذْ كانَ هَذانِ الفَرِيقانِ عَلى ذِكْرٍ مِنَ المُنافِقِينَ وقَدْ شَهِدُوا بَعْضَهم وبَلَغَهم خَبَرُ بَعْضٍ.
ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَشْمَلَ (الَّذِينَ خَلَوْا) الأُمَمَ السّالِفَةَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأذاهم رُسُلَهم فاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ.
صفحة ١١٢
وذَيَّلَ بِجُمْلَةِ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّ العَذابَ حائِقٌ بِالمُنافِقِينَ وأتْباعِهِمْ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا هم فِيهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُخالِفُ سَنَّتَهُ لِأنَّها مُقْتَضى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَلا تَجْرِي مُتَعَلِّقاتُها إلّا عَلى سَنَنٍ واحِدٍ.
والمَعْنى: لَنْ تَجِدَ لِسُنَنِ اللَّهِ مَعَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولا مَعَ الحاضِرِينَ ولا مَعَ الآتِينَ تَبْدِيلًا. وبِهَذا العُمُومِ الَّذِي أفادَهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ تَأهَّلَتِ الجُمْلَةُ لِأنْ تَكُونُ تَذْيِيلًا.
33:63Page 427
يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣
People ask you concerning the Hour. Say, "Knowledge of it is only with Allāh. And what may make you perceive? Perhaps the Hour is near."
﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ لَمّا كانَ تَهْدِيدُ المُنافِقِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا يُذَكِّرُ بِالخَوْضِ في عَذابِ الآخِرَةِ: خَوْضِ المُكَذِّبِينَ السّاخِرِينَ، وخَوْضِ المُؤْمِنِينَ الخائِفِينَ، وأهْلِ الكِتابِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِهَذا.
فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤] لِتَكُونَ تَمْهِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦٤] .
وتَكَرَّرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ سُؤالِ النّاسِ عَنِ السّاعَةِ، والسّائِلُونَ أصْنافٌ: مِنهُمُ المُكَذِّبُونَ بِها وهم أكْثَرُ السّائِلِينَ وسُؤالُهم تَهَكُّمٌ واسْتِدْلالٌ بِإبْطائِها عَلى عَدَمِ وُجُودِها في أنْظارِهِمُ السَّقِيمَةِ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] .
وصِنْفٌ مُؤْمِنُونَ يَسْألُونَ عَنْها مَحَبَّةً لِمَعْرِفَةِ المُغَيَّباتِ، وهَؤُلاءِ نُهُوا عَنِ الِاشْتِغالِ بِذَلِكَ كَما في الحَدِيثِ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: ماذا أعْدَدْتَ لَها ؟ فَقالَ الرَّجُلُ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أعْدَدْتُ لَها
صفحة ١١٣
كَبِيرَ صَلاةٍ ولا صَوْمٍ سِوى أنّى أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» .
وصِنْفٌ يَسْألُ اخْتِبارًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لَعَلَّهُ يُجِيبُ بِما يُخالِفُ ما في عِلْمِهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ حُجَّةً بَيْنَهم عَلى انْتِفاءِ نُبُوءَتِهِ ويَلْعَنُونَهُ في دَهْمائِهِمْ لِيَقْتَلِعُوا مِن نُفُوسِهِمْ ما عَسى أنْ يُخالِطَها مِنَ النَّظَرِ في صِدْقِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ نَظِيرُ سُؤالِهِمْ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنِ الرُّوحِ.
فَـ (النّاسُ) هُنا يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ الِاشْتِغالُ بِالسُّؤالِ عَنْها إذْ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ. وأهْلُ هَذِهِ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ مَوْجُودُونَ بِالمَدِينَةِ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (وما يُدْرِيكَ) لِلرَّسُولِ ﷺ . و(ما) اسْتِفْهامٌ ماصَدَقُها شَيْءٌ.
و(يُدْرِيكَ) مِن أدْراهُ، إذا أعْلَمَهُ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُ لَكَ دِرايَةً.
و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ رَجاءٍ.
و(لَعَلَّ) مُعَلِّقَةٌ فِعْلَ الإدْراءِ عَنِ العَمَلِ، أيْ في المَفْعُولِ الثّانِي والثّالِثِ وأمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَهو كافُ الخِطابِ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ السّاعَةَ بَعِيدَةً أوْ قَرِيبَةً لَعَلَّها تَكُونُ قَرِيبًا ولَعَلَّها تَكُونُ بَعِيدًا، فَفي الكَلامِ احْتِباكٌ.
والأظْهَرُ أنَّ (قَرِيبًا) خَبَرُ (تَكُونُ) وأنَّ فِعْلَ الكَوْنِ ناقِصٌ وجِيءَ بِالخَبَرِ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّهُ مُتَحَمِّلٌ لِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ لَفَظًا فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ كالفِعْلِ في اقْتِرانِهِ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ إنْ كانَ مُتَحَمِّلًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ لَفْظِيٍّ فَقِيلَ إنَّما لَمْ يَقْتَرِنْ بِعَلاقَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ ضَمِيرَ السّاعَةِ جَرى عَلَيْها بَعْدَ تَأْوِيلِها بِالشَّيْءِ أوِ اليَوْمِ. والَّذِي اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِثْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجِ، وابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ
صفحة ١١٤
(قَرِيبًا) في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الكَوْنِ ولَكِنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ وهم يَعْنُونَ أنَّ فِعْلَ الكَوْنِ تامٌّ وأنَّ (قَرِيبًا) ظَرْفُ زَمانٍ لِوُقُوعِهِ. والتَّقْدِيرُ: تَقَعُ في زَمانٍ قَرِيبٍ، فَيَلْزَمُ لَفْظَ (قَرِيبٍ) الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ عَلى نِيَّةِ زَمانٍ أوْ وقْتٍ، وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ كَما ورَدَ في ضِدِّهِ وهو لَفْظٌ بَعِيدٌ في قَوْلِهِ:
وإنْ تُمْسِ ابْنَةُ السَّهْمِيِّ مِنّا بَعِيدًا لا تُكَلِّمُنا كَلامًا
وقَدْ أشارَ إلى جَوازِ الوَجْهَيْنِ في الكَشّافِ. وهَذانِ الوَجْهانِ وإنْ تَأتَّيا هُنا لا يَتَأتَّيانِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
ويَقْتَرِنُ (قَرِيبٌ) و(بَعِيدٌ) بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ ونَحْوِها مِنَ العَلاماتِ الفَرْعِيَّةِ عِنْدَ إرادَةِ التَّوْصِيفِ. وكُلُّ هَذِهِ اعْتِباراتٌ مِن تَوَسُّعِهِمْ في الكَلامِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] في الأعْرافِ فَضُمَّهُ إلى ما هُنا.
33:64–65Page 427
إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤
Indeed, Allāh has cursed the disbelievers and prepared for them a Blaze.
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥
Abiding therein forever, they will not find a protector or a helper.
﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .
هَذا حَظُّ الكافِرِينَ مِن وعِيدِ السّاعَةِ، وهَذِهِ لَعْنَةُ الآخِرَةِ قُفِّيَتْ بِها لَعْنَةُ الدُّنْيا في قَوْلِهِ (مَلْعُونِينَ)، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْها ﴿وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ فَكانَتْ لَعْنَةُ الدُّنْيا مُقْتَرِنَةً بِالأخْذِ والتَّقْتِيلِ ولَعْنَةُ الآخِرَةِ مُقْتَرِنَةً بِالسَّعِيرِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢] تُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ السُّؤالَ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى لَعْنِهِمْ وتَقْتِيلِهِمْ في الدُّنْيا، وهَلْ ذَلِكَ مُنْتَهى ما عُوقِبُوا بِهِ أوْ لَهم مِن ورائِهِ عَذابٌ ؟ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ إلَخْ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ.
وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ أوْ مَنظُورٍ بِهِ إلى السّامِعِينَ مِنَ الكافِرِينَ.
والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، أيِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا شاقُّوا الرَّسُولَ ﷺ وآذَوْهُ وأرْجَفُوا في المَدِينَةِ وهُمُ المُنافِقُونَ ومَن ناصَرَهم مِنَ
صفحة ١١٥
المُشْرِكِينَ في وقْعَةِ الأحْزابِ ومِنَ اليَهُودِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلَّ كافِرٍ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فَصِيغَةُ المُضِيِّ في فِعْلِ (لَعَنَ) مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْقِيقِ الوُقُوعِ شِبْهِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بِالفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ فاسْتُعِيرَ لَهُ صِيغَةُ الماضِي مَثَلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] لِأنَّ اللَّعْنَ إنَّما يَقَعُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَقْبَلٌ. وأمّا حالُهم في الدُّنْيا فَمِثْلُ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ يَتَمَتَّعُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا مِن حَياةٍ ورِزْقٍ ومَلاذٍ كَما هو صَرِيحُ الآياتِ والأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ قالَ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .
وقَدْ يَكُونُ في ظاهِرِ الآيَةِ مُتَمَسَّكٌ لِلشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ لِقَوْلِهِ بِانْتِفاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَنِ الكافِرِينَ خِلافًا لِلْماتُرِيدِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ والمُعْتَزِلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَمَسَّكٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الخِلافَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم خِلافٌ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلى أنَّ حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ تَرْجِعُ إلى ما لا يُعْقِبُ ألَمًا.
والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ. وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، أيْ مَسْعُورَةٌ.
وأُعِيدَ الضَّمِيرُ عَلى السَّعِيرِ في قَوْلِهِ (خالِدِينَ فِيها) مُؤَنَّثًا لِأنَّ سَعِيرًا مِن صِفاتِ النّارِ والنّارُ مُؤَنَّثَةٌ في الِاسْتِعْمالِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) أيْ خالِدِينَ في حالَةِ انْتِفاءِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ عَنْهم فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْصُرُونَ.
33:66Page 427
يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦
The Day their faces will be turned about in the Fire, they will say, "How we wish we had obeyed Allāh and obeyed the Messenger."
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ (يَوْمَ) ظَرْفٌ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (لا يَجِدُونَ) أيْ إنْ وجَدُوا أوْلِياءَ ونُصَراءَ في الدُّنْيا مِن يَهُودِ قُرَيْظَةَ وخَيْبَرَ في يَوْمِ الأحْزابِ فَيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ لا يَجِدُونَ ولِيًّا يَرْثِي لَهم ولا نَصِيرًا يُخَلِّصُهم. وتَكُونُ جُمْلَةُ (يَقُولُونَ) حالًا مِن ضَمِيرِ (يَقُولُونَ) .
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِفِعْلِ (يَقُولُونَ) حالًا مِن ضَمِيرِ (لا يَجِدُونَ) .
صفحة ١١٦
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ عَلى طَرِيقَةِ نَظائِرِهِ مِن ظُرُوفٍ كَثِيرَةٍ وارِدَةٍ في القُرْآنِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (يَقُولُونَ) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في وُجُوهِهِمْ.
والتَّقْلِيبُ: شِدَّةُ القَلْبِ. والقَلْبُ: تَغْيِيرُ وضَعِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها.
والمَعْنى: يَوْمَ تُقَلِّبُ مَلائِكَةُ العَذابِ وُجُوهَهم في النّارِ بِغَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهم، أوْ يَجْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ التَّقَلُّبَ في وُجُوهِهِمْ لِتَنالَ النّارُ جَمِيعَ الوَجْهِ كَما يُقَلَّبُ الشِّواءُ عَلى المَشْوى لِيَنْضَجَ عَلى سَواءٍ، ولَوْ كانَ لَفْحُ النّارِ مُقْتَصِرًا عَلى أحَدِ جانِبَيِ الوَجْهِ لَكانَ لِلْجانِبِ الآخَرِ بَعْضُ الرّاحَةِ.
وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ لِأنَّ حَرَّ النّارِ يُؤْذِي الوُجُوهَ أشَدَّ مِمّا يُؤْذِي بَقِيَّةَ الجِلْدِ لِأنَّ الوُجُوهَ مَقَرُّ الحَواسِّ الرَّقِيقَةِ: العُيُونِ والأفْواهِ والآذانِ والمَنافِسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] .
وحَرْفُ (يا) في قَوْلِهِ (يا لَيْتَنا) لِلتَّنْبِيهِ لِقَصْدِ إسْماعِ مَن يُرْثى لِحالِهِمْ مِثْلَ يا حَسْرَتَنا. والتَّمَنِّي هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّنَدُّمِ عَلى ما فاتَ، وكَذَلِكَ نَحْوُ (يا حَسْرَتَنا) أيْ أنَّ الحَسْرَةَ غَيْرُ مُجْدِيَةٍ.
وقَدْ عَلِمُوا يَوْمَئِذٍ أنَّ ما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ هو تَبْلِيغٌ عَنْ مُرادِ اللَّهِ مِنهم وأنَّهم إذْ عَصَوْهُ فَقَدْ عَصَوُا اللَّهَ تَعالى فَتَمَنَّوْا يَوْمَئِذَ أنْ لا يَكُونُوا عَصَوُا الرَّسُولَ المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
والألِفُ في آخِرِ قَوْلِهِ (الرَّسُولا) لِرِعايَةِ الفَواصِلِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها السُّورَةُ فَإنَّها بُنِيَتْ عَلى فاصِلَةِ الألِفِ وهي ألِفُ الإطْلاقِ إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي الَّتِي تَلْحَقُها ألْفُ الإطْلاقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظَّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] في هَذِهِ السُّورَةِ، وتَقَدَّمَتْ وُجُوهُ القِراءاتِ في إثْباتِها في الوَصْلِ أوْ حَذْفِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences