Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:27–39
37:27–32Page 447
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧
And they will approach one another asking [i.e., blaming] each other.
قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨
They will say, "Indeed, you used to come at us from the right."1
قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩
They [i.e., the oppressors] will say, "Rather, you [yourselves] were not believers,
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠
And we had over you no authority, but you were a transgressing people.
فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١
So the word [i.e., decree] of our Lord has come into effect upon us; indeed, we will taste [punishment].
فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢
And we led you to deviation; indeed, we were deviators."
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”مُسْتَسْلِمُونَ“ أيِ اسْتَسْلَمُوا وعادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِاللّائِمَةِ، والمُتَسائِلُونَ: المُتَقاوِلُونَ وهم زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ ودَهْماؤُهم كَما تُبَيِّنُهُ حِكايَةُ تَحاوُرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ وقَوْلِهِ ”فَأغْوَيْناكم“ إلَخْ.
صفحة ١٠٤
وعَبَّرَ عَنْ إقْبالِهِمْ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو مِمّا سَيَقَعُ في القِيامَةِ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ في تَحْذِيرِ زُعَمائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وتَحْذِيرِ دَهْمائِهِمْ مِنَ الِاعْتِزازِ بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]“ الآيَةَ.
والإقْبالُ: المَجِيءُ مِن جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أيْ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مَجِيءُ المُتَجاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ المُتَخَتِّلِ الخائِفِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقَصْدِ بِالكَلامِ والِاهْتِمامِ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهُ مِن مَكانٍ آخَرَ.
فَحاصِلُ المَعْنى حِكايَةُ عِتابٍ ولَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلى قادَتِهِمْ وزُعَمائِهِمْ، ودَلالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ أُطْلِقُ عَلى الدَّعايَةِ والخَطابَةِ فِيهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ يَتَضَمَّنُ القَصْدَ دُونَ إرادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أتاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ واسْتِعْمالُ مُرادِفِهِ وهو المَجِيءُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] الآيَةُ في سُورَةِ الحِجْرِ.
أوْ أنْ يَكُونَ اليَمِينُ مُرادًا بِهِ جِهَةَ الخَيْرِ لِأنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الخَيْرَ إلى جِهَةِ اليَمِينِ. وقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهم. وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ عَقائِدُهم في زَجْرِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسّانِحِ، وهو الوارِدُ مِن جِهَةِ يَمِينِ السّائِرِ، والتَّشاؤُمِ، أيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِن جِهَةِ الشِّمالِ.
وكانَ حَقُّ فِعْلِ ”تَأْتُونَنا“ أنْ يُعَدّى إلى جِهَةِ اليَمِينِ بِحَرْفِ (مِن)، فَلَمّا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنِ) الَّذِي هو لِلْمُجازَةِ تَعَيَّنَ تَضْمِينُ ”تَأْتُونَنا“ مَعْنى ”تَصُدُّونَنا“ لِيُلائِمَ مَعْنى المُجاوَزَةِ، أيْ تَأْتُونَنا صادِّينَنا عَنِ اليَمِينِ، أيْ عَنِ الخَيْرِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ في تَفْسِيرِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما خُلاصَتُهُ: اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ ”عَنِ اليَمِينِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي هي تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وبَعْضُهم أيْضًا نَحا في تَفْسِيرِهِ إلى ما يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مِنها: أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ القُوَّةَ والشِّدَّةَ ( قُلْتُ: وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ
صفحة ١٠٥
فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْرُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكم، ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكم وتُظْهِرُونَ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُّشْدِ، وهو عَنِ الزَّجّاجِ والجُبّائِيِّ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ تَقْطَعُونَ بِنا عَنْ أخْبارِ الخَيْرِ واليُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْها بِاليَمِينِ، ومِنَ المَعانِي أنْ يُرِيدُوا: أنَّكم تَجِيئُونَ مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ وعَدَمِ النَّظَرِ لِأنَّ جِهَةَ يَمِينِ الإنْسانِ فِيها كَبِدُهُ، وجِهَةَ شَمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وأنَّ نَظَرَ الإنْسانِ في قَلْبِهِ، وقِيلَ: تَحْلِفُونَ لَنا. اهـ.
وجَوابُ الزُّعَماءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضْرابُ إبْطالٍ لِزَعْمِ الأتْباعِ أنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، أيْ بَلْ هم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الإيمانَ لِأنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ الكَوْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ، أيْ بَلْ كُنْتُمْ أنْتُمُ الآبِينَ قَبُولَ الإيمانِ. ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُكْرِهَكم عَلى رَفْضِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، أيْ كانَ الطُّغْيانُ، وهو التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنكم، شَأْنَكم وسَجِيَّتَكم، فَلِذَلِكَ أقْحَمُوا لَفْظَ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كانَ“ وخَبَرِها لِأنَّ اسْتِحْضارَهم بِعُنْوانِ القَوْمِيَّةِ في الطُّغْيانِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الطُّغْيانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَرَّعُوا عَلى كَلامِهِمُ اعْتِرافَهَمْ بِأنَّهم جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ، فَقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، تَفْرِيعُ الِاعْتِراضِ، أيْ كانَ أمْرُ رَبِّنا بِإذاقَتِنا عَذابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وفِعْلُ (حَقَّ) بِمَعْنى ثَبَتَ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾“ بَيانٌ لِ ”﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾“ .
وحُكِيَ القَوْلُ بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَوْلا الِالتِفاتُ لَقالَ: ”إنَّكم لَذائِقُونَ“ أوْ إنَّهم ”لَذائِقُونَ“ .
ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّنْصِيصِ عَلى المَعْنِيِّ بِذَوْقِ العَذابِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ذائِقُونَ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفَرَّعُوا عَلى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلى ﴿قَوْمًا طاغِينَ﴾ قَوْلَهم فَأغْوَيْناكم، أيْ ما أكْرَهْناكم عَلى الشِّرْكِ ولَكِنّا وجَدْناكم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وراغِبِينَ فِيهِ فَأغْوَيْناكم، أيْ فَأيَّدْناكم في غَوايَتِكم إنّا كُنّا غاوِينَ، فَسَوَّلْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ”﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾“ مَوْقِعُ العِلَّةِ.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ غَناءَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ كَما ذَكَرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وزِيادَةُ ”كُنّا“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الغَوايَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وقَدِ اسْتَبانَ لَهم أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ غَوايَةٌ فَأقَرُّوا بِها، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] أنَّ تَساؤُلَهُمُ المَنفِيَّ هُنالِكَ هو طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ النَّجْدَةَ والنُّصْرَةَ، وأنَّ تَساؤُلَهم هُنا تَساؤُلٌ عَنْ أسْبابِ ورْطَتِهِمْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
37:33–34Page 447
فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣
So indeed they, that Day, will be sharing in the punishment.
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤
Indeed, that is how We deal with the criminals.
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ هَذا الكَلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ حِكايَةِ حِوارِ اللَّهِ أهْلَ الشِّرْكِ في القِيامَةِ وبَيْنَ تَوْبِيخِ اللَّهِ إيّاهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم لَذائِقُواْ العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] .
والفاءُ لِلْفَصِيحَةِ لِأنَّها ورَدَتْ بَعْدَ تَقْرِيرِ أحْوالٍ، وكانَ ما بَعْدَ الفاءِ نَتِيجَةً لِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكانَتِ الفاءُ مُفْصِحَةً عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا كانَ حالُهم كَما سَمِعْتُمْ فَإنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ لِاشْتِراكِهِمْ في الشِّرْكِ وتَمالُئِهِمْ، أيْ لا عُذْرَ لِلْكَلامِ لِلْفَرِيقَيْنِ لا لِلزُّعَماءِ بِتَسْوِيلِهِمْ ولا لِلدَّهْماءِ بِنَصْرِهِمْ. وقَدْ يَكُونُ عَذابُ الدُّعاةِ المُغْوِينَ أشَدَّ مِن عَذابِ الآخَرِينَ، وذَلِكَ لا يُنافِي الإشْراكَ في جِنْسِ العَذابِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أُخْرى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا بَيانُ عَدَمِ إجْداءِ مَعْذِرَةِ كِلا الفَرِيقَيْنِ وتَنَصُّلِهِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ حِكايَةِ مَوْقِفِهِمْ في الحِسابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿فَإنَّهم يَوْمئِذٍ في
صفحة ١٠٧
العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ فَإنَّ جَزاءَ المُجْرِمِينَ يَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ في مُؤاخَذَةِ التّابِعِ المَتْبُوعِ.
والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ، أيِ المُجْرِمِينَ مِثْلَ جُرْمِهِمْ، وقَدْ بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
37:35–36Page 447
إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥
Indeed they, when it was said to them, "There is no deity but Allāh," were arrogant
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦
And were saying, "Are we to leave our gods for a mad poet?"
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أفادَ تَعْلِيلَ جَزائِهِمْ وبَيانَ إجْرامِهِمْ بِذِكْرِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، ومِن وصْفِ الرَّسُولِ ﷺ بِما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ وصْفًا يَرْمُونَ بِهِ إلى تَكْذِيبِهِ فِيما جاءَ بِهِ. فَحَرْفُ (إنَّ) هُنا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ كَوْنَهم كَذَلِكَ مِمّا لا مُنازِعَ فِيهِ، وإنَّما هو لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَلِذَلِكَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ وتُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ.
وذُكِرَ فِعَلُ الكَوْنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ وصْفٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، فَهو غَيْرُ مُنْقَطِعٍ ولا هم حائِدُونَ عَنْهُ.
ومَعْنى ﴿قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أنَّهُ يُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الدَّعْوَةِ والتَّعْلِيمِ.
وفاعِلُ القَوْلِ المَبْنِيُّ فِعْلُهُ لِلنّائِبِ هو النَّبِيُّ ﷺ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.
والِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ الكِبْرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ يَتَعاظَمُونَ عَنْ أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِن رَجُلٍ مِثْلِهِمْ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ السِّينَ والتّاءَ لِلطَّلَبِ، أيْ إظْهارِ التَّكَبُّرِ، أيْ يَبْدُو عَلَيْهِمُ التَّكَبُّرُ والِاشْمِئْزازُ مِن هَذا القَوْلِ.
ويُقارِنُ اسْتِكْبارَهم أنْ يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَتْرُكُ آلِهَتَنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ، وأتَوْا بِالنَّفْيِ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إظْهارًا لِكَوْنِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أمْرًا مُنْكَرًا لا يَطْمَعُ في قَبُولِهِمْ إيّاهُ، تَحْذِيرًا لِمَن يَسْمَعُ مَقالَتَهم مِن أنْ يَجُولَ في خاطِرِهِ تَأمُّلٌ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ . وقَوَّوْا هَذا التَّحْذِيرَ بِجَعْلِ حَرْفِ الإنْكارِ مُسَلَّطًا عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم إذا أتَوْا ما أنْكَرُوهُ كانُوا قَدْ تَحَقَّقَ تَرْكُهم آلِهَتَهِمْ تَنْزِيلًا لِبَعْضِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّ
صفحة ١٠٨
الإيمانَ بِتَوْحِيدِ الإلَهِ يُفْضِي إلى تَرْكِ آلِهَتِهِمْ لِيَسُدُّوا عَلى المُخاطَبِينَ مَنافِذَ التَّرَدُّدِ أنْ يَتَطَرَّقَ مِنها إلى خَواطِرِهِمْ.
واللّامُ في ”لِشاعِرٍ“ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ، أيْ لِأجْلِ شاعِرٍ، أيْ لِأجْلِ دَعْوَتِهِ.
وقَوْلُهم ”﴿شاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾“ قَوْلٌ مُوَزَّعٌ، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم: هو شاعِرٌ، وبَعْضُهم: هو مَجْنُونٌ، أوْ يَقُولُونَ مَرَّةً: شاعِرٌ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] .
37:37Page 447
بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧
Rather, he [i.e., the Prophet (ﷺ)] has come with the truth and confirmed the [previous] messengers.
﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الِاعْتِراضِ قُصِدَتْ مِنهُ المُبادَرَةُ بِتَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَمّا قالُوهُ.
و(بَلْ) إضْرابُ إبْطالٍ لِقَوْلِهِمْ ”﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦]“ وبِإثْباتِ صِفَتِهِ الحَقِّ لِبَيانِ حَقِيقَةِ ما جاءَ بِهِ. وفي وصْفِ ما جاءَ بِهِ أنَهُ الحَقُّ ما يَكْفِي لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ شاعِرًا ومَجْنُونًا، فَإنَّ المُشْرِكِينَ ما أرادُوا بِوَصْفِهِ بِشاعِرٍ أوْ مَجْنُونٍ إلّا التَّنْفِيرَ مِنَ اتِّباعِهِ فَمَثَّلُوهُ بِالشّاعِرِ مِن قَبِيلَةٍ يَهْجُو أعْداءَ قَبِيلَتِهِ، أوْ بِالمَجْنُونِ يَقُولُ ما لا يَقُولُهُ عُقَلاءُ قَوْمِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ﴾ مُثْبِتًا لِكَوْنِ الرَّسُولِ عَلى غَيْرِ ما وصَفُوهُ إثْباتًا بِالبَيِّنَةِ.
وأتْبَعَ ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهُ ما جاءَ إلّا بِمِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ، فَكانَ الإنْصافُ أنْ يُلْحِقُوهُ بِالفَرِيقِ الَّذِي شابَهَهم دُونَ فَرِيقِ الشُّعَراءِ أوِ المَجانِينِ.
وتَصْدِيقُ المُرْسَلِينَ يَجْمَعُ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ إجْمالًا وتَفْصِيلًا؛ لِأنَّ ما جاءَ بِهِ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرائِعُ السّالِفَةُ، فَهو تَصْدِيقٌ لَهُ ومُصادَقَةٌ عَلَيْهِ، أوْ أنْ يَكُونَ نَسْخًا لِما جاءَتْ بِهِ بَعْضُ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ، والإنْباءُ بِنَسْخِهِ وانْتِهاءِ العَمَلِ بِهِ تَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِهِ في حِينِ مَجِيئِهِمْ بِهِ، فَكُلُّ هَذا مِمّا شَمِلَهُ مَعْنى التَّصْدِيقِ، وأوَّلُ ذَلِكَ هو إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى. فالمَعْنى: أنَّ ما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ قَدْ دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ، وهَذا احْتِجاجٌ بِالنَّقْلِ عَقِبَ الِاحْتِجاجِ بِأدِلَّةِ النَّظَرِ.
37:38–39Page 447
إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨
Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,
وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩
And you will not be recompensed except for what you used to do -
صفحة ١٠٩
﴿إنَّكم لَذائِقُواْ العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ المُوَجَّهِ إلى المُشْرِكِينَ عَقِبَ تَساؤُلِهِمْ وتَحاوُرِهِمْ فَيَكُونُ ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ مُحاوَرَتِهِمُ المُنْتَهِيَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] اعْتِراضًا، أيْ فَلَمّا انْتَهَوْا مِن تَحاوُرِهِمْ خُوطِبُوا بِما يَقْطَعُ طَمَعَهم في قَبُولِ تَنَصُّلِ كِلا الفَرِيقَيْنِ مِن تَبِعاتِ الفَرِيقِ الآخَرِ لِيَزْدادُوا تَحَقُّقًا مِنَ العَذابِ الَّذِي عَلِمُوهُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ لَذائِقُوا العَذابِ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ، أيْ حالِ التَّلَبُّسِ، فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهم هَذا كانُوا مُشْرِفِينَ عَلى الوُقُوعِ في العَذابِ وذَلِكَ زَمَنُ حالٍ في العُرْفِ العَرَبِيِّ.
ولَمّا وصَفَ عَذابَهم بِأنَّهُ ألِيمٌ عَطَفَ عَلَيْهِ إخْبارَهم بِأنَّ ذَلِكَ المِقْدارَ لا حَيْفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لِأنَّهُ عَلى وِفاقِ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا مِن آثارِ الشِّرْكِ، والحَظُّ الأكْبَرُ مِن ذَلِكَ الجَزاءِ هو حَظُّ الشِّرْكِ ولَكِنْ كُنِّيَ عَنِ الشِّرْكِ بِأعْمالِهِ، وأمّا هو فَهو أمْرٌ اعْتِقادِيٌّ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُجازُونَ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ كَتَمْجِيدِ آلِهَتِهِمْ والدُّعاءِ لَها، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وأذاهُ وأذى المُؤْمِنِينَ، وقَوْلِهِمْ في أصْنامِهِمْ أنَّهم شُفَعاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وفي المَلائِكَةِ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، ومِن قَتْلِ الأنْفُسِ والغارَةِ عَلى الأمْوالِ ووَأْدِ البَناتِ والزِّنى، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا، وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences