Ibn 'AshurAz‑Zumar · 39:19–21

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:19–21

39:19Page 460

أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩

Then, is one who has deserved the decree of punishment [to be guided]? Then, can you save one who is in the Fire?

﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ لَمّا أفادَ الحُصْرُ في قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ والحَصْرانِ اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] أنَّ مَن سِواهم وهُمُ المُشْرِكُونَ لا بُشْرى لَهم ولَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ ولا ألْبابَ لَهم لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ، وكانَ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ مَحْرُومُونَ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ بِالنَّعِيمِ الخالدِ لِحِرْمانِهِمْ مِنَ الطّاعَةِ الَّتِي هي سَبَبُهُ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ التَّنْبِيهَ عَلى انْتِفاءِ الطَّماعِيَةِ في هِدايَةِ الفَرِيقِ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهُمُ الَّذِينَ قُصِدَ إقْصاؤُهم عَنِ البُشْرى، والهِدايَةِ والِانْتِفاعِ بِعُقُولِهِمْ، بِالقَصْرِ المَصُوغَةِ عَلَيْهِ صِيَغُ القَصْرِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةٍ مُبْتَكَرَةٍ في الخَبَرِ المُهْتَمِّ بِهِ بِأنْ يُؤَكِّدَ مَضْمُونَهُ الثّابِتَ لِلْخَبَرِ عَنْهُ، بِإثْباتِ نَقِيضِ أوْ ضِدِّ ذَلِكَ المَضْمُونِ لِضِدِّ المُخْبَرَ عَنْهُ لِيَتَقَرَّرَ مَضْمُونُ الخَبَرِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِأصْلِهِ ومَرَّةً بِنَقِيضِهِ أوْ ضِدِّهُ، لِضِدِّ المُخْبَرِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ويَكْثُرُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْخَبَرِ المُتَقَدِّمِ كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ أوْ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٨] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلى المَوْصُوفِينَ مَرَّتَيْنِ فُرِّعَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ إثْباتُ ضِدِّ حُكْمِهِمْ لِمَن هم مُتَّصِفُونَ بِضِدِّ حالِهِمْ.

وبِهَذا يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ الفاءِ لِتَفْرِيعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ

صفحة ٣٦٩

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] لِأنَّ التَّفْرِيعَ يَقْتَضِي اتِّصالًا وارْتِباطًا بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ وذَلِكَ كالتَّفْرِيعِ في قَوْلِ لَبِيَدٍ:

أفَتِلْكَ أمْ وحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ خُذِلَتْ وهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها

إذْ فَرَّعَ تَشْبِيهًا عَلى تَشْبِيهٍ لِاخْتِلافِ المُشَبَّهِ بِهِما.

وكَلِمَةُ ”العَذابِ“ كَلامُ وعِيدِ اللَّهِ إيّاهم بِالعَذابِ في الآخِرَةِ.

ومَعْنى ”حَقَّ“ تَحَقَّقَتْ في الواقِعِ، أيْ: كانَتْ كَلِمَةُ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِها حَقًّا غَيْرَ كَذِبٍ، فَمَعْنى ”حَقَّ“ هُنا تَحَقُّقُ، وحَقُّ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ ضِدُّ هَدْيِ اللَّهِ الآخَرِينَ، وكَوْنِهِمْ في النّارِ ضِدُّ كَوْنِ الآخَرِينَ لَهُمُ البُشْرى، وتَرْتِيبُ المُتَضادَّيْنِ جَرى عَلى طَرِيقَةِ شِبْهِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ضِدٌّ لِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلُهُ ”ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ“ ضِدُّ قَوْلِهِ ”وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ“ .

و”مَن“ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِها أبُو لَهَبٍ ووَلَدُهُ ومَن تَخَلَّفَ عَنِ الإيمانِ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ ”مَن“ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ. والتَّقْدِيرُ: تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ تَذْيِيلًا، أيْ: أنْتَ لا تُنْقِذُ الَّذِينَ في النّارِ.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ كَذَلِكَ. وإحْداهُما تَأْكِيدٌ لِلْأُخْرى الَّتِي قَبْلَها لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى نَحْوِ تَكْرِيرِ ”أنْ“ في قَوْلِ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ:

لَقَدْ عَلِمَ الحَيُّ اليَمانُونَ أنَّنِي ∗∗∗ إذا قُلْتُ: أمّا بَعْدُ، أنِّي خَطِيبُها

والَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ شارِحُوهُ أنَّ ”مَن“ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ شَرْطِيَّةٌ، بِناءً عَلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾

صفحة ٣٧٠

يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِمَعْنى غَيْرِ مَعْنى التَّفْرِيعِ المُسْتَفادِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها وإلّا كانَتْ مُؤَكِّدَةً لِلْأُولى وذَلِكَ يُنْقِصُ مَعْنًى مِنَ الآيَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”مِنَ“ الأُولى مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ وتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ مُؤَكِّدَةً لِلْفاءِ الأُولى في قَوْلِهِ ”أفَمَن حَقَّ“ إلَخْ؛ فَتَكُونُ الهَمْزَةُ والفاءُ مَعًا مُؤَكِّدَتَيْنِ لِلْهَمْزَةِ الأُولى والفاءُ الَّتِي مَعَها لِاتِّصالِهِما، ولِأنَّ جُمْلَةَ ”أفَأنْتَ تُنْقِذُ“ صادِقَةٌ عَلى ما صَدَقَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ جارِيًا عَلى غالِبِ اسْتِعْمالِهِ مِن تَوَجُّهِهِ إلى كَلامٍ لا شَرْطَ فِيهِ.

وأصْلُ الكَلامِ عَلى اعْتِبارِ ”مَن“ شَرْطِيَّةً: أمَّنْ تَحَقُقْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ في المُسْتَقْبَلِ، فَأنْتَ لا تُنْقِذُهُ مِنهُ؛ فَتَكُونُ هَمْزَةُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ؛ وتَكُونُ هَمْزَةُ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ افْتُتِحَ بِها الكَلامُ المُتَضَمِّنُ الإنْكارَ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ إنْكارًا، كَما أنَّ الكَلامَ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى نَفْيٍ قَدْ يَفْتَتِحُونَهُ بِحَرْفِ نَفْيٍ قَبْلَ أنْ يَنْطِقُوا بِالنَّفْيِ كَما في قَوْلِ مُسْلِمِ بْنِ مَعْبَدٍ الوالِبِيِّ مِن بَنِي أسَدٍ:

فَلا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ∗∗∗ ولا لِما بِهِمُ أبَدًا دَواءُ

ويُفِيدُ ذِكْرُها تَوْكِيدُ مُفادِ هَمْزَةِ الإنْكارِ إفادَةَ تَبَعِيَّةٍ.

وأصْلُ الكَلامِ عَلى اعْتِبارِ ”مَنِ“ الأُولى مَوْصُولَةَ: الَّذِينَ تَحِقُّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ أنْتَ لا تُنْقِذُهم مِنَ النّارِ، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وتَكُونُ هَمْزَةُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ تَأْكِيدًا لِلْهَمْزَةِ الأُولى.

و”مَن“ مِن قَوْلِهِ ”مَن في النّارِ“ مَوْصُولَةٌ.

و”مَن في النّارِ“ هم مَن حَقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ لِأنَّ كَلِمَةَ العَذابِ هي أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ النّارِ فَوَقَعَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، والأصْلُ: ”أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ“ .

صفحة ٣٧١

وفائِدَةُ هَذا الإظْهارِ تَهْوِيلُ حالَتِهِمْ لِما في الصِّلَةِ مِن حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُصَوِّرِ لِحالَةِ إحاطَةِ النّارِ بِهِمْ، أيْ: أفَأنْتَ تُرِيدُ إنْقاذَهم مِنَ الوُقُوعِ في النّارِ وهُمُ الآنَ في النّارِ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ مَصِيرُهم إلى النّارِ، فَشُبِّهَ تَحَقُّقُ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ بِتَحَقُّقِهِ في الحالِ. وقَدْ صُرِّحَ بِمِثْلِ هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ تَعالى أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ؛ وقَوْلُهُ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] في سُورَةِ المُلْكِ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّساوِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ المُؤْمِنِ.

وكَلِمَةُ ”العَذابِ“ هي كَلامُ اللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ الكافِرَ في العَذابِ، أيْ تَقْدِيرُ اللَّهِ ذَلِكَ لِلْكافِرِ في وعِيدِهِ المُتَكَرِّرِ في القُرْآنِ. وتَجْرِيدُ فِعْلِ ”حَقَّ“ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ فاعِلَهُ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ وهو ”كَلِمَةُ“، لِأنَّ الفاعِلَ اكْتَسَبَ التَّذْكِيرَ مِمّا أُضِيفَ هو إلَيْهِ نَظَرًا لِإمْكانِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ المُضافِ بِالمُضافِ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ.

وفائِدَةُ إقْحامِ ”كَلِمَةُ“ الإشارَةُ إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في ”أفَأنْتَ تُنْقِذُ“ مُفِيدٌ لِتَقَوِّي الحُكْمِ وهو إنْكارُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ بِتَكْرِيرِ دَعْوَتِهِ يُخَلِّصُهم مِن تَحَقُّقِ الوَعِيدِ أوْ يَحْصُلُ لَهُمُ الهِدايَةُ إذا لَمْ يُقَدِّرْها اللَّهُ لَهم.

والخَطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَهْوِينًا عَلَيْهِ بَعْضَ حِرْصِهِ عَلى تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، وحُزْنِهِ عَلى إعْراضِهِمْ وضَلالِهِمْ، وإلّا فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيءُ ﷺ بِالَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ يُنْقِذُهم مِن وعِيدِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ اجْتُلِبَ فِعْلُ الإنْقاذِ هُنا تَشْبِيهًا لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ في حِرْصِهِ عَلى هَدْيِهِمْ وبُلُوغِ جُهْدِهِ في إقْناعِهِمْ بِتَصْدِيقِ دَعَوْتِهِ، وحالِهِمْ في انْغِماسِهِمْ في مُوجِباتِ وعِيدِهِمْ بِحالِ مَن يُحاوِلُ إنْقاذَ ساقِطٍ في النّارِ قَدْ أحاطَتِ النّارُ بِجَوانِبِهِ اسْتِحْقاقًا قَضى بِهِ مَن لا يُرِدْ مُرادَهُ، فَحالُهم تُشْبِهُ حالَ وُقُوعِهِمْ في النّارِ مِنَ الآنِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وحُذِفَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها، ورُمِزَ إلى مَعْناهُ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن مُلائِماتِ ذَلِكَ المُرَكَّبِ المَحْذُوفِ وهو فِعْلُ ﴿تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ الَّذِي هو مِن مُلائِماتِ وُقُوعِهِمْ في النّارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِالمَكْنِيَّةِ، أيْ: إجْراءَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ في المُرَكَّبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾

صفحة ٣٧٢

قَرِينَةَ هَذِهِ المَكْنِيَّةِ وهو في ذاتِهِ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] .

وهَذا مِمّا أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ وبَيَّنَهُ التَّفْتَزانِيُّ فَيُعَدُّ مِن مُبْتَكَراتِ دَقائِقِ أنْظارِهِما، وبِهِ يَتِمُّ تَقْسِيمُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ إلى قِسْمَيْنِ: مُصَرِّحَةٍ ومَكْنِيَّةٍ. وذَلِكَ كانَ مَغْفُولًا عَنْهُ في عِلْمِ البَيانِ وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الإنْقاذَ أُطْلِقَ عَلى الإلْحاحِ في الإنْذارِ مِن إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنَّ مَن في النّارِ مَن هو صائِرٌ إلى النّارِ، فَلا مُتَمَسَّكُ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، عَلى أنَّنا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في غَرَضِ الشَّفاعَةِ فَإنَّما نَفَتِ الشَّفاعَةَ لَأهْلِ الشِّرْكِ لِأنَّ مَن في النّارِ يَحْتَمِلُ العَهْدَ وهُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ. ولا خِلافَ في أنَّ المُشْرِكِينَ لا شَفاعَةَ فِيهِمْ؛ قالَ تَعالى ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] عَلى أنَّ المَنفِيَّ هو أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مُنْقِذًا لِمَن أرادَ اللَّهُ عَدَمَ إنْقاذِهِ، فَأمّا الشَّفاعَةُ فَهو سُؤالُ اللَّهِ أنْ يُنْقِذَهُ.

وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نُكَتٍ بَدِيعَةٍ مِنَ الإعْجازِ إذْ أفادَتْ أنَّ هَذا الفَرِيقَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ يَكْمُنُ الكُفْرُ في قُلُوبِهِمْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِتَعْذِيبِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّ حالَهُمُ الآنَ كَحالِ مَن وقَعَ في النّارِ فَهو هالِكٌ لا مَحالَةَ، وحالَ النَّبِيءِ ﷺ في حِرْصِهِ عَلى هَدْيِهِمْ كَحالِ مَن رَأى ساقِطًا في النّارِ فانْدَفَعَ بِدافِعِ الشَّفَقَةِ إلى مُحاوَلَةِ إنْقاذِهِ ولَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ أُنْكِرَتْ شِدَّةُ حِرْصِهِ عَلى تَخْلِيصِهِمْ فَكانَ إيداعُ هَذا المَعْنى في جُمْلَتَيْنِ نِهايَةً في الإيجازِ مَعَ قَرْنِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ الهَمْزَةِ والفاءُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الإطْنابِ في مَقامِ الصَّراحَةِ.

ثُمَّ بِما أُودِعَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ العَجِيبَةِ بِطَرِيقِ المَكْنِيَّةِ ومِنَ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ في قَرِينَةِ المَكْنِيَّةِ.

وحاصِلُ نَظْمِ هَذا التَّرْكِيبِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَهو في النّارِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ وتُنْقِذُ مَن في النّارِ.

وقَدْ أشارَ إلى هَذِهِ الحالَةِ المُمَثَّلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيءَ

صفحة ٣٧٣

ﷺ يَقُولُ:

«إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ جَعَلَ الفَراشَ وهَذِهِ الدَّوابُّ الَّتِي تَقَعُ في النّارِ يَقَعْنَ فِيها فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيها، فَأنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها» .

39:20Page 460

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠

But those who have feared their Lord - for them are chambers,1 above them chambers built high, beneath which rivers flow. [This is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in [His] promise.

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ أُعِيدَتْ بِشارَةُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ تَفْصِيلًا لِلْإجْمالِ الواقِعِ مِن قَبْلُ.

وافْتُتِحَ الإخْبارُ عَنْهم بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الفارِقِ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ وحالِ المُشْرِكِينَ والمُضادَّةِ بَيْنَهُما، فَحَرْفُ الِاسْتِدْراكِ هُنا لِمُجَرَّدِ الإشْعارِ بِتَضادِّ الحالَيْنِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّهُ سَيَتَلَقّى حُكَمًا مُخالِفًا لِما سَبَقَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] في سُورَةِ بَراءَةَ، فَحَصَلَ في قَضِيَّةِ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ تَقْرِيرٌ عَلى تَقْرِيرٍ ابْتُدِئَ في الإشارَتَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ثُمَّ بِما أُعْقِبَ مِن تَفْرِيعِ حالِ أضْدادِهِمْ عَلى ذِكْرِ أحْوالِهِمْ ثُمَّ بِالِاسْتِدْراكِ الفارِقِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أضْدادِهِمْ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم: هُمُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ وأنابُوا إلى اللَّهِ واتَّبَعُوا أحْسَنَ القَوْلِ واهْتَدَوْا بِهَدْيِ اللَّهِ وكانُوا أُولِي ألْبابٍ، فَعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ ”هم“ هُنا إلى المَوْصُولِ لِقَصْدِ مَدْحِهِمْ بِمَدْلُولِ الصِّلَةِ ولِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ سَبَبٌ لِلْحُكْمِ المَحْكُومِ بِهِ عَلى المَوْصُولِ وهو نُوالُهُمُ الغُرَفَ.

وعُدِلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى وصْفِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ لِما في تِلْكَ الإضافَةِ مِن تَشْرِيفِهِمْ بِرِضى رَبِّهِمْ عَنْهِمْ.

واللّامُ في ”لَهم“ لِلِاخْتِصاصِ. والمَعْنى: أنَّها لَهم في الجَنَّةِ، أيْ: أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ.

والغُرَفُ: جَمْعُ غُرْفَةٍ، بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ (وهي البَيْتُ المُرْتَكِزُ عَلى بَيْتٍ آخَرَ، ويُقالُ لَها العُلِّيَّةُ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها وبِكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً والتَّحْتِيَّةُ كَذَلِكَ)

صفحة ٣٧٤

وتَقَدَّمَتِ الغُرْفَةُ في آخِرَ سُورَةِ الفُرْقانِ.

ومَعْنى ﴿مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِاعْتِلاءِ غَرْفٍ عَلَيْها وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في حَيِّزِ لامِ الِاخْتِصاصِ، فالغُرَفُ الَّتِي فَوْقَ الغُرَفِ هي لَهم أيْضًا لِأنَّ ما فَوْقَ البِناءِ تابِعٌ لَهُ وهو المُسَمّى بِالهَواءِ في اصْطِلاحِ الفُقَهاءِ. فالمَعْنى: لَهم أطْباقٌ مِنَ الغُرَفِ، وذَلِكَ مُقابِلُ ما جُعِلَ لِأهْلِ النّارِ في قَوْلِهِ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] .

وخُولِفَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ: فَجُعِلَ لِلْمُتَّقِينَ غُرَفٌ مَوْصُوفَةٌ بِأنَّها فَوْقَها غُرَفٌ، وجُعِلَتْ لِلْمُشْرِكِينَ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وعُطِفَ عَلَيْها أنَّ مِن تَحْتِهِمْ ظُلَلًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُتَّقِينَ مُتَنَعِّمُونَ بِالتَّنَقُّلِ في تِلْكَ الغُرَفِ، وإلى أنَّ المُشْرِكِينَ مَحْبُوسُونَ في مَكانِهِمْ، وأنَّ الظَّلَلَ مِنَ النّارِ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ لِتَتَظاهَرَ الظُّلَلُ بِتَوْجِيهِ لَفْحِ النّارِ إلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ.

والمَبْنِيَّةُ: المَسْمُوكَةُ الجُدْرانِ بِحَجَرٍ وجَصٍّ، أوْ حَجَرٍ وتُرابٍ، أوْ بِطُوبٍ مُشَمَّسٍ ثُمَّ تُوضَعُ عَلَيْها السَّقْفُ، وهَذا نَعْتٌ لِغُرَفٍ، الَّتِي فَوْقَها غُرَفٌ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الغُرَفَ المُعْتَلى عَلَيْها مَبْنِيَّةٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى. وقَدْ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في وجْهِ وصْفِ الغُرَفِ مَعَ أنَّ الغُرْفَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن بِناءٍ، ولَمْ يَذْهَبُوا إلى أنَّهُ وصَفٌ كاشِفٌ، ولَهُمُ العُذْرُ في ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ فَقِيلَ: ذِكْرُ المَبْنِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها غُرَفٌ حَقِيقِيَّةٌ لا أشْياءَ مُشابَهَةُ الغُرَفِ فَرْقًا بَيْنَهُما وبَيْنَ الظُّلَلِ الَّتِي جُعِلَتْ لِلَّذِينَ خَسِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ فَإنْ ظُلَلَهم كانَتْ مِن نارٍ فَلا يَظُنُّ السّامِعُ أنَّ غُرَفَ المُتَّقِينَ مَجازٌ عَنْ سَحاباتٍ مِنَ الظِّلِّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِعَدَمِ الدّاعِي إلى المَجازِ هُنا بِخِلافِهِ هُنالِكَ لِأنَّهُ اقْتَضاهُ مَقامَ التَّهَكُّمِ.

وقالَ في الشّافِ: ”مَبْنِيَّةٌ“ مِثْلُ المَنازِلِ اللّاصِقَةِ لِلْأرْضِ، أيْ: فَذَكَرَ الوَصْفَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ”تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ“ لِأنَّ المَعْرُوفَ أنَّ الأنْهارَ لا تَجْرِي إلّا تَحْتَ المَنازِلِ السُّفْلِيَّةِ؛ أيْ: لَمْ يَفُتِ الغُرَفَ شَيْءٌ مِن مَحاسِنِ المَنازِلِ السُّفْلِيَّةِ.

وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّها مُهَيَّأةٌ لَهم مِنَ الآنَ. فَهي مَوْجُودَةٌ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ كاسْمِ

صفحة ٣٧٥

الفاعِلِ في اقْتِضائِهِ الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ في زَمَنِ الحالِ فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مِنَ الآنَ.

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ الوَصْفُ احْتِرازًا عَنْ نَوْعٍ مِنَ الغُرَفِ تَكُونُ نَحْتًا في الحَجَرِ في الجِبالِ: مِثْلُ غُرَفِ ثَمُودَ، ومِثْلُ: ما يُسَمِّيهِ أهْلُ الجَنُوبِ التُّونِسِيِّ غُرَفًا، وهي بُيُوتٌ مَنقُورَةٌ في جِبالِ مِدْنِينَ ومُطْماطَةَ وتَطاوِينَ وانْظُرْ هَلْ تُسَمّى تِلْكَ البُيُوتُ غُرَفًا في العَرَبِيَّةِ، فَإنَّ كُتُبَ اللُّغَةِ لَمْ تَصِفْ مُسَمّى الغُرْفَةِ وصْفًا شافِيًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَبْنِيَّةٌ“ وصْفًا لِلْغُرَفِ بِاعْتِبارِ ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُها مِن مَعْنى المَبْنِيِّ المُعْتَلِي فَيَكُونُ الوَصْفُ دالًّا عَلى تَمَكُّنِ المَعْنى المَوْصُوفِ، أيْ: مَبْنِيَّةٌ بِناءً بالِغًا الغايَةَ في نَوْعِهِ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌّ ظَلِيلٌ.

وجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها مِن كَمالِ حُسْنِ مَنظَرِها لِلْمُطِلِّ مِنها. ومَعْنى مِن تَحْتِها: أنَّ الأنْهارَ تَمُرُّ عَلى ما يُجاوِرُ تَحْتَها، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [آل عمران: ١٥] في آلِ عِمْرانَ، فَأُطْلِقَ اسْمُ ”تَحْتٍ“ عَلى مُجاوِرِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجْرِي مِن تَحْتِ أُسُسِها الأنْهارُ، أيْ: تَخْتَرِقُ أُسُسَها وتَمُرُّ فِيها وفي ساحاتِها، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما يُرى في الدِّيارِ كَدِيارِ دِمَشْقَ وقَصْرِ الحَمْراءِ بِالأنْدَلُسِ ودِيارِ أهْلِ التَّرَفِ في مَدِينَةِ فاسٍ فَيَكُونُ إطْلاقُ ”تَحْتِ“ حَقِيقَةً.

والمَعْنى: أنَّ كُلَّ غُرْفَةٍ مِنها يَجْرِي تَحْتَها نَهَرٌ فَهو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ لِيُقَسَّمَ عَلى الآحادِ، وذَلِكَ بِأنْ يَصْعَدَ الماءُ إلى كُلِّ غُرْفَةٍ فَيَجْرِي تَحْتَها.

و”وعْدَ اللَّهِ“ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ ”لَهم غُرَفٌ“ في مَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا وعَدًا مِنهُ. ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن ”غُرَفٍ“ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ”وعْدًا عَلَيْنا“، وإضافَةُ ”وعْدَ“ إلى اَسْمِ الجَلالَةِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ وعْدٌ مُوفًّى بِهِ فَوَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ بَيانًا لِمَعْنى ”وعْدَ اللَّهِ“ .

والمِيعادُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الوَعْدِ.

39:21Page 460

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١

Do you not see that Allāh sends down rain from the sky and makes it flow as springs [and rivers] in the earth; then He produces thereby crops of varying colors; then they dry and you see them turned yellow; then He makes them [scattered] debris. Indeed in that is a reminder for those of understanding.

صفحة ٣٧٦

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتُقِلَ بِهِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وما احْتَوى عَلَيْهِ مِن هُدى الإسْلامِ، وهو الغَرَضُ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ وانْثَنى الكَلامُ مِنهُ إلى الِاسْتِطْرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] إلى هُنا، فَهَذا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] فَمُثِّلَتْ حالَةُ إنْزالِ القُرْآنِ واهْتِداءِ المُؤْمِنِينَ بِهِ والوَعْدِ بِنَماءِ ذَلِكَ الِاهْتِداءِ، بِحالَةِ إنْزالِ المَطَرِ ونَباتِ الزَّرْعِ بِهِ واكْتِمالِهِ.

وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَجْزِئَةِ أجْزائِهِ عَلى أجْزاءِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها: فَإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِإنْزالِ القُرْآنِ لِإحْياءِ القُلُوبِ، وإسْلاكُ الماءِ يَنابِيعَ في الأرْضِ تَشْبِيهٌ لِتَبْلِيغِ القُرْآنِ لِلنّاسِ، وإخْراجُ الزَّرْعِ المُخْتَلِفِ الألْوانِ تَشْبِيهٌ لِحالِ اخْتِلافِ النّاسِ مِن طَيِّبٍ وغَيْرِهِ، ونافِعٍ وضارٍّ، وهِياجُ الزَّرْعِ تَشْبِيهٌ لِتَكاثُرِ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ فَهو إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِحالَةِ المَماتِ واسْتِواءِ النّاسِ فِيها مِن نافِعٍ وضارٍّ. وفي تَعْقِيبِ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] إشارَةٌ إلى العِبْرَةِ مِن هَذا التَّمْثِيلِ.

وقَرِيبٌ مِن تَمْثِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا ورَعَوْا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ بِما بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أصالَةً وإدْماجًا عَلى عَكْسِ ما بَيَّنّا، فَيَكُونُ عُودًا إلى

صفحة ٣٧٧

الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ بِدَلِيلٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي يُشاهِدُها النّاسُ مُشاهَدَةً مُتَكَرِّرَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الزمر: ٦] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ [الزمر: ٥] ويَكُونُ ما بَيَّنّاهُ مِن تَمْثِيلِ حالِ نُزُولِ القُرْآنِ وانْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ إدْماجًا في هَذا الِاسْتِدْلالِ.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ أُدْمِجَ في أثْناءِ الكَلامِ إيماءً إلى إمْكانِ إحْياءِ النّاسِ حَياةً ثانِيَةً.

والكَلامُ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ مُخاطَبًا مُعَيَّنًا. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةُ.

وقَوْلُهُ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و”سَلَكَهُ“ أدْخَلَهُ، أيْ: جَعَلَهُ سالِكًا، أيْ: داخِلًا، فَفِعْلُ ”سَلَكَ“ هُنا مُتَعَدٍّ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣] في سُورَةِ طه، وذَكَرْنا هُنالِكَ أنَّ فِعْلَ ”سَلَكَ“ يَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، وهَذا الإدْخالُ دَلِيلٌ ثانٍ.

و”يَنابِيعَ“ جَمْعُ يَنْبُوعٍ وهو العَيْنُ مِنَ الماءِ، تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. وانْتَصَبَ ”يَنابِيعَ“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”ماءً“، وتَصْيِيرُ الماءِ الدّاخِلِ في الأرْضِ يَنابِيعَ: دَلِيلٌ ثالِثٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ.

وعَطَفَ بِـ ”ثُمَّ“ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ إخْراجَ الزَّرْعِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ إقْحالِها أوْقَعُ في نُفُوسِ النّاسِ لِأنَّهُ أقْرَبُ لِأبْصارِهِمْ وأنْفَعُ لِعَيْشِهِمْ وإذْ هو المَقْصُودُ مِنَ المَطَرِ. وهَذا الإخْراجُ دَلِيلٌ رابِعٌ.

والألْوانُ: جَمْعُ لَوْنٍ، واللَّوْنُ: كَيْفِيَّةٌ لائِحَةٌ عَلى ظاهِرِ الجِسْمِ في الضَّوْءِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ فاطِرٍ.

صفحة ٣٧٨

واخْتِلافُ ألْوانِ الزَّرْعِ بِالمَعْنى الأوَّلِ أنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الزَّرْعِ لَوْنًا ولِنَوْرِها ألْوانًا ولِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ الزَّرْعِ ألْوانٌ مُخْتَلِفَةٌ في أطْوارِ نَباتِهِ وبُلُوغِهِ أشُدَّهُ، وهَذا الِاخْتِلافُ مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيها واتِّحادِ الماءِ الَّذِي نَبَتَ بِهِ آيَةٌ خامِسَةٌ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ.

ومَعْنى ”يَهِيجُ“: يُغْلُظُ ويَرْتَفِعُ.

وحَقِيقَةُ الهِياجِ: ثَوْرَةُ الإنْسانِ أوِ الحَيَوانِ، ويُسْتَعارُ الهِياجُ لِشِدَّةِ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ؛ يُقالُ: هاجَتْ رِيحٌ، ومِنهُ هِياجُ الزَّرْعِ في الآيَةِ لِأنَّ الزَّرْعَ تَطُولُ سُوقُهُ وسَنابِلُهُ فَيَتِمُّ جَفافُهُ فَإذا تَحَرَّكَ بِمُرُورِ الرِّيحِ عَلَيْهِ صارَ لَهُ حَفِيفٌ وخَشْخَشَةٌ؛ سَواءٌ في ذَلِكَ الحَبُّ والكَلَأُ؛ وهَذا الطَّوْرُ آيَةٌ سادِسَةٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.

والحُطامُ: المَحْطُومُ، أيِ: المَكْسُورُ المَفْتُوتُ، ووَزْنُ فُعالٍ (بِضَمِّ الفاءِ) يَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ كالفُتاتِ والدُقاقِ، ومُثُلُهُ الفُعالَةُ كالصُبابَةِ والقُلامَةِ والقُمامَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَبْلُغُ مِنَ اليَبْسِ إلى حَدِّ أنْ يَتَحَطَّمَ ويَتَكَسَّرَ بِحَكِّ بَعْضِهِ بَعْضًا وتَساقُطِهِ وكَسْرِ الرِّيحِ إيّاهُ.

وهَذا الطَّوْرُ آيَةٌ سابِعَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ.

وجَمِيعُها آياتٌ عَلى دِقَّةِ صُنْعِهِ وكَيْفَ أوْدَعَ الأطْوارَ الكَثِيرَةَ في الشَّيْءِ الواحِدِ يَخْلُفُ بَعْضُها بَعْضًا مِن طَوْرِ وُجُودِهِ إلى طَوْرِ اضْمِحْلالِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ وفَذْلَكَةٌ لِلْأطْوارِ المُسْتَفْهَمِ عَنْها، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ الإنْزالِ إلى أخِرِ الأطْوارِ.

والمُرادُ: ذِكْرى بِالدَّلالَةِ عَلى ما يَغْفُلُ عَنْهُ العاقِلُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى لِما يَذْهَلُ عَنْهُ العاقِلُ مِمّا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الأحْوالُ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها. فَمِن ذَلِكَ أنَّها تَصْلُحُ مِثالًا لِتَقْرِيبِ البَعْثِ فَإنَّ إنْزالَ الماءِ عَلى الأرْضِ وإنْباتَها بِسَبَبِهِ أمْرٌ يَتَجَدَّدُ بَعْدَ أنْ صارَ ما عَلَيْها مِنَ النَّباتِ حُطامًا، وتَخَلَّلَتْ زَرارِيعُهُ الأرْضَ فَنَبَتَتْ مَرَّةً أُخْرى بِنُزُولِ الماءِ، فَكَذَلِكَ يُعُودُ الإنْسانُ بَعْدَ فَنائِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ أنَّبَتْكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ إدْماجَ تَقْرِيبِ البَعْثِ وإمْكانِهِ مَعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ، ومِن

صفحة ٣٧٩

ذَلِكَ أنَّها تَصْلُحُ مَثَلًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا كَما في آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ وفي سُورَةِ الكَهْفِ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ فَلا يُعْتَبَرُ التَّجَوُّزُ في مُفْرَداتِ هَذا المُرَكَّبِ بِأنْ يُطْلَبَ لِكُلِّ طَوْرٍ مِن أطْوارِ الدُّنْيا طَوْرٌ يَشْتَبِهُ بِهِ مِن أطْوارِ النَّباتِ.

ومِنها أنَّها مَثَلٌ لِأطْوارِ الإنْسانِ مِن طَوْرِ النُّطَفِ إلى الشَّبابِ إلى الشَّيْخُوخَةِ ثُمَّ الهَلاكِ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ مَعَ إمْكانِ تَوْزِيعِ تَشْبِيهِ كُلِّ طَوْرٍ مِن أطْوارِ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ بِطَوْرٍ مِن أطْوارِ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ بِها وهو أكْمَلُ أنْواعِ التَّمْثِيلِيَّةِ.

و”أُولُوا اَلْألْبابِ“ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِألْبابِهِمْ فَيَهْتَدُونَ بِما نُصِبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] وهُمُ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا فَآمَنُوا. وفي هَذا التَّعْرِيضِ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنَ الأدِلَّةِ بِمَنزِلَةِ مَن عَدِمُوا العُقُولَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском