Ibn 'AshurAl‑Ahzab · 33:67–71

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:67–71

33:67–68Page 427

وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧

And they will say, "Our Lord, indeed we obeyed our masters and our dignitaries,1 and they led us astray from the [right] way.

رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨

Our Lord, give them double the punishment and curse them with a great curse."

صفحة ١١٧

﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَثِيرًا﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَقُولُونَ) فَهي حالٌ. وجِيءَ بِها في صِيغَةِ الماضِي لِأنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، فَذَلِكَ التَّمَنِّي نَشَأ لَهم وقْتَ أنْ مَسَّهُمُ العَذابُ، وهَذا التَّنَصُّلُ والدُّعاءُ اعْتَذَرُوا بِهِ حِينَ مُشاهَدَةِ العَذابِ وحَشْرِهِمْ مَعَ رُؤَسائِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، قالَ تَعالى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] . فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُمُ العَذابُ بَلْ حِينَ رُصِفُوا ونُسِقُوا قَبْلَ أنْ يُصَبَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ويُطْلَقُ إلَيْهِمْ حَرُّ النّارِ.

والِابْتِداءُ بِالنِّداءِ ووَصْفُ الرُّبُوبِيَّةِ إظْهارٌ لِلتَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ.

والسّادَةُ: جَمْعُ سَيِّدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وزْنُهُ فَعَلَةٌ، أيْ مِثْلُ كَمَلَةٍ لَكِنْ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ صِيغَةَ فَعَلَةٍ تَطَّرِدُ في جَمْعِ فاعِلٍ لا في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِانْفِتاحِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. وأمّا السّاداتُ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ بِزِيادَةِ ألِفٍ وتاءٍ بِزِنَةِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ. والسّادَةُ: عُظَماءُ القَوْمِ والقَبائِلِ مِثْلُ المُلُوكِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (سادَتَنا) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ (ساداتِنا) بِألْفٍ بَعْدَ الدّالِّ وبِكَسْرِ التّاءِ؛ لِأنَّهُ جُمِعَ بِألِفٍ وتاءٍ مَزِيدَتَيْنِ عَلى بِناءِ مُفْرَدِهِ. وهو جَمْعُ الجَمْعِ الَّذِي هو سادَةٌ.

والكُبَراءُ: جَمْعُ كَبِيرٍ وهو عَظِيمُ العَشِيرَةِ، وهم دُونَ السّادَةِ فَإنَّ كَبِيرًا يُطْلَقُ عَلى رَأْسِ العائِلَةِ فَيَقُولُ المَرْءُ لِأبِيهِ: كَبِيرِي، ولِذَلِكَ قُوبِلَ قَوْلُهم ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] بِقَوْلِهِمْ ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الشِّكايَةِ والتَّذَمُّرِ، وهو تَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الِانْتِصافِ مِن سادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ. فالمَقْصُودُ الإفْضاءُ إلى جُمْلَةِ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ . ومَقْصُودٌ مِن هَذا الخَبَرِ أيْضًا الِاعْتِذارُ والتَّنَصُّلُ مِن تَبِعَةِ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم مَغْرُورُونَ مَخْدُوعُونَ، وهَذا الِاعْتِذارُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِما أنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحَقِيقَةِ إذْ قالُوا ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ .

صفحة ١١٨

فَيَتَّجِهُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقالَ لَهم: لِماذا أطَعْتُمُوهم حَتّى يَغُرُّوكم، وهَذا شَأْنُ الدَّهْماءِ أنْ يُسَوِّدُوا عَلَيْهِمْ مَن يُعْجَبُونَ بِأضْغاثِ أحْلامِهِ، ويُغَرَّوُنَ بِمَعْسُولِ كَلامِهِ، ويَسِيرُونَ عَلى وقْعِ أقْدامِهِ، حَتّى إذا اجْتَنَوْا ثِمارَ أكْمامِهِ، وذاقُوا مَرارَةَ طَعْمِهِ وحَرارَةَ أُوامِهِ، عادُوا عَلَيْهِ بِاللائِمَةِ وهُمُ الأحِقّاءُ بِمَلامِهِ.

وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا لِرَدِّ إنْكارٍ، وتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ اهْتِمامٌ بِما فِيهِ مِن تَعْلِيلٍ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ لِأنَّ كُبَراءَهم ما تَأتّى لَهم إضْلالُهم إلّا بِتَسَبُّبِ طاعَتِهِمُ العَمْياءِ إيّاهم واشْتِغالِهِمْ بِطاعَتِهِمْ عَنِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فَسادٍ ووَخامَةِ مَغَبَّةٍ، وبِتَسَبُّبِ وضْعِهِمْ أقْوالَ سادَتِهِمْ وكُبَراءِهِمْ مَوْضِعَ التَّرْجِيحِ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ .

وانْتَصَبَ (السَّبِيلا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ أضَلَّ لا يَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩] . وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ (ضَلَّ) المُجَرَّدُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. تَقُولُ: ضَلَلْتُ الطَّرِيقَ، و(أضَلَّ) بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

والقَوْلُ في ألِفِ ”السَّبِيلا“ كالقَوْلِ في ألِفِ ”الرَّسُولا“ .

وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّراعَةِ والِابْتِهالِ وتَمْهِيدًا لِقَبُولِ سُؤْلِهِمْ حَتّى إذا قُبِلَ سُؤَلُهم طَمِعُوا في التَّخَلُّصِ مِنَ العَذابِ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلى كاهِلِ كُبَرائِهِمْ.

والضِّعْفُ بِكَسْرِ الضّادِ: العَدَدُ المُماثِلُ لِلْمَعْدُودِ، فالأرْبَعَةُ ضِعْفُ الِاثْنَيْنِ. ولَمّا كانَ العَذابُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لا ذاتًا كانَ مَعْنى تَكْرِيرِ العَدَدِ فِيهِ مَجازًا في القُوَّةِ والشِّدَّةِ.

وتَثْنِيَةُ (ضِعْفَيْنِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] فَإنَّ البَصَرَ لا يَخْسَأُ في نَظْرَتَيْنِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهَذا تَعْرِيضٌ

صفحة ١١٩

بِإلْقاءِ تَبِعَةِ الضَّلالِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ العَذابَ الَّذِي أُعِدَّ لَهم يُسَلَّطُ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ أضَلُّوهم.

ووُصِفَ اللَّعْنُ بِالكَثْرَةِ كَما وُصِفَ العَذابُ بِالضِّعْفَيْنِ إشارَةً إلى أنَّ الكُبَراءَ اسْتَحَقُّوا عَذابًا لِكُفْرِهِمْ وعَذابًا لِتَسَبُّبِهِمْ في كُفْرِ أتْباعِهِمْ.

فالمُرادُ بِالكَثِيرِ الشَّدِيدِ القَوِيِّ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَثِيرِ لِمُشاكَلَةِ مَعْنى التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ ضِعْفَيْنِ المُرادِ بِهِ الكَثْرَةَ.

وقَدْ ذُكِرَ في الأعْرافِ جَوابُهم مِن قِبَلِ الجَلالَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي أنَّ الكُبَراءَ اسْتَحَقُّوا مُضاعَفَةَ العَذابِ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ وأنَّ أتْباعَهم أيْضًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ لِضَلالِهِمْ ولِتَسْوِيدِ سادَتِهِمْ وطاعَتِهِمُ العَمْياءِ إيّاهم.

33:69Page 427

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩

O you who have believed, be not like those who abused Moses; then Allāh cleared him of what they said. And he, in the sight of Allāh, was distinguished.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ لَمّا تَقَضّى وعِيدُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّكْذِيبِ ونَحْوِهِ مِنَ الأذى المُنْبَعِثِ عَنْ كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِمّا يُؤْذِي الرَّسُولَ ﷺ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا مِثْلَ قَوْمٍ نَسَبُوا إلى رَسُولِهِمْ ما هو أذًى لَهُ وهم لا يَعْبَئُونَ بِما في ذَلِكَ مِن إغْضابِهِ الَّذِي فِيهِ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى. ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِنَ الأذى قَدْ يَحْصُلُ عَنْ غَفْلَةِ أصْحابِهِ عَمّا يُوَجَّهُ فَيَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ ما تَجِيشُ بِهِ خَواطِرُهم قَبْلَ التَّدَبُّرِ فِيما يَحِفُّ بِذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تُقْلِعُهُ وتَنْفِيهِ ودُونَ التَّأمُّلِ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الواجِباتِ. وكَذَلِكَ يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ ما فِيهِ ورْطَةٌ لَهم قَبْلَ التَّأمُّلِ في مَغَبَّةِ عَمَلِهِمْ، نَبَّهَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ كَيْ لا يَقَعُوا في مِثْلِ تِلْكَ العَنْجَهِيَّةِ لِأنَّ مَدارِكَ العُقَلاءِ في التَّنْبِيهِ إلى مَعانِي الأشْياءِ ومُلازِماتِها مُتَفاوِتَةُ المَقادِيرِ، فَكانَتْ حَرِيَّةً بِالإيقاظِ والتَّحْذِيرِ. وفائِدَةُ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ تَقَرَّرَ في نُفُوسِهِمْ قُبْحُ ما أُوذِيَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما سَبَقَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمُ﴾ [الصف: ٥] الآيَةَ.

صفحة ١٢٠

والَّذِينَ آذَوْا مُوسى هم طَوائِفُ مِن قَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ قَصْدُهم أذاهُ ولَكِنَّهم أهْمَلُوا واجِبَ كَمالِ الأدَبِ والرِّعايَةِ مَعَ أعْظَمِ النّاسِ بَيْنَهم. وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [الصف: ٥] الآيَةَ فَلَمْ يَكُنْ هَذا الأذى مِن قَبِيلِ التَّكْذِيبِ لِأجْلِ قَوْلِهِ ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (لِمَ تُؤْذُونَنِي) إنْكارِيٌّ. فَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُراعى فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الحالَيْنِ في حُصُولِ الإذايَةِ.

فالَّذِينَ آذَوْا مُوسى قالُوا مَرَّةً ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فَآذَوْهُ بِالعِصْيانِ وبِضَرْبٍ مِنَ التَّهَكُّمِ. وقالُوا مَرَّةً (أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا) فَنَسَبُوهُ إلى الطَّيْشِ والسُّخْرِيَةِ ولِذَلِكَ قالَ لَهم ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] . وفي التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِنَ الخُرُوجِ وقالُوا لِمُوسى فَإذا صَنَعْتَ بِنا حَتّى أخْرَجْتَنا مِن مِصْرَ فَإنَّهُ خَيْرٌ لَنا أنْ نَخْدُمَ المِصْرِيِّينَ مِن أنْ نَمُوتَ في البَرِّيَّةِ. وفي الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ وقالُوا لِمُوسى وهارُونَ إنَّكُما أخْرَجْتُمانا إلى هَذا القَفْرِ لِكَيْ تُمِيتا كُلَّ هَذا الجُمْهُورِ بِالجُوعِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا فَقالَ فَرِيقٌ مِن قَوْمِهِ: ما نَراهُ يَسْتَتِرُ إلّا مِن عاهَةٍ فِيهِ. فَقالَ قَوْمٌ: بِهِ بَرَصٌ وقالَ قَوْمٌ: هو آدَرُ» ونَحْوَ هَذا، وكانَ قَرِيبًا مِن هَذا قَوْلُ المُنافِقِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابْنِهِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.

وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ تَوْقِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وتَجَنُّبِ ما يُؤْذِيهِ وتِلْكَ سُنُّةُ الصَّحابَةِ والمُسْلِمِينَ وقَدْ عَرَضَتْ فَلَتاتٌ مِن بَعْضِ أصْحابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا قَبْلَها كَمالَ التَّخَلُّقِ بِالقُرْآنِ مِثْلَ الَّذِي قالَ لَهُ لَمّا حَكَمَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الزُّبَيْرِ في ماءِ شِراحِ الحَرَّةِ: أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. ومِثْلَ التَّمِيمِيِّ خَرْفُوصٍ الَّذِي قالَ في قِسْمَةِ مَغانِمِ حُنَيْنٍ: هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسى لَقَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» .

واعْلَمْ أنَّ مَحَلَّ التَّشْبِيهِ هو قَوْلُهُ ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ دُونَ ما فَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ وإنَّما ذَلِكَ إدْماجٌ وانْتِهازٌ لِلْمَقامِ بِذِكْرِ بَراءَةِ مُوسى مِمّا قالُوا، ولا اتِّصالَ لَهُ بِوَجْهِ التَّشْبِيهِ لِأنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمْ يُؤْذَ إيذاءً يَقْتَضِي ظُهُورَ بَراءَتِهِ مِمّا أُوذِيَ بِهِ.

صفحة ١٢١

ومَعْنى (بَرَّأهُ) أظْهَرَ بَراءَتَهُ عَيانًا لِأنَّ مُوسى كانَ بَرِيئًا مِمّا قالُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يُؤْذُوهُ بِأقْوالِهِمْ فَلَيْسَ وُجُودُ البَراءَةِ مِنهُ مُتَفَرِّعَةً عَلى أقْوالِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ أظْهَرَها عَقِبَ أقْوالِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ أظْهَرَ بَراءَتَهُ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ إذْ أمَرَهم بِدُخُولِ أرِيحا فَثَبَّتَ قُلُوبَهم وافْتَتَحُوها وأظْهَرَ بَراءَتَهُ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ إذْ أظْهَرَ مُعْجِزَتَهُ حِينَ ذَبَحُوا البَقَرَةَ الَّتِي أمَرَهم بِذَبْحِها فَتَبَيَّنَ مَن قَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي ادّارَأُوا فِيها.

وأظْهَرَ سَلامَتَهُ مِنَ البَرَصِ والأُدْرَةِ حِينَ بَدا لَهم عُرْيانًا لَمّا انْتَقَلَ الحَجْرُ الَّذِي عَلَيْهِ ثِيابُهُ. ومَعْنى بَرَّأهُ مِمّا قالُوا بَرَّأهُ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ لا مِن نَفْسِ قَوْلِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهم قَدْ حَصَلَ وأُوذِيَ بِهِ وهَذا كَما سَمَّوُا السُّبَّةَ القالَةَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠])، أيْ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقالُهُ وهو قَوْلُهُ ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أيْ نَرِثُهُ مالَهُ ووَلَدَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ ومُفِيدَةٌ سَبَبَ عِنايَةِ اللَّهِ بِتَبْرِئَتِهِ.

والوَجِيهُ صِفَةٌ، أيْ ذُو الوَجاهَةِ. وهي الجاهُ وحُسْنُ القَبُولِ عِنْدَ النّاسِ. يُقالُ: وجُهَ الرَّجُلُ، بِضَمِّ الجِيمِ، وجاهَةً فَهو وجِيهٌ. وهَذا الفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الوَجْهُ الَّذِي لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ وجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ أنَّهُ مَرْضِيٌّ عَنْهُ مَقْبُولٌ لَهُ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَضُمَّهُ إلى هُنا. وذِكْرُ فِعْلِ (كانَ) دالٌّ عَلى تَمَكُّنِ وجاهَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وهَذا تَسْفِيهٌ لِلَّذِينِ آذَوْهُ بِأنَّهم آذَوْهُ بِما هو مُبَرَّأٌ مِنهُ، وتَوْجِيهٌ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ مُسْتَأْهِلٌ لِتِلْكَ التَّبْرِئَةِ؛ لِأنَّهُ وجِيهٌ عِنْدَ اللَّهِ ولَيْسَ بِخامِلٍ.

33:70–71Page 427

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠

O you who have believed, fear Allāh and speak words of appropriate justice.

يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١

He will [then] amend for you your deeds and forgive you your sins. And whoever obeys Allāh and His Messenger has certainly attained a great attainment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ بَعْدَ أنْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَمّا يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ ورَبَأ بِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا مِثْلَ

صفحة ١٢٢

الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَهم وجَّهَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ نِداءً بِأنْ يَتَّسِمُوا بِالتَّقْوى وسَدادِ القَوْلِ لِأنَّ فائِدَةَ النَّهْيِ عَنِ المَناكِرِ التَّلَبُّسُ بِالمَحامِدِ، والتَّقْوى جِماعُ الخَيْرِ في العَمَلِ والقَوْلِ. والقَوْلُ السَّدِيدُ مُبِثُّ الفَضائِلِ.

وابْتِداءُ الكَلامِ بِنِداءِ الَّذِينَ آمَنُوا لِلِاهْتِمامِ بِهِ واسْتِجْلابِ الإصْغاءِ إلَيْهِ. ونِداؤُهم بِالَّذِينِ آمَنُوا لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ما سَيُؤْمَرُونَ بِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ يَصْدُرُ مِنهم ما يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ قَصْدًا لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ في باطِنِ الأمْرِ ولَكِنَّهم مُنافِقُونَ، وتَقْدِيمُ الأمْرِ بِالتَّقْوى مُشْعِرٌ بِأنَّ ما سَيُؤْمَرُونَ بِهِ مِن سَدِيدِ القَوْلِ هو مِن شُعَبِ التَّقْوى كَما هو مِن شُعَبِ الإيمانِ.

والقَوْلُ: الكَلامُ الَّذِي يَصْدُرُ مِن فَمِ الإنْسانِ يُعَبِّرُ عَمّا في نَفْسِهِ.

والسَّدِيدُ: الَّذِي يُوافِقُ السَّدادَ. والسَّدادُ: الصَّوابُ والحَقُّ ومِنهُ تَسْدِيدُ السَّهْمِ نَحْوَ الرَّمْيَةِ، أيْ عَدَمُ العُدُولِ بِهِ عَنْ سِمَتِها بِحَيْثُ إذا انْدَفَعَ أصابَها، فَشَمَلَ القَوْلُ السَّدِيدُ الأقْوالَ الواجِبَةَ والأقْوالَ الصّالِحَةَ النّافِعَةَ مِثْلَ ابْتِداءِ السَّلامِ وقَوْلِ المُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحِبُّهُ: إنِّي أُحِبُّكَ.

والقَوْلُ يَكُونُ بابًا عَظِيمًا مِن أبْوابِ الخَيْرِ ويَكُونُ كَذَلِكَ مِن أبْوابِ الشَّرِّ. وفي الحَدِيثِ «وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ:

«رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قالَ خَيْرًا فَغَنِمَ أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ:

«مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» .

ويَشْمَلُ القَوْلُ السَّدِيدُ ما هو تَعْبِيرٌ عَنْ إرْشادٍ مِن أقْوالِ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ والحُكَماءِ، وما هو تَبْلِيغٌ لِإرْشادِ غَيْرِهِ مِن مَأْثُورِ أقْوالِ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ. فَقِراءَةُ القُرْآنِ عَلى النّاسِ مِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ، ورِوايَةُ حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ. وفي الحَدِيثِ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها فَأدّاها كَما سَمِعَها» وكَذَلِكَ نَشْرُ أقْوالِ الصَّحابَةِ والحُكَماءِ وأيِمَّةِ الفِقْهِ. ومِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ تَمْجِيدُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ مِثْلَ التَّسْبِيحِ. ومِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ الآذانُ والإقامَةُ قالَ تَعالى ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] في سُورَةِ فاطِرٍ. فَبِالقَوْلِ السَّدِيدِ تَشِيعُ الفَضائِلُ والحَقائِقُ بَيْنَ النّاسِ فَيَرْغَبُونَ في التَّخَلُّقِ بِها، وبِالقَوْلِ السَّيِّئِ تَشِيعُ الضَّلالاتُ والتَّمْوِيهاتُ

صفحة ١٢٣

فَيَغْتَرُّ النّاسُ بِها ويَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. والقَوْلُ السَّدِيدُ يَشْمَلُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ.

ولِما في التَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِن وسائِلِ الصَّلاحِ جَعَلَ لِلْآتِي بِهِما جَزاءً بِإصْلاحِ الأعْمالِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ. وهو نَشْرٌ عَلى عَكْسِ اللَّفِّ، فَإصْلاحُ الأعْمالِ جَزاءٌ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ لِأنَّ أكْثَرَ ما يُفِيدُهُ القَوْلُ السَّدِيدُ إرْشادُ النّاسِ إلى الصَّلاحِ أوِ اقْتِداءُ النّاسِ بِصاحِبِ القَوْلِ السَّدِيدِ.

وغُفْرانُ الذُّنُوبِ جَزاءٌ عَلى التَّقْوى لِأنَّ عَمُودَ التَّقْوى اجْتِنابُ الكَبائِرِ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلنّاسِ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ وغَفَرَ لَهُمُ الكَبائِرَ بِالتَّوْبَةِ، والتَّحَوُّلُ عَنِ المَعاصِي بَعْدَ الهَمِّ بِها ضَرْبٌ مِن مَغْفِرَتِها.

ثُمَّ إنَّ ضَمِيرَيْ جَمْعِ المُخاطَبِ لَمّا كانا عائِدَيْنَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا كانا عامَّيْنِ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ الأزْمانِ سَواءً كانَتِ الأعْمالُ أعْمالَ القائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا أوْ أعْمالَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أقْوالَهم فَإنَّهم لا يَخْلُونَ مِن فَرِيقٍ يَتَأثَّرُ بِذَلِكَ القَوْلِ فَيَعْمَلُونَ بِما يَقْتَضِيهِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَ العامِلِينَ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ يَتَفاوَتُ صَلاحُ أعْمالِ القائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا والعامِلِينَ بِهِ مِنَ سامِعِيهِ، وكَذَلِكَ أعْمالُ الَّذِي قالَ القَوْلَ السَّدِيدَ في وقْتِ سَماعِهِ قَوْلَ غَيْرِهِ. وفي الحَدِيثِ:

«فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنهُ»، فَظَهَرَ أنَّ إصْلاحَ الأعْمالِ مُتَفاوِتٌ وكَيْفَما كانَ فَإنَّ صَلاحَ المَعْمُولِ مِن آثارِ سِدادِ القَوْلِ، وكَذَلِكَ التَّقْوى تَكُونُ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِ المُتَّقِي ومَغْفِرَةِ ذُنُوبِ غَيْرِهِ لِأنَّ مِنَ التَّقْوى الِانْكِفافَ عَنْ مُشارَكَةِ أهْلِ المَعاصِي في مَعاصِيهِمْ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ انْكِفافُ كَثِيرٌ مِنهم عَنْ مَعاصِيهِمْ تَأسِّيًا أوْ حَياءً فَتَتَعَطَّلُ بَعْضُ المَعاصِي، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الغُفْرانِ فَإنِ اقْتَدى فاهْتَدى فالأمْرُ أجْدَرُ.

وذِكْرُ (لَكم) مَعَ فِعْلَيْ (يُصْلِحْ) و(يَغْفِرْ) لِلدَّلالَةِ عَلى العِنايَةِ بِالمُتَّقِينَ أصْحابِ القَوْلِ السَّدِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .

وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ وتَفُوزُوا فَوْزًا عَظِيمًا إذا أطَعْتُمْ

صفحة ١٢٤

اللَّهَ بِامْتِثالِ أمْرِهِ. وإنَّما صِيغَتِ الجُمْلَةُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ لِإفادَةِ العُمُومِ في المُطِيعِينَ وأنْواعِ الطّاعاتِ فَصارَتِ الجُمْلَةُ بِهَذَيْنِ العُمُومَيْنِ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. وهَذا نَسْجٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ وهو إفادَةُ غَرَضَيْنِ بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском