Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:55–65
36:55–57Page 444
إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥
Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -
هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦
They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.
لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧
For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]
﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ هَذا مِن كَلامِ الَّذِي يُلْقى مِنَ المَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهَذا مِمّا يُقالُ لِمَن حَقُّ عَلَيْهِمُ العَذابُ إعْلامًا لَهم بِنُزُولِ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَراتِبِ أهْلِ الجَنَّةِ إعْلانًا بِالحَقائِقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عالَمُ الحَقائِقِ وإدْخالًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْهِمْ عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ مِن طَلَبِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ.
وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ عُجِّلَ بِهِمْ إلى النَّعِيمِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ إلى النّارِ أهْلُها، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرُ حاضِرِينَ ذَلِكَ المَحْضَرَ.
وتَعْرِيفُ اليَوْمِ لِلْعَهْدِ كَما تَقَدَّمَ. وفائِدَةُ ذِكْرِ الظَّرْفِ وهو ”اليَوْمَ“ التَّنْوِيهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ الفَضْلِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ.
والشَّغْلُ: مَصْدَرُ شَغَلَهُ، إذا ألْهاهُ. يُقالُ: شَغَلَهُ بِكَذا عَنْ كَذا فاشْتَغَلَ بِهِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، جُعِلَ تَلَبُّسُهم بِالشُّغْلِ كَأنَّهم مَظْرُوفُونَ فِيهِ، أيْ أحاطَ بِهِمْ شُغْلٌ عَنْ مُشاهَدَةِ مَوْقِفِ أهْلِ العَذابِ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ مَنظَرِ المُزْعِجاتِ لِأنَّ مُشاهَدَتَها لا تَخْلُو مِنِ انْقِباضِ النُّفُوسِ، ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصُودَ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ ما يَشْغَلُهم إذْ لا غَرَضَ في ذِكْرِهِ، فَقَوْلُهُ (في شُغْلِ) خَبَرُ ”إنَّ“ و”فاكِهُونَ“ خَبَرٌ ثانٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبٌ ”شُغْلٍ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمَّتَيْنِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ.
والفاكِهَهُ: ذُو الفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ، وهي المِزاحُ بِالكَلامِ المُسِرِّ والمُضْحِكِ، وهي اسْمُ مَصْدَرٍ، فَكِهَ بِكَسْرِ الكافِ، إذا مَزَحَ وسُرَّ. وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّهُ لَمْ
صفحة ٤٢
يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي قِلَّةَ اسْتِعْمالِهِ، وأمّا الأفْعالُ غَيْرُ الثُّلاثِيَّةِ مِن هَذِهِ المادَّةِ فَقَدْ جاءَ في المَثَلِ: لا تُفاكِهْ أمَهْ ولا تَبُلْ عَلى أكْمَهْ، وقالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهُونَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ مِثالِ المُبالَغَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ إلى آخِرِها واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ إلَخْ. والمُرادُ بِـ (أزْواجُهم) الأزْواجُ اللّاتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ. ومِنهُنَّ مَن كُنَّ أزْواجًا لَهم في الدُّنْيا إنْ كُنَّ غَيْرَ مَمْنُوعاتٍ مِنَ الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
والظِّلالُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِوَزْنِ فِعالٍ بِكَسْرِ أوَّلِهِ عَلى جَمْعِ ظِلٍّ، أيْ ظِلُّ الجَنّاتِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”ظُلَلٍ“ بِضَمِّ الظّاءِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ ظُلَّةَ وهي ما يَظِلُّ كالقِبابِ.
وجُمِعَ الظِّلالُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأجْلِ مُقابَلَتِهِ بِالجَمْعِ وهم أصْحابُ الجَنَّةِ، فَكُلٌّ مِنهم في ظِلٍّ أوْ في ظُلَّةٍ.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ السَّرِيرِ والحَجَلَةِ، فَإذا كانَ السَّرِيرُ في الحَجَلَةِ سُمِّيَ الجَمِيعُ أرِيكَةً. وهَذا مِنَ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى شَيْءٍ مُرَكَّبٍ مِن شَيْئَيْنِ مِثْلِ المائِدَةِ اسْمٌ لِلْخِوانِ الَّذِي عَلَيْهِ طَعامٌ.
والِاتِّكاءُ: هَيْئَةٌ بَيْنَ الِاضْطِجاعِ والجُلُوسِ وهو اضْطِجاعٌ عَلى جَنْبٍ دُونَ وضْعِ الرَّأْسِ والكَتِفِ عَلى الفِراشِ. وهو افْتِعالٌ مِن وكَأ المَهْمُوزِ، إذا اعْتُمِدَ، أُبْدِلَتْ واوُهُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في: تُجاهٍ وتُراثٍ، وأُخِذَ مِنهُ فِعْلُ اتِّكاءٍ لِأنَّ المُتَّكِئَ يَشُدُّ قَعْدَتَهُ ويُرَسِّخُها بِضَرْبٍ مِنَ الِاضْطِجاعِ. والِاسْمُ مِنهُ التُّكَأةُ بِوَزْنِ هُمَزَةٍ، وهو جُلُوسُ المُتَطَلِّبِ لِلرّاحَةِ والإطالَةِ، وهو جِلْسَةُ أهْلِ الرَّفاهِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ. وكانَ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الأُمَمِ المُتَحَضِّرَةِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كانَ ذَلِكَ عادَةَ سادَةِ الفُرْسِ والرُّومِ ومَن يَتَشَبَّهُ بِهِمْ مِنَ العَرَبِ ولِذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» وذَلِكَ لِأنَّ الِاتِّكاءَ يُعِينُ عَلى امْتِدادِ
صفحة ٤٣
المَعِدَةِ فَتَقْبَلُ زِيادَةَ الطَّعامِ ولِذَلِكَ كانَ الِاتِّكاءُ في الطَّعامِ مَكْرُوهًا لِلْإفْراطِ في الرَّفاهِيَةِ.
وأمّا الِاتِّكاءُ في غَيْرِ حالِ الأكْلِ فَقَدِ اتَّكَأ النَّبِيءُ ﷺ في مَجْلِسِهِ كَما في حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وافِدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أنَّهُ «دَخْلَ المَسْجِدَ فَسَألَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ هو ذَلِكَ الأزْهَرُ المُتَّكِئُ» .
والفاكِهَةُ: ما يُؤْكَلُ لِلتَّلَذُّذِ لا لِلشِّبَعِ كالثِّمارِ والنُّقُولِ، وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها عَزِيزَةُ النَّوالِ لِلنّاسِ في الدُّنْيا، ولِأنَّها اسْتَجْلَبَها ذِكْرُ الِاتِّكاءِ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُتَّكِئِينَ أنْ يَشْتَغِلُوا بِتَناوُلِ الفَواكِهِ.
ثُمَّ عَمَّمَ ما أُعِدَّ لَهم بِقَوْلِهِ ولَهم ما يَدَّعُونَ و”يَدَّعُونَ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَصَرِّفًا مِنَ الدُّعاءِ أوْ مِنَ الِادِّعاءِ، أيْ ما يَدَّعُونَ إلَيْهِ أوْ ما يَدَّعُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهُ لَهم بِإلْهامٍ إلَهِيٍّ. وصِيغَ لَهُ وزْنُ الِافْتِعالِ لِلْمُبالَغَةِ، فَوَزْنُ يَدَّعُونَ يَفْتَعِلُونَ. أصْلُهُ يَدْتَعْيُونَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى العَيْنِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ الضَّمَّ عَلى الياءِ ثَقِيلٌ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَةِ العَيْنِ فَبَقِيَتِ الياءُ ساكِنَةً وبَعْدَها واوُ الجَماعَةِ لِأنَّهُ مُفِيدُ مَعْنى الإسْنادِ إلى الجَمْعِ.
وهَذا الِافْتِعالُ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن ”دَعا“، والِافْتِعالُ هُنا يَجْعَلُ فِعْلَ ”دَعا“ قاصِرًا فَيَنْبَغِي تَعْلِيقُ مَجْرُورٍ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: ما يَدْعُونَ لِأنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
فاشْتَوى لَيْلَةَ رِيحٍ واجْتَمَلْ
اشْتَوى إذا شَوى لِنَفْسِهِ واجْتَمَلَ إذا جَمُلَ لِنَفْسِهِ، أيْ جَمْعَ الجَمِيلَ وهو الشَّحْمُ المُذابُ وهو الإهالَةُ.
وإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ الِادِّعاءِ فَمَعْناهُ: أنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ حَقًّا لَهم، أيْ تَتَحَدَّثُ أنْفُسُهم بِذَلِكَ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى: ويَتَمَنَّوْنَ في أنْفُسِهِمْ دُونَ احْتِياجٍ إلى أنْ يَسْألُوا
صفحة ٤٤
بِالقَوْلِ فَلِذَلِكَ قِيلَ مَعْنى يَدَّعُونَ يَتَمَنَّوْنَ. يُقالُ: ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، أيْ تَمَنَّ عَلَيَّ، وفُلانٌ في خَيْرٍ ما ادَّعى، أيْ في خَيْرٍ ما يَتَمَنّى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافُ قَطْعٍ عَنْ أنَّ يُعْطَفَ عَلى ما قَبْلَهُ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ، وهو الدَّلالَةُ عَلى الكَرامَةِ والعِنايَةِ بِأهْلِ الجَنَّةِ مِن جانِبِ القُدْسِ إذْ يُوَجَّهُ إلَيْهِمْ سَلامُ اللَّهِ بِكَلامٍ يَعْرِفُونَ أنَّهُ قَوْلٌ مِنَ اللَّهِ: إمّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وإمّا بِخَلْقِ أصْواتٍ يُوقِنُونَ بِأنَّها مَجْعُولَةً لِأجْلِ أسْماعِهِمْ كَما سَمِعَ مُوسى كَلامَ اللَّهِ حِينَ ناداهُ مِن جانِبِ الطَّوْرِ مِنَ الشَّجَرَةِ فَبَعْدَ أنْ أخْبَرَ بِما حَباهم بِهِ مِنَ النَّعِيمِ مُشِيرًا إلى أُصُولِ أصْنافِهِ، أخْبَرَ بِأنَّ لَهم ما هو أسْمى وأعْلى وهو التَّكْرِيمُ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ قالَ تَعالى ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
و”سَلامٌ“ مَرْفُوعٌ في جَمْعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ. وهو مُبْتَدَأٌ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ. ورَفْعُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والتَّحْقِيقِ، فَإنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ نِيابَةً عَنِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ قالُوا سَلامًا. فَلَمّا أُرِيدَتِ الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ جِيءَ بِهِ مَرْفُوعًا مِثْلَ قَوْلِهِ (قالَ سَلامٌ) وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
وحَذْفُ خَبَرِ ”سَلامٌ“ لِنِيابَةِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ وهو ”قَوْلًا“ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِنَ اللَّهِ، والَّذِي اقْتَضى حَذْفَ الفِعْلِ ونِيابَةَ المَصْدَرِ عَنْهُ هو اسْتِعْدادُ المَصْدَرِ لِقَبُولِ التَّنْوِينِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ، والَّذِي اقْتَضى أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مَنصُوبًا دُونَ أنْ يُؤْتى بِهِ مَرْفُوعًا هو ما يُشْعِرُ بِهِ النَّصْبَ مِن كَوْنِ المَصْدَرِ جاءَ بَدَلًا عَنِ الفِعْلِ، و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ.
وتَنْوِينُ ”رَبٍّ“ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأجِلِ ذَلِكَ عُدِلَ عَنْ إضافَةِ رَبٍّ إلى ضَمِيرِهِمْ، واخْتِيرَ في التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ لِشِدَّةِ مُناسَبَتِهِ لِلْإكْرامِ والرِّضى عَنْهم بِذِكْرِ أنَّهم عَبَدُوهُ في الدُّنْيا فاعْتَرَفُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ.
36:59Page 444
وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩
[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1
صفحة ٤٥
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى سَلامٌ قَوْلًا، أيْ ويُقالُ: امْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ، عَلى الضِّدِّ مِمّا يُقالُ لِأصْحابِ الجَنَّةِ. والتَّقْدِيرُ: سَلامٌ يُقالُ لِأهْلِ الجَنَّةِ قَوْلًا، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ: امْتازُوا، فَتَكُونُ مِن تَوْزِيعِ الخِطابَيْنِ في مَقامٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] .
وامْتازَ مُطاوِعُ مازَهَ، إذا أفْرَدَهُ عَمّا كانَ مُخْتَلِطًا مَعَهُ، وُجِّهَ الأمْرُ إلَيْهِمْ بِأنْ يَمْتازُوا مُبالَغَةً في الإسْراعِ بِحُصُولِ المَيْزِ لِأنَّ هَذا الأمْرَ أمْرُ تَكْوِينٍ فَعُبِّرَ عَنْ مَعْنى. فَيَكُونُ المَيْزُ بِصَوْغِ الأمْرِ مِن مادَّةِ المُطاوَعَةِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: لِتَنْكَسِرَ الزُّجاجَةُ أشَدُّ في الإسْراعِ بِحُصُولِ الكَسْرِ فِيها مِن أنْ تَقُولَ: اكْسِرُوا الزُّجاجَةَ. والمُرادُ: امْتِيازُهم بِالِابْتِعادِ عَنِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَصِيرُوا إلى النّارِ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى: ادْخُلُوا النّارَ.
وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا في المَحْشَرِ يَنْتَظِرُونَ ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥]، فَلَمّا حُكِيَ ما فِيهِ أصْحابِ الجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ حِينَ يُقالُ لِأصْحابِ النّارِ ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [يس: ٥٤]، حُكِيَ ذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .
وتَكْرِيرُ كَلِمَةِ ”اليَوْمَ“ ثَلاثَ مَرّاتٍ في هَذِهِ الحِكايَةِ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ فِيهِ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يَجْحَدُونَ وُقُوعَ ذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ تَأْكِيدِ ذَكْرِهِ عَلى أسْماعِهِمْ بِقَوْلِهِ فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ﴾ [يس: ٥٥] وقَوْلِهِ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .
ونِداؤُهم بِعُنْوانِ: و”المُجْرِمُونَ“ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةٍ مَيْزِهِمْ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ بِأنَّهم مُجْرِمُونَ، فاللّامُ في ”المُجْرِمُونَ“ مَوْصُولَةٌ، أيْ أيُّها الَّذِينَ أجْرَمُوا.
36:60–62Page 444
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
صفحة ٤٦
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنُ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ إقْبالٌ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ المَحْشَرُ غَيْرَ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ عُجِّلُوا إلى الجَنَّةِ، فَيَشْمَلُ هَذا جَمِيعَ أهْلِ الضَّلالَةِ مِن مُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ، ولَعَلَّهُ شامِلٌ لِأهْلِ الأعْرافِ، وهو إشْهادٌ عَلى المُشْرِكِينَ وتَوْبِيخٌ لَهم.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وخُوطِبُوا بِعُنْوانِ بَنِي آدَمَ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ عَلى عِبادَتِهِمُ الشَّيْطانَ يَقْتَضِي تَذْكِيرَهم بِأنَّهم أبْناءُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّيْطانُ عَدُوًّا لَهُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلَّقٍ وقَبْرٍ بَصِيداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
ولِلْحارِثِ الجَفْنِيِّ سَيِّدِ قَوْمِـهِ ∗∗∗ لَيَلْتَمِسَنْ بِالجَيْشِ دارَ المُحارِبِ
يَعْنِي بِلادَ مَن حارَبَ أُصُولَهُ.
والعَهْدُ: الوِصايَةُ، ووِصايَةُ اللَّهِ آدَمُ بِألّا يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ هي ما تَقَرِّرَ واشْتَهِرَ في الأُمَمِ بِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ في العُصُورِ الماضِيَةِ فَلا يَسَعُ إنْكارُهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ صَحَّ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في حالِهِمُ الشَّبِيهَةِ بِحالِ مَن يَجْحَدُ هَذا العَهْدَ.
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ”أعْهَدْ“ تَوالِي العَيْنِ والهاءِ وهُما حَرْفانِ مُتَقارِبا المَخْرَجِ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ إلّا أنَّ تَوالِيَهُما لَمْ يُحْدِثْ ثِقْلًا في النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ يُنافِي الفَصاحَةَ بِمُوجَبِ تَنافُرِ الحُرُوفِ؛ لِأنَّ انْتِقالَ النُّطْقِ في مَخْرَجِ العَيْنِ مِن وسَطِ الحَلْقِ إلى مَخْرَجِ الهاءِ مِن أقْصى الحَلْقِ خَفَّفَ النُّطْقَ بِهِما، وكَذَلِكَ الِانْتِقالُ مِن سُكُونٍ إلى حَرَكَةٍ زادَ ذَلِكَ خِفَّةً. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ”وسَبِّحْهُ“ المُشْتَمِلُ عَلى حاءٍ - وهي مِن وسَطِ الحَلْقِ - وهاءٍ - وهي مَن أقْصاهُ - إلّا أنَّ الأُولى ساكِنَةٌ والثّانِيَةَ مُتَحَرِّكَةٌ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، ولا يُعَدُّ هَذا مِن تَنافُرِ الحُرُوفِ، ومُثِّلَ لَهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ:
كَرِيمٌ مَتى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرى ∗∗∗ مَعِي وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وحْدِي
صفحة ٤٧
فَإنَّ كَلِمَةَ ”أمْدَحْهُ“ لا تُعَدُّ مُتَنافِرَةَ الحُرُوفِ عَلى أنَّ تَكْرِيرَها أحْدَثَ عَلَيْها ثِقْلًا ما فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
غَدائِرُهُ مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلى
المَجْعُولِ مِثالًا لِلتَّنافُرِ، فَإنَّ تَنافُرَ حُرُوفِهِ انْجَرَّ إلَيْهِ مِن تَعاقُبِ ثَلاثَةِ حُرُوفٍ: السِّينِ والشِّينِ والزّايِ، ولَوْلا الفَصْلُ بَيْنَ السِّينِ والشِّينِ بِالتّاءِ لَكانَ أشَدَّ تَنافُرًا.
ومُوجِباتُ التَّنافُرِ كَثِيرَةٌ ومَرْجِعُها إلى سُرْعَةِ انْتِقالِ اللِّسانِ في مَخارِجِ حُرُوفٍ شَدِيدَةِ التَّقارُبِ أوِ التَّباعُدِ مَعَ عَوارِضَ تَعْرِضُ لَها مِن صِفاتِ الحُرُوفِ مِن: جَهْرٍ وهَمْسٍ، أوْ شِدَّةٍ ورِخْوٍ، أوِ اسْتِعْلاءٍ واسْتِفالٍ، أوِ انْفِتاحٍ وانْطِباقٍ، أوْ إصْماتٍ وانْذِلاقٍ، ومِن حَرَكاتِها وسَكَناتِها، ولَيْسَ لِذَلِكَ ضابِطٌ مُطَّرِدٌ ولَكِنَّهَ مِمّا يُرْجَعُ فِيهِ إلى ذَوْقِ الفُصَحاءِ. وقَدْ حاوَلَ ابْنُ سِنانٍ الخَفاجِيِّ إرْجاعَهُ إلى تَقارُبِ مَخارِجِ الحُرُوفِ فَرَدَّهُ ابْنُ الأثِيرِ عَلَيْهِ بِما لا مُخَلِّصَ مِنهُ.
وإذا اقْتَضى الحالُ مِن حَقِّ البَلاغَةِ إيثارَ كَلِمَةٍ بِالذِّكْرِ إذْ لا يَعْدِلُها غَيْرُها فَعَرَضَ مِن تَصارِيفِها عارِضُ ثِقَلٍ لا يَكُونُ حَقُّ مُقْتَضى الحالِ البَلاغِيِّ مُوجِبًا إيرادَها.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، فَسَرَتْ إجْمالَ العَهْدِ لِأنَّ العَهْدَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَـ (أنْ) الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرِيَّةٌ.
وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: عِبادَةُ ما يَأْمُرُ بِعِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها.
وجُمْلَةُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ وقَدْ أغْنَتْ (أنْ) عَنْ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و”مُبِينٌ“ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ عَدَواتَهُ واضِحَةٌ، ووَجْهُ وُضُوحِها أنَّ المَرْءَ إذا راقَبَ عَواقِبَ الأعْمالِ الَّتِي تُوَسْوِسُها لَهُ نَفْسُهُ واتَّهَمَها وعَرَضَها عَلى وصايا الأنْبِياءِ والحُكَماءِ وجَدَها عَواقِبَ نَحِسَةً، فَوَضَحَ لَهُ أنَّها مِنَ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ وأنَّ الَّذِي وسْوَسَ بِها عَدُوٌّ لَهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ودُودًا لَما أوْقَعَهُ في
صفحة ٤٨
الكَوارِثِ ولا يُظَنُّ بِهِ الإيقاعُ في ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِأنْ تَكْرارَ أمْثالِ تِلْكَ الوَساوِسِ لِلْمَرْءِ ولِأمْثالِهِ مِمَّنْ يَبُوحُ لَهُ بِأحْوالِهِ يَدُلُّ ذَلِكَ التَّكَرُّرُ عَلى أنَّها وساوِسُ مَقْصُودَةٌ لِلْإيقاعِ في المَهالِكِ فَعُلِمَ أنَّ المُشِيرَ بِها عَدُوٌّ ألَدُّ، ولَعَلَّ هَذا المَعْنى هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ.
وجُمْلَةُ وأنِ اعْبُدُونِي عَطْفٌ عَلى أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ بِإعادَةِ ”أنْ“ التَّفْسِيرِيَّةِ فَهُما جُمْلَتانِ مُفَسِّرَتانِ لِعَهْدَيْنِ.
وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ؛ لِأنَّ في الإتْيانِ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ زِيادَةَ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ الدَّهْرِيِّينَ والمُعَطِّلِينَ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولَكِنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فَكانُوا خاسِئِينَ بِالعَهْدِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لِلْعَهْدِ المَفْهُومِ مِن فِعْلِ ”أعْهَدْ“ أوْ لِلْمَذْكُورِ في تَفْسِيرِهِ مِن جُمْلَتَيْ (لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ) (وأنُ عَبَدُونِي)، أيْ: هَذا المَذْكُورُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ كالطَّرِيقِ القَوِيمِ في الإبْلاغِ إلى المَقْصُودِ. والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا عَطْفٌ عَلى إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ فَعَداوَتُهُ واضِحَةٌ بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ فَكانَتْ عِلَّةً لِلنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ ما يَأْمُرُهم بِعِبادَتِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ عَداوَتَهُ واضِحَةٌ وُضُوحَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِأنَّها تَقَرَّرَتْ بَيْنَ النّاسِ وشَهِدَتْ بِها العُصُورُ والأجْيالُ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُضِلُّ النّاسَ إضْلالًا تَواتَرَ أمْرُهُ وتَعَذَّرَ إنْكارُهُ.
والجِبِلُّ: بِكَسْرِ الجِيمِ وكَسْرِ المُوَحِّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ كَما قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الجِيمِ وضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ.
والجِبِلُّ: الجَمْعُ العَظِيمُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْلِ بِسُكُونِ الباءِ بِمَعْنى الخَلْقِ.
صفحة ٤٩
وفُرِّعَ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم بِقِلَّةِ العُقُولِ بِقَوْلِهِ أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ عَنْ عَدَمِ كَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ، أيْ يُدْرِكُونَ، إذْ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ لَتَفَطَّنُوا إلى إيقاعِ الشَّيْطانِ بِهِمْ في مَهاوِي الهَلاكِ.
وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ العَقْلَ لَمْ يَتَكَوَّنْ فِيهِمْ ولا هم كائِنُونَ بِهِ.
36:63–64Page 444
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
إقْبالٌ عَلى خِطابِ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعْبُوداتٍ يُسَوِّلُها لَهُمُ الشَّيْطانُ، إذْ تَبْدُو لَهم جَهَنَّمُ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْها ويُعَرَّفُونَ أنَّها هي جَهَنَّمُ الَّتِي كانُوا في الدُّنْيا يُنْذَرُونَ بِها وتَذْكُرُ لَهم في الوَعِيدِ مُدَّةَ الحَياةِ. والأمْرُ بِقَوْلِهِ اصْلَوْها مُسْتَعْمَلٌ في الإهانَةِ والتَّنْكِيرِ.
و”اصْلَوْها“ أمْرٌ مِن صَلِيَ يَصْلى، إذا اسْتَدْفَأ بِحَرِّ النّارِ، وإطْلاقُ الصَّلْيِ عَلى الإحْراقِ تَهَكُّمٌ.
والتَّعْرِيفُ في ”اليَوْمَ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ هَذا اليَوْمَ الحاضِرَ، وأُرِيدَ بِهِ جَوابَ ما كانُوا يَقُولُونَ في الحَياةِ الدُّنْيا مِنِ اسْتِبْطاءِ الوَعْدِ والتَّكْذِيبِ إذْ يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والباءُ في بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم في الدُّنْيا.
36:65Page 444
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.
﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وقَوْلُهُ اليَوْمَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَخْتِمُ“ .
والقَوْلُ في لَفْظِ اليَوْمَ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو تَنْوِيهٌ بِذِكْرِهِ بِحُصُولِ هَذا الحالِ العَجِيبِ فِيهِ، وهو انْتِقالُ النُّطْقِ مِن مَوْضِعِهِ المُعْتادِ إلى الأيْدِي والأرْجُلِ.
صفحة ٥٠
وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في (أفْواهِهِمْ، وأيْدِيهِمْ، وأرْجُلِهِمْ، ويَكْسِبُونَ) عائِدَةٌ عَلى الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٣] عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. وأصْلُ النَّظْمِ: اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِكم وتُكَلِّمُنا أيْدِيكم وتَشْهَدُ أرْجُلُكم بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ. ومُواجَهَتُهم بِهَذا الإعْلامِ تَأْيِيسٌ لَهم بِأنَّهم لا يَسَعُهم إنْكارُ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِن صَحائِفِ أعْمالِهِمْ كَما قالَ تَعالى اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا.
وقَدْ طُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ ما ورَدَ تَفْصِيلُهُ في آيٍ أُخَرَ فَقَدْ قالَ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فَتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقالَ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لِغافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩] .
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يُخاطِبُ العَبْدُ رَبَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ ؟ فَيَقُولُ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلى نَفْسِي إلّا شاهِدًا مِنِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ. فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ»، وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُ الدّاعِي إلى خِطابِهِمْ بِهَذا الكَلامِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ هُنا فاقْتَصَرَ عَلى المَقْصُودِ.
وقَدْ يُخَيَّلُ تَعارُضٌ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، ولا تَعارُضَ لِأنَّ آيَةَ يس في أحْوالِ المُشْرِكِينَ وآيَةَ سُورَةِ النُّورِ في أحْوالِ المُنافِقِينَ.
والمُرادُ بِتَكَلُّمِ الأيْدِي تَكَلُّمُها بِالشَّهادَةِ، والمُرادُ بِشَهادَةِ الأرْجُلِ نُطْقُها بِالشَّهادَةِ، فَفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ احْتِباكٌ. والتَّقْدِيرُ: وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ فَتَشْهَدُ وتُكَلِّمُنا أرْجُلُهم فَتَشْهَدُ.
ويَتَعَلَّقُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بِكُلٍّ مِن فِعْلَيْ ”تُكَلِّمُنا وتَشْهَدُ“ عَلى وجْهِ التَّنازُعِ. وما يَكْسِبُونَهُ: هو الشِّرْكُ وفُرُوعُهُ، وتَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ وما ألْحَقُوا بِهِ مِنَ الأذى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences