Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:16–18
39:16Page 460
لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
They will have canopies [i.e., layers] of fire above them and below them, canopies. By that Allāh threatens [i.e., warns] His servants. O My servants, then fear Me.
﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] وخُصَّ بِالإبْدالِ لِأنَّهُ أشَدُّ خُسْرانَهِمْ عَلَيْهِمْ لِتَسَلُّطِهِ عَلى إهْلاكِ أجْسامِهِمْ. والخُسْرانُ يَشْتَمِلُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخِزْيِ وغَضَبِ اللَّهِ واليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ. فَضَمِيرُ ”لَهم“ عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ.
والظُّلَلُ: اسْمُ جَمْعِ ظُلَّةٍ، وهي شَيْءٌ مُرْتَفِعٌ مِن بِناءٍ أوْ أعْوادٍ مِثْلُ الصُّفَّةِ يَسْتَظِلُّ بِهِ الجالِسُ تَحْتَهُ، مُشْتَقَّةُ مِنَ الظِّلِّ لِأنَّها يَكُونُ لَها ظِلٌّ في الشَّمْسِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢] في سُورَةِ لُقْمانَ. وهي هُنا اسْتِعارَةٌ لِلطَّبَقَةِ الَّتِي تَعْلُو أهْلَ النّارِ في نارِ جَهَنَّمَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ مِنَ النّارِ، شُبِّهَتْ بِالظُّلَّةِ في العُلُوِّ والغَشَيانِ
صفحة ٣٦٢
مَعَ التَّهَكُّمِ لِأنَّهم يَتَمَنَّوْنَ ما يَحْجُبُ عَنْهم حَرَّ النّارِ فَعَبَّرَ عَنْ طَبَقاتِ النّارِ بِالظُّلَلِ إشارَةً إلى أنَّهم لا واقِيَ لَهم مِن حَرِّ النّارِ عَلى نَحْوِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وقَوْلُهُ ”لَهم“ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ.
وأمّا إطْلاقُ الظُّلَلِ عَلى الطَّبَقاتِ الَّتِي تَحْتَهم فَهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ ولِأنَّ الطَّبَقاتِ الَّتِي تَحْتَهم مِنَ النّارِ تَكُونُ ظُلَلًا لِكُفّارٍ آخَرِينَ لِأنَّ جَهَنَّمَ دَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ.
* * *
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّهْدِيدِ بِالوَعِيدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمُ﴾ [الزمر: ١٥] الآيَةَ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ لِوَصْفِ عَذابِهِمْ بِأنَّهُ ظِلٌّ مِنَ النّارِ مِن فَوْقِهِمْ وظِلٌّ مِن تَحْتِهِمْ أنْ يَقُولَ سائِلُ: ما يَقَعُ إعْدادُ العَذابِ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَ فَواتِ تَدارُكِ كُفْرِهِمْ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ العَذابَ في الآخِرَةِ لِتَخْوِيفِ اللَّهِ عِبادَهُ حِينَ يَأْمُرُهم بِالِاسْتِقامَةِ ويُشَرِّعُ لَهُمُ الشَّرائِعَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم إذا لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ورُسُلِهِ تَكُونُ ذَلِكَ عاقِبَتُهم. ولَمّا كانَ وعِيدُ اللَّهِ خَبَرًا مِنهُ ولا يَكُونُ إلّا صِدْقًا حَقَّقَ لَهم في الآخِرَةِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ في الحَياةِ، وتَخْوِيفُ اللَّهِ بِهِ مَعْناهُ أنَّهُ يُخَوِّفُهم بِالإخْبارِ بِهِ وبِوَصْفِهِ، أمّا إذاقَتُهم إيّاهُ فَهي تَحْقِيقٌ لِلْوَعِيدِ.
ويُعْلَمُ مِن هَذا بِطْرِيقِ المُقابَلَةِ جَعْلُ الجَنَّةِ لِتَرْغِيبِ عِبادِهِ في التَّقْوى، إلّا أنَّهُ طَوى ذِكْرَهُ لِأنَّ السِّياقَ مَوْعِظَةُ أهْلِ الشِّرْكِ، فاللَّهُ جَعَلَ الجَنَّةَ وجَهَنَّمَ إتْمامًا لِحِكْمَتِهِ ومُرادِهِ مِن نِظامِ الحَياةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ النّاسُ فِيها عَلى أكْمَلِ ما تَرْتَقِي إلَيْهِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ. والظّاهِرُ أنَّ الجَنَّةَ جَعَلَها اللَّهُ مَسْكَنًا لِأهْلِ النُّفُوسِ المُقَدَّسَةِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ مِثْلَ الرُّسُلِ؛ فَلِذَلِكَ هي مَخْلُوقَةٌ مِن قَبْلِ ظُهُورِ التَّكْلِيفِ، وأمّا جَهَنَّمُ فَيُحْتَمَلُ أنَّها مُقَدَّمَةٌ وهو ظاهِرُ حَدِيثِ «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ نَفْسٍ في الشِّتاءِ ونَفْسٍ في الصَّيْفِ»، ويُحْتَمَلُ أنَّها تُخْلَقُ يَوْمَ الجَزاءِ ويُتَأوَّلُ الحَدِيثُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما وصَفَ مِنَ الخُسْرانِ والعَذابِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
صفحة ٣٦٣
والتَّخْوِيفُ مَصْدَرُ خَوَّفَهُ، إذا جَعَلَهُ خائِفًا إذا أراهُ ووَصَفَ لَهُ شَيْئًا يُثِيرُ في نَفْسِهِ الخَوْفَ، وهو الشُّعُورُ بِما يُؤْلِمُ النَّفْسَ بِواسِطَةِ إحْدى الحَواسِّ الخَمْسِ.
والعِبادُ المُضافُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ في المَوْضِعَيْنِ هُنا يَعُمُّ كُلَّ عَبْدٍ مِنَ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ إذِ الجَمِيعُ يَخافُونَ العَذابَ عَلى العِصْيانِ، والعَذابُ مُتَفاوِتٌ؛ وأقْصاهُ: الخُلُودُ لِأهْلِ الشِّرْكِ، ولَيْسَ العِبادُ هُنا مُرادًا بِهِ أهلُ القُرْبِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ التَّخْوِيفِ ولِأنَّ قَرِينَةَ قَوْلِهِ ”عِبادَهُ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُنادَيْنَ جَمِيعُ العِبادِ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَحْوِ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [الزخرف: ٦٨] .
* * *
﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ تَفْرِيعٌ وتَعْقِيبٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ لِأنَّ التَّخْوِيفَ مُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ أُعِدَ لِأهْلِ العِصْيانِ فَناسَبَ أنْ يُعْقَبَ بِأمْرِ النّاسِ بِالتَّقْوى لِلتَّفادِي مِنَ العَذابِ.
وقُدِّمَ النِّداءُ عَلى التَّفْرِيعِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ تَحْذِيرٍ وتَرْهِيبٍ، فَهو جَدِيرٌ بِاسْتِرْعاءِ ألْبابِ المُخاطَبِينَ إلى ما سَيَرِدُ مِن بَعْدُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلى التَّخْوِيفِ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ فَإنَّها في سِياقِ التَّرْغِيبِ في إكْمالِ أعْمالِ الحَجِّ والتَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ فَلِذَلِكَ جاءَ الأمْرُ بِالتَّقْوى فِيها مَعْطُوفًا بِالواوِ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ يا عِبادِ عَلى أحَدِ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ في المُنادى المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
39:17–18Page 460
وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧
But those who have avoided ṭāghūt,1 lest they worship it, and turned back to Allāh - for them are good tidings. So give good tidings to My servants
ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨
Who listen to speech and follow the best of it. Those are the ones Allāh has guided, and those are people of understanding.
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ لَمّا انْتَهى تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ ومَوْعِظَةُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ ثُنِيَ عَنانِ الخِطابِ إلى جانِبِ المُؤْمِنِينَ فِيما يَخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ البِشارَةِ مُقابَلَةً لِنِذارَةِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٦٤
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر: ١٥] الآيَةَ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو لَهُمُ البُشْرى، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] .
والطّاغُوتُ: مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرِ ”طَغا“ عَلى وزْنِ ”فَعَلُوتٍ“ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ بِوَزْنِ رَحَمُوتٍ ومَلَكُوتٍ. وفي أصْلِهِ لُغَتانِ الواوُ والياءُ لِقَوْلِهِمْ: طَغا طُغُوًّا مِثْلَ عُلُوٍّ، وقَوْلِهِمْ: طُغْوانُ وطُغْيانُ. وظاهِرُ القامُوسِ أنَّهُ واوِيٌّ، وإذْ كانَتْ لامُهُ حَرْفَ عِلَّةٍ ووَقَعَتْ بَعْدَها واوٌ زِنَةَ ”فَعَلَوْتٍ“ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَيْها فَقَدَّمُوها عَلى العَيْنِ لِيَتَأتّى قَلْبُها ألْفًا حَيْثُ تَحَرَّكَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَصارَ ”طاغُوتٌ“ بِوَزْنِ ”فَلَعُوتٍ“ بِتَحْرِيكِ اللّامِ وتاؤُهُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في المَصْدَرِ.
ومِنَ العُلَماءِ مِن جَعَلَ الطّاغُوتَ اسْمًا أعْجَمِيًّا عَلى وزْنِ فاعُولٍ مِثْلَ جالُوتَ وطالُوتَ وهارُونَ، وذَكَرَهُ في الإتْقانِ فِيما وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ المُعَرَّبِ وقالَ: إنَّهُ الكاهِنُ بِالحَبَشِيَّةِ. واسْتَدْرَكَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِيما زادَهُ عَلى أبْياتِ ابْنِ السُّبْكِيِّ في الألْفاظِ المُعَرَّبَةِ الواقِعَةِ في القُرْآنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِأخْصَرَ مِمّا هُنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في سُورَةِ النِّساءِ.
وأُطْلِقَ الطّاغُوتُ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى القَوِيِّ في الكُفْرِ أوِ الظُّلْمِ، فَأُطْلِقَ عَلى الصَّنَمِ، وعَلى جَماعَةِ الأصْنامِ، وعَلى رَئِيسِ أهْلِ الكُفْرِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ. وأمّا جَمْعُهُ عَلى ”طَواغِيتَ“ فَذَلِكَ عَلى تَغْلِيبِ الإسْمِيَّةِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ إذْ جُعِلَ الطّاغُوتُ لِواحِدِ الأصْنامِ وهو قَلِيلٌ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ جَماعَةُ الأصْنامِ وقَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في قَوْلِهِ ”أنْ يَعْبُدُوها“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَمْعٌ لِغَيْرِ العاقِلِ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ الذُّكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وقَعَ خَبَرًا عَنِ الأوْلِياءِ وهو جَمْعٌ مُذَكَّرٌ، وبِاعْتِبارِ تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في زَعْمِ عِبادِها.
و”أنْ يَعْبُدُوها“ بَدَلٌ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
صفحة ٣٦٥
والإنابَةُ: التَّوْبَةُ وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ.
والمُرادُ بِها هُنا التَّوْبَةُ مِن كُلِّ ذَنْبٍ ومَعْصِيَةٍ وأعْلاها التَّوْبَةُ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ.
والبُشْرى: البِشارَةُ، وهي الإخْبارُ بِحُصُولِ نَفْعٍ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] في سُورَةِ يُونُسَ. والمُرادُ بِها هُنا: البُشْرى بِالجَنَّةِ.
وفِي تَقْدِيمِ المُسْنَدِ مِن قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ إفادَةُ القَصْرِ وهو مِثلُ القَصْرِ في ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ .
وفُرِّعَ عَلى قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ وهُمُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ، فَعَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِمْ بِأنْ يُقالَ: فَبَشِّرْهم، إلى الإظْهارِ بِاسْمِ العِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالصِّلَةِ لِزِيادَةِ مَدْحِهِمْ بِصِفَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وهُما: صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، أيْ: عُبُودِيَّةِ التَّقَرُّبِ، وصِفَةُ اسْتِماعِ القَوْلِ واتِّباعِ أحْسَنِهِ.
وقَرَأ العَشَرَةُ ما عَدا السُّوسِيِّ راوِي أبِي عَمْرٍو كَلِمَةَ ”عِبادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ دُونَ ياءٍ وهو تَخْفِيفٌ واجْتِزاءٌ بِوُجُودِ الكَسْرَةِ عَلى الدّالِ. وقَرَأها السُّوسِيُّ بِياءٍ بَعْدَ الدّالِ مَفْتُوحَةٍ في الوَصْلِ وساكِنَةٍ في الوَقْفِ، ونُقِلَ عَنْهُ حَذْفُ الياءِ في حالَةِ الوَقْفِ وهُما وجْهانِ صَحِيحانِ في العَرَبِيَّةِ كَما في التَّسْهِيلِ، لَكِنِ اتَّفَقَتِ المَصاحِفُ كِتابَةَ ”عِبادِ“ هُنا بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ وذَلِكَ يُوَهِّنُ قِراءَةالسُّوسِيِّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ لَها بِأنَّها مِن قَبِيلِ الأداءِ.
والتَّعْرِيفُ في القَوْلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ: يَسْتَمِعُونَ الأقْوالَ مِمّا يَدْعُو إلى الهُدى مِثْلَ القُرْآنِ وإرْشادِ الرَّسُولِ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ الأقْوالَ الَّتِي يُرِيدُ أهْلُها صَرْفَهم عَنِ الإيمانِ مِن تُرَّهاتِ أيِمَّةِ الكُفْرِ فَإذا اسْتَمَعُوا ذَلِكَ اتَّبَعُوا أحْسَنَهُ وهو ما يَدْعُو إلى الحَقِّ.
والمُرادُ: يَتْبَعُونَ القَوْلَ الحَسَنَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا لَيْسَ
صفحة ٣٦٦
مُسْتَعْمَلًا في تَفاوُتِ المَوْصُوفِ بِهِ في الفَضْلِ عَلى غَيْرِهِ فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الوَصْفِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] . أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أهْلُ نَقْدٍ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ والحِكْمَةِ والأوْهامِ نُظّارٌ في الأدِلَّةِ الحَقِيقِيَّةِ نُقّادٌ لِلْأدِلَّةِ السُّفُسْطائِيَّةِ.
وفِي المَوْصُولِ إيماءٌ إلى أنَّ اتِّباعَ أحْسَنِ القَوْلِ سَبَبٌ في حُصُولِ هِدايَةِ اللَّهِ إيّاهم.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ لِاسْتِرْعاءِ الذِّهْنِ لِتَلَقِّي هَذا الخَبَرَ. وأُكِّدَ هَذا الِاسْتِرْعاءُ بِجَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ لِيَتَمَيَّزَ المُشارُ إلَيْهِمْ، أكْمَلَ تَمَيُّزَهُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم كانُوا أحْرِياءَ بِهَذِهِ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِأجْلِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهي صِفاتُ اجْتِنابِهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ مَعَ الإنابَةِ إلى اللَّهِ واسْتِماعِهِمْ كَلامِ اللَّهِ واتِّباعِهِمْ إيّاهُ نابِذِينَ ما يُلْقِي بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أقْوالِ التَّضْلِيلِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ ذِكْرِ أوْصافٍ أوْ أخْبارٍ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في الِاهْتِمامِ بِالحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَتارَةً يُشارُ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ كَما هُنا وتارَةً يُشارُ إلى الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] في سُورَةِ ص.
وقَدْ أفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ قَصْرَ الهِدايَةِ عَلَيْهِمْ وهو قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرَ تَعْيِينٍ، أيْ: دُونِ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ.
ومَعْنى ”هَداهُمُ اللَّهُ“ أنَّهم نالُوا هَذِهِ الفَضِيلَةَ بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ نُفُوسَهم قابِلَةً لِلْهُدى الَّذِي يُخاطِبُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَتَهَيَّأتْ نُفُوسُهم لِذَلِكَ وأقْبَلُوا عَلى سَماعِ الهُدى بِشَراشِرِهِمْ وسَعَوْا إلى ما يُبَلِّغُهم إلى رِضاهُ وطَلَبُوا النَّجاةَ مِن غَضَبِهِ.
ولَيْسَ المُرادُ بِهَدْيِ اللَّهِ إيّاهم أنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِمْ أوامِرَ إرْشادِهِ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلُ لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِالقُرْآنِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا البَحْثَ عَمّا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ.
صفحة ٣٦٧
وأشارَتْ جُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ إلى مَعْنى تَهْيِئَتِهِمْ لِلِاهْتِداءِ بِما فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن عُقُولٍ كامِلَةٍ، وأصْلُ الخِلْقَةِ مَيّالَةٌ لِفَهْمِ الحَقائِقِ غَيْرُ مُكْتَرِثَةٍ بِالمَأْلُوفِ ولا مُراعاةِ الباطِلِ، عَلى تَفاوُتِ تِلْكَ العُقُولِ في مَدى سُرْعَةِ البُلُوغِ لِلِاهْتِداءِ، فَمِنهم مَن آمَنَ عِنْدَ أوَّلِ دُعاءٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِثْلُ خَدِيجَةَ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومِنهم مَن آمَنَ بُعَيْدَ ذَلِكَ أوْ بَعْدَهُ، فَأُشِيرُ إلى رُسُوخِ هَذِهِ الأحْوالِ في عُقُولِهِمْ بِذِكْرِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَ كَلِمَةِ أُولُوا الدّالَّةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِها مُمْسِكٌ بِما أُضِيفَتْ إلَيْهِ كَلِمَةُ ”أُولُوا“، وبِما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ ”الألْبابِ“ مِن مَعْنى الكَمالِ، فَلَيْسَ التَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ لِأنَّ جِنْسَ الألْبابِ ثابَتٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ. وأشارَ إعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ إلى تَمَيُّزِهِمْ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ مِن بَيْنِ نُظَرائِهِمْ وأهْلِ عَصْرِهِمْ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابِلٍ، فَأُشِيرَ إلى الفاعِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ”هَداهُمُ اللَّهُ“، وإلى المُقابِلِ بِقَوْلِهِ هم أُولُوا الألْبابِ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ القَصْرِ ما في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ .
وقَدْ دَلَّ ثَناءُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُمَّلِ بِأنَّهم أحْرَزُوا صِفَةَ اتِّباعِ أحْسَنِ القَوْلِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ، عَلى شَرَفِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ولِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّوابِ والخَطَأِ ولِغَلْقِ المَجالِ في وجْهِ الشُّبْهَةِ ونَفْيِ تَلَبُّسِ السَّفْسَطَةِ.
وهَذا مِنهُ ما هو واجِبٌ عَلى الأعْيانِ وهو ما يُكْتَسَبُ بِهِ الِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ عَلى قَدْرِ قَرِيحَةِ النّاظِرِ، ومِنهُ واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ وهو فَضِيلَةٌ وكَمالٌ في الأعْيانِ وهو النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ في شَرائِعِ الإسْلامِ وإدْراكُ دَلائِلِ ذَلِكَ والفِقْهُ في ذَلِكَ والفَهْمُ فِيهِ والتَّهَمُّمُ بِرِعايَةِ مَقاصِدِهِ في شَرائِعِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ، وآدابِ المُعاشَرَةِ لِإقامَةِ نِظامِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ عَلى أصْدَقِ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وإلْجامُ الخائِضِينَ في ذَلِكَ بِعَمايَةٍ وغُرُورٍ، وإلْقامُ المُتَنَطِّعِينَ والمُلْحِدِينَ.
ومِمّا يَتْبَعُ ذَلِكَ انْتِفاءُ أحْسَنِ الأدِلَّةِ وأبْلَغِ الأقْوالِ المُوَصِّلَةِ إلى هَذا المَقْصُودِ بِدُونِ اخْتِلالِ ولا اعْتِلالِ بِتَهْذِيبِ العُلُومِ ومُؤَلَّفاتِها، فَقَدْ قِيلَ: خُذُوا مِن كُلِّ عِلْمٍ أحْسَنَهُ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ .
صفحة ٣٦٨
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأبِي ذَرِّ الغِفارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها في جاهِلِيَّتِهِمْ واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما بَلَغَهم مِنَ القَوْلِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ الآيَةَ في عُثْمانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصِ، جاءُوا إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ أسْلَمَ فَسَألُوهُ فَأخْبَرَهم بِإيمانِهِ فَآمَنُوا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences