Ibn 'AshurAz‑Zumar · 39:10–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:10–15

39:10Page 459

قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠

Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."

﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لَمّا أُجْرِيَ الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِإقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ في أشَدِّ الآناءِ وبِشِدَّةِ

صفحة ٣٥٢

مُراقَبَتِهم إيّاهُ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ وبِتَمْيِيزِهِمْ بِصِفَةِ العِلْمِ والعَقْلِ والتَّذَكُّرِ، بِخِلافِ حالِ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ كُلِّهِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِهِمْ لِلِاسْتِزادَةِ مِن ثَباتِهِمْ ورِباطَةِ جَأْشِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ؛ .

وابْتِداءُ الكَلامِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا، وابْتِداءُ المَقُولِ بِالنِّداءِ وبِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، كُلُّ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِالِاهْتِمامِ بِما سَيُقالُ وبِأنَّهُ سَيُقالُ لَهم عَنْ رَبِّهِمْ، وهَذا وضِعَ لَهم في مَقامِ المُخاطَبَةِ مِنَ اللَّهِ وهي دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها ”عِبادِ“ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في المُنادى المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأهُ العَشَرَةُ يا عِبادِ بِدُونِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ كَما في إبْرازِ المَعانِي لِأبِي شامَةَ وكَما في الدُّرَّةِ المُضِيئَةِ في القِراءاتِ الثَّلاثِ المُتَمِّمَةِ لِلْعَشْرِ لِعَلِيٍّ الضَّبّاعِ المِصْرِيِّ، بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمُ﴾ [الزمر: ٥٣] الآتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمُخالَفَةُ بَيْنَهُما مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ. وقَدْ يُوَجَّهُ هَذا التَّخالُفُ بِأنَّ المُخاطَبِينَ في هَذِهِ الآيَةِ هم عِبادُ اللَّهِ المُتَّقُونَ، فانْتِسابُهم إلى اللَّهِ مُقَرَّرٌ فاسْتُغْنِيَ عَنْ إظْهارِ ضَمِيرِ الجَلالَةِ في إضافَتِهِمْ إلَيْهِ، بِخِلافِ الآيَةِ الآتِيَةِ، فَلَيْسَ في كَلِمَةِ يا عِبادِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلّا وجْهٌ واحِدٌ بِاتِّفاقِ العَشَرَةِ ولِذَلِكَ كَتَبَها كُتّابُ المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ.

وما وقَعَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ مِن قَوْلِهِ وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ ”قُلْ يا عِبادِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا وعاصِمٌ والأعْشى وابْنُ كَثِيرٍ يا عِبادِ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ اهـ. سَهْوٌ، وإنَّما اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الآيَةِ الآتِيَةِ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّها ثَبَتَتْ فِيهِ ياءُ المُتَكَلِّمِ فاخْتَلَفُوا كَما سَنَذْكُرُهُ.

والأمْرُ بِالتَّقْوى مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ عَلى المَأْمُورِ بِهِ لِأنَّهم مُتَّقُونَ مِن قَبْلُ وهو يَشْعِرُ بِأنَّهم قَدْ نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الأذى في الدِّينِ ما يُخْشى عَلَيْهِمْ مَعَهُ أنْ يُقَصِّرُوا في تَقْواهم.

وهَذا الأمْرُ تَمْهِيدٌ لِما سَيُوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِن أمْرِهِمْ بِالهِجْرَةِ لِلسَّلامَةِ مِنَ الأذى في دِينِهِمْ، وهو ما عُرِّضَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ .

صفحة ٣٥٣

وفِي اسْتِحْضارِهِمْ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إيماءٌ إلى أنَّ تَقَرُّرَ إيمانُهم مِمّا يَقْتَضِي التَّقْوى والِامْتِثالَ لِلْمُهاجَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ إيرادَ الأمْرِ بِالتَّقْوى لِلْمُتَّصِفِينَ بِها يُثِيرُ سُؤالَ سائِلِ عَنِ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ فَأُرِيدُ بَيانُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ ولَكِنْ جُعِلَ قَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ تَمْهِيدًا لَهُ لِقَصْدِ تَعْجِيلِ التَّكَفُّلِ لَهم بِمُوافَقَةِ الحُسْنى في هِجْرَتِهِمْ.

ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ مَسُوقَةً مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى الواقِعِ بَعْدَها.

والمُرادُ بِالَّذِينَ أحْسَنُوا: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ؛، لِأنَّ تِلْكَ الخِصالَ تَدُلُّ عَلى الإحْسانِ المُفَسَّرِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، فَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ الخِطابِ بِأنْ يُقالَ: لَكم في الدُّنْيا حَسَنَةٌ، إلى الإتْيانِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الظّاهِرِ وهو الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيَشْمَلَ المُخاطِبِينَ وغَيْرَهم مِمَّنْ ثَبَتَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّلَةُ. وذَلِكَ في مَعْنى: اتَّقَوْا رَبَّكم لِتَكُونُوا مُحْسِنِينَ فَإنَّ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا حَسَنَةً عَظِيمَةً فَكُونُوا مِنهم.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِالمُحْسَنِ إلَيْهِمْ وأنَّهم أحْرِياءٌ بِالإحْسانِ.

والمُرادُ بِالحَسَنَةِ: الحالَةُ الحَسَنَةُ، واسْتُغْنِيَ بِالوَصْفِ عَنِ المَوْصُوفِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] وقَوْلِهِ في عَكْسِهِ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ بَيْنَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وبَيْنَ حَسَنَةٍ نَظْمٌ مِمّا اخْتُصَّ بِهِ القُرْآنُ في مَواقِعِ الكَلِمِ لِإكْثارِ المَعانِي الَّتِي يَسْمَحُ بِها النَّظْمُ، وهَذا مِن طُرُقِ إعْجازِ القُرْآنِ.

فَيَجُوزُ أنَّ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ حالًا مِن حَسَنَةٍ قُدِّمَ عَلى صاحِبِ الحالِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الكَلامِ عَلى أنَّها جَزاؤُهم في الدُّنْيا، لِقِلَّةِ خُطُورِ ذَلِكَ في بالِهِمْ؛ ضَمِنَ اللَّهُ لَهم تَعْجِيلَ الجَزاءِ الحَسَنِ في الدُّنْيا قَبْلَ ثَوابِ الآخِرَةِ عَلى

صفحة ٣٥٤

نَحْوَ ما أثْنى عَلى مَن يَقُولُ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] وقَدْ جاءَ في نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ قَوْلُهُ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] أيْ: خَيْرٌ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، ويَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى حَسَنَةِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها مُسَوَّقَةٌ لِتَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ عَلى ما يُلاقُونَهُ مِنَ الأذى، ولِأمْرِهِمْ بِالهِجْرَةِ عَنْ دارِ الشِّرْكِ والفِتْنَةِ في الدِّينِ، فَأمّا ثَوابُ الآخِرَةِ فَأمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَهم مِن قَبْلُ ومُومًى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفَّوْنَ أجْرَهم في الآخِرَةِ. قالَ السُّدِّيُّ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا الصِّحَّةُ والعافِيَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ في الدُّنْيا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ”أحْسَنُوا“ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لُغَوِيٌّ، أيْ: فَعَلُوا الحَسَناتِ في الدُّنْيا فَيَكُونُ المَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى المُبادَرَةِ بِالحَسَناتِ في الحَياةِ الدُّنْيا قَبْلَ الفَواتِ والتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ التَّقْصِيرِ في ذَلِكَ.

وتَنْوِينُ ”حَسَنَةٍ“ لِلتَّعْظِيمِ؛ وهو بِالنِّسْبَةِ لِحَسَنَةِ الآخِرَةِ لِلتَّعْظِيمِ الذّاتِيِّ، وبِالنِّسْبَةِ لِحَسَنَةِ الدُّنْيا تَعْظِيمٌ وصْفِيٌّ، أيْ: حَسَنَةٌ أعْظَمُ مِنَ المُتَعارَفِ، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ وإحْضارِهِ في الأذْهانِ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِـ ”حَسَنَةٌ“ يُحْتَمَلُ حَسَنَةُ الآخِرَةِ ويُحْتَمَلُ حَسَنَةُ الدُّنْيا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ؛ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] فَأُلْحِقَ بِها ما قُرِّرَ هُنا.

وعُطِفُ عَلَيْهِ ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ عَطْفَ المَقْصُودِ عَلى التَّوْطِئَةِ. وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالحَثِّ عَلى الهِجْرَةِ في الأرْضِ فِرارًا بِدِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ بِقَرِينَةِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ واسِعَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِإفادَتِهِ وإنَّما كُنِّيَ بِهِ عَنْ لازِمِ مَعْناهُ، كَما قالَ إياسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها

والوَجْهُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ مُعْتَرِضَةً والواوُ اعْتِراضِيَّةً لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ.

صفحة ٣٥٥

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم أنْ يُلاقُوا حَسَنَةً إذا هم هاجَرُوا مِن دِيارِ الشِّرْكِ. ولَيْسَ حُسْنُ العَيْشِ ولا ضِدُّهُ مَقْصُورًا عَلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ وقَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِما كُنِّيَ عَنْهُ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .

والمُرادُ: الإيماءُ إلى الهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقَوْا رَبَّكُمْ﴾ يُرِيدُ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إلى الحَبَشَةِ.

ونُكْتَةُ الكِنايَةِ هُنا إلْقاءُ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِلُطْفٍ وتَأْنِيسٍ دُونَ صَرِيحِ الأمْرِ لِما في مُفارَقَةِ الأوْطانِ مِنَ الغَمِّ عَلى النَّفْسِ، وأمّا الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ فَإنَّها حِكايَةُ تَوْبِيخُ المَلائِكَةِ لِمَن لَمْ يُهاجِرُوا.

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها لِأنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والتَّغَرُّبَ والسَّفَرَ مَشاقٌّ لا يَسْتَطِيعُها إلّا صابَرٌ، فَذُيِّلَ الأمْرُ بِهِ بِتَعْظِيمِ أجْرِ الصّابِرِينَ؛ لِيَكُونَ إعْلامًا لِلْمُخاطَبِينَ بِأنَّ أجْرَهم عَلى ذَلِكَ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهم حِينَئِذٍ مِنَ الصّابِرِينَ الَّذِينَ أجَرُهم بِغَيْرِ حِسابٍ.

والصَّبْرُ: سُكُونُ النَّفْسِ عِنْدَ حُلُولِ الآلامِ والمَصائِبِ بِأنْ لا تَضْجَرَ ولا تَضْطَرِبَ لِذَلِكَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ العُمُومِ في قَوْلِهِ ”الصّابِرِينَ“ تَشْمَلُ كُلَّ مَن صَبَرَ عَلى مَشَقَّةٍ في القِيامِ بِواجِباتِ الدِّينِ وامْتِثالِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ، ومَراتِبُ هَذا الصَّبْرُ مُتَفاوِتَةٌ وبِقَدْرِها يَتَفاوَتُ الأجْرُ.

والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ: تامًّا.

والأجْرُ: الثَّوابُ في الآخِرَةِ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الوَفْرَةِ والتَّعْظِيمِ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ لا يُتَصَدّى لِعَدِّهِ، والشَّيْءَ العَظِيمَ لا يُحاطُ بِمِقْدارِهِ، فَإنَّ الإحاطَةَ بِالمِقْدارِ ضَرْبٌ مِنَ الحِسابِ وذَلِكَ شَأْنُ ثَوابِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يَخْطُرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

صفحة ٣٥٦

وفِي ذِكْرِ التَّوْفِيَةِ وإضافَةِ الأجْرِ إلى ضَمِيرِهِمْ تَأْنِيسٌ لَهم بِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لا مِنَّةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وإنْ كانَتِ المِنَّةُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] .

والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ”إنَّما“ مُنْصَبٌّ عَلى القَيْدِ وهو ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ والمَعْنى: ما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم إلّا بِغَيْرِ حِسابٍ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ مَبْنِيٌّ عَلى قَلْبِ ظَنِّ الصّابِرِينَ أنَّ أجْرَ صَبْرِهِمْ بِمِقْدارِ صَبْرِهِمْ، أيْ: أنَّ أجْرَهم لا يَزِيدُ عَلى مِقْدارِ مَشَقَّةِ صَبْرِهِمْ.

والهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ كانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. وكانَ سَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى ما يُصِيبُ أصْحابَهُ مِنَ البَلاءِ وأنَّ عَمَّهُ أبا طالِبِ كانَ يَمْنَعُ ابْنَ أخِيهِ مِن أضْرارِ المُشْرِكِينَ ولا يَقْدِرُ أنْ يَمْنَعَ أصْحابَهُ؛ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَإنَّ بِها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكم فَرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، فَخَرَجَ مُعْظَمُ المُسْلِمِينَ مَخافَةَ الفِتْنَةِ فَخَرَجَ ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ رَجُلًا وتِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأةً سِوى أبْنائِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ صِغارًا. وقَدْ كانَ أبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الهِجْرَةِ فَأذِنَ لَهُ فَخَرَجَ قاصِدًا بِلادَ الحَبَشَةِ فَلَقِيَهُ ابْنُ الدِّغِنَّةِ فَصَدَّهُ وجَعَلَهُ في جِوارِهِ» .

ولِما تَعَلَّقَتْ إرادَةُ اللَّهِ تَعالى بِنَشْرِ الإسْلامِ في مَكَّةَ بَيْنَ العَرَبِ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ وعُذِرَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ فِيما لَقُوهُ مِنَ الأذى في دِينِهِمْ أذِنَ لَهم بِالهِجْرَةِ وكانَتْ حِكْمَتُهُ مُقْتَضِيَةً بَقاءَ رَسُولِهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرانِيِّ المُشْرِكِينَ لِبَثِّ دَعْوَةِ الإسْلامِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنٍ آخَرَ حَتّى إذا تَمَّ مُرادُ اللَّهِ مِن تَوَشُّجِ نَواةِ الدِّينِ في تِلْكَ الأرْضِ الَّتِي نَشَأ فِيها رَسُولُهُ ﷺ وأصْبَحَ انْتِقالُ الرَّسُولِ ﷺ إلى بَلَدٍ آخَرَ أسْعَدَ بِانْتِشارِ الإسْلامِ في الأرْضِ أذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ أنْ هَيَّأ لَهُ بِلُطْفِهِ دُخُولَ أهْلِها في الإسْلامِ وكُلُّ ذَلِكَ جَرى بِقَدَرٍ وحِكْمَةٍ ولَطْفٍ بِرَسُولِهِ ﷺ .

39:11–12Page 460

قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١

Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.

وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢

And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."

صفحة ٣٥٧

﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ بَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ [الزمر: ١٠] أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ قَوْلًا يَتَعَيَّنُ أنَّهُ مَقُولٌ لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ.

نَقَلَ الفَخْرُ عَنْ مُقاتِلٍ: «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجِدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ»﴾ .

وحَقًّا فَإنَّ إخْبارَ النَّبِيءِ بِذَلِكَ إذا حُمِلَ عَلى صَرِيحِهِ إنَّما يُناسِبُ تَوْجِيهَهُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ صَرْفَهُ عَنْ ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ أذِنَ اللَّهُ لَهم بِالهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ عَلى أنَّهُ تَوْجِيهٌ لِبَقائِهِ بِمَكَّةَ لا يُهاجِرُ مَعَهم لِأنَّ الإذْنَ لَهم بِالهِجْرَةِ لِلْأمْنِ عَلى دِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ، فَلَعَلَّهم تَرَقَّبُوا أنْ يُهاجِرَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَهم إلى الحَبَشَةِ فَآذَنَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أيْ: أنَّ يُوَحِّدُهُ في مَكَّةَ فَتَكُونُ الآيَةُ ناظِرَةً إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرْ وأُعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُقِيمَ عَلى التَّبْلِيغِ بِمَكَّةَ فَإنَّهُ لَوْ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ لانْقَطَعَتِ الدَّعْوَةُ وإنَّما كانَتْ هِجْرَتُهم إلى الحَبَشَةِ رُخْصَةً لَهم إذْ ضَعُفُوا عَنْ دِفاعِ المُشْرِكِينَ عَنْ دِينِهِمْ ولَمْ يُرَخَّصْ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ .

وقَدْ جاءَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أنَّ حَياةَ الرَّسُولِ ﷺ ومَماتَهُ لِلَّهِ، أيْ: فَلا يَفْرَقَ مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِ الدِّينِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] .

صفحة ٣٥٨

فَكانَ قَوْلُهُ ﴿لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ عِلَّةً لِـ ﴿أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فالتَّقْدِيرُ: وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ، فَمُتَعَلِّقُ أُمِرْتُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ عَلَيْهِ.

فَـ ”أوَّلَ“ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَجازِهِ فَقَطْ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الأوَّلِيَّةِ مُجَرَّدُ السَّبْقِ في الزَّمانِ فَإنَّ ذَلِكَ حَصَلَ فَلا جَدْوى في الإخْبارِ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَكُونَ أقْوى المُسْلِمِينَ إسْلامًا بِحَيْثُ أنَّ ما يَقُومُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن أُمُورِ الإسْلامِ أعْظَمُ مِمّا يَقُومُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ كَما قالَ «إنِّي لِأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .

وعَطْفُ ”وأُمِرْتُ“ الثّانِي عَلى ”أُمِرْتُ“ الأوَّلِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الأمْرِ الثّانِي ولِأنَّهُ غايَرَ الأمْرَ الأوَّلَ بِضَمِيمَةِ قَيْدِ التَّعْلِيلِ فَصارَ ذِكْرُ الأمْرِ الأوَّلِ لِبَيانِ المَأْمُورِ، وذِكْرُ الأمْرِ الثّانِي لِبَيانِ المَأْمُورِ لِأجْلِهِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّهُ أمَرَ بِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وهو أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، والثّانِي يَخْتَصُّ بِهِ وهو أنْ يَعْبُدَهُ كَذَلِكَ لِيَكُونَ بِعِبادَتِهِ أوَّلَ المُسْلِمِينَ، أيْ: أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَبْلُغَ الغايَةَ القُصْوى في عِبادَةِ اللَّهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، فَجَعَلَ وجُودَهُ مُتَمَحَّضًا لِلْإخْلاصِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ؛ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ الإسْلامُ هو دِينُ الأنْبِياءِ في خاصَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ ونَظائِرِها كَثِيرَةٌ، كانَتْ في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ الرُّسُلِ لِشُمُولِ لَفْظِ المُسْلِمِينَ لِلرُّسُلِ السّابِقِينَ.

39:13Page 460

قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هَذا القَوْلُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ مَأْمُورًا بِأنْ يُواجِهَ بِهِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يُحاوِلُونَ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ وأنْ يُتابِعَ دِينَهم. وهُما أحَدُ الشِّقَّيْنِ

صفحة ٣٥٩

اللَّذَيْنِ وُجِّهَ الخِطابُ السّابِقُ إلَيْهِما، وتَعْيِينُ كُلٍّ لِما وُجِّهَ إلَيْهِ مُنْطَوٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] .

وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ عَلى هَذا لِلتَّأْكِيدِ اهْتِمامًا بِهَذا المَقُولِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في المُرادِ مِن تَوْجِيهِ المَطْلَبِ في قَوْلِهِ ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] الآيَةَ؛ فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ ”قُلْ“ لِأجْلِ اخْتِلافِ المَقْصُودِينَ بِتَوْجِيهِ القَوْلِ إلَيْهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مُقاتِلٍ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيءِ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وُجِدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى.

39:14Page 460

قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤

Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,

﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] أمْرٌ بِأنْ يُعِيدَ التَّصْرِيحَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] لِأهَمِّيَّتِهِ، وإنْ كانَ مُفادُ الجُمْلَتَيْنِ واحِدًا لِأنَّهُما مَعًا تُفِيدانِ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ تَعالى بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِ أعْبُدَ اللَّهَ الأوَّلِ بِقَيْدِ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وبِاعْتِبارِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى ”أعْبُدُ“ الثّانِي فَتَأكَّدَ مَعْنى التَّوْحِيدِ مَرَّتَيْنِ لِيَتَقَرَّرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وهو المَقْصُودُ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ”فاعْبُدُوا“ إلَخْ؛ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَها عَلى الكَلامِ قَبْلَها فَهو تَفْرِيعٌ ذِكْرِيٌّ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّخْلِيَةِ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّسْوِيَةِ. والمَقْصُودُ: التَّسْوِيَةُ في ذَلِكَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِفِعْلِ المُخاطَبِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّنِي كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] أيْ: اعْبُدُوا أيَّ شَيْءٍ شِئْتُمْ عِبادَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ. وجُعِلَتِ الصِّلَةُ هُنا فِعْلَ المَشِيئَةِ إيماءً إلى أنَّ رائِدَهم في تَعْيِينِ مَعْبُوداتِهِمْ هو مُجَرَّدُ المَشِيئَةِ والهَوى بِلا دَلِيلٍ.

39:15Page 460

فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥

So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."

صفحة ٣٦٠

﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أعْقَبَ أمْرَ التَّسْوِيَةِ في شَأْنِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ المَوْعِظَةِ حِرْصًا عَلى إصْلاحِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ، ولُوحِظَ في إبْلاغِهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةَ مَقامُ ما سَبَقَ مِنَ التَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ شَأْنِهِمْ، جَمْعًا بَيْنَ الإرْشادِ وبَيْنَ التَّوْبِيخِ؛ فَجِيءَ بِالمَوْعِظَةِ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ والحَدِيثِ عَنِ الغائِبِ؛ والمُرادُ المُخاطَبُونَ.

وافْتُتِحَ المَقُولُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ واقِعٌ وتَعْرِيفُ الخاسِرِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ أنَّ الجِنْسَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالخُسْرانِ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ مِن طَرِيقِ القَصْرِ، فَيُفِيدُ هَذا التَّرْكِيبُ قَصْرَ جِنْسِ الخاسِرِينَ عَلى الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، وهو قَصْرُ مُبالَغَةٍ لِكَمالِ جِنْسِ الخُسْرانِ في الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ فَخُسْرانُ غَيْرِهِمْ كَلا خُسْرانٍ، ولِهَذا يُقالُ في لامِ التَّعْرِيفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إنَّها دالَّةٌ عَلى مَعْنى الكَمالِ فَلَيْسُوا يُرِيدُونَ أنَّ مَعْنى الكَمالِ مِن مَعانِي لامِ التَّعْرِيفِ.

ولَمّا كانَ الكَلامُ مَسُوقًا بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ دارَ الجِدالُ مَعَهم مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَرى الجِدالُ مَعَهم، فَأفادَ مَعْنى: إنَّ الخاسِرِينَ أنْتُمْ، إلّا أنَّ وجْهَ العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ إلى المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِإدْماجِ وعِيدِهِمْ بِأنَّهم يَخْسَرُونَ أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

ومَعْنى خُسْرانِهِمْ أنْفُسَهم: أنَّهم تَسَبَّبُوا لِأنْفُسِهِمْ في العَذابِ في حِينِ حَسِبُوا أنَّهم سَعَوْا لَها في النَّعِيمِ والنَّجاحِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في إيقاعِ أنْفُسِهِمْ في العَذابِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُلْقُونَها في النَّعِيمِ، بِحالِ التّاجِرِ الَّذِي عَرَّضَ مالَهُ لِلنَّماءِ والرِّبْحِ فَأُصِيبَ بِالتَّلَفِ، فَأُطْلِقَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ تَرْكِيبُ ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ.

صفحة ٣٦١

وأمّا خُسْرانُهم أهْلِيهِمْ فَهو مِثْلُ خُسْرانِهِمْ أنْفُسَهم وذَلِكَ أنَّهم أغْرَوْا أهْلِيهِمْ مِن أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ بِالكُفْرِ كَما أوْقَعُوا أنْفُسَهم فِيهِ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِأهْلِيهِمْ في الآخِرَةِ ولَمْ يَنْفَعُوهم ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] فَكانَ خُسْرانُهم خُسْرانًا عَظِيمًا.

فَقَوْلُهُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ اسْتِئْنافٌ هو بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ لِأنَّ وصْفَ الَّذِينَ خَسِرُوا بِأنَّهم خَسِرُوا أحَبَّ ما عِنْدَهم وبِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْحَصَرَ فِيهِمْ جِنْسُ الخاسِرِينَ، يُسْتَخْلَصُ مِنهُ أنَّ خَسارَتَهم أعْظَمُ خَسارَةٍ وأوْضَحُها لِلْعَيانِ، ولِذَلِكَ أُوثِرَتْ خَسارَتُهم بِاسْمِ الخُسْرانِ الَّذِي هو اسْمُ مَصْدَرِ الخَسارَةِ دالٌّ عَلى قُوَّةِ المَصْدَرِ والمُبالَغَةِ فِيهِ.

وأُشِيرَ إلى العِنايَةِ والِاهْتِمامِ بِوَصْفِ خَسارَتِهِمْ، بِأنِ افْتَتَحَ الكَلامَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ داخِلًا عَلى اسْمِ الإشارَةِ المُفِيدِ تَمْيِيزَ المُشارِ إلَيْهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، وبِتَوَسُّطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ المُفِيدِ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الحَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском