Ibn 'AshurSad · 38:24–27

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Sad 38:24–27

38:24–25Page 454

قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤

[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].

فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥

So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ أيْ عَلِمَ داوُدُ بَعْدَ انْتِهاءِ الخُصُومَةِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَها لَهُ فِتْنَةً لِيُشْعِرَهُ بِحالِ فَعْلَتِهِ مَعَ (أُورَيا)، وقَدْ أشْعَرَهُ بِذَلِكَ ما دَلَّهُ عَلَيْهِ انْصِرافُ الخَصْمَيْنِ بِصُورَةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، فَعَلِمَ أنَّهُما مَلَكانِ وأنَّ الخُصُومَةَ صُورِيَّةٌ فَعَلِمَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَهُما إلَيْهِ عَتْبًا لَهُ عَلى مُتابَعَةِ نَفْسِهِ زَوْجَةَ (أُورَيا) وطَلَبِهِ التَّنازُلَ عَنْها.

وعَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ ذَلِكَ بِالظَّنِّ لِأنَّهُ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ اكْتَسَبَهُ بِالتَّوَسُّمِ في حالِ الحادِثَةِ، وكَثِيرًا ما يُعَبَّرُ عَنِ العِلْمِ النَّظَرِيِّ بِالظَّنِّ لِمُشابَهَتِهِ الظَّنَّ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَخْلُو مِن تَرَدُّدٍ في أوَّلِ النَّظَرِ.

و(أنَّما) مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ أُخْتُ (إنَّما) تُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ ظَنَّ أنَّ الخُصُومَةَ لَيْسَتْ إلّا فِتْنَةً لَهُ، أوْ ظَنَّ أنَّ ما صَدَرَ مِنهُ في تَزَوُّجِ امْرَأةِ أُورَيا لَيْسَ إلّا فِتْنَةً.

ومَعْنى ”فَتَنّاهُ“ قَدَّرْنا لَهُ فِتْنَةً، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفِتْنَةُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ في تَدْبِيرِ الحِيلَةِ لِقَتْلِ أُورَيا فَعَبَّرَ عَنْها بِالفِتْنَةِ لِأنَّها أوْرَثَتْ داوُدَ مُخالَفَةً لِلْألْيَقِ بِهِ مِن صَرْفِ نَفْسِهِ عَنْ شَيْءِ غَيْرِهِ، وعَدَمِ مُتابَعَتِهِ مَيْلَهُ النَّفْسانِيَّ وإنْ كانَ في دائِرَةِ المُباحِ في دِينِهِمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: وعَلِمَ أنَّ ما صَدَرَ مِنهُ فِتْنَةٌ مِنَ النَّفْسِ.

وإنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أحَسَّ مِن نَفْسِهِ كَراهِيَةَ مِثْلِها مِمّا صَوَّرَهُ لَهُ الخَصْمانِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَتْنُ بِمَعْنى الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى ﴿وفَتَنّاكَ

صفحة ٢٤٠

فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، أيْ ظَنَّ أنّا اخْتَبَرْنا زَكانَتَهُ بِإرْسالِ المَلَكَيْنِ، يُصَوِّرُ أنَّ لَهُ صُورَةً شَبِيهَةً بِفِعْلِهِ فَفَطِنَ أنَّ ما فَعَلَهُ أمْرٌ غَيْرُ لائِقٍ بِهِ.

وتَفْرِيعُ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ ظاهِرٌ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ، أيْ لَمّا عَلِمَ ذَلِكَ طَلَبَ الغُفْرانَ مِن رَبِّهِ لِما صَنَعَ.

وخَرَّ خُرُورًا: سَقَطَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في سُورَةِ النَّحْلِ.

والرُّكُوعُ: الِانْحِناءُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ دُونَ وُصُولٍ إلى الأرْضِ، قالَ تَعالى ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، فَذَكَرَ شَيْئَيْنِ. قالُوا: لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ سُجُودٌ عَلى الأرْضِ وكانَ لَهُمُ الرُّكُوعُ، وعَلَيْهِ فَتَقْيِيدُ فِعْلِ (خَرَّ) بِحالِ ”راكِعًا“ تَمَجُّزٌ في فِعْلِ (خَرَّ) بِعَلاقَةِ المُشابِهَةِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِانْحِناءِ حَتّى قارَبَ الخُرُورَ. ومَن قالَ: كانَ لَهُمُ السُّجُودُ جَعَلَ إطْلاقَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ في أنَّ الرُّكُوعَ هاهُنا السُّجُودُ، قُلْتُ: الخِلافُ مَوْجُودٌ.

والمَعْرُوفُ أنَّهُ لَيْسَ لِبَنِي إسْرائِيلَ سُجُودٌ بِالجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ عِبادَةَ الأنْبِياءِ كَشَأْنِ كَثِيرٍ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ كانَتْ خاصَّةً بِالأنْبِياءِ مِن قَبْلُ كَما تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] في سُورَةِ يُوسُفَ.

وكانَ رُكُوعُ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَضَرُّعًا لِلَّهِ تَعالى لِيَقْبَلَ اسْتِغْفارَهُ.

والإنابَةُ: التَّوْبَةُ: يُقالُ: أنابَ، ويُقالُ: نابَ. وتَقَدَّمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ. وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] في سُورَةِ الرُّومِ.

وهُنا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ مِنَ العَزائِمِ عِنْدَ مالِكٍ لِثُبُوتِ سُجُودِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَها. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ ”«سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ السَّجْدَةِ في ص فَقالَ: أوَما تَقْرَأُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكانَ داوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيئُكم أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَها داوُدُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ» “، وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ

صفحة ٢٤١

”«لَيْسَ ص مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها، وفِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ وهو عَلى المِنبَرِ ص فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النّاسُ لِلسُّجُودِ (أيْ تَهَيَّأُوا وتَحَرَّكُوا لِأجْلِهِ) فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّما هي تَوْبَةُ نَبِيءٍ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَشَزَّنْتُمْ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدُوا» “، وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ فِيها مِثْلَ قَوْلِ مالِكٍ، ولَمْ يَرَ الشّافِعِيُّ سُجُودًا في هَذِهِ الآيَةِ إمّا لِأجْلِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: ”«إنَّما هي تَوْبَةُ نَبِيءٍ» “ فَرَجَعَ أمْرُها إلى أنَّها شَرْعُ مَن قَبْلَنا، والشّافِعِيُّ لا يَرى شَرْعَ مَن قَبْلَنا دَلِيلًا.

ووَجْهُ السُّجُودِ فِيها عِنْدَ مَن رَآهُ أنَّ رُكُوعَ داوُدَ هو سُجُودُ شَرِيعَتِهِمْ، فَلَمّا اقْتَدى بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أتى في اقْتِدائِهِ بِما يُساوِي الرُّكُوعَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ وهو السُّجُودُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الرُّكُوعُ يَقُومُ مَقامَ سُجُودِ التِّلاوَةِ أخْذًا مِن هَذِهِ الآيَةِ.

واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ خُصُومَةُ الخَصْمَيْنِ مِن تَمْثِيلِ ما فَعَلَهُ داوُدُ بِصُورَةِ قَضِيَّةِ الخَصْمَيْنِ، وهَذا مِن لَطائِفِ القُرْآنِ إذْ طَوى القِصَّةَ الَّتِي تَمَثَّلَ لَهُ فِيها الخَصْمانِ ثُمَّ أشارَ إلى المَطْوِيِّ بِاسْمِ الإشارَةِ، وأتْبَعَ اللَّهُ الخَبَرَ عَنِ الغُفْرانِ لَهُ بِما هو أرْفَعُ دَرَجَةً وهو أنَّهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ المَرْضِيِّ عَنْهم وأنَّهُ لَمْ يُوقَفْ بِهِ عِنْدَ الغُفْرانِ لا غَيْرَ.

والزُّلْفى: القُرْبى، وهو مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِإزالَةِ تَوَهُّمِ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِ إذْ فَتَنَهُ تَنْزِيلًا لِمَقامِ الِاسْتِغْرابِ مَنزِلَةَ مَقامِ الإنْكارِ.

والمَآبُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الأوْبِ، وهو الرُّجُوعُ. والمُرادُ بِهِ: الرُّجُوعُ إلى الآخِرَةِ. وسُمِّيَ رُجُوعًا لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ، أيْ إلى حِكْمَةِ البَحْتِ ظاهِرًا وباطِنًا، قالَ تَعالى ﴿إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦] .

وحُسْنُ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ، وهو أنْ يَرْجِعَ رُجُوعًا حَسَنًا عِنْدَ نَفْسِهِ وفي

صفحة ٢٤٢

مَرْأى النّاسِ، أيْ لَهُ حُسْنُ رُجُوعٍ عِنْدِنا وهو كَرامَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الجَزاءِ، أيِ الجَنَّةُ يَئُوبُ إلَيْها.

38:26Page 454

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦

[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.

﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] أيْ صَفَحْنا عَنْهُ وذَكَّرْناهُ بِنِعْمَةِ المُلْكِ ووَعَظْناهُ، فَجَمَعَ لَهُ بِهَذا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وإرْشادًا لِلْواجِبِ.

وافْتِتاحُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِاسْتِرْعاءِ وعْيِهِ واهْتِمامِهِ بِما سَيُقالُ لَهُ.

والخَلِيفَةُ: الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ في عَمَلٍ، أيْ يَقُومُ مَقامَهُ فِيهِ، فَإنْ كانَ مَعَ وُجُودِ المَخْلُوفِ عَنْهُ قِيلَ: هو خَلِيفَةُ فُلانٍ، وإنْ كانَ بَعْدَما مَضى المَخْلُوفُ قِيلَ: هو خَلِيفَةٌ مِن فُلانٍ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ .

فالمَعْنى: أنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ في إنْفاذِ شَرائِعِهِ لِلْأُمَّةِ المَجْعُولِ لَها خَلِيفَةً مِمّا يُوحِي بِهِ إلَيْهِ ومِمّا سَبَقَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أُوحِيَ إلَيْهِ العَمَلُ بِها. وخَلِيفَةٌ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ الأوَّلِينَ المَدْعُوِّينَ بِالقُضاةِ، أوْ خَلِيفَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ في المُلْكِ وهو شاوَلُ.

والأرْضُ: أرْضُ مَمْلَكَتِهِ المَعْهُودَةِ، أيْ جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في أرْضِ إسْرائِيلَ.

ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الأرْضَ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ الأرْضِ فَإنَّ داوُدَ كانَ في زَمَنِهِ أعْظَمَ مُلُوكِ الأرْضِ فَهو مُتَصَرِّفٌ في مَمْلَكَتِهِ، ويَخافُ بَأْسَهُ مُلُوكُ الأرْضِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في الأرْضِ إذْ لا يَنْفَلِتُ شَيْءٌ مِن قَبْضَتِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الخِلافَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤] وقَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] .

وهَذا المَعْنى خِلافُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّ الأرْضَ هُنالِكَ هي هَذِهِ الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُقالُ خَلِيفَةُ اللَّهِ إلّا لِرَسُولِهِ ﷺ - وأمّا الخُلَفاءُ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ،

صفحة ٢٤٣

ألا تَرى أنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - حَرَّرُوا هَذا المَعْنى فَقالُوا لِأبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وبِهَذا كانَ يُدْعى بِذَلِكَ مُدَّةَ حَياتِهِ، فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ قالُوا: يا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَطالَ ورَأوْا أنَّهُ سَيَطُولُ أكْثَرَ في المُسْتَقْبَلِ إذا ولِيَ خَلِيفَةٌ بَعْدَ عُمَرَ فَدَعَوْا عُمَرَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وقَصُرَ هَذا عَلى الخُلَفاءِ، وما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن دُعاءِ أحَدِ الخُلَفاءِ خَلِيفَةَ اللَّهِ فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ، كَما قالَ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ:

خَلِيفَةُ اللَّهِ في بَرِيَّتِهِ جَفَّتْ بِذاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ

وفُرِّعَ عَلى جَعْلِهِ خَلِيفَةً أمْرُهُ بِأنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ واجِبُهُ وأنَّهُ أحَقُّ النّاسِ بِالحُكْمِ بِالعَدْلِ، ذَلِكَ لِأنَّهُ هو المَرْجِعُ لِلْمَظْلُومِينَ والَّذِي تُرْفَعُ إلَيْهِ مَظالِمُ الظَّلَمَةِ مِنَ الوُلاةِ، فَإذا كانَ عادِلًا خَشِيَهُ الوُلاةُ والأُمَراءُ لِأنَّهُ ألِفَ العَدْلَ وكَرِهَ الظُّلْمَ، فَلا يُقِرُّ ما يَجْرِي مِنهُ في رَعِيَّتِهِ كُلَّما بَلَغَهُ فَيَكُونُ النّاسُ في حَذَرٍ مِن أنْ يَصْدُرَ عَنْهم ما عَسى أنْ يُرْفَعَ إلى الخَلِيفَةِ فَيَقْتَصَّ مِنَ الظّالِمِ، وأمّا إنْ كانَ الخَلِيفَةُ يَظْلِمُ في حُكْمِهِ فَإنَّهُ يَأْلَفُ الظُّلْمَ فَلا يُغْضِبُهُ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ مَظْلَمَةُ شَخْصٍ ولا يَحْرِصُ عَلى إنْصافِ المَظْلُومِ.

وفِي الكَشّافِ: أنَّ بَعْضَ خُلَفاءِ بَنِي أُمَيَّةَ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أوْ لِلزُّهْرِيِّ: هَلْ سَمِعْتَ ما بَلَغَنا ؟ قالَ: وما هو ؟ قالَ: بَلَغَنا أنَّ الخَلِيفَةَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ ولا تُكْتَبُ لَهُ مَعْصِيَةٌ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الخُلَفاءُ أفْضَلُ أمِ الأنْبِياءُ ؟ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

والمُرادُ بِ ”النّاسِ“ ناسُ مَمْلَكَتِهِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أوْ هو لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ.

والحَقُّ: هو ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ الشَّرْعِيُّ مِن مُعامَلَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وتَصَرُّفاتِهِمْ في خاصَّتِهِمْ وعامَّتِهِمْ، ويَتَعَيَّنُ الحَقُّ بِتَعْيِينِ الشَّرِيعَةِ.

والباءُ في ”بِالحَقِّ“ باءُ المَجازِيَّةِ، جُعِلَ الحَقُّ كالآلَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها العامِلُ في قَوْلِكَ: قَطَعَهُ بِالسِّكِّينِ، وضَرَبَهُ بِالعَصا.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى التَّفْرِيعِ، ولَعَلَّهُ المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ. وإنَّما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أمْرُهُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ لِيَكُونَ تَوْطِئَةً لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى سَدًّا لِذَرِيعَةِ

صفحة ٢٤٤

الوُقُوعِ في خَطَأِ الحَقِّ، فَإنَّ داوُدَ مِمَّنْ حَكَمَ بِالحَقِّ فَأمَرَهُ بِهِ بِاعْتِبارِ المُسْتَقْبَلِ.

والتَّعْرِيفُ في ”الهَوى“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، فالنَّهْيُ يَعُمُّ كُلَّ ما هو هَوًى، سَواءٌ كانَ هَوى المُخاطَبِ أوْ هَوى غَيْرِهِ مِثْلَ هَوى زَوْجِهِ ووَلَدِهِ وسَيِّدِهِ، وصَدِيقِهِ، أوْ هَوى الجُمْهُورِ، ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] .

ومَعْنى الهَوى: المَحَبَّةُ، وأُطْلِقَ عَلى الشَّيْءِ المَحْبُوبِ مُبالَغَةً، أيْ ولَوْ كانَ هَوًى شَدِيدًا تَعْلَقُ النَّفْسُ بِهِ.

والهَوى: كِنايَةٌ عَنِ الباطِلِ والجَوْرِ والظُّلْمِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِنَ المُلازَمَةِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ وبَيْنَ هَوى النُّفُوسِ، فَإنَّ العَدْلَ والإنْصافَ ثَقِيلٌ عَلى النُّفُوسِ فَلا تَهْواهُ غالِبًا، ومَن صارَتْ لَهُ مَحَبَّةُ الحَقِّ سَجِيَّةً فَقَدْ أُوتِيَ العِلْمَ والحِكْمَةَ وأُيِّدَ بِالحِفْظِ أوِ العِصْمَةِ.

والنَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ الهَوى تَحْذِيرٌ لَهُ وإيقاظٌ لِيُحَذِّرَ مِن جَرّاءِ الهَوى ويَتَّهِمَ هَوى نَفْسِهِ ويَتَعَقَّبَهُ فَلا يَنْقادُ إلَيْهِ إلّا بَعْدَ التَّأمُّلِ والتَّثَبُّتِ، وقَدْ قالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”اتَّهِمُوا الرَّأْيَ“، ذَلِكَ أنَّ هَوى النَّفْسِ يَكُونُ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ عَلَيْها الرّائِقَةِ عِنْدَها، ومُعْظَمُ الكَمالاتِ صَعْبَةٌ عَلى النَّفْسِ لِأنَّها تَرْجِعُ إلى تَهْذِيبِ النَّفْسِ والِارْتِقاءِ بِها عَنْ حَضِيضِ الحَيَوانِيَّةِ إلى أوْجِ المَلَكِيَّةِ، فَفي جَمِيعِها أوْ مُعْظَمِها صَرْفٌ لِلنَّفْسِ عَمّا لاصَقَها مِنَ الرَّغائِبِ الجُسْمانِيَّةِ الرّاجِعِ أكْثَرُها إلى طَبْعِ الحَيَوانِيَّةِ لِأنَّها إمّا مَدْعُوَّةٌ لِداعِي الشَّهْوَةِ أوْ داعِي الغَضَبِ، فالِاسْتِرْسالُ في اتِّباعِها وُقُوعٌ في الرَّذائِلِ في الغالِبِ، ولِهَذا جُعِلَ هُنا الضَّلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مُسَبَّبًا عَلى اتِّباعِ الهَوى، وهو تَسَبُّبٌ أغْلَبِيٌّ عُرْفِيٌّ، فَشَبَّهَ الهَوى بِسائِرٍ في طَرِيقٍ مُهْلِكَةٍ عَلى طَرِيقَةِ المَكَنِيَّةِ ورَمَزَ إلَيْهِ بِلازِمِ ذَلِكَ وهو الإضْلالُ عَنْ طَرِيقِ الرَّشادِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِسَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ الَّذِي يَتَّبِعُ سائِرًا غَيْرَ عارِفٍ بِطَرِيقِ المَنازِلِ النّافِعَةِ لا يَلْبَثُ أنْ يَجِدَ نَفْسَهُ وإيّاهُ في مَهْلَكَةٍ أوْ مَقْطَعَةِ طَرِيقٍ.

واتِّباعُ الهَوى قَدْ يَكُونُ اخْتِيارًا، وقَدْ يَكُونُ كُرْهًا. والنَّهْيُ عَنِ اتِّباعِهِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ جَمِيعِ أنْواعِهِ، فَأمّا الِاتِّباعُ الِاخْتِيارِيُّ فالحَذَرُ مِنهُ ظاهِرٌ، وأمّا الِاتِّباعُ الِاضْطِرارِيُّ فالتَّخَلُّصُ مِنهُ بِالِانْسِحابِ عَمّا جَرَّهُ إلى الإكْراهِ، ولِذَلِكَ اشْتَرَطَ

صفحة ٢٤٥

العُلَماءُ في الخَلِيفَةِ شُرُوطًا، كُلُّها تَحُومُ حَوْلَ الحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اتِّباعِ الهَوى وما يُوازِيهِ مِنَ الوُقُوعِ في الباطِلِ، وهي: التَّكْلِيفُ، والحُرِّيَّةُ، والعَدالَةُ، والذُّكُورَةُ، وأمّا شَرْطُ كَوْنِهِ مِن قُرَيْشٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ فَلِئَلّا يَضْعُفَ أمامَ القَبائِلِ بِغَضاضَةٍ.

وانْتَصَبَ ”فَيُضِلَّكَ“ بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ النَّهْيِ. ومَعْنى جَوابِ النَّهْيِ جَوابُ المَنهِيِّ عَنْهُ فَهو السَّبَبُ في الضَّلالِ ولَيْسَ النَّهْيُ سَبَبًا في الضَّلالِ. وهَذا بِخِلافِ طَرِيقَةِ الجَزْمِ في جَوابِ النَّهْيِ.

وسَبِيلُ اللَّهِ: الأعْمالُ الَّتِي تَحْصُلُ مِنها مَرْضاتُهُ وهي الأعْمالُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها ووَعَدَ بِالجَزاءِ عَلَيْها، شُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى مَرْضاتِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها يَظْهَرُ أنَّها مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ داوُدَ، وهي عِنْدَ أصْحابِ العَدَدِ آيَةٌ واحِدَةٌ مِن قَوْلِهِ ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ إلى ”يَوْمَ الحِسابِ“، فَهي في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِلنَّهْيِ، فَكانَتْ (إنَّ) مُغْنِيَةً عَنْ فاءِ التَّسَبُّبِ والتَّرَتُّبِ، فالشَّيْءُ الَّذِي يُفْضِي إلى العَذابِ الشَّدِيدِ خَلِيقٌ بِأنْ يُنْهى عَنْهُ، وإنْ كانَتِ الجُمْلَةُ كَلامًا مُنْفَصِلًا عَنْ خِطابِ داوُدَ كانَتْ مُعْتَرِضَةً ومُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ خَطَرِ الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

والعُمُومُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يُكْسِبُ الجُمْلَةَ وصْفَ التَّذْيِيلٍ أيْضًا، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ مُوجِبٌ لِعَدَمِ عَطْفِها.

وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ لِاسْتِحْقاقِ العَذابِ. واللّامُ في ”لَهم عَذابٌ“ لِلِاخْتِصاصِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ سَبَبِيَّةٌ.

و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ، وتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي نابَ عَنْهُ المَجْرُورُ في قَوْلِهِ ”لَهم عَذابٌ“ .

والنِّسْيانُ: مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ نِسْيانَ المُعْرِضِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وهو مَراتِبُ أشَدُّها إنْكارُ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَ تَعالى ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤]، ودُونَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَكُونُ عَلى وِفْقِ مَراتِبِ العَذابَ لِأنَّهُ إذا كانَ السَّبَبُ ذا مَراتِبَ كانَتِ المُسَبَّباتُ تَبَعًا لِذَلِكَ.

صفحة ٢٤٦

والمُرادُ بِ ”يَوْمَ الحِسابِ“ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الجَزاءِ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، فَهو في المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ جَزاءَ يَوْمِ الحِسابِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [الكهف: ٥٧]، أيْ لَمْ يُفَكِّرْ في عاقِبَةِ ما يُقَدِّمُهُ مِنَ الأعْمالِ.

وفِي جَعْلِ الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ونِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ سَبَبَيْنِ لِاسْتِحْقاقِ العَذابِ الشَّدِيدِ، تَنْبِيهٌ عَلى تَلازُمِهِما فَإنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُفْضِي إلى الإعْراضِ عَنْ مُراقَبَةِ الجَزاءِ.

وتَرْجَمَةُ داوُدَ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] في الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] في النِّساءِ.

38:27Page 455

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧

And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.

﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ لَمّا جَرى في خِطابِ داوُدَ ذِكْرُ نِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ، وكانَ أقْصى آياتِ ذَلِكَ النِّسْيانِ جُحُودُ وُقُوعِهِ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى عَدَمِ مُراعاتِهِ ومُراقَبَتِهِ أبَدًا، اعْتُرِضَ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ بِثَلاثِ آياتٍ لِبَيانِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في جَعْلِ الجَزاءِ ويَوْمِهِ احْتِجاجًا عَلى مُنْكِرِيهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

والباطِلُ: ضِدُّ الحَقِّ، فَكُلُّ ما كانَ غَيْرَ حَقٍّ فَهو الباطِلُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] .

والمُرادُ بِالحَقِّ المَأْخُوذِ مِن نَفْيِ الباطِلِ هُنا، هو أنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ خُلِقَتْ عَلى حالَةٍ لا تَخْرُجُ عَنِ الحَقِّ؛ إمّا حالًا كَخَلْقِ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ والصّالِحِينَ، وإمّا في المَآلِ كَخَلْقِ الشَّياطِينِ والمُفْسِدِينَ لِأنَّ إقامَةَ الجَزاءِ عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِ اسْتِدْراكٍ لِمُقْتَضى الحَقِّ.

وقَدْ بُنِيَتْ هَذِهِ الحُجَّةُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ المُشاهَداتِ وهي أحْوالُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، والمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، فَأُقِيمُ الدَّلِيلُ عَلى أساسِ مُقَدِّمَةٍ لا نِزاعَ فِيها، وهي أنَّ اللَّهَ خَلَقَ ذَلِكَ وأنَّهم إذا تَأمَّلُوا أدْنى تَأمُّلٍ وجَدُوا مِن نِظامِ هَذِهِ العَوالِمِ دَلالَةً تَحْصُلُ بِأدْنى

صفحة ٢٤٧

نَظَرٍ عَلى أنَّهُ نِظامٌ عَلى غايَةِ الإحْكامِ إحْكامًا مُطَّرِدًا، وهو ما نَبَّهَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ .

ومَصَبُّ النَّفْيِ الحالُ وهو قَوْلُهُ ”باطِلًا“ فَهو عامٌّ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، وبُعْدُ النَّظَرِ يُعْلِمُ النّاظِرَ أنَّ خالِقَها حَكِيمٌ عادِلٌ وأنَّ تَصَرُّفاتِ الفاعِلِ يُسْتَدَلُّ بِالظّاهِرِ مِنها عَلى الخَفِيِّ، فَكانَ حَقٌّ عَلى الَّذِينَ اعْتادُوا بِتَحْكِيمِ المُشاهَداتِ وعَدَمِ تَجاوُزِها أنْ يَنْظُرُوا بِقِياسِ ما خَفِيَ عَنْهم عَلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم، فَلَمّا اسْتَقَرَّ أنَّ نِظامَ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما كانَ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ وكامِلِ النِّظامِ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَبَّرُوا فِيما خَفِيَ عَنْهم مِن وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ فَإنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ جارٍ عَلى نِظامٍ بَدِيعٍ إلّا أعْمالَ الإنْسانِ، فَمِنَ المَعْلُومِ بِالمُشاهَدَةِ أنَّ مِنَ النّاسِ صالِحِينَ نافِعِينَ، ومِنهم دُونَ ذَلِكَ إلى صِنْفِ المُجْرِمِينَ المُفْسِدِينَ، وأنَّ مِنَ الصّالِحِينَ كَثِيرًا لَمْ يَنالُوا مِن حُظُوظِ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ شَيْئًا أوْ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا هو أقَلُّ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ صَلاحُهُ وما جاهَدَهُ مِنَ الِارْتِقاءِ بِنَفْسِهِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ. ومِنَ المُفْسِدِينَ مَن هم بِعَكْسِ ذَلِكَ.

والفَسادُ: اخْتِلالٌ اجْتَلَبَهُ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ بِاتِّباعِهِ شَهَواتِهِ بِاخْتِيارِهِ الَّذِي أوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ، وبِقُواهُ الباطِنِيَّةِ، قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٤]، وفي هَذِهِ المَراتِبِ يَدْنُو النّاسُ دُنُوًّا مُتَدَرِّجًا إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ أوْ دُنُوًّا مُتَدَلِّيًا إلى أحْضِيَةِ الشَّياطِينِ، فَكانَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ تَقْتَضِي أنْ يَلْتَحِقَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأشْباهِهِ في النَّعِيمِ الأبَدِيِّ أوِ الجَحِيمِ السَّرْمَدِيِّ.

ولَوْلا أنَّ حِكْمَةَ نِظامِ خَلْقِ العَوالِمِ اقْتَضَتْ أنْ يُحالَ بَيْنَ العَوالِمِ الزّائِلَةِ والعَوالِمِ السَّرْمَدِيَّةِ في المُدَّةِ المُقَدَّرَةِ لِبَقاءِ هَذِهِ الأخِيرَةِ لَأطارَ اللَّهُ الصّالِحِينَ إلى أوْجِ النَّعِيمِ الخالِدِ، ولَدَسَّ المُجْرِمِينَ في دَرَكاتِ السَّعِيرِ المُؤَبَّدِ، لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ جُماعُها رَعْيَ الإبْقاءِ عَلى خَصائِصِ المَخْلُوقاتِ حَتّى تُؤَدِّيَ وظائِفَها الَّتِي خُلِقَتْ لَها، وهي خَصائِصُ قَدْ تَتَعارَضُ فَلَوْ أُوثِرَ بَعْضُها عَلى غَيْرِهِ بِالإبْقاءِ لَأفْضى إلى زَوالِ الآخَرِ، فَمَكَّنَ اللَّهُ كُلَّ نَوْعٍ وكُلَّ صِنْفٍ مِنَ الكَدَحِ لِنَوالِ مُلائِمِهِ وأرْشَدَ الجَمِيعَ إلى الخَيْرِ وأمَرَ ونَهى وبَيَّنَ وحَدَّدَ.

صفحة ٢٤٨

وجَعَلَ لَهم مِن بَعْدِ هَذا العالَمِ الزّائِلِ عالَمًا خالِدًا يَكُونُ فِيهِ وُجُودُ الأصْنافِ مَحُوطًا بِما تَسْتَحِقُّهُ كَمالاتُها وأضْدادُها مِن حُسْنٍ أوْ سُوءٍ، ولَوْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ العالَمَ الأبَدِيَّ لَذَهَبَ صَلاحُ الصّالِحِينَ باطِلًا أجْهَدُوا فِيهِ أنْفُسَهم وأضاعُوا في تَحْصِيلِهِ جَمًّا غَفِيرًا مِن لَذائِذِهِمُ الزّائِلَةِ دُونَ مُقابِلٍ، ولَعادَ فَسادُ المُفْسِدِينَ غُنْمًا أرْضَوْا بِهِ أهْواءَهم ونالُوا بِهِ مُشْتَهاهم فَذَهَبَ ما جَرُّوهُ عَلى النّاسِ مِن أرْزاءٍ باطِلًا، فَلا جَرَمَ لَوْ لَمْ يَكُنِ الجَزاءُ الأبَدِيُّ لَعادَ خَلْقُ الأرْضِ باطِلًا ولَفازَ الغَوِيُّ بِغَوايَتِهِ.

فَإذا اسْتَقَرَّتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ تُعُيِّنَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ والجَزاءِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُنْكِرُهُ قائِلًا بِأنَّ خَلْقَ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ، وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الأُخْرى أنْ لا يَكُونَ في خَلْقِ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ بِقِياسِ الخَفِيِّ عَلى الظّاهِرِ، فَبَطَلَ ما يُفْضِي إلى القَوْلِ بِأنَّ في خَلْقِ بَعْضِ ما ذُكِرَ شَيْئًا مِنَ الباطِلِ.

والمُشْرِكُونَ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم ذَلِكَ ولا اعْتَقَدُوهُ لَكِنَّهم آيِلُونَ إلى لُزُومِهِ لَهم بِطَرِيقِ دَلالَةِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ والجَزاءَ فَقَدْ تَقَلَّدَ أنَّ ما هو جارٍ في أحْوالِ النّاسِ باطِلٌ، والنّاسُ مِن خَلْقِ اللَّهِ فَباطِلُهم إذا لَمْ يُؤاخِذْهم خالِقُهم عَلَيْهِ يَكُونُ مِمّا أقَرَّهُ خالِقُهم، فَيَكُونُ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ، فَتَنْتَقِضُ كُلِّيَّةُ قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾، وهو ما ألْزَمَهم إيّاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والإشارَةُ إلى القَضِيَّةِ المَنفِيَّةِ لا إلى نَفْيِها، أيْ خَلْقُ المَذْكُوراتِ باطِلًا هو ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيِ اعْتِقادُهم. وأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى العِلْمِ لِأنَّ ظَنَّهم عِلْمٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ فَهو باسْمِ الظَّنِّ أجْدَرُ لِأنَّ إطْلاقَ الظَّنِّ يَقَعُ عَلَيْهِ أنْواعٌ مِنَ العِلْمِ المُشْبِهِ والباطِلِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لازِمَ القَوْلِ يُعْتَبَرُ قَوْلًا، وأنَّ لازِمَ المَذْهَبِ مَذْهَبٌ وهو الَّذِي نَحاهُ فُقَهاءُ المالِكِيَّةِ في مُوجِباتِ الرِّدَّةِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ.

وفَرَّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ وعَدَمِ جَرْيِ المُشْرِكِينَ عَلى مُقْتَضاهُ قَوْلَهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ أيْ نارِ جَهَنَّمَ. وعُبِّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِما تُشِيرُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العِقابَ عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ وسُوءِ أعْمالِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِن آثارِ انْتِفاءِ الباطِلِ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى باطِلٍ في إعْراضِهِمْ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِنِظامِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي ارْتِكابِهِمْ مَفاسِدَ عَوائِدِ

صفحة ٢٤٩

الشِّرْكِ ومَلَّتِهِ، وقَدْ تَمَتَّعُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا أكْثَرَ مِمّا تَمَتَّعَ بِها الصّالِحُونَ فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا جَزاءَ أعْمالِهِمْ.

ولَفْظُ ”ويْلٌ“ يَدُلُّ عَلى أشَدِّ السُّوءِ. وكَلِمَةُ: ويْلٌ لَهُ، تُقالُ لِلتَّعْجِيبِ مِن شِدَّةِ سُوءِ حالَةِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، وهي هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ عَذابِهِمْ في النّارِ. و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] «، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ شَرِبَ دَمَ حِجامَتِهِ: ”ويْلٌ لَكَ مِنَ النّاسِ ووَيْلٌ لِلنّاسِ مِنكَ“» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском