Ibn 'AshurYa-Sin · 36:12–19

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:12–19

36:12Page 440

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢

Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.

﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ لَمّا اقْتَضى القَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١] نُفِيَ أنْ يَتَعَلَّقَ الإنْذارُ بِالَّذِينِ لَمْ يَتَّبِعُوا الذِّكْرَ ولَمْ يَخْشَوُا الرَّحْمَنَ، وكانَ في ذَلِكَ كِنايَةٌ تَعْرِيضِيَّةٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالإنْذارِ بِمَنزِلَةِ الأمْواتِ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِما يَنْفَعُ كُلَّ عاقِلٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لِتُنْذَرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وكَما قالَ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] اسْتُطْرِدَ عَقِبَ ذَلِكَ بِالتَّخَلُّصِ إلى إثْباتِ البَعْثِ فَإنَّ التَّوْفِيقَ الَّذِي حَفَّ بِمَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ هو كَإحْياءِ المَيِّتِ؛ لِأنَّ حالَةَ الشِّرْكِ حالَةُ ضَلالٍ يُشْبِهُ المَوْتَ، والإخْراجَ مِنهُ كَإحْياءِ المَيِّتِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ بِصَرِيحِها عَلى عِلْمٍ بِتَحْقِيقِ البَعْثِ واشْتَمَلَتْ بِتَعْرِيضِها عَلى رَمْزٍ واسْتِعارَتَيْنِ ضِمْنِيَّتَيْنِ: اسْتِعارَةِ المَوْتى لِلْمُشْرِكِينَ، واسْتِعارَةِ الأحْياءِ لِلْإنْقاذِ مِنَ الشِّرْكِ، والقَرِينَةُ هي الِانْتِقالُ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِما يُومِئُ إلَيْهِ الِانْتِقالُ مِن سَبْقِ الحُضُورِ في المُخَيِّلَةِ فَيَشْمَلُ المُتَكَلِّمَ مِمّا كانَ يُتَكَلَّمُ في شَأْنِهِ إلى الكَلامِ فِيما خَطَرَ لَهُ. وهَذِهِ الدَّلالاتُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ

صفحة ٣٥٥

المَقامِ ولَيْسَتْ مِن لَوازِمِ مَعْنى التَّرْكِيبِ. وهَذا مِن أدَقِّ التَّخَلُّصِ بِحَرْفٍ ”إنَّ“ لِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ المُنْتَقَلِ مِنهُ والمُنْتَقَلِ إلَيْهِ تَحْتاجُ إلى فِطْنَةٍ، وهَذا مَقامُ خِطابِ الذَّكِيِّ المَذْكُورِ في مُقَدِّمَةِ عِلْمِ المَعانِي.

فَيَكُونُ مَوْقِعَ جُمْلَةِ ﴿إنّا نُحْيِي المَوْتى﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِقَصْدِ إنْذارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوا الذِّكْرَ، ولَمْ يَخْشَوُا الرَّحْمَنَ، وهُمُ الَّذِينَ اقْتَضاهم جانِبُ النَّفْيِ في صِيغَةِ القَصْرِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإحْياءُ مُسْتَعارًا لِلْإنْقاذِ مِنَ الشِّرْكِ، والمَوْتى: اسْتِعارَةٌ لِأهْلِ الشِّرْكِ، فَإحْياءُ المَوْتى تَوْفِيقُ مَن آمَنَ مِنَ النّاسِ إلى الإيمانِ كَما قالَ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مَيِّتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] الآيَةَ.

فَتَكُونُ الجُمْلَةُ امْتِنانًا عَلى المُؤْمِنِينَ بِتَيْسِيرِ الإيمانِ لَهم، قالَ تَعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١] .

والمُرادُ بِكِتابَةِ ما قَدَّمُوا الكِنايَةَ عَنِ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ والثَّوابِ عَلى آثارِهِمْ.

وهَذا الِاعْتِبارُ يُناسِبُ الِاسْتِئْنافَ الِابْتِدائِيَّ لِيَكُونَ الِانْتِقالُ بِابْتِداءِ كَلامٍ مُنَبِّهًا السّامِعَ إلى ما اعْتَبَرَهُ المُتَكَلِّمُ في مَطاوِي كَلامِهِ.

والتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ ”إنَّ“ مَنظُورٌ فِيهِ إلى المَعْنى الصَّرِيحِ كَما هو الشَّأْنُ، ونَحْنُ ضَمِيرُ فَصْلٍ لا لِلتَّقْوِيَةِ وهو زِيادَةُ تَأْكِيدٍ. والمَعْنى: نُحْيِيهِمْ لِلْجَزاءِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا، أيْ نُحْصِي لَهم أعْمالَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ قَدَّمُوها في الدُّنْيا لِنُجازِيَهِمْ.

وعَطْفُ ذَلِكَ إدْماجٌ لِلْإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِأنَّهم مُحاسَبُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازَوْنَ عَلَيْها.

والكِنايَةُ: كِنايَةٌ عَنِ الإحْصاءِ وعَدَمِ إفْلاتِ شَيْءٍ مِن أعْمالِهِمْ أوْ إغْفالِهِ. وهي ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِصَحائِفِ الأعْمالِ الَّتِي يُسَجِّلُها الكِرامُ الكاتِبُونَ.

صفحة ٣٥٦

فالمُرادُ بِـ ”ما قَدَّمُوا“ ما عَمِلُوا مِنَ الأعْمالِ قَبْلَ المَوْتِ، شُبِّهَتْ أعْمالُهم في الحَياةِ الدُّنْيا بِأشْياءَ يُقَدِّمُونَها إلى الدّارِ الآخِرَةِ كَما يُقَدِّمُ المُسافِرُ ثِقْلَهُ وأحْمالَهُ.

وأمّا الآثارُ فَهي آثارُ الأعْمالِ ولَيْسَتْ عَيْنَ الأعْمالِ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِـ ”ما قَدَّمُوا“ مِثْلِ ما يَتْرُكُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ بَيْنَ النّاسِ وفي النُّفُوسِ.

والمَقْصُودُ بِذَلِكَ ما عَلِمُوهُ مُوافِقًا لِلتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ مُخالِفًا لَها ”وآثارَهم“ كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا» .

فالآثارُ مُسَبَّباتُ أسْبابٍ عَمِلُوا بِها. ولَيْسَ المُرادُ كِتابَةَ كُلِّ ما عَمِلُوهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا تَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ دِينِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الجَزاءُ. فَهَذا وعْدٌ ووَعِيدٌ، كُلٌّ يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنهُ.

وقَدْ ورَدَ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ بَنِي سَلِمَةَ أرادُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا مِن مَنازِلِهِمْ في أقْصى المَدِينَةِ إلى قُرْبِ المَسْجِدِ وقالُوا: البِقاعُ خالِيَةٌ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ يا بُنِي سَلِمَةَ دِيارَكم، تُكْتَبْ آثارُكم ”مَرَّتَيْنِ» رَواهُ مُسْلِمٌ. ويَعْنِي آثارَ أرْجُلِهِمْ في المَشْيِ إلى صَلاةِ الجَماعَةِ.

وفِي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ زادَ: أنَّهُ قَرَأ عَلَيْهِمْ ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فَجَعَلَ الآثارَ عامًّا لِلْحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ، وهَذا يُلاقِي الوَجْهَ الثّانِي في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾، وهو جارٍ عَلى ما أسَّسْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ. وتَوَهَّمَ راوِي الحَدِيثِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وسِياقُ الآيَةِ يُخالِفُهُ ومَكِّيَّتُها تُنافِيهِ.

والإحْصاءُ: حَقِيقَتُهُ العَدُّ والحِسابُ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والضَّبْطِ وعَدَمِ تَخَلُّفِ شَيْءٍ عَنِ الذِّكْرِ والتَّعْيِينِ؛ لِأنَّ الإحْصاءَ والحِسابَ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَفُوتَ واحِدٌ مِنَ المَحْسُوباتِ.

والإمامُ: ما يُؤْتَمُّ بِهِ في الِاقْتِداءِ عَلى حَسَبِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، قالَ النّابِغَةُ:

صفحة ٣٥٧

٢٠٦ بَنَوْا مَجْدَ الحَياةِ عَلى إمامِ أطْلَقَ الإمامَ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الكِتابَ يُتَّبَعُ ما فِيهِ مِنَ الأخْبارِ والشُّرُوطِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْـ قُضُ ما فِـي الـمَـهَـارِقِ الأهْـواءُ

والمُرادُ (كُلَّ شَيْءٍ) بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو كُلُّ شَيْءٍ مِن أعْمالِ النّاسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، فَذِكْرُ“ كُلَّ شَيْءٍ ”لِإفادَةِ الإحاطَةِ والعُمُومِ لِمّا قَدَّمُوا وآثارَهم مِن كَبِيرَةٍ وصَغِيرَةٍ. فَكَلِمَةُ (كُلَّ) نَصٌّ عَلى العُمُومِ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ ومِنَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالإضافَةِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ“ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ ”مُؤَكِّدَةً لِجُمْلَةِ ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾، ومُبَيِّنَةً لِمُجْمَلِها، ويَكُونُ عَطْفُها دُونَ فَصْلِها مُراعًى فِيهِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن زِيادَةِ الفائِدَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (كُلَّ شَيْءٍ) كَلُّ ما يُوجَدُ مِنَ الذَّواتِ والأعْمالِ، ويَكُونُ الإحْصاءُ إحْصاءَ عِلْمٍ، أيْ: تَعَلُّقُ العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ عِنْدَ حُدُوثِها، ويَكُونُ الإمامُ المُبِينُ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى. والظَّرْفِيَّةُ ظَرْفِيَّةَ إحاطَةٍ، أيْ: عَدَمُ تَفَلُّتِ شَيْءٍ عَنْ عِلْمِهِ كَما لا يَنْفَلِتُ المَظْرُوفُ عَنِ الظَّرْفِ.

وجُعِلَ عِلْمُ اللَّهِ إمامًا لِأنَّهُ تَجْرِي عَلى وفْقِهِ تَعَلُقاتُ الإرادَةِ الرَّبّانِيَّةِ والقُدْرَةِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ﴾ عَلى هَذا تَذْيِيلًا مُفِيدًا أنَّ الكِتابَةَ لا تَخْتَصُّ بِأعْمالِ النّاسِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ التَّكالِيفِ أوْ ضِدِّها بَلْ تَعُمُّ جَمِيعَ الكائِناتِ. وإذْ قَدْ كانَ الشَّيْءُ يُرادِفُ المَوْجُودَ جازَ أنْ يُرادَ بِـ“ كُلَّ شَيْءٍ " المَوْجُودُ بِالفِعْلِ، أوْ ما قَبْلَ الإيجادِ وهو المُمْكِنُ، فَيَكُونُ إحْصاؤُهُ هو العِلْمُ بِأنَّهُ يَكُونُ أوْ لا يَكُونُ ومَقادِيرُ كَوْنِهِ وأحْوالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] .

36:13–14Page 441

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣

And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -

إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤

When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."

﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ أعْقَبَ وصْفَ إعْراضِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهَدْيِ القُرْآنِ بِتَهْدِيدِهِمْ

صفحة ٣٥٨

بِعَذابِ الدُّنْيا؛ إذْ قَدْ جاءَ في آخِرِ هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلُهُ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] .

والضَّرْبُ مَجازٌ مَشْهُورٌ في مَعْنى الوَضْعِ والجَعْلِ، ومِنهُ: ضَرَبَ خَتْمَهُ. وضَرَبْتُ بَيْتًا، وهو هُنا في الجَعْلِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ والمُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ شَبَهًا لِأهْلِ مَكَّةَ وإرْسالِكَ إلَيْهِمْ.

و”لَهم“ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”اضْرِبْ“ أيِ اضْرِبْ مَثَلًا لِأجْلِهِمْ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَعْتَبِرُوا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم صِفَةٌ لِـ ”مَثَلَ“، أيِ اضْرِبْ شَبِيهًا لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] .

والمَثَلُ: الشَّبِيهُ، فَقَوْلُهُ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا﴾ مَعْناهُ ونَظِّرْ مَثَلًا، أيْ شَبِّهْ حالَهم في تَكْذِيبِهِمْ بِكَ بِشَبِيهٍ مِنَ السّابِقَيْنَ، ولَمّا غَلَبَ المَثَلُ في المُشابِهِ في الحالِ وكانَ الضَّرْبُ أعَمَّ، جُعِلَ مَثَلًا مَفْعُولًا لِـ ”اضْرِبْ“، أيْ نَظِّرْ حالَهم بِمُشابِهٍ فِيها فَحَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ اضْرِبْ ومَثَلًا بِالِاعْتِبارِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى الحالِ.

وانْتَصَبَ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾) عَلى البَيانِ لِـ ”مَثَلًا“، أوْ بَدَلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا أوَّلَ لِـ ”اضْرِبْ“ و”مَثَلًا“ مَفْعُولًا ثانِيًا كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢]“ .

والمَعْنى: أنَّ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَحالِ أصْحابِ القَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِهِمْ.

والقَرْيَةُ، قالَ المُفَسِّرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي ”(أنْطاكِيَةُ)“ وهي مَدِينَةٌ بِالشّامِ مُتاخِمَةٌ لِبِلادِ اليُونانِ.

والمُرْسَلُونَ إلَيْها قالَ قَتادَةُ: هم مِنَ الحَوارِيِّينَ بَعَثَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ذَلِكَ حِينَ رُفِعَ عِيسى. وذَكَرُوا أسْماءَهم عَلى اخْتِلافٍ في ذَلِكَ.

صفحة ٣٥٩

وتَحْقِيقُ القِصَّةِ: أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ إلى دِينِهِ غَيْرَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنِ الدِّينُ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ إلّا تَكْمِلَةً لِما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ إكْمالَهُ مِن شَرِيعَةِ التَّوْارَةِ، ولَكِنَّ عِيسى أوْصى الحَوارِيِّينَ أنْ لا يَغْفُلُوا عَنْ نَهْيِ النّاسِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ فَكانُوا إذا رَأوْا رُؤْيا أوْ خَطَرَ لَهم خاطِرٌ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَلَدٍ مِن بِلادِ إسْرائِيلَ أوْ مِمّا جاوَرَها، أوْ خَطَرَ في نُفُوسِهِمْ إلْهامٌ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَلَدٍ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لِتَحْقِيقِ وصِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ أرْبَعِينَ بَعْدَ مَوْلِدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

ووَقَعَتِ اخْتِلافاتٌ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى أهْلِ أنْطاكِيَةَوَتَحْرِيفاتٌ في الأسْماءِ، والَّذِي يَنْطَبِقُ عَلى ما في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ مِن كُتُبِ العَهْدِ الجَدِيدِ أنَّ ”بِرْنابا“ و”شاوَل“ المَدْعُو ”بُولُس“ مِن تَلامِيذِ الحَوارِيِّينَ ووُصِفا بِأنَّهُما مِنَ الأنْبِياءِ، كانا في أنْطاكِيَةَ مُرْسَلَيْنِ لِلتَّعْلِيمِ، وأنَّهُما عُزِّزا بِالتِّلْمِيذِ ”سِيلا“ . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الثّالِثَ هو ”شَمْعُونُ“، لَكِنْ لَيْسَ في سِفْرِ الأعْمالِ ما يَقْتَضِي أنَّ بُولُس وبِرْنابا عُزِّزا بِسَمْعانَ. ووَقَعَ في الإصْحاحِ الثّالِثَ عَشَرَ مِنهُ أنَّهُ كانَ نَبِيٌّ في أنْطاكِيَةَ اسْمُهُ ”سَمْعانُ“ .

والمُكَذِّبُونَ هم مَن كانُوا سُكّانًا بِأنْطاكِيَةَ مِنَ اليَهُودِ واليُونانِ، ولَيْسَ في أعْمالِ الرُّسُلِ سِوى كَلِماتٍ مُجْمَلَةٍ عَنِ التَّكْذِيبِ والمُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ المُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ هُنالِكَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ يَطْعَنُونَ في صِدْقِ دَعْوَةِ بُولُس وبِرْنابا ويُثِيرُونَ عَلَيْهِما نِساءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعِيسى مِن وُجُوهِ المَدِينَةِ مِنَ اليُونانِ وغَيْرِهِمْ، حَتّى اضْطُرَّ ”بُولُس وبِرْنابا“ إلى أنْ خَرَجا مِن أنْطاكِيَةَ وقَصَدا أيْقُونِيَّةَ وما جاوَرَها وقاوَمَهُما يَهُودُ بَعْضِ تِلْكَ المُدُنِ، وأنَّ أحْبارَ النَّصارى في تِلْكَ المَدائِنِ رَأوْا أنْ يُعِيدُوا بُولُس وبِرْنابا إلى أنْطاكِيَةَ. وبَعْدَ عَوْدَتِهِما حَصَلَ لَهُما ما حَصَلَ لَهُما في الأُولى وبِالخُصُوصِ في قَضِيَّةِ وُجُوبِ الخِتانِ عَلى مَن يَدْخُلُ في الدِّينِ، فَذَهَبَ بُولُس وبِرْنابا إلى أُورَشْلِيمَ لِمُراجَعَةِ الحَوارِيِّينَ فَرَأى أحْبارُ أُورَشْلِيمَ أنْ يُؤَيِّداهُما بِرَجُلَيْنِ

صفحة ٣٦٠

مِنَ الأنْبِياءِ هُما ”بِرْسابا“ و”سِيلا“ . فَأمّا ”بِرْسابا“ فَلَمْ يَمْكُثْ. وأمّا ”سِيلا“ فَبَقِيَ مَعَ ”بُولُس وبِرْنابا“ يَعِظُونَ النّاسَ. ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِهِمْ مِنَ الحَوارِيِّينَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ إذْ أرْسَلَنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أسْنَدَ الإرْسالَ والتَّعْزِيزَ إلى اللَّهِ.

والتَّعْزِيزُ: التَّقْوِيَةُ، وفي هَذِهِ المادَّةِ مَعْنى جَعْلِ المُقَوّى عَزِيزًا، فالأحْسَنُ أنَّ التَّعْزِيزَ هو النَّصْرُ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَعَزَزْنا“ بِتَخْفِيفِ الزّايِ الأُولى، وفِعْلُ عَزَّ بِمَعْنى يُحْيِي مُرادِفًا لِعَزَّزَ كَما قالُوا شَدَّ وشَدَّدَ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الزّايِ.

وتَأْكِيدُ قَوْلِهِمْ إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهم فَأكَّدُوا الخَبَرَ تَأْكِيدًا وسَطًا، ويُسَمّى هَذا ضَرْبًا طَلَبِيًّا.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ المَقْصُودِ إيمانِهِمْ بِعِيسى.

36:15Page 441

قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥

They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."

﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ كانَ أهْلُ أنْطاكِيَةَ والمُدُنِ المُجاوِرَةِ لَها خَلِيطًا مِنَ اليَهُودِ وعَبَدَةَ الأصْنامِ مِنَ اليُونانِ، فَقَوْلُ ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا صالِحٌ لِأنْ يَصْدُرَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ وهو ظاهِرٌ لِظَنِّهِمْ أنَّ الآلِهَةَ لا تَبْعَثُ الرُّسُلَ ولا تُوحِي إلى أحَدٍ، ولِذَلِكَ جاءَ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ أنَّ بَعْضَ اليُونانِ مِن أهْلِ مَدِينَةِ ”لِسْتُرَة“ رَأوْا مُعْجِزَةً مِن بُولُس النَّبِيءِ فَقالُوا بِلِسانٍ يُونانِيٍّ: إنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنّاسِ ونَزَلُوا إلَيْنا فَكانُوا يَدْعُونَ ”بِرْنابا“ ”زِفْس“ . أيْ: كَوْكَبَ المُشْتَرِي، و”بُولُس“ ”هُرْمُس“ أيْ: كَوْكَبَ عُطارِدٍ وجاءَهُما كاهِنُ ”زِفْس“ بِثِيرانٍ لِيَذْبَحَها لَهُما، وأكالِيلَ لِيَضَعَها عَلَيْهِما، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ ”بُولُس وبِرْنابا“ مَزَّقا ثِيابَهُما وصَرَخا: نَحْنُ بَشْرٌ مَثْلُكم نَعِظُكم أنْ تَرْجِعُوا عَنْ

صفحة ٣٦١

هَذِهِ الأباطِيلِ إلى الإلَهِ الحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. . . إلَخْ.

وصالِحٌ لِأنْ يَصْدُرُ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ يَقْتَضِي أنَّهُما وبَقِيَّةَ اليَهُودِ سَواءٌ وأنْ لا فَضْلَ لَهُما بِما يَزْعُمُونَ مِنَ النُّبُوءَةِ ويَقْتَضِي إنْكارَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنَزَلَ شَيْئًا، أيْ بَعْدَ التَّوْراةِ. فَمِن إعْجازِ القُرْآنِ جَمْعُ مُقالَةِ الفَرِيقَيْنِ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ.

واخْتِيارُ وصْفِ الرَّحْمَنِ في حِكايَةِ قَوْلِ الكَفَرَةِ ﴿وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ لِكَوْنِهِ صالِحًا لِعَقِيدَةِ الفَرِيقَيْنِ لِأنَّ اليُونانَ لا يَعْرِفُونَ اسْمَ اللَّهِ، ورَبُّ الأرْبابِ عِنْدَهم هو ”زِفْس“ وهو مَصْدَرُ الرَّحْمَةِ في اعْتِقادِهِمْ، واليَهُودُ كانُوا يَتَجَنَّبُونَ النُّطْقَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو في لُغَتِهِمْ ”يَهْوَه“ فَيُعَوِّضُونَهُ بِالصِّفاتِ.

والِاسْتِثْناءُ في (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ مُفَرَّغٌ مِن أخْبارٍ مَحْذُوفَةٍ، فَجُمْلَةُ ”تُكْذِبُونَ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ ضَمِيرِ ”أنْتُمْ“ .

36:16–17Page 441

قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦

They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,

وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧

And we are not responsible except for clear notification."

﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ حُكِيَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ عَلى سَنَنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِحِكايَةِ أقْوالِ المُتَحاوِرِينَ دُونَ عَطْفٍ.

و(﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾) قَسَمٌ لِأنَّهُ اسْتِشْهادٌ بِاللَّهِ عَلى صِدْقِ مَقالَتِهِمْ، وهو يَمِينٌ قَدِيمَةٌ انْتَقَلَها العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ الحارِثُ بْنِ عَبّادٍ:

لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ الـلَّـ ـهُ وإنِّي لِحَرِّها اليَوْمَ صالِي

ويَظْهَرُ أنَّهُ كانَ مُغَلِّظًا عِنْدَهم لِقِلَّةِ وُرُودِهِ في كَلامِهِمْ ولا يَكادُ يَقَعُ إلّا في مَقامٍ مُهِمٍّ. وهو عِنْدَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ يَمِينٌ كَسائِرِ الأيْمانِ فِيها كَفّارَةٌ عِنْدَ الحِنْثِ.

وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ: أنَّ لَهم قَوْلًا بِأنَّ الحالِفَ بِهِ كاذِبًا تَلْزَمُهُ الرِّدَّةُ لِأنَّهُ نَسَبَ إلى عِلْمِ اللَّهِ ما هو مُخالِفٌ لِلْواقِعِ، فَآلَ إلى جَعْلِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا. وهَذا يَرْمِي إلى التَّغْلِيظِ والتَّحْذِيرِ، وإلّا فَكَيْفَ يُكَفِّرُ أحَدٌ بِلَوازِمَ بَعِيدَةٍ.

صفحة ٣٦٢

واضْطَرَّهم إلى شِدَّةِ التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ ما رَأوْا مِن تَصْمِيمِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ. ويُسَمّى هَذا المِقْدارُ مِنَ التَّأْكِيدِ ضَرْبًا إنْكارِيًّا.

وأمّا قَوْلُهم ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ فَذَلِكَ وعْظٌ وعَظُوا بِهِ القَوْمَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا مَنفَعَةَ تَنْجَرُّ لَهم مِن إيمانِ القَوْمِ، وإعْلانٌ لَهم بِالتَّبَرُّؤِ مِن عُهْدَةِ بَقاءِ القَوْمِ عَلى الشِّرْكِ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ النَّظَرَ الفِكْرِيَّ في نُفُوسِ القَوْمِ.

والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِن أبْلَغَ إذا أوْصَلَ خَبَرًا، قالَ تَعالى ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقالَ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، ولا يُسْتَعْمَلُ البَلاغُ في إيصالِ الذَّواتِ.

والفُقَهاءُ يَقُولُونَ في كَراءِ السُّفُنِ والرَّواحِلِ: إنَّ مِنهُ ما هو عَلى البَلاغِ. يُرِيدُونَ عَلى الوُصُولِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ بَيْنَ المَكْرِي والمُكْتَرِي.

والمُبِينُ: وصْفٌ لِلْبَلاغِ، أيِ البَلاغِ الواضِحِ دَلالَةً، وهو الَّذِي لا إيهامَ فِيهِ ولا مُوارَبَةَ.

36:18Page 441

قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨

They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."

﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لَمّا غَلَبَتْهُمُ الحُجَّةُ مِن كُلِّ جانٍ، وبَلَغَ قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] مِن نُفُوسِ أصْحابِ القَرْيَةِ مَبَلَغَ الخَجَلِ والِاسْتِكانَةِ مِن إخْفاقِ الحُجَّةِ والِاتِّسامِ بِمِيسَمِ المُكابَرَةِ والمُنابَذَةِ لِلَّذِينَ يَبْتَغُونَ نَفْعَهُمُ انْصَرَفُوا إلى سَتْرِ خَجَلِهِمْ وانْفِحامِهِمْ بِتَلْفِيفِ السَّبَبِ لِرَفْضِ دَعْوَتِهِمْ بِما حَسِبُوهُ مُقْنِعًا لِلرُّسُلِ بِتَرْكِ دَعْوَتِهِمْ ظَنًّا مِنهم أنَّ ما يَدَّعُونَهُ شَيْءٌ خَفِيٌّ لا قِبَلَ لِغَيْرِ مُخْتَرِعِهِ بِالمُنازَعَةِ فِيهِ، وذَلِكَ بِأنْ زَعَمُوا أنَّهم تَطَيَّرُوا بِهِمْ ولَحِقَهم مِنهم شُؤْمٌ، ولابُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِن بارِدِ العُذْرِ.

والتَّطَيُّرُ في الأصْلِ تَكَلُّفُ مُعْرِفَةِ دَلالَةِ الطَّيْرِ عَلى خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِن تَعَرُّضِ نَوْعِ الطَّيْرِ ومِن صِفَةِ انْدِفاعِهِ أوْ مَجِيئِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ حَدَثٍ يَتَوَهَّمُ مِنهُ أحَدٌ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في لَحاقِ شَرٍّ بِهِ فَصارَ مُرادِفًا لِلتَّشاؤُمِ.

وفِي الحَدِيثِ «لا عَدْوى ولا طِيرَةَ، وإنَّما الطِّيرَةُ عَلى مَن تَطَيَّرَ» وبِهَذا المَعْنى أُطْلِقَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ قالُوا إنّا تَشاءَمْنا بِكم.

صفحة ٣٦٣

ومَعْنى بِكم بِدَعْوَتِكم، ولَيْسُوا يُرِيدُونَ أنَّ القَرْيَةَ حَلَّ بِها حادِثُ سُوءٍ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهَمْ مِن قَحْطٍ أوْ وباءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الضُّرِّ العامِّ مُقارَنٌ لِحُلُولِ الرُّسُلِ أوْ لِدَعْوَتِهِمْ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ أحَدًا لا يَخْلُو في هَذِهِ الحَياةِ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهُ. ومِن عادَةِ أصْحابِ الأوْهامِ السَّخِيفَةِ والعُقُولِ المَأْفُونَةِ أنْ يُسْنِدُوا الأحْداثَ إلى مُقارَناتِها دُونَ مَعْرِفَةِ أسْبابِها ثُمَّ أنْ يَتَخَيَّرُوا في تَعْيِينِ مُقارَناتِ الشُّؤْمِ أُمُورًا لا تُلائِمُ شَهَواتِهِمْ وما يَنْفِرُونَ مِنهُ، وأنْ يُعِيِّنُوا مِنَ المُقارَناتِ لِلتَّيَمُّنِ ما يَرْغَبُونَ فِيهِ وتَقْبَلُهُ طِباعُهم يُغالِطُونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم، شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضَّعِيفَةِ، فَمَرْجِعُ العِلَلِ كُلِّها لَدَيْهِمْ إلى أحْوالِ نُفُوسِهِمْ ورَغائِبِهِمْ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وحَكى عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ وإنْ ﴿تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا بِالشُّؤْمِ أنَّ دَعْوَتَهم أحْدَثَتْ مُشاجَراتٍ واخْتِلافًا بَيْنَ أهْلِ القَرْيَةِ فَلَمّا تَمالَأتْ نُفُوسُ أهْلِ القَرْيَةِ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ كُلِّ حَدَثٍ مَكْرُوهٍ يُصِيبُ أحَدَهم بِأنَّهُ مِن جَرّاءِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى ذَلِكَ فَقالُوا ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أيْ يَقُولُها الواحِدُ مِنهم أوِ الجَمْعُ فَيُوافِقُهم عَلى ذَلِكَ جَمِيعُ أهْلِ القَرْيَةِ.

ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى المُطالَبَةِ بِالِانْتِهاءِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فَقالُوا ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وبِذَلِكَ ألْجَأُوا ”بُولُس“ و”بِرْنابا“ إلى الخُرُوجِ مِن أنْطاكِيَةَ فَخَرَجا إلى أيْقُونِيَّةَ وظَهَرَتْ كَرامَةُ ”بُولُس“ في أيْقُونِيَّةَ ثُمَّ في ”لِسْتُرَة“ ثُمَّ في ”دَرْبَةَ“، ولَمْ يَزَلِ اليَهُودُ في كُلِّ مَدِينَةٍ مِن هَذِهِ المُدُنِ يُشاقُّونَ الرُّسُلَ ويَضْطَهِدُونَهم ويُثِيرُونَ النّاسَ عَلَيْهِمْ، فَمَسَّهم مِن ذَلِكَ عَذابٌ وضُرٌّ ورُجِمَ ”بُولُس“ في مَدِينَةِ ”لِسْتُرَة“ حَتّى حَسِبُوا أنْ قَدْ ماتَ.

ولامُ ”﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾“ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ حُكِيَ بِها ما صَدَرَ مِنهم مِن قَسَمٍ بِكَلامِهِمْ.

36:19Page 441

قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩

They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."

﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكم أئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ حُكِيَ قَوْلُ الرَّسُولِ بِما يُرادِفُهُ ويُؤَدِّي مَعْناهُ بِأُسْلُوبٍ عَرَبِيٍّ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشِّرْكِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ ضُرِبَتِ القَرْيَةُ مَثَلًا لَهم، فالرُّسُلُ لَمْ يَذْكُرُوا مادَّةَ الطِّيَرَةَ والطَّيْرَ وإنَّما

صفحة ٣٦٤

أتَوْا بِما دَلَّ عَلى أنَّ شُؤْمَ القَوْمِ مُتَّصِلٌ بِذَواتِهِمْ لا جاءٍ مِنَ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ فَحُكِيَ بِما يُوافِقُهُ في كَلامِ العَرَبِ تَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّجْرِيدِ لِضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِأنْ لُوحِظَ في حِكايَةِ القِصَّةِ مِن شُئُونِ المُشَبَّهِينَ بِأصْحابِ القِصَّةِ، ولَمّا كانَتِ الطِّيرَةُ بِمَعْنى الشُّؤْمِ مُشْتَقَّةً مِنِ اسْمِ الطَّيْرِ لُوحِظَ فِيها مادَّةُ الِاشْتِقاقِ.

وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الطّائِرِ عَلى مَعْنى الشُّؤْمِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ ”﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]“ عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ.

ومَعْنى (﴿طائِرُكم مَعَكُمُ﴾) الطّائِرُ الَّذِي تَنْسُبُونَ إلَيْهِ الشُّؤْمَ هو مَعَكم، أيْ في نُفُوسِكم، أرادُوا أنَّكم لَوْ تَدَبَّرْتُمْ لَوَجَدْتُمْ أنَّ سَبَبَ ما سَمَّيْتُمُوهُ شُؤْمًا هو كُفْرُكم وسُوءُ سَمْعِكم لِلْمَواعِظِ، فَإنَّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا أحْسَنَ القَوْلِ اتَّبَعُوهُ ولَمْ يَعْتَدُوا عَلَيْكم، وأنْتُمُ الَّذِينَ آثَرْتُمُ الفِتْنَةَ وأسْعَرْتُمُ البَغْضاءَ والإحَنَ، فَلا جَرَمَ أنْتُمْ سَبَبُ سُوءٍ لِلْحالَةِ الَّتِي حَدَثَتْ في المَدِينَةِ.

وأشارَ آخِرُ كَلامِهِمْ إلى هَذا القَوْلِ إذْ قالُوا (﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾) بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الدّاخِلِ عَلى إنِ الشَّرْطِيَّةِ، فَهو اسْتِفْهامٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، وقُيَّدَ ذَلِكَ المَحْذُوفُ بِالشَّرْطِ الَّذِي حُذِفَ جَوابُهُ أيْضًا اسْتِغْناءً عَنْهُ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْهُ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ إلّا أنَّسِيبَوَيْهِ يُرَجِّحُ إذا اجْتَمَعَ الِاسْتِفْهامُ والشَّرْطُ أنْ يُؤْتى بِما يُناسِبُ الِاسْتِفْهامَ لَوْ صُرِّحَ بِهِ، فَكَذَلِكَ لَمّا حُذِفَ يَكُونُ المُقَدَّرُ مُناسِبًا لِلِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: أتَتَشاءَمُونَ بِالتَّذْكِيرِ إنْ ذُكِّرْتُمْ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ أهْلِ القَرْيَةِ إنّا تَطَيَّرْنا بِكم، أيْ بِكَلامِكم وأبْطَلُوا أنْ يَكُونَ الشُّؤْمُ مِن تَذْكِيرِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أيْ لا طِيَرَةَ فِيما زَعَمْتُمْ ولَكِنَّكم قَوْمٌ كافِرُونَ غَشِيَتْ عُقُولَكُمُ الأوْهامُ فَظَنَنْتُمْ ما فِيهِ نَفْعُكم ضُرًّا لَكم، ونُطْتُمُ الأشْياءَ بِغَيْرِ أسْبابِها مِن إغْراقِكم بِالجَهالَةِ والكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ. ومِن إسْرافِكُمُ اعْتِقادُكم بِالشُّؤْمِ والبَخْتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾) بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ داخِلَةٍ عَلى ”إنْ“ المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ الشَّرْطِيَّةِ وتَشْدِيدِ الكافِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”أئِنْ ذُكِّرْتُمْ“ بِفَتْحِ كِلْتا الهَمْزَتَيْنِ وبِتَخْفِيفِ الكافِ مِن ”ذُكِرْتُمْ“، والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ، أيْ ألِأجْلِ أنْ ذَكَرْنا

صفحة ٣٦٥

أسْماءَكم حِينَ دَعَوْناكم حَلَّ الشُّؤْمُ بَيْنَكم، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أهْلًا لِأنْ تَكُونَ أسْماؤُهم شُؤْمًا.

وفِي ذِكْرِ كَلِمَةِ ”قَوْمِ“ إيذانٌ بِأنَّ الإسْرافَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم وبِهِ قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском