Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:45–54
36:45–46Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥
But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تَخَلَّصَ الكَلامُ مِن عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ إلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالأقْوالِ المُبَلَّغَةِ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِنَ المَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وبِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِتَذْكِيرِ القُرْآنِ إيّاهم بِالأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وعَلى البَعْثِ.
وبِناءُ فِعْلِ ”قِيلَ“ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ القائِلَ هو الرَّسُولُ ﷺ في تَبْلِيغِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أيْ قِيلَ لَهم في القُرْآنِ.
وما بَيْنَ الأيْدِي يُرادُ مِنهُ المُسْتَقْبَلُ، وما هو خَلْفٌ يُرادُ مِنهُ الماضِي، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [الصف: ٦]، أيْ ما تَقَدَّمَنِي. وذَلِكَ أنَّ أصْلَ هَذَيْنِ التَّرْكِيبَيْنِ تَمْثِيلانِ فَتارَةً يَنْظُرُونَ إلى تَمْثِيلِ المُضافِ إلَيْهِ بِسائِرٍ إلى مَكانٍ فالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هو ما سَيَرِدُ هو عَلَيْهِ، والَّذِي مِن ورائِهِ هو ما خَلَّفَهُ خَلْفَهُ في سَيْرِهِ، وتارَةً يَنْظُرُونَ إلى تَمْثِيلِ المُضافِ بِسائِرٍ، فَهو إذا كانَ بَيْنَ يَدِيِ المُضافِ إلَيْهِ فَقَدْ سَبَقَهُ في السَّيْرِ فَهو سابِقٌ لَهُ وإذا كانَ خَلْفَ المُضافِ إلَيْهِ فَقَدْ تَأخَّرَ عَنْهُ فَهو وارِدٌ بَعْدَهُ.
وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالوَجْهَيْنِ فَقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِن أمْرِ الآخِرَةِ وما خَلْفَكم مِن أحْوالِ الأُمَمِ في الدُّنْيا، وهو عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيكم أحْوالُ الأُمَمِ في الدُّنْيا وما خَلْفَكم مِن أحْوالِ الآخِرَةِ
صفحة ٣١
وهُوَ عَنْ قَتادَةَ وسُفْيانَ. ومَتى حُمِلَ أحَدُ المَوْصُولَيْنِ عَلى ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الأُمَمِ وجَبَ تَقْدِيرُ مُضافَيْنِ قَبْلَ ما المَوْصُولَةِ هُما المَفْعُولُ، أيِ اتَّقُوا مِثْلَ أحْوالِ ما بَيْنَ أيْدِيكم، أوْ أحْوالِ ما خَلْفَكم، ولا يُقَدَّرُ مُضافانِ في مُقابَلَهِ لِأنَّ ماصَدَقَ ما المَوْصُولَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ هو عَذابُ الآخِرَةِ فَهو مَفْعُولُ اتَّقُوا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولَعَلَّ لِلرَّجاءِ، أيْ تُرْجى لَكم رَحْمَةُ اللَّهِ، لِأنَّهم إذا اتَّقَوْا حَذِرُوا ما يُوقِعُ في المُتَّقى فارْتَكَبُوا واجْتَنَبُوا وبادَرُوا بِالتَّوْبَةِ فِيما فَرَطَ فَرَضِيَ رَبُّهم عَنْهم فَرَحِمَهم بِالثَّوابِ وجَنَّبَهُمُ العِقابَ. والكَلامُ في لَعَلَّ الوارِدَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. فالتَّقْدِيرُ هُنا: كانُوا مُعْرِضِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾) واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها، فَفِيها تَعْمِيمُ أحْوالِهِمْ وأحْوالِ ما يَبَلَّغُونَهُ مِنَ القُرْآنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا أعْرَضُوا، والإعْراضُ دَأْبُهم في كُلِّ ما يُقالُ لَهم.
والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ الَّتِي تَنْزِلُ فَيَقْرَؤُها النَّبِيءُ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَأُطْلِقَ عَلى بُلُوغِها إلَيْهِمْ فِعْلَ الإتْيانِ. ووَصْفُها بِأنَّها مِن آياتِ رَبِّهِمْ لِلتَّنْوِيهِ بِالآياتِ والتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ كَلامِ رَبِّهِمْ كُفْرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِهِ إيّاهم.
و”ما“ نافِيَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. وجُمْلَةُ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ في مَوْضِعِ الحالِ.
36:47Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧
And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ كانُوا مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكَرَمِ يَشِحُّونَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ فَيَمْنَعُونَهُمُ البَذْلَ تَشَفِّيًا، مِنهم فَإذا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ الأمْرُ بِالإنْفاقِ أوْ سَألَهم فُقَراءُ المُسْلِمِينَ
صفحة ٣٢
مِن فُضُولِ أمْوالِهِمْ أوْ أنْ يُعْطُوهم ما كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِهِمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَلَعَلَّ مَن أسْلَمَ مِنَ الفُقَراءِ سَألُوا المُشْرِكِينَ ما اعْتادُوا يُعْطُونَهم قَبْلَ إسْلامِهِمْ فَيَقُولُونَ أعْطُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وقَدْ سَمِعُوا مِنهم كَلِماتٍ إسْلامِيَّةً لَمْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَها مِن قَبْلُ، ورُبَّما كانُوا يُحاجُّونَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ولا يَقَعُ في الكَوْنِ كائِنٌ إلّا بِإرادَتِهِ، فَجَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَعَلَّلُونَ لِمَنعِهِمْ بِالِاسْتِهْزاءِ فَيَقُولُونَ: لا نُطْعِمُ مِن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَأطْعَمَهُ، وإذا كانَ هَذا رَزَقَناهُ اللَّهُ فَلِماذا لَمْ يَرْزُقْكم، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأطْعَمَكم كَما أطْعَمَنا. وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهم ذَلِكَ جَهْلًا؛ فَإنَّهم كانُوا يَجْهَلُونَ وضْعَ صِفاتِ اللَّهِ في مَواضِعِها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .
وإظْهارُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: قالُوا أنُطْعِمُ إلَخْ لِنُكْتَةِ الإيماءِ إلى أنَّ صُدُورَ هَذا القَوْلِ مِنهم إنَّما هو لِأجْلِ كُفْرِهِمْ ولِأجْلِ إيمانِ الَّذِينَ سُئِلَ الإنْفاقَ عَلَيْهِمْ.
رَوى ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمْرَ المُشْرِكِينَ بِالإنْفاقِ عَلى المَساكِينِ في شِدَّةٍ أصابَتِ النّاسَ فَشَحَّ فِيها الأغْنِياءُ عَلى المَساكِينِ ومَنَعُوهم ما كانُوا يُعْطُونَهم.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِلَّذِينِ آمَنُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ إلى المُخاطَبِ بِهِ أيْ خاطَبُوا المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ قالُوا في شَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا﴾ [آل عمران: ١٦٨] وقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أيْ قالُوا ذَلِكَ تَعِلَّةً لِعَدَمِ الإنْفاقِ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ.
والِاسْتِفْهامُ في ”أنُطْعِمُ“ إنْكارِيٌّ، أيْ لا نُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَأطْعَمَهم بِحَسَبِ اعْتِقادِكم أنَّ اللَّهَ هو المَطْعِمُ.
والتَّعْبِيرُ في جَوابِهِمْ بِالإطْعامِ مَعَ أنَّ المَطْلُوبَ هو الإنْفاقُ: إمّا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ اللَّفْظِ فَإنَّ الإنْفاقَ يُرادُ مِنهُ الإطْعامُ، وإمّا لِأنَّهم سُئِلُوا الإنْفاقَ وهو أعَمُّ مِنَ الإطْعامِ لِأنَّهُ يَشْمَلُ الإكْساءَ والإسْكانَ فَأجابُوا بِإمْساكِ الطَّعامِ وهو أيْسَرُ
صفحة ٣٣
أنْواعِ الإنْفاقِ، ولِأنَّهم كانُوا يُعَيِّرُونَ مَن يَشِحُّ بِإطْعامِ الطَّعامِ وإذا مَنَعُوا المُؤْمِنِينَ الطَّعامَ كانَ مَنعُهم ما هو فَوْقَهُ أحْرى.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ يُخاطِبُونَ المُؤْمِنِينَ، أيْ ما أنْتُمْ في قَوْلِكم ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وما في مَعْناهُ مِنِ اعْتِقادِ أنَّ اللَّهَ مُتَصَرِّفٌ في أحْوالِنا إلّا مُتَمَكِّنٌ مِنكُمُ الضَّلالُ الواضِحُ. وجَعَلُوهُ ضَلالًا لِجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ اللَّهِ، وجَعَلُوهُ مُبِينًا لِأنَّهم يُحَكِّمُونَ الظَّواهِرَ مِن أسْبابِ اكْتِسابِ المالِ وعَدَمِهِ.
والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
36:48–50Page 443
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩
They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.
فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠
And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخَصِّمُونَ﴾ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ذَكَرَ عَقِبَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ لَمّا مَنَعُوهُمُ الإنْفاقَ بِعِلَّةِ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأطْعَمَهُمُ اسْتِهْزاءً آخَرَ بِالمُؤْمِنِينَ في تَهْدِيدِهِمُ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ فَكانُوا يَسْألُونَهم هَذا الوَعْدَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّهَكُّمِ والتَّكْذِيبِ.
وأُطْلِقَ الوَعْدُ عَلى الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِالشَّرِّ لِأنَّ الوَعْدَ أعَمُّ ويَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ بِالقَرِينَةِ.
واسْمُ الإشارَةِ لِلْوَعْدِ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِخْفافِ بِوَعْدِ العَذابِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَهَـا
وإذا قَدْ كانَ اسْتِهْزاؤُهم هَذا يَسُوءُ المُسْلِمِينَ أعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ الوَعْدَ واقِعٌ لا مَحالَةَ وأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً تَأْخُذُهم فَلا يُفْلِتُونَ مِن أخْذَتِها.
صفحة ٣٤
وفِعْلُ يَنْظُرُونَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظْرَةِ وهو التَّرَقُّبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأعراف: ٥٣] سُورَةُ الأعْرافِ. والصَّيْحَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ الخارِجُ مِن حَلْقِ الإنْسانِ لِزَجْرٍ، أوِ اسْتِغاثَةٍ. وأُطْلِقَتِ الصَّيْحَةُ في مَواضِعَ في القُرْآنِ عَلى صَوْتِ الصّاعِقَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٨٣] . فالصَّيْحَةُ هُنا تَحْتَمِلُ المَجازَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَعْقَةً أوْ نَفْخَةً عَظِيمَةً. والمُرادُ النَّفْخَةُ الأوْلى الَّتِي يَنْقَضِي بِها نِظامُ الحَياةِ في هَذا العالَمِ، والأُخْرى تَنْشَأُ عَنْها النَّشْأةُ الثّانِيَةُ وهي الحَياةُ الأبَدِيَّةُ، فَيَكُونُ أُسْلُوبُ الكَلامِ خارِجًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إعْراضًا عَنْ جَوابِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهامِ فَأُجِيبُوا بِأنَّ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ هو الأجْدَرُ بِأنْ يَنْتَظِرُوهُ. ومَعْنى تَأْخُذُهم تُهْلِكُهم فَجْأةً، شُبِّهَ حُلُولُ صَيْحَةِ العِقابِ بِحُلُولِ المُغِيرِينَ عَلى الحَيِّ لِأخْذِ أنْعامِهِ وسَبْيِ نِسائِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الحُلُولِ فِعْلُ تَأْخُذُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: تَحُلُّ بِهِمْ وهم يَخْتَصِمُونَ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ لِأنَّهم يَهْلِكُونَ بِصَعْقَتِها. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الصَّيْحَةُ عَلى حَقِيقَتِها وهي صَيْحَةُ صائِحِينَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يُصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً تُنْذِرُ بِحُلُولِ القَتْلِ، فَيَكُونَ إنْذارًا بِعَذابِ الدُّنْيا. ولَعَلَّها صَيْحَةُ الصّائِحِينَ الَّذِي جاءَهم بِخَبَرِ تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لِرَكْبِ تِجارَةِ قُرَيْشٍ في بَدْرٍ. و”يَخَصِّمُونَ“ مِنَ الخُصُومَةِ والخِصامِ وهو الجِدالُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ [الحج: ١٩] في سُورَةِ الحَجِّ. وأصْلُهُ: يَخْتَصِمُونَ فَوَقَعَ إبْدالُ التّاءِ ضادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِالإدْغامِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها، فَقَرَأهُ الجَمِيعُ بِفَتْحِ الياءِ واخْتَلَفُوا فِيما عَدا ذَلِكَ: فَقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ ”يَخَصِّمُونَ“ .
صفحة ٣٥
بِتَشْدِيدِ الصّادِ مَكْسُورَةً عَلى اعْتِبارِ التّاءِ المُبْدَلَةِ صادًا والمُسَكَّنَةِ لِأجْلِ الإدْغامِ، أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الخاءِ الَّتِي كانَتْ ساكِنَةً. وقَرَأهُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو في المَشْهُورِ عَنْهُ بِسُكُونِ الخاءِ سُكُونًا مُخْتَلَسًا ”بِالفَتْحِ“ لِأجْلِ التَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَخِصِّمُونَ“ كَسْرُ الخاءِ وكَسْرُ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ ”يَخْصِمُونَ“ بِسُكُونِ الخاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُخَفَّفَةً مُضارِعُ ”خَصَمَ“ قِيلَ بِمَعْنى جادَلَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”يَخْصِّمُونَ“ إسْكانُ الخاءِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدِّدَةً عَلى الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ. والِاخْتِصامُ: اخْتِصامُهم في الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ أوْ في تَعْيِينِ مَن يَخْرُجُ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن مُفاجَآتٍ لَهم وهم يَخْتَصِمُونَ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِلنَّذِيرِ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الصَّيْحَةَ وقْتُ الأخْذِ وإنَّما تَأْخُذُهم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو أنَّ الصَّيْحَةَ تَأْخُذُهم. . وفُرِّعَ عَلى تَأْخُذُهم جُمْلَةُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَوْصِيَةٍ عَلى أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ كَما هو شَأْنُ المُحْتَضَرِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ الواقِعَةِ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ السُّرْعَةِ بَيْنَ الصَّيْحَةِ وهَلاكِهِمْ، إذْ لا يَكُونُ المُرادُ مَدْلُولَهُ الصَّرِيحَ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ غَيْرَهم بَعْدَهم؛ إذِ الهَلاكُ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ النّاسِ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ القِتالِ كانَ المَعْنى: أنَّهم يَفْزَعُونَ إلى مَواقِعِ القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ إلى تَرَقُّبِ وُصُولِ جَيْشِ الفَتْحِ يَوْمَ الفَتْحِ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنَ الحَدِيثِ مَعَ مَن يُوصُونَهُ بِأهْلِيهِمْ. والتَّوْصِيَةُ: مَصْدَرُ وصّى المُضاعَفِ وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ما.
صفحة ٣٦
وقَوْلُهُ ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى ”تَوْصِيَةً“، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ الرُّجُوعَ إلى أهْلِهِمْ كَشَأْنِ الَّذِي يُفاجِئُهُ ذُعْرٌ فَيُبادِرُ بِافْتِقادِ حالِ أهْلِهِ مِن ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ فَيَكُونُ مِمّا شَمِلَهُ التَّفْرِيعُ بِالفاءِ، أيْ فَلا يَرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ، أيْ هم هالِكُونَ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، إلّا أنَّهُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ صَيْحَةُ الحَرْبِ يُخَصَّصُ ضَمِيرُ ”يَرْجِعُونَ“ بِكُبَراءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ هَلَكُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم هُمُ المُتَوَلُّونَ كِبْرَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، أوِ الَّذِينَ أُكْمِلُوا بِالهَلاكِ يَوْمَ الفَتْحِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الفَتْحِ.
36:51Page 443
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١
And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ مَوْضِعَ الحالِ، أيْ ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً وقَدْ نُفِخَ في الصُّورِ إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، وهَذا الِاعْتِراضُ واقِعٌ بَيْنِ جُمْلَةِ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا﴾ [يس: ٦٦] .
والمَقْصُودُ وعْظُهم بِالبَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وبِما وراءَهُ.
والماضِي مُسْتَعْمَلٌ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ مِثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والمَعْنى: ويُنْفَخُ في الصُّورِ، أيْ ويَنْفُخُ نافِخٌ في الصُّورِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، واسْمُهُ إسْرافِيلُ. وهَذِهِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
و”إذا“ لِلْمُفاجَأةِ وهي حُصُولُ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها سَرِيعًا وبِدُونِ تَهَيُّؤٍ. وضَمِيرُ هم عائِدٌ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ فَإذا النّاسُ كُلُّهم ومِنهُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم.
والأجْداثُ: جَمْعُ جَدَثٍ بِالتَّحْرِيكِ، وهو القَبْرُ.
و”يَنْسِلُونَ“ يَمْشُونَ مَشْيًا سَرِيعًا. وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ، ووَرَدَ مِن بابِ نَصَرَ قَلِيلًا. والمَصْدَرُ: النَّسَلانِ عَلى وزْنِ الغَلَيانِ لِما في مَعْنى الفِعْلِ مِنَ التَّقْلِيبِ والِاضْطِرابِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم قُبِرُوا بَعْدَ الصَّيْحَةِ
صفحة ٣٧
الَّتِي أخَذَتْهم فَإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ الواقِعَةُ فالأجْداثُ هي ما يَعْلُوهم مِنَ التُّرابِ في المُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الصَّيْحَةِ والنَّفْخَةِ. وقَدْ ورَدَ أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً إذْ لا يَبْقى بَعْدَ تِلْكَ الصَّيْحَةِ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ لِيُدْفِنَ مَن هَلَكَ مِنهم، وإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ صَيْحَةَ الفَزَعِ إلى القَتْلِ فالأجْداثُ عَلى حَقِيقَتِها مِثْلُ قَلِيبِ بَدْرٍ.
ومَعْنى إلى رَبِّهِمْ إلى حُكْمِ رَبِّهِمْ وحِسابِهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَنْسِلُونَ“ .
36:52Page 443
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢
They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."
﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالِ بَعْدَ حِكايَةِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ وإحالَتِهِمْ إيّاهُ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ مَقالِهِمْ حِينَما يَرَوْنَ حَقِيقَةَ البَعْثِ.
و”يا ويْلَنا“ كَلِمَةٌ يَقُولُها الواقِعُ في مُصِيبَةٍ أوِ المُتَحَسِّرُ. والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم رَأوْا ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ عِنْدَما بُعِثُوا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحُكِيَ قَوْلُهم بِصِيغَةِ الماضِي اتِّباعًا لِحِكايَةِ ما قَبْلَهُ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ.
وحَرْفُ النِّداءِ الدّاخِلُ عَلى ”ويْلِنا“ لِلتَّنْبِيهِ وتَنْزِيلِ الوَيْلِ مَنزِلَةَ مَن يَسْمَعُ فَيُنادى لِيَحْضُرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَتْ (يا ويْلَتا) في سُورَةِ هُودٍ.
و”مَن“ اسْتِفْهامٌ عَنْ فاعِلِ البَعْثِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ والتَّحَسُّرِ مِن حُصُولِ البَعْثِ. ولَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مُحالًا كَنَوْا عَنِ التَّعَجُّبِ مِن حُصُولِهِ بِالتَّعَجُّبِ مِن فاعِلِهِ لِأنَّ الأفْعالَ الغَرِيبَةَ تَتَوَجَّهُ العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ فاعِلِها لِأنَّهم لَمّا بُعِثُوا وأُزْجِيَ بِهِمْ إلى العَذابِ عَلِمُوا أنَّهُ بَعْثٌ فَعَلَهُ مَن أرادَ تَعْذِيبَهم.
والمَرْقَدُ: مَكانُ الرُّقادِ. وحَقِيقَةُ الرُّقادِ: النَّوْمُ. وأطْلَقُوا الرُّقادَ عَلى المَوْتِ والِاضْطِجاعِ في القُبُورِ تَشْبِيهًا بِحالَةِ الرّاقِدِ.
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أنِ اسْتَحْضَرَتْ نُفُوسُهم ما كانُوا يُنْذَرُونَ بِهِ في الدُّنْيا فاسْتَأْنَفُوا عَنْ
صفحة ٣٨
تَعَجُّبِهِمْ قَوْلَهم ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .
وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ وهو أنَّهم عَلِمُوا سَبَبَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ فَبَطَلَ العَجَبُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ كَما يَتَكَلَّمُ المُتَحَسِّرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وأنْ يَقُولَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ كُلٌّ يَظُنُّ أنَّ صاحِبَهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِلسَّبَبِ فَيُرِيدُ أنْ يُعْلِمَهُ بِهِ.
وأتَوْا في التَّعْبِيرِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِصِفَةِ الرَّحْمَنِ إكْمالًا لِلتَّحَسُّرِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ بِذِكْرِ ما كانَ مُقارَنًا لِلْبَعْثِ في تَكْذِيبِهِمْ وهو إنْكارُ هَذا الِاسْمِ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إشارَةٌ إلى الحالَةِ المَرْئِيَّةِ لِجَمِيعِهِمْ وهي حالَةُ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ عَلى أنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
وجَمْعُ ”المُرْسَلِينَ“ مَعَ أنَّ المَحْكِيَّ كَلامُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إمّا لِأنَّهُمُ اسْتَحْضَرُوا أنَّ تَكْذِيبَهم مُحَمَّدًا ﷺ كانَ باعِثُهُ إحالَتَهم أنْ يَكُونَ اللَّهُ يُرْسِلُ بَشَرًا رَسُولًا، فَكانَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ أحَدًا يَأْتِي بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ كَما حَكى عَنْهم قَوْلَهُ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَلَمّا تَحَسَّرُوا عَلى خَطَئِهِمْ ذَكَرُوهُ بِما يَشْمَلُهُ ويَشْمَلُ سَبَبَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَوْلِهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، وإمّا لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ عَنْ جَمِيعِ الكُفّارِ المَبْعُوثِينَ مِنَ الأُمَمِ فَعَلِمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ خَطَأها في تَكْذِيبِ رَسُولِها وخَطَأِ غَيْرِها في تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ فَنَطَقُوا جَمِيعًا بِما يُفْصِحُ عَنِ الخَطَأيْنِ، وقَدْ مَضى أنَّ ضَمِيرَ فَإذا هم جَمِيعٌ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى جَمِيعِ النّاسِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ يُجِيبُونَ بِهِ قَوْلَ الكُفّارِ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا فَهَذا جَوابٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ مَن بَعَثَهم مَعَ تَنْدِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا حِينَ أبْلَغَهُمُ الرُّسُلُ
صفحة ٣٩
ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ تَعالى. واسْمُ الرَّحْمَنِ حِينَئِذٍ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ لِزِيادَةِ تَوْبِيخِ الكُفّارِ عَلى تَجاهُلِهِمْ بِهِ في الدُّنْيا.
36:53Page 443
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣
It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] إلى قَوْلِهِ ﴿وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] لِأنَّ النَّفْخَ مُرادِفٌ لِلصَّيْحَةِ في إطْلاقِها المَجازِيِّ، فاقْتِرانُ فِعْلِ ”كانَتْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِتَأْوِيلِ النَّفْخِ مَأْخُوذٌ مِن ونُفِخَ في الصُّورِ بِمَعْنى النَّفْخَةِ يُنْظَرُ إلى الإخْبارِ عَنْهُ بِـ ”صَيْحَةً“، ووَصْفُها بِـ ”واحِدَةً“ لِأنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ هو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، أيْ ما كانَ ذَلِكَ النَّفْخُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً لا يُكَرَّرُ اسْتِدْعاؤُهم لِلْحُضُورِ بَلِ النَّفْخُ الواحِدُ يُخْرِجُهم مِنَ القُبُورِ ويَسِيرُ بِهِمْ ويُحْضِرُهم لِلْحِسابِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَتِلْكَ نَفْخَةٌ سابِقَةٌ تَقَعُ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا فَيَفْنى بِها النّاسُ وسَيَأْتِي ذِكْرُها في سُورَةِ الزُّمَرِ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً في قُوَّةِ التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ ونُفِخَ في الصُّورِ كانَ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ بِمَنزِلَةِ العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] فَكَأنَّهُ مِثْلُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] و﴿إذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾، وإعادَةُ حَرْفِ المُفاجَأةِ إيماءٌ إلى حُصُولِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ المُقْتَرِنَتَيْنِ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ في مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ حَتّى كانَ كِلَيْهِما مُفاجَأً في وقْتٍ واحِدٍ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ آنِفًا.
و”جَمِيعٌ“ نَعْتٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيْ هم جَمِيعُهم، فالتَّنْوِينُ في ”جَمِيعٌ“ عِوَضُ المُضافِ إلَيْهِ الرّابِطِ لِلنَّعْتِ بِالمَنعُوتِ، أيْ مُجْتَمِعُونَ لا يَحْضُرُونَ أفْواجًا وزُرافاتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ٤٠
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ”صَيْحَةً“، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوائِلِ السُّورَةِ.
36:54Page 443
فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤
So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إنْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] حِكايَةً لِكَلامِ الكُفّارِ يَوْمَ البَعْثِ كانَ هَذا كَلامًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ وكانَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ فاءٌ فَصِيحَةٌ وهي الَّتِي تُفْصِحُ وتُنْبِئُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] فَهو خِطابٌ لِلَّذِينِ قالُوا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا، والمَعْنى: فَقَدْ أيْقَنْتُمْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ الرُّسُلَ صَدَقُوا فاليَوْمَ يَوْمُ الجَزاءِ كَما كانَ الرُّسُلُ يُنْذِرُونَكم.
وإنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] مِن كَلامِ المَلائِكَةِ كانَتِ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ وكانَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] إلَخْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ.
و”اليَوْمَ“ ظَرْفٌ وتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، وهو عَهْدُ حُضُورٍ يَعْنِي يَوْمَ الجَزاءِ. وفائِدَةُ ذِكْرِ التَّنْوِيهِ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ العَدْلِ.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا بِالتَّعْرِيضِ بِأنَّهم سَيَلْقَوْنَ جَزاءً قاسِيًا لَكِنَّهُ عادِلٌ لا ظُلْمَ فِيهِ لِأنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يُشْعِرُ بِأنَّ الجَزاءَ مِمّا يُخالُ أنَّهُ مُتَجاوِزٌ مُعادَلَةَ الجَرِيمَةِ، وهو مَعْنى ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا عَلى وِفاقِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وعَلى مِقْدارِهِ. وانْتَصَبَ ”شَيْئًا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ.
ووُقُوعُ ”نَفْسٌ“ و”شَيْئًا“ وهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ انْتِفاءَ كُلِّ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ وانْتِفاءَ كُلِّ شَيْءٍ مِن حَقِيقَةِ الظُّلْمِ، وذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الأنْفُسِ. ولَكِنَّ المَقْصُودَ أنْفُسُ المُعاقَبِينَ، أيْ أنَّ جَزاءَهم عَلى حَسَبِ سَيِّئاتِهِمْ جَزاءٌ عادِلٌ. وإذْ قَدْ كانَ تَقْدِيرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ كانَتْ حَقِيقَةُ العَدْلِ مُحَقَّقَةً في مِقْدارِ جَزائِهِمْ إذْ كُلُّ عَدْلٍ غَيْرُ عَدْلِ اللَّهِ مُعَرَّضٌ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في نَفْسِ
صفحة ٤١
الأمْرِ، ولَكِنَّهُ يَجْرِي عَلى حَسَبِ اجْتِهادِ الحاكِمِينِ، واللَّهُ لَمْ يُكَلِّفِ الحاكِمَ إلّا بِبَذْلِ جُهْدِهِ في إصابَةِ الحَقِّ، ولِهَذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فَأصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences