Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Sad 38:48–59
38:48Page 456
وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨
And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ فُصِلَ ذِكْرُ إسْماعِيلَ عَنْ عَدِّهِ مَعَ أبِيهِ إبْراهِيمَ وأخِيهِ إسْحاقَ لِأنَّ إسْماعِيلَ كانَ جِدُّ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ، أيْ: مُعْظَمِها فَإنَّهُ أبُو العَدْنانِيِّينَ. وجَدٌّ لِلْأُمِّ لِمُعْظَمِ القَحْطانِيِّينَ لِأنَّ زَوْجَ إسْماعِيلَ جُرْهُمِيَّةٌ فَلِذَلِكَ قُطِعَ عَنْ عَطْفِهِ عَلى ذِكْرِ إبْراهِيمَ وعادَ الكَلامُ إلَيْهِ هُنا.
وأمّا قَرْنُهُ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ اليَسَعَ وذِي الكِفْلِ بِعَطْفِ اسْمَيْهِما عَلى اسْمِهِ فَوَجْهُهُ دَقِيقٌ في البَلاغَةِ ولَيْسَ يَكْفِي في تَوْجِيهِهِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ لِأنَّ التَّماثُلَ في الخَيْرِيَّةِ ثابِتٌ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَلا يَكُونُ ذِكْرُهُما بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ أوْلى مِن ذِكْرِ غَيْرِهِما مِن ذَوِي الخَيْرِيَّةِ الَّذِينَ شَمِلَهم لَفْظُ الأخْيارِ والِاصْطِفاءِ، فَإنَّ شَرْطَ قَبُولِ العَطْفِ بِالواوِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ جامِعٌ عَقْلِيٌّ أوْ وهْمِيٌّ أوْ خَيالِيٌّ كَما قالَ في المِفْتاحِ، قالَ ومِن هُنا عابُوا أبا تَمّامٍ في قَوْلِهِ:
لا والَّذِي هو عالِمٌ أنَّ النَّوى صَبْرٌ وأنَّ أبا الحُسَيْنِ كَرِيمُ
حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ مَرارَةِ النَّوى وكَرِيمِ أبِي الحُسَيْنِ وإنْ كانا مُقْتَرِنَيْنِ في تَعْلِيقِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِما وذَلِكَ مُساوٍ لِاقْتِرانِ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذِي الكِفْلِ في أنَّهم مِنَ الأخْيارِ في هَذِهِ الآيَةِ.
صفحة ٢٨٠
فَبِنا أنْ نَطْلُبَ الدَّقِيقَةَ الَّتِي حَسَّنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَطْفَ اليَسَعَ وذِي الكِفْلِ عَلى إسْماعِيلَ.
فَأمّا عَطْفُ اليَسَعَ عَلى إسْماعِيلَ فَلِأنَّ اليَسَعَ كانَ مَقامُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمَقامِ إسْماعِيلَ في بَنِي إبْراهِيمَ لِأنَّ اليَسَعَ كانَ بِمَنزِلَةِ الِابْنِ لِلِرَّسُولِ إلْياسَ إيلِيا وكانَ إلْياْسُ يُدافِعُ مُلُوكَ يَهُودا ومُلُوكَ إسْرائِيلَ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ اليَسَعُ في إعانَتِهِ كَما كانَ إسْماعِيلُ في إعانَةِ إبْراهِيمَ، وكانَ إلْياْسُ لَمّا رُفِعَ إلى السَّماءِ قامَ اليَسَعُ مَقامَهُ كَما هو مُبَيَّنٌ في سِفْرِ المُلُوكِ الثّانِي الأصْحاحِ ١ - ٢ .
وأمّا عَطْفُ ذِي الكِفْلِ عَلى إسْماعِيلَ فَلِأنَّهُ مُماثِلٌ لِإسْماعِيلَ في صِفَةِ الصَّبْرِ قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ اليَسَعَ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وبِلامٍ واحِدَةٍ وهي مِن أصْلِ الِاسْمِ في اللُّغَةِ العَبْرانِيَّةِ فَعَرَّبَتْهُ العَرَبُ بِاللّامِ ولَيْسَتْ لامَ التَّعْرِيفِ، فَدَعْ عَنْكَ ما أطالُوا بِهِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وبِلامَيْنِ وتَشْدِيدِ الثّانِيَةِ وهو أقْرَبُ إلى أصْلِهِ العَبْرانِيِّ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، والهَمْزَةُ واللّامُ، أوْ واللّامانِ أصْلِيَّةُ.
وتَنْوِينُ كُلٌّ في قَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وكُلُّ أُولَئِكَ الثَّلاثَةِ مِنَ الأخْيارِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذِكْرُ ذِي الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
38:49–52Page 456
هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩
This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -
جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠
Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١
Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ هَذا ذِكْرٌ جُمْلَةٌ فَصَلَتِ الكَلامَ السّابِقَ عَنِ الكَلامِ الآتِيَ بَعْدَها قَصْدًا لِانْتِقالِ الكَلامِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ مِثْلُ جُمْلَةِ: أمّا بَعْدُ فَكَذا ومِثْلُ اسْمِ الإشارَةِ المُجَرَّدِ نَحْوَ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] وقَوْلِهِ ذَلِكَ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] في سُورَةِ الحَجِّ. قالَ في الكَشّافِ: وهو كَما يَقُولُ الكاتِبُ إذا فَرَغَ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ: هَذا
صفحة ٢٨١
وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ اهـ. وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الِانْتِقالِ هو المُسَمّى في عُرْفِ عُلَماءِ الأدَبِ بِالِاقْتِضابِ وهو طَرِيقَةُ العَرَبِ ومَن يَلِيهِمْ مِنَ المُخَضْرَمِينَ، ولَهم في مِثْلِهِ طَرِيقَتانِ: أنْ يَذْكُرُوا الخَبَرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِ المُؤَلِّفِينَ: هَذا بابُ كَذا، وأنْ يَحْذِفُوا الخَبَرَ لِدَلالَةِ الإشارَةِ عَلى المَقْصُودِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] أيْ: ذَلِكَ شَأْنُ الَّذِينَ عَمِلُوا بِما دَعاهم إلَيْهِ إبْراهِيمُ وذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ذَبائِحِهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا أسْماءَ الأصْنامِ، وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] أيْ: ذَلِكَ مَثَلُ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وقَولِهِ بَعْدَ آياتٍ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] أيْ هَذا مَآبُ المُتَّقِينَ، ومِنهُ قَولُ الكاتِبِ: هَذا وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وإنَّما صُرِّحَ بِالخَبَرِ في قَوْلِهِ هَذا ذِكْرٌ لِلِاهْتِمامِ بِتَعْيِينِ الخَبَرِ، وأنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُشارِ إلَيْهِ التَّذَكُّرُ والِاقْتِداءُ فَلا يَأْخُذُ السّامِعُ اسْمَ الإشارَةِ مَأْخَذَ الفَصْلِ المُجَرَّدِ والِانْتِقالِ الِاقْتِضابِيِّ، مَعَ إرادَةِ التَّوْجِيهِ بِلَفْظِ ذِكْرٌ بِتَحْمِيلِهِ مَعْنى حُسْنِ السُّمْعَةِ، أيْ: ذِكْرٌ لِأُولَئِكَ المُسَمَّيْنَ في الآخَرِينَ مَعَ أنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُقْتَدِينَ عَلى نَحْوِ المَعْنَيَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
ومِن هُنا احْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِهَذا إلى القُرْآنِ، أيِ القُرْآنُ ذِكْرٌ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلِتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ راجِعًا إلى غَرَضِ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]“ .
والواوُ في وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ إلَخْ؛ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ الذِّكْرِيِّ، أيْ: انْتَهى الكَلامُ السّابِقُ بِقَوْلِنا هَذا ونَعْطِفُ عَلَيْهِ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ إلَخْ؛ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى حُسْنَ مَآبٍ.
واللّامُ في لِلْمُتَّقِينَ لامُ الِاخْتِصاصِ، أيْ: لَهم حُسْنُ مَآبٍ يَوْمَ الجَزاءِ.
وانْتَصَبَ ”جَنّاتُ عَدْنٍ“ عَلى البَيانِ مِن حُسْنِ مَآبٍ، والعَدْنُ: الخُلُودُ.
و”مُفَتَّحَةً“ حالٌ مِن جَنّاتِ عَدْنٍ، والعامِلُ في الحالِ ما في لِلْمُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ وهو الِاسْتِقْرارُ فَيَكُونُ ”ال“ في الأبْوابِ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ.
صفحة ٢٨٢
والتَّقْدِيرُ: أبْوابُها، عَلى رَأْيِ نُحاةِ الكُوفَةِ، وأمّا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فـَ ”الأبْوابُ“ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُفَتَّحَةً“ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ والرّابِطُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وتَفْتِيحُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنِ التَّمْكِينِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِنَعِيمِها لِأنَّ تَفْتِيحَ الأبْوابِ يَسْتَلْزِمُ الإذْنَ بِالدُّخُولِ وهو يَسْتَلْزِمُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الدّاخِلِ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِما وراءَ الأبْوابِ.
وقَوْلُهُ مُتَّكِئِينَ فِيها تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ في سُورَةِ يس.
ويَدْعُونَ: يَأْمُرُونَ بِأنْ يُجْلَبَ لَهم، يُقالُ: دَعا بِكَذا، أيْ: سَألَ أنْ يُحْضَرَ لَهُ.
والباءُ في قَوْلِهِمْ: دَعا بِكَذا، لِلْمُصاحَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: دَعا مَدْعُوًّا يُصاحِبُهُ كَذا، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
ودَعَوْا بِالصَّبُوحِ يَوْمًا فَجاءَتْ قَيْنَةً في يَمِينِها إبْـرِيقُ
قالَ تَعالى في سُورَةِ يس ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وانْتَصَبَ مُتَّكِئِينَ عَلى الحالِ مِنَ المُتَّقِينَ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. وجُمْلَةُ ”يَدْعُونَ“ حالٌ ثانِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ أيْضًا.
والشَّرابُ: اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ، وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الخَمْرِ إذا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ذِكْرٌ لِلْماءِ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ [ص: ٤٢] وتَنْوِينُ شَرابٍ هُنا لِلِتَّعْظِيمِ، أيْ: شَرابٌ نَفِيسٌ في جِنْسِهِ، كَقَوْلِ أبي خِراشٍ الهُذَلِيِّ:
لَقَدْ وقَعْتُ عَلى لَحْمٍ
﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ”عِنْدَ“ ظَرْفُ مَكانٍ قَرِيبٍ وقاصِراتِ الطَّرْفِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: نِساءٌ قاصِراتُ النَّظَرِ. وتَعْرِيفُ الطَّرْفِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ الصّادِقِ بِالكَثِيرِ، أيْ: قاصِراتُ الأطْرافِ. والطَّرْفُ: النَّظَرُ بِالعَيْنِ، وقَصْرُ الطَّرْفِ تَوْجِيهَهٌ إلى مَنظُورٍ غَيْرِ مُتَعَدِّدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُنَ قاصِراتٌ أطْرافَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ. فالأطْرافُ المَقْصُورَةُ أطْرافُهُنَّ.
وإسْنادُ قاصِراتُ إلى ضَمِيرِ ”هُنَّ“ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، أيْ: لا يُوَجِّهْنَ أنْظارَهُنَّ
صفحة ٢٨٣
إلى غَيْرِهِمْ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مَحَبَّتِهِنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُنَّ يَقْصُرْنَ أطْرافَ أزْواجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ فَلا تَتَوَجَّهُ أنْظارُ أزْواجِهِنَّ إلى غَيْرِهِنَّ اكْتِفاءً مِنهم بِحُسْنِهِنَّ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ تَمامِ حُسْنِهِنَّ في أنْظارِ أزْواجِهِنَّ بِحَيْثُ لا يَتَعَلَّقُ اسْتِحْسانُهم بِغَيْرِهِنَّ، فالأطْرافُ المَقْصُورَةُ أطْرافُ أزْواجِهِنَّ، وإسْنادُ ”قاصِراتُ“ إلَيْهِنَّ مَجازٌ عَقْلِيٌّ إذْ كانَ حُسْنُهُنَّ سَبَبُ قَصْرِ أطْرافِ الأزْواجِ فَإنَّهُنَّ مُلابِساتٌ سَبَبَ القَصْرِ.
وأتْرابٌ: جَمْعُ تِرْبٍ بِكَسْرِ التّاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وهو اسْمٌ لِمَن كانَ عُمْرُهُ مُساوِيًا عُمَرُ مَن يُضافُ إلَيْهِ، تَقُولُ: هو تِرْبُ فُلانٍ، وهي تِرْبُ فُلانَةٍ، ولا تَلْحَقُ لَفْظَ تَرْبٍ عَلامَةُ تَأْنِيثٍ.
والمُرادُ: أنَّهُنَّ أتْرابٌ بَعْضَهُنَّ لِبَعْضٍ، وأنَّهُنَّ أتْرابٌ لِأزْواجِهِنَّ لِأنَّ التَّحابَّ بَيْنَ الأقْرانِ أمْكَنُ.
والظّاهِرُ أنَّ أتْرابَ وصْفٌ قائِمٌ بِجَمِيعِ نِساءِ الجَنَّةِ مِن مَخْلُوقاتِ الجَنَّةِ ومِنَ النِّساءِ اللّاتِي كُنَّ أزْواجًا في الدُّنْيا لِأصْحابِ الجَنَّةِ، فَلا يَكُونُ بَعْضُهُنَّ أحْسَنَ شَبابًا مِن بَعْضٍ فَلا يَلْحَقُ بَعْضَ أهْلِ الجَنَّةِ غَضٌّ إذا كانَتْ نِساءُ غَيْرِهِ أجَدُّ شَبابًا، ولِئَلّا تَتَفاوَتَ نِساءُ الواحِدِ مِنَ المُتَّقِينَ في شَرْخِ الشَّبابِ، فَيَكُونُ النَّعِيمُ بِالأقَلِّ شَبابًا دُونَ النَّعِيمِ بِالأجَدِّ مِنهُنَّ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ.
38:53Page 456
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا قِيلَ لِلْمُتَّقِينَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ فَهو مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] والإشارَةُ إذَنْ إلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ لَحُسْنَ مَآبٍ فاسْمُ الإشارَةِ هُنا مُغايِرٌ لِاسْتِعْمالِهِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ”هَذا ذِكْرٌ“ وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ القَرِيبِ تَنْزِيلًا لِلْمُشارِ عَلَيْهِ مَنزِلَةُ المُشارِ إلَيْهِ الحاضِرِ إيماءً إلى أنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ تَبْشِيرًا لِلْمُتَّقِينَ. والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ”تُوعَدُونَ“ عَلى ظاهِرِهِ.
صفحة ٢٨٤
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ في الجَنَّةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو في مَحَلِّ حالٍ ثانِيَةٍ مِنَ المُتَّقِينَ، والتَّقْدِيرُ: مَقُولًا لَهم: هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ. والقَوْلُ: إمّا مِنَ المَلائِكَةِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]“ وإمّا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى نَظِيرُ قَوْلِهِ لِضِدِّهِمْ ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] .
والإشارَةُ إذَنْ إلى ما هو مُشاهَدٌ عِنْدَهم مِنَ النَّعِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تُوعَدُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ فَهو عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ التِفاتٌ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِتَشْرِيفِ المُتَّقِينَ بِعِزِّ الحُضُورِ لِخِطابِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي الخِطابُ لَهم عَلى ظاهِرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ ”يُوعَدُونَ“ بِياءِ الغَيْبَةِ فَهو عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ التِفاتٌ عَنْ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ إلى تَوْجِيهِهِ لِلِطّاغِينَ لِزِيادَةِ التَّنْكِيلِ عَلَيْهِمْ. والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن حُسْنِ المَآبِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي كَذَلِكَ وُجِّهَ الكَلامُ إلى أهْلِ المَحْشَرِ لِتَنْدِيمِ الطّاغِينَ وإدْخالِ الحَسْرَةِ والغَمِّ عَلَيْهِمْ. والإشارَةُ إلى النَّعِيمِ المُشاهَدِ.
واللّامُ في ”لِيَوْمِ الحِسابِ“ لامُ العِلَّةِ، أيْ: وُعِدْتُمُوهُ لِأجْلِ يَوْمِ الحِسابِ. والمَعْنى لِأجْلِ الجَزاءِ يَوْمَ الحِسابِ، فَلَمّا كانَ الحِسابُ مُؤْذِنًا بِالجَزاءِ جُعِلَ اليَوْمُ هو العِلَّةُ. وهَذِهِ اللّامُ تُفِيدُ مَعْنى التَّوْقِيتِ تَبَعًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] تَنْزِيلًا لِلْوَقْتِ مَنزِلَةَ العِلَّةِ. ولِذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: أوْقاتُ الصَّلَواتِ أسْبابٌ.
38:54Page 456
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ يَجْرِي مَحْمَلُ اسْمِ الإشارَةِ هَذا عَلى الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الكَلامِ السّابِقِ.
والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الإشارَةِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ وتَوْجِيهِ ذِهْنِ السّامِعِ إلَيْهِ.
وأُطْلِقَ الرِّزْقُ عَلى النِّعْمَةِ كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لَوْ أنَّ أحَدَهم قالَ حِينَ
صفحة ٢٨٥
يُضاجِعُ أهْلَهُ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ وجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقْتَنا ثُمَّ وُلِدَ لَهُما ولَدٌ لَمْ يَمَسَّهُ شَيْطانٌ أبَدًا» فَسَمّى الوَلَدَ رِزْقًا.
والتَّوْكِيدُ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ. والنَّفادُ: الِانْقِطاعُ والزَّوالُ.
38:55–56Page 456
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ اسْمُ الإشارَةِ هَذا مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ تَنْهِيَةً لِلْغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ.
والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] والتَّقْدِيرُ: هَذا شَأْنُ المُتَّقِينَ، أوْ هَذا الشَّأْنُ، أوْ هَذا كَما ذُكِرَ.
وجُمْلَةُ يَصْلَوْنَها حالٌ مِن جَهَنَّمَ وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى اللّامِ الَّذِي هو عامِلٌ في الطّاغِينَ فَإنَّ مَعْنى اللّامِ أنَّهم تَخْتَصُّ بِهِمْ جَهَنَّمُ واخْتِصاصُها بِهِمْ هو ذَوْقُ عَذابِها لِأنَّ العَذابَ ذاتِيٌّ لِجَهَنَّمَ.
والطّاغِي: المَوْصُوفُ بِالطُّغْيانِ وهو: مُجاوِزُ الحَدِّ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ. والمُرادُ بِهِمْ عُظَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا بِعَظَمَتِهِمْ عَلى قَبُولِ الإسْلامِ، وأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِكِبْرٍ واسْتِهْزاءٍ، وحَكَمُوا عَلى عامَّةِ قَوْمِهِمْ بِالِابْتِعادِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وعَنِ المُسْلِمِينَ وعَنْ سَماعِ القُرْآنِ، وهم: أبُو جَهْلٍ وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ وأضْرابُهم.
والفاءُ في فَبِئْسَ المِهادُ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ وتَسَبُّبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ، نَظِيرُ عَطْفِ الجُمَلِ بِـ ”ثُمَّ“ وهي كالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ”فَلَمْ تَقْتُلُوهم“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ“ في سُورَةِ الأنْفالِ. وهَذا اسْتِعْمالٌ بَدِيعٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وهو يَنْدَرِجُ في اسْتِعْمالاتِ الفاءِ العاطِفَةِ ولَمْ يُكْشَفْ عَنْهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والمَعْنى: جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها، فَيَتَسَبَّبُ عَلى ذَلِكَ أنَّ نَذْكُرَ ذَمَّ هَذا المَقَرَّ لَهم، وعُبِّرَ عَنْ جَهَنَّمَ بِـ ”المِهادِ“ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، شُبِّهَ ما هم فِيهِ مِنَ النّارِ مِن تَحْتِهِمْ بِالمِهادِ وهو فِراشُ النّائِمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ [الأعراف: ٤١]“ .
38:57–58Page 456
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
صفحة ٢٨٦
﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَساقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ اسْمُ الإشارَةِ هُنا جارٍ عَلى غالِبِ مَواقِعِهِ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] والقَوْلُ فِيهِ مِثلُهُ.
وإشارَةُ القَرِيبِ لِتَقْرِيبِ الإنْذارِ والمُشارُ إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها“ مِنَ الصَّلْيِ ومِن مَعْنى العَذابِ، أوِ الإشارَةُ إلى شَرَّ مِن قَوْلِهِ ”لَشَرَّ مَآبٍ“ .
وحَمِيمٌ: خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ومَعْنى الجُمْلَةِ في مَعْنى: بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِأنَّ شَرَّ المَآبِ أوِ العَذابَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَمِيمِ والغَسّاقِ وغَيْرِهِ مِن شَكْلِهِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَهم لِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] فَما فُصِّلَ بِهِ شَرُّ المَآبِ وعَذابُ جَهَنَّمَ فَهو في المَعْنى مَعْمُولٌ لِلّامِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.
و”الغَسّاقُ“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتَشْدِيدِها. قِيلَ هُما لُغَتانِ وقِيلَ: غَسّاقٌ بِالتَّشْدِيدِ مُبالَغَةٌ في غَساقٍ بِمَعْنى سائِلٍ، فَهو عَلى هَذا وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ ولَيْسَ اسْمًا لِأنَّ الأسْماءَ الَّتِي عَلى زِنَةِ فَعّالٍ قَلِيلَةٌ في كَلامِهِمْ.
والغَسّاقُ: سائِلٌ يَسِيلُ في جَهَنَّمَ، يُقالُ: غَسَقَ الجُرْحُ، إذا سالَ مِنهُ ماءٌ أصْفَرُ. وأحْسَبُ أنَّ هَذا الِاسْمَ بِهَذا الوَزْنِ أطْلَقَهُ القُرْآنُ عَلى سائِلٍ كَرِيهٍ يُسْقَوْنَهُ كَقَوْلِهِ ﴿بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩] وأحْسَبُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الزِّنَةُ مِن هَذِهِ المادَّةِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، وبِذَلِكَ يُومِئُ كَلامُ الرّاغِبِ. وهَذا سَبَبُ اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ مِنهُ. والأظْهَرُ أنَّهُ صِيغَ لَهُ هَذا الوَزْنُ لِيَكُونَ اسْمًا لِشَيْءٍ يُشْبِهُ ما يُغْسَقُ بِهِ الجُرْحُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بِالمَهْلِ والصَّدِيدِ في آياتٍ أُخْرى.
وجُمْلَةُ فَلْيَذُوقُوهُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ والخَبَرِ عَنْهُ، وهَذا مِنَ الِاعْتِراضِ
صفحة ٢٨٧
المُقْتَرِنِ بِالفاءِ دُونَ الواوِ، والفاءُ فِيهِ كالفاءِ في قَوْلِهِ ”فَبِئْسَ المِهادُ“ وقَدْ تَقَدَّمَتْ آنِفًا.
ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ ”﴿فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩]“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وقَولُهُ ”وآخَرُ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ بِقَولِهِ هَذا وضَمِيرُ فَلْيَذُوقُوهُ ووَصْفٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلى مُغايِرٍ. وقَولُهُ ”مِن شَكْلِهِ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُغايِرٌ لَهُ بِالذّاتِ ومُوافِقٌ في النَّوْعِ، فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَذابٌ آخَرُ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ.
والشَّكْلُ، بِفَتْحِ الشِّينِ: المِثْلُ، أيِ المُماثِلِ في النَّوْعِ، أيْ: وعَذابٌ آخَرُ غَيْرَ ذَلِكَ الَّذِي ذاقُوهُ مِنَ الحَمِيمِ والغَسّاقِ هو مِثْلُ ذَلِكَ المُشارِ إلَيْهِ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ الذَّوْقُ في التَّعْذِيبِ والألَمِ.
وأُفْرِدَ ضَمِيرُ ”شَكْلِهِ“ مَعَ أنَّ مَعادَهُ ”حَمِيمٌ وغَساقٌ“ نَظَرًا إلى إفْرادِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ إلى إفْرادِ مَذُوقِ المَأْخُوذِ مِن يَذُوقُوهُ، فَقَولُهُ ”مِن شَكْلِهِ“ صِفَةٌ لِـ ”آخَرَ“ .
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ بِمَعْنى النَّوْعِ والجِنْسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
والمَعْنى: وعَذابٌ آخَرُ هو أزْواجُ أصْنافٍ كَثِيرَةٌ. ولَمّا كانَ اسْمًا شائِعًا في كُلِّ مُغايِرٍ صَحَّ وصْفُهُ بِـ أزْواجٍ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وآخَرُ“ بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ جُمَعُ أُخْرى عَلى اعْتِبارِ تَأْنِيثِ المَوْصُوفِ، أيْ: وأزْواجٌ أُخَرُ مِن شَكْلِ ذَلِكَ العَذابِ.
38:59Page 456
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ حُكِيَ بِهِ تَخاصُمُ المُشْرِكِينَ في النّارِ فِيما بَيْنَهم إذا دَخَلُوها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] وبِهِ فَسَّرَ قَتادَةُ
صفحة ٢٨٨
وابْنُ زَيْدٍ، وجَرَيانُهُ بَيْنَهم لِيَزْدادُوا مَقْتًا بِأنْ يُضافَ إلى عَذابِهِمُ الجُسْمانِيِّ عَذابُ أنْفُسِهِمْ بِرُجُوعِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالتَّنْدِيمِ وسُوءِ المُعامَلَةِ.
وأُسْلُوبُ الكَلامِ يَقْتَضِي مُتَكَلِّمًا صادِرًا مِنهُ، وأُسْلُوبُ المُقاوَلَةِ يَقْتَضِي أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهِ هُمُ الطّاغُونَ الَّذِينَ لَهم شَرُّ المَآبِ لِأنَّهم أساسُ هَذِهِ القَضِيَّةِ؛ فالتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ، أيْ: الطّاغُونَ، بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم، أيْ: يَقُولُونَ مُشِيرِينَ إلى فَوْجٍ مِن أهْلِ النّارِ أُقْحِمَ فِيهِمْ لَيْسُوا مِن أكْفائِهِمْ ولا مِن طَبَقَتِهِمْ وهم فَوْجُ الأتْباعِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الطّاغِينَ في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ [ص: ٦٠] أيْ: أنْتُمْ سَبَبُ إحْضارِ هَذا العَذابِ لَنا. وهو المُوافِقُ لِمَعْنى نَظائِرَهِ في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] الآياتِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ. وأوْضَحُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] .
فَجُمْلَةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الطّاغِينَ.
وجُمْلَةُ هَذا فَوْجٌ إلى آخِرِها مَقُولُ القَوْلِ المَحْذُوفِ.
والفَوْجُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل: ٨٣] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ في النّاسِ، و”مَعَ“ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ مَتْبُوعُونَ، وأنَّ الفَوْجَ المُقْتَحِمَ أتْباعٌ لَهم، فَأُدْخِلُوا فِيهِمْ مَدْخَلَ التّابِعِ مَعَ المَتْبُوعِ بِعَلاماتٍ تُشْعِرُ بِذَلِكَ.
وجُمْلَةُ لا مَرْحَبًا بِهِمْ؛ مُعْتَرِضَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ ذَمِّ الفَوْجِ.
ولا مَرْحَبًا؛ نَفْيٌ لِكَلِمَةٍ يَقُولُها المَزُورُ لِزائِرِهِ وهي إنْشاءُ دُعاءِ الوافِدِ. ومَرْحَبًا: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ المَفْعَلِ، وهو الرُّحْبُ بِضَمِّ الرّاءِ وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الرَّحْبِ، أيْ: أتَيْتَ رَحْبًا، أيْ: مَكانا ذا رُحْبٍ، فَإذا أرادُوا كَراهِيَةَ الوافِدِ والدُّعاءَ عَلَيْهِ قالُوا: لا مَرْحَبًا بِهِ، كَأنَّهم أرادُوا النَّفْيَ بِمَجْمُوعِ الكَلِمَةِ:
صفحة ٢٨٩
لا مَرْحَبًا بِغَدٍ ولا أهْلًا بِهِ إنْ كانَ تَفْرِيقُ الأحِبَّةِ في غَدِ
وذَلِكَ كَما يَقُولُونَ في المَدْحِ: حَبَّذا، فَإذا أرادُوا ذَمًّا قالُوا: لا حَبَّذا. وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ كَنْزَةَ أُمِّ شَمْلَةَ المِنقَرِيِّ تَهْجُو فِيهِ صاحِبَةَ ذِي الرُّمَّةِ:
ألا حَبَّذا أهْلُ المَلا غَيْرَ أنَّهُ ∗∗∗ إذا ذُكِرَتْ مَيُّ فَلا حَبَّذا هِيّا
ومَعْنى الرَّحْبِ في هَذا كُلِّهِ: السِّعَةُ المَجازِيَّةُ، وهي الفَرَحُ ولِقاءُ المَرْغُوبِ في ذَلِكَ المَكانِ بِقَرِينَةِ أنَّ نَفْسَ السِّعَةِ لا تُفِيدُ الزّائِرَ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كَرِهُوا أنْ يَكُونُوا هم وأتْباعُهم في مَكانٍ واحِدٍ جَرْيًا عَلى خُلُقِ جاهِلِيَّتِهِمْ مِنَ الكِبْرِياءِ واحْتِقارِ الضُّعَفاءِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّضَجُّرِ مِنهم، أيْ: أنَّهم مُضايِقُونَنا في مَضِيقِ النّارِ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهم ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences