Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Saba 34:6–9
34:6Page 428
وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦
And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [سبإ: ٤] وهو مُقابِلُ جَزاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فالمُرادُ بِالَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَدَلَ عَنْ جَعْلِ اسْمِ المَوْصُولِ (كَفَرُوا) لِتَصْلُحَ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ تَمْهِيدًا لِإبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في الرَّسُولِ ﷺ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ ما جاءَهم بِهِ مِنَ القُرْآنِ في زَعْمِهِمْ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُمَهَّدَ لِإبْطالِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ مِن باطِلِ أهْلِ الشِّرْكِ الجاهِلِينَ، فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عَطْفِ الأغْراضِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في إبْطالِ شُبَهِ أهْلِ الضَّلالَةِ والمَلاحِدَةِ بِأنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ ذِكْرِ الشُّبَهِ ما يُقابِلُها مِن إبْطالِها ورُبَّما سَلَكَ أهْلُ الجَدَلِ طَرِيقَةً أُخْرى هي تَقْدِيمُ الشُّبَهِ ثُمَّ الكُرُورِ عَلَيْها
صفحة ١٤٥
بِالإبْطالِ وهي طَرِيقَةُ عَضُدِ الدِّينِ في كِتابِ (المَواقِفُ) وقَدْ كانَ بَعْضُ أشْياخِنا يَحْكِي انْتِقادَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ طَرِيقَتَهُ فَلِذَلِكَ خالَفَها التَّفْتَزانِيُّ في كِتابِ (المَقاصِدُ) .
والحَقُّ أنَّ الطَّرِيقَتَيْنِ جادَّتانِ وقَدْ سُلِكَتا في القُرْآنِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ [سبإ: ٥] فَبَعْدَ أنْ أُورِدَتْ جُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ [سبإ: ٥]) لِمُقابَلَةِ جُمْلَةِ (﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [سبإ: ٤]) الَخْ، اعْتُبِرَتْ مَقْصُودًا مِن جِهَةٍ أُخْرى فَكانَتْ بِحاجَةٍ إلى رَدِّ مَضْمُونِها بِجُمْلَةِ (﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أهْلُ جَهالَةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُها بَعْدَها تَعْقِيبًا لِلشُّبْهَةِ بِما يُبْطِلُها وهي الطَّرِيقَةُ الأُخْرى.
والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ. واخْتِيرَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ هُنا دُونَ (ويَعْلَمُ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ بِمَنزِلَةِ العِلْمِ بِالمَرْئِيّاتِ الَّتِي عِلْمُها ضَرُورِيٌّ، ومَفْعُولا (يَرى) (الَّذِي أُنْزَلَ) و(الحَقَّ) . وضَمِيرُ (هو) فَصْلٌ يُفِيدُ حَصْرَ الحَقِّ في القُرْآنِ حَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لا ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِمّا يُعارِضُونَ بِهِ القُرْآنَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُفِيدَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا، أيْ قَصْرُ الحَقِّيَةِ المَحْضِ عَلَيْهِ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ خُلِطَ حَقُّها بِباطِلٍ.
والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ فَسَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا عَمّا في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الرُّهْبانِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، فَهَذا تَحَدٍّ لِلْمُشْرِكِينَ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ولَيْسَ احْتِجاجٌ بِسُكُوتِهِمْ عَلى إبْطالِهِ في أوائِلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ويَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِبَشائِرِ رُسُلِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ بِهِ فَعانَدَ أكْثَرُهم حِينَئِذٍ تَبَعًا لِعامَّتِهِمْ.
وبِهَذا تَتَبَيَّنُ أنَّ إرادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ مِن هَذِهِ الآيَةِ لا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نازِلَةً بِالمَدِينَةِ حَتّى يَتَوَهَّمَ الَّذِينَ تَوَهَّمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَثْناةٌ مِن مَكِّيّاتِ السُّورَةِ كَما تَقَدَّمَ.
صفحة ١٤٦
والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مَن آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم أُوتُوا القُرْآنَ. وفِيهِ عِلْمٌ عَظِيمٌ هم عالِمُوهُ عَلى تَفاضُلِهِمْ في فَهْمِهِ والِاسْتِنْباطِ مِنهُ فَقَدْ كانَ الواحِدُ مِن أهْلِ مَكَّةَ يَكُونُ فَظًّا غَلِيظًا حَتّى إذا أسْلَمَ رَقَّ قَلْبُهُ وامْتَلَأ صَدْرُهُ بِالحِكْمَةِ وانْشَرَحَ لِشَرائِعِ الإسْلامِ واهْتَدى إلى الحَقِّ وإلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وأوَّلُ مِثالٍ لِهَؤُلاءِ وأشْهُرُهُ وأفْضَلُهُ هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِلْبَوْنِ البَعِيدِ بَيْنَ حالَتَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ. وهَذا ما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ خالِطًا فِيهِ الجَدَّ بِالهَزْلِ:
وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ سِوى العَدْلِ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ
فَإنَّهم كانُوا إذا لَقُوا النَّبِيءَ ﷺ أشْرَقَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُ النُّبُوءَةِ فَمَلَأتْهم حِكْمَةً وتَقْوى. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِأحَدِ أصْحابِهِ: «لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم كَما تَكُونُونَ عِنْدِي لَصافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها» . وبِفَضْلِ ذَلِكَ ساسُوا الأُمَّةَ وافْتَتَحُوا المَمالِكَ وأقامُوا العَدْلَ بَيْنَ النّاسِ مُسْلِمِهِمْ وذِمِّيِّهِمْ ومُعاهِدِهِمْ ومَلَأُوا أعْيُنَ مُلُوكِ الأرْضِ مَهابَةً. وعَلى هَذا المَحْمَلِ حُمِلَ (﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾) في سُورَةِ الحَجِّ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ [الروم: ٥٦] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ في مَوْضِعِ المَعْطُوفِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ - (يَرى) . والمَعْنى: يَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هادِيًا إلى العَزِيزِ الحَمِيدِ، وهو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ الَّذِي فِيهِ مادَّةُ الِاشْتِقاقِ وهو الحَقُّ فَإنَّ المَصْدَرَ في قُوَّةِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ إمّا مُشْتَقٌّ أوْ هو أصْلُ الِاشْتِقاقِ. والعُدُولُ عَنِ الوَصْفِ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإشْعارِها بِتَجَدُّدِ الهِدايَةِ وتَكَرُّرِها. وإيثارُ وصْفَيْ (العَزِيزِ الحَمِيدِ) هُنا دُونَ بَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى إيماءً إلى أنَّ بَقِيَّةَ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُؤْمِنُونَ بِأنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ والهِدايَةُ اسْتَشْعَرُوا مِنَ الإيمانِ أنَّهُ صِراطٌ يَبْلُغُ بِهِ إلى العِزَّةِ قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ويَبْلُغُ إلى الحَمْدِ، أيِ الخِصالِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ، وهي الكَمالاتُ مِنَ الفَضائِلِ والفَواضِلِ.
34:7–8Page 428
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧
But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?
أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨
Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.
صفحة ١٤٧
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾
انْتِقالٌ إلى قَوْلَةٍ أُخْرى مِن شَناعَةِ أهْلِ الشِّرْكِ مَعْطُوفَةٍ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] . وهَذا القَوْلُ قائِمٌ مَقامَ الِاسْتِدْلالِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ قَوْلَهم لا تَأْتِينا السّاعَةُ دَعْوى وقَوْلُهم ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مُسْتَنَدُ تِلْكَ الدَّعْوى، ولِذَلِكَ حُكِيَ بِمِثْلِ الأُسْلُوبِ الَّذِي حُكِيَتْ بِهِ الدَّعْوى في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ.
وأدْمَجُوا في الِاسْتِدْلالِ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِي يَأْتِي بِنَقِيضِ دَلِيلِهِمْ، ثُمَّ إرْدافُ ذَلِكَ التَّعْجِيبِ بِالطَّعْنِ في المُتَعَجَّبِ بِهِ.
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِمْ (﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾) غَيْرُ مَذْكُورٍ لِأنَّ المَقْصُودَ في الآيَةِ الِاعْتِبارُ بِشَناعَةِ القَوْلِ ولا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِالمَقُولِ لَهم. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا تَقاوُلًا بَيْنَهم، أوْ يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ يَقُولُ كُبَراؤُهم لِعامَّتِهِمْ ودَهْمائِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ كُفّارِ مَكَّةَ لِلْوارِدِينَ عَلَيْهِمْ في المَوْسِمِ. وهَذا الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ (نَدُلُّكم) مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن لَمْ يَبْلُغْهم قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَّكّى﴾ [النازعات: ١٨]، وهو عَرْضٌ مُكَنّى بِهِ مِنَ التَّعْجِيبِ، أيْ هَلْ نَدُلُّكم عَلى أُعْجُوبَةٍ مِن رَجُلٍ يُنْبِئُكم بِهَذا النَّبَأِ المُحالِ.
والمَعْنى: تَسْمَعُونَ مِنهُ ما سَمِعْناهُ مِنهُ فَتَعْرِفُوا عُذْرَنا في مُناصَبَتِهِ العَداءَ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ هَيَّأُوا ما يَكُونُ جَوابًا لِلَّذِينَ يَرِدُونَ عَلَيْهِمْ في المَوْسِمِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ يَتَساءَلُونَ عَنْ خَبَرِ هَذا الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلى النّاسِ، وعَنِ الوَحْيِ الَّذِي يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ كَما ورَدَ في خَبَرِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ إذْ قالَ لِقُرَيْشٍ: إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ وأنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكم بَعْضًا ويَرُدَّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا، فَقالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ فَقُلْ وأقِمْ لَنا رَأيًا نَقُولُ بِهِ. قالَ
صفحة ١٤٨
بَلْ أنْتُمْ قُولُوا أسْمَعْ، قالُوا: نَقُولُ كاهِنٌ ؟ قالَ لا واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا بِسَجْعِهِ. قالُوا فَنَقُولُ مَجْنُونٌ ؟ قالَ ما هو بِمَجْنُونٍ لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ فَما هو بِخَنَقِهِ ولا تَخَلُّجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ، قالُوا فَنَقُولُ شاعِرٌ ؟ قالَ: لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ فَما هو بِالشِّعْرِ، فَقالُوا: فَنَقُولُ ساحِرٌ ؟ قالَ: ما هو بِنَفْثِهِ ولا عَقْدِهِ، قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ قالَ: إنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ أنْ تَقُولُوا: ساحِرٌ، جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ.
فَلَعَلَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الوارِدِينَ عَلى مَكَّةَ بِهاتِهِ المَقالَةِ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ طَمَعًا مِنهم بِأنَّها تَصْرِفُ النّاسَ عَنِ النَّظَرِ في الدَّعْوَةِ تَلَبُّسًا بِاسْتِحالَةِ هَذا الخَلْقِ الجَدِيدِ.
ويُرَجِّحُ ذَلِكَ إتْمامُها بِالِاسْتِفْهامِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ .
ثُمَّ إنْ كانَ التَّقاوُلُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فالتَّعْبِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِـ (رَجُلٍ) مُنَكَّرٍ مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا بَيْنَهم وعَنْ أهْلِ بَلَدِهِمْ، قَصَدُوا مِن تَنْكِيرِهِ أنَّهُ لا يُعْرَفُ تَجاهُلًا مِنهم. قالَ السَّكّاكِيُّ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنهُ إلّا أنَّهُ رَجُلٌ ما.
وإنْ كانَ قَوْلُ المُشْرِكِينَ مُوَجَّهًا إلى الوارِدِينَ مَكَّةَ في المَوْسِمِ، كانَ التَّعْبِيرُ بِـ (رَجُلٍ) جَرْيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ الوارِدِينَ لا يَعْرِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ ولا دَعْوَتَهُ فَيَكُونُ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ قَبْلَ إسْلامِهِ لِأخِيهِ اذْهَبْ فاسْتَعْلِمْ لَنا خَبَرَ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيءٌ، ومَعْنى نَدُلُّكم نُعَرِّفُكم ونُرْشِدُكم. وأصْلُ الدَّلالَةِ الإرْشادُ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ. وغالِبُ اسْتِعْمالِ هَذا الفِعْلِ أنْ يَكُونَ إرْشادُ مَن يَطْلُبُ مَعْرِفَةً، وبِذَلِكَ فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذا القَوْلَ يَقُولُونَهُ لِلَّذِينَ يَسْألُونَهم عَنْ خَبَرِ رَجُلٍ ظَهَرَ بَيْنَهم يَدَّعِي النُّبُوءَةَ فَيَقُولُونَ: هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يَزْعُمُ كَذا، أيْ لَيْسَ بِنَبِيءٍ بَلْ مُفْتَرٍ أوْ مَجْنُونٍ، فَمَوْرِدُ الِاسْتِفْهامِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم (﴿إذا مُزَّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾)، أيْ هَلْ
صفحة ١٤٩
تُرِيدُونَ أنْ نَدُلَّكم عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، أيْ ولَيْسَ مِن صِفَتِهِ أنَّهُ نَبِيءٌ بَلْ هو: إمّا كاذِبٌ أوْ غَيْرُ عاقِلٍ.
والإنْباءُ: الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، وعَظَمَةُ هَذا القَوْلِ عِنْدَهم عَظَمَةُ إقْدامِ قائِلِهِ عَلى ادِّعاءِ وُقُوعِ ما يَرَوْنَهُ مُحالَ الوُقُوعِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) هي المُنَبَّأُ بِهِ. ولَمّا كانَ الإنْباءُ في مَعْنى القَوْلِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ صَحَّ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ ما هو مِن قَوْلِ المُنَبِّئِ. فالتَّقْدِيرُ مِن جِهَةِ المَعْنى: يَقُولُ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ، ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ (إنَّ) المَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ دُونَ المَفْتُوحَةِ لِمُراعاةِ حِكايَةِ القَوْلِ.
وهَذِهِ حِكايَةُ ما نَبَّأ بِهِ لِأنَّ المُنَبِّئَ إنَّما نَبَّأ بِأنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ في خَلْقٍ جَدِيدٍ.
وأمّا شِبْهُ الجُمْلَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فَلَيْسَ مِمّا نَبَّأ بِهِ الرَّجُلُ وإنَّما هو اعْتِراضٌ في كَلامِ الحاكِينَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِحالَةِ ما يَقُولُهُ هَذا الرَّجُلُ عَلى أنَّهُ لازِمٌ لِإثْباتِ الخَلْقِ الجَدِيدِ لِكُلِّ الأمْواتِ. ولَيْسَ (إذا) بِمُفِيدٍ شَرْطًا لِلْخَلْقِ الجَدِيدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ لِلْخَلْقِ الجَدِيدِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ البِلى، ولَكِنَّ المُرادَ أنَّهُ يَكُونُ البِلى حائِلًا دُونَ الخَلْقِ الجَدِيدِ المُنَبَّأِ بِهِ.
وتَقْدِيمُ هَذا الِاعْتِراضِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيَتَقَرَّرَ في أذْهانِ السّامِعِينَ؛ لِأنَّهُ مَناطُ الإحالَةِ في زَعْمِهِمْ، فَإنَّ إعادَةَ الحَياةِ لِلْأمْواتِ تَكُونُ بَعْدَ انْعِدامِ أجْزاءِ الأجْسادِ، وتَكُونُ بَعْدَ تَفْرِيقِها تَفَرُّقًا قَرِيبًا مِنَ العَدَمِ، وتَكُونُ بَعْدَ تَفَرُّقٍ ما، وتَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأجْسادِ عَلى حالِها بَقاءً مُتَفاوِتًا في الصَّلابَةِ والرُّطُوبَةِ، وهم أنْكَرُوا إعادَةَ الحَياةِ في سائِرِ الأحْوالِ ولَكِنَّهم خَصُّوا في كَلامِهِمِ الإعادَةَ بَعْدَ التَّمَزُّقِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، أيْ بَعْدَ اضْمِحْلالِ الأجْسادِ أوْ تَفَرُّقِها الشَّدِيدِ، لِقُوَّةِ اسْتِحالَةِ إرْجاعِ الحَياةِ إلَيْها بَعْدَئِذٍ.
والتَّمْزِيقُ: تَفْكِيكُ الأجْزاءِ المُتَلاصِقَةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ قِطَعًا مُتَباعِدَةً.
والمُمَزَّقُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِمَزَّقَهُ مِثْلَ المُسَرَّحِ لِلتَّسْرِيحِ.
و(كُلَّ) عَلى الوَجْهَيْنِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧]) وقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ١٥٠
بِها كُلُّ ذَيّالٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والخَلْقُ الجَدِيدُ: الحَدِيثُ العَهْدِ بِالوُجُودِ، أيْ في خَلْقٍ غَيْرِ الخَلْقِ الأوَّلِ الَّذِي أبْلاهُ الزَّمانُ، فَجَدِيدٌ فَعِيلٌ مِن جَدَّ بِمَعْنى قَطَعَ. فَأصْلُ مَعْنى جَدِيدٍ مَقْطُوعٌ وأصْلُهُ وصْفٌ لِلثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ النّاسِجُ فَإذا أتَمَّهُ قَطَعَهُ مِنَ المِنوالِ. أُرِيدَ بِهِ أنَّهُ بِحِدْثانِ قَطْعِهِ فَصارَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ لِبْسِهِ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ الجَدِيدُ وصْفًا بِمَعْنى الحَدِيثِ العَهْدِ، وتُنُوسِيَ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ مِنهُ فَصارَ وصْفًا بِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ، فَيُقالُ: جَدَّ الثَّوْبُ بِالرَّقْعِ بِمَعْنى: كانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِنَسْجٍ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ جَدَّ اللّازِمِ مُطاوِعًا لِـ (جَدَّهُ) المُتَعَدِّي كَما كانَ (جَبَرَ العَظْمُ) مُطاوِعًا لِـ (جَبَرَ) كَما في قَوْلِ العَجّاجِ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
وبِهَذا يَحِقُّ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ البَصْرِيِّينَ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا جَدِيدًا فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، وقَوْلِ الكُوفِيِّينَ بِأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، وعَلى هَذَيْنِ الأعْتِبارَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَلْحَفَةٌ جَدِيدٌ كَما قالَ (﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]) .
ووَصْفُ الخَلْقِ الجَدِيدِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَصْدَرَ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجِنْسِ يَكُونُ قَدِيمًا فَهو إذَنْ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ، ويَكُونُ جَدِيدًا فَهو بِمَنزِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَوُصِفَ بِالجَدِيدِ لِيَتَمَحَّضَ لِأحَدِ احْتِمالَيْهِ، والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ (﴿فِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) مَجازِيَّةٌ في قُوَّةِ التَّلَبُّسِ بِالخَلْقِ الجَدِيدِ تَلَبُّسًا كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ.
وجُمْلَةُ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ في مَوْضِعِ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِـ (رَجُلٍ) أتَوْا بِها اسْتِفْهامِيَّةً لِتَشْرِيَكِ المُخاطَبِينَ مَعَهم في تَرْدِيدِ الرَّجُلِ بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ.
وحُذِفَتْ هَمْزَةُ فِعْلِ (أفْتَرى) لِأنَّها هَمْزَةُ وصْلٍ فَسَقَطَتْ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ وُصِلَتْ بِالفِعْلِ فَسَقَطَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ في الدَّرَجِ.
وجَعَلُوا حالَ الرَّسُولِ ﷺ دائِرًا بَيْنَ الكَذِبِ والجُنُونِ بِناءً عَلى أنَّهُ إنْ كانَ ما قالَهُ مِنَ البَعْثِ قالَهُ عَنْ عَمْدٍ وسَلامَةِ عَقْلٍ فَهو في زَعْمِهِمْ مُفْتَرٍ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ
صفحة ١٥١
ذَلِكَ لا يُطابِقُ الواقِعَ؛ لِأنَّهُ مُحالٌ في نَظَرِهِمُ القاصِرِ، وإنْ كانَ قالَهُ بِلِسانِهِ لِإمْلاءِ عَقْلٍ مُخْتَلٍّ فَهو مَجْنُونٌ وكَلامُ المَجْنُونِ لا يُوصَفُ بِالِافْتِراءِ. وإنَّما رَدَّدُوا حالَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِناءً عَلى أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ تَلَقِّي وحْيٍ مِنَ اللَّهِ فَلَمْ يَبْقَ مُحْتَمِلًا لِقِسْمٍ ثالِثٍ وهو أنْ يَكُونَ مُتَوَهِّمًا أوْ غالِطًا كَما لا يَخْفى.
وقَدِ اسْتَدَلَّ الجاحِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِرَأْيِهِ في أنَّ الكَلامَ يَصِفُهُ العَرَبُ بِالصِّدْقِ إنْ كانَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ مَعَ اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِذَلِكَ، وبِالكَذِبِ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ ولا لِلِاعْتِقادِ، وما سِوى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ لا يُوصَفُ بِصِدْقٍ ولا كَذِبٍ بَلْ هو واسِطَةٌ بَيْنَهُما وهو الَّذِي يُخالِفُ الواقِعَ ويُوافِقُ اعْتِقادَ المُتَكَلِّمِ أوْ يُخالِفُ الِاعْتِقادَ الواقِعَ أوْ يُخالِفُهُما مَعًا أوْ لَمْ يَكُنْ لِصاحِبِهِ اعْتِقادٌ ومِن هَذا الصِّنْفِ الأخِيرِ كَلامُ المَجْنُونِ.
ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا لَهُ لِأنَّها حَكَتْ كَلامَ المُشْرِكِينَ في مَقامِ تَمْوِيهِهِمْ وضَلالِهِمْ أوْ تَضْلِيلِهِمْ فَهو مِنَ السَّفْسَفَطَةِ، ثُمَّ إنَّ الِافْتِراءَ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ لِأنَّ الِافْتِراءَ إنْ كانَ عَنْ عَمْدٍ فَمُقابَلَتُهُ بِالجُنُونِ لا تَقْتَضِي أنَّ كَلامَ المَجْنُونِ لَيْسَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِافْتِراءِ.
والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ وإيجادُ خَبَرٍ لا مُخْبِرَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلالَهم بِما أشارَ إلى أنَّهم ضالُّونَ أوْ مُضِلُّونَ، وواهِمُونَ أوْ مُوهِمُونَ، فَأبْطَلَ قَوْلَهم بِحَذافِرِهِ بِحَرْفِ الإضْرابِ، ثُمَّ بِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ . فَقابَلَ ما وصَفُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ بِوَصْفَيْنِ: أنَّهم في العَذابِ وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِأنَّ الَّذِي يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَذابَهُ، وأنَّهم في الضَّلالِ البَعِيدِ، وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ (بِهِ جِنَّةٌ) .
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: بَلْ أنْتُمْ في العَذابِ والضَّلالِ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ إدْماجًا لِتَهْدِيدِهِمْ.
والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوصِّلِ إلى المَقْصُودِ. والبَعِيدُ وُصِفَ بِهِ الضَّلالُ
صفحة ١٥٢
بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وصْفًا لِطَرِيقِ الضّالِّ، فَإسْنادُ وصْفِهِ إلى الضَّلالِ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَكانِ الضَّلالِ وهو الطَّرِيقُ الَّذِي حادَ عَنِ المَكانِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ الضّالَّ كُلَّما تَوَغَّلَ مَسافَةً في الطَّرِيقِ المَضْلُولِ فِيهِ ازْدادَ بُعْدًا عَنِ المَقْصُودِ فاشْتَدَّ ضَلالُهُ وعَسُرَ خَلاصُهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلْإسْنادِ المَجازِيِّ.
وقَوْلُهُ (﴿فِي العَذابِ﴾) إدْماجٌ يَصِفُ بِهِ حالَهم في الآخِرَةِ مَعَ وصْفِ حالِهِمْ في الدُّنْيا.
والظَّرْفِيَّةُ بِمَعْنى الإعْدادِ لَهم فَحَصَلَ في حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ مَجازانِ إذْ جُعِلَ العَذابُ والضَّلالُ لِتَلازُمِهِما كَأنَّهُما حاصِلانِ مَعًا، فَهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ المَوْضُوعِ لِلْواقِعِ فِيما لَيْسَ بِواقِعٍ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
34:9Page 429
أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩
Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسْفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لِآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ﴾ [سبإ: ٨] الَخْ لِأنَّ رُؤْيَةَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ في السَّماءِ والأرْضِ مِن شَأْنِها أنْ تَهْدِيَهم لَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ.
والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ الَّذِي يُخالِطُهُ إنْكارٌ عَلى انْتِفاءِ تَأمُّلِهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ مِنَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ مِن عَدَمٍ هو قادِرٌ عَلى تَجْدِيدِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ العَدَمِ.
والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِقَرِينَةِ تَعْلِيقِ (إلى) . فَمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنِ انْتِفائِها مِنهُمُ انْتِفاءُ آثارِها مِن الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الكائِناتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، فَشَبَّهَ وُجُودَ الرُّؤْيَةِ بِعَدَمِها واسْتُعِيرَ لَهُ حَرْفُ النَّفْيِ. والمَقْصُودُ: حَثُّهم عَلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ لِيَتَدارَكُوا عِلْمَهم بِما أهْمَلُوهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨] .
صفحة ١٥٣
والمُرادُ بِـ (ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ) ما يَسْتَقْبِلُهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم مِنَ الكائِناتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، وبِـ (ما خَلْفَهم) ما هو وراءُ كُلِّ أحَدٍ مِنها فَإنَّهم لَوْ شاءُوا لَنَظَرُوا إلَيْهِ بِأنْ يَلْتَفِتُوا إلى ما وراءَهم، وذَلِكَ مِثْلَ أنْ يَنْظُرُوا النِّصْفَ الشَّمالِيَّ مِنَ الكُرَةِ السَّماوِيَّةِ في اللَّيْلِ ثُمَّ يَنْظُرُوا النِّصْفَ الجَنُوبِيَّ مِنها فَيَرَوْا كَواكِبَ ساطِعَةً بَعْضُها طالِعٌ مِن مَشْرِقِهِ وبَعْضُها هاوٍ إلى مَغْرِبِهِ وقَمَرًا مُخْتَلِفَ الأشْكالِ بِاخْتِلافِ الأيّامِ، وفي النَّهارِ بِأنْ يَنْظُرُوا إلى الشَّمْسِ بازِغَةً وآفِلَةً، وما يُقارِنُ ذَلِكَ مِن إسْفارٍ وأصِيلٍ وشَفَقٍ. وكَذَلِكَ النَّظَرُ إلى جِبالِ الأرْضِ وبِحارِها وأوْدِيَتِها وما عَلَيْها مِن أنْواعِ الحَيَوانِ واخْتِلافِ أصْنافِهِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنَ السَّماءِ والأرْضِ) تَبْعِيضِيَّةٌ.
و(السَّماءِ والأرْضِ) أُطْلِقَتا عَلى مَحْوِيّاتِهِما كَما أُطْلِقَتِ القَرْيَةُ عَلى أهْلِها في قَوْلِهِ واسْألِ القَرْيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ اعْتِراضٌ بِالتَّهْدِيدِ فَمُناسَبَةُ التَّعَجِيبِ الإنْكارِيِّ بِما يُذَكِّرُهم بِقُدْرَةِ صانِعِ تِلْكَ المَصْنُوعاتِ العَظِيمَةِ عَلى عِقابِ الَّذِينَ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ والَّذِينَ ضَيَّقُوا واسِعَ قُدْرَتِهِ وكَذَّبُوا رَسُولَهُ ﷺ وما يَخْطُرُ في عُقُولِهِمْ ذِكْرُ الأُمَمِ الَّتِي أصابَها عِقابٌ بِشَيْءٍ مِنَ الكائِناتِ الأرْضِيَّةِ كالخَسْفِ أوِ السَّماوِيَّةِ كَإسْقاطِ كِسَفٍ مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ مِثْلَ ما أصابَ قارُونَ مِنَ الخَسْفِ وما أصابَ أهْلَ الأيْكَةِ مِن سُقُوطِ الكِسَفِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ (نَخْسِبِّهِمُ) بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ الفاءُ في الباءِ، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ فُلانًا، وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بَكْرًا؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ، وهَذا رَدٌّ لِلرِّوايَةِ بِالقِياسِ وهو غَصْبٌ.
والكِسْفُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو القِطْعَةُ مِنَ
صفحة ١٥٤
الشَّيْءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] في سُورَةِ الإسْراءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَخْسِفْ) و(نُسْقِطْ) بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأها حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِياءِ الغائِبِ عَلى الِالتِفاتِ مِن مَقامِ التَّكَلُّمِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ، ومُعادُ الضَّمِيرَيْنِ مَعْرُوفٌ مِن سِياقِ الكَلامِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّعْجِيبِ الإنْكارِيِّ بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَمَوْقِعُ حَرْفِ التَّوْكِيدِ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِ بِشّارٍ:
إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الجُمْلَةَ تَذْيِيلًا. والمُشارُ إلَيْهِ هو ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ مِنَ الكائِناتِ فِيهِما.
والآيَةُ: الدَّلِيلُ. والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، فالمُفْرَدُ المُعَرَّفُ مُساوٍ لِلْجَمْعِ، أيْ لَآياتٍ كَثِيرَةٍ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ بِفِكْرِهِ إلى البَحْثِ عَمّا فِيهِ كَمالُهُ النَّفْسانِيُّ وحُسْنُ مَصِيرِهِ في الآخِرَةِ فَهو يُقَدِّرُ المَواعِظَ حَقَّ قَدْرِها ويَتَلَقّاها بِالشَّكِّ في الحالَةِ الَّتِي وُعِظَ مِن أجْلِها فَيُعاوِدُ النَّظَرَ حَتّى يَهْتَدِيَ ولا يَرْفُضَ نُصْحَ النّاصِحِينَ وإرْشادَ المُرْشِدِينَ مُتَرَدِّيًا بِرِداءِ المُتَكَبِّرِينَ فَهو لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ، ومِن أكْبَرِ المُنِيبِينَ المُؤْمِنُونَ مَعَ رَسُولِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences