Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:30–35
39:30–31Page 461
إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠
Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١
Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.
﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
لَمّا جَرى الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ في مَهْيَعِ إبْطالِ الشِّرْكِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، وتَوْضِيحِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ وحالِ المُوَحِّدِينَ المُؤْمِنِينَ بِما يُنْبِئُ بِتَفْضِيلِ حالِ المُؤْمِنِينَ، وفي مَهْيَعِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وعَلى أحَقِّيَّةِ الإيمانِ، وإرْشادِ المُشْرِكِينَ إلى التَّبَصُّرِ في هَذا القُرْآنِ، وتَخَلَّلَ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي أنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ عَنْ باطِلِهِمْ، وخُتِمَ بِتَسْجِيلِ جَهْلِهِمْ وعَدَمِ عِلْمِهِمْ، خُتِمَ هَذا الغَرَضُ بِإحالَتِهِمْ عَلى حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارًا، وحِينَ يَلْتَفِتُونَ فَلا يَرَوْنَ إلّا نارًا.
وقَدَّمَ لِذَلِكَ تَذْكِيرَهم بِأنَّ النّاسَ كُلَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ فَإنَّ المَوْتَ آخِرُ ما يُذَكَّرُ بِهِ السّادِرُ في غُلَوائِهِ إذا كانَ قَدِ اغْتَرَّ بِعَظَمَةِ الحَياةِ ولَمْ يَتَفَكَّرْ في اخْتِيارِ طَرِيقِ السَّلامَةِ والنَّجاةِ، وهَذا مِنِ انْتِهازِ القُرْآنِ فُرَصَ الإرْشادِ والمَوْعِظَةِ.
صفحة ٤٠٤
فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ فاغْتُنِمَ هَذا الغَرَضُ لِيُجْتَلَبَ مَعَهُ مَوْعِظَةٌ بِما يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الحَوادِثِ عَسى أنْ يَكُونَ لَهم بِها مُعْتَبَرٌ، فَحَصَلَتْ بِهَذا فَوائِدُ مِنها: تَمْهِيدُ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنها: التَّذْكِيرُ بِزَوالِ هَذِهِ الحَياةِ، فَهَذانِ عامّانِ لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، ومِنها: حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى المُبادَرَةِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ، ومِنها: إشْعارُهم بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَمُوتُ كَما ماتَ النَّبِيئُونَ مِن قَبْلِهِ لِيَغْتَنِمُوا الِانْتِفاعَ بِهِ في حَياتِهِ ويَحْرِصُوا عَلى مُلازَمَةِ مَجْلِسِهِ، ومِنها أنْ لا يَخْتَلِفُوا في مَوْتِهِ كَما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في غَيْرِهِ، ومِنها تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أنَّ اللَّهَ سَوّى في المَوْتِ بَيْنَ الخَلْقِ دُونَ رَعْيٍ لِتَفاضُلِهِمْ في الحَياةِ لِتَكْثُرَ السَّلْوَةُ وتَقِلَّ الحَسْرَةُ.
فَجَمُلَتا إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ اسْتِئْنافٌ، وعُطِفَ عَلَيْهِما ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ الدّالِّ عَلى التَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأنَّ الإنْباءَ بِالفَصْلِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِنَ الإنْباءِ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَقُولُونَ ”نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ“، والمَعْنى: أنَّ المَوْتَ يَأْتِيكَ ويَأْتِيهِمْ فَما يَدْرِي القائِلُونَ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ أنْ يَكُونُوا يَمُوتُونَ قَبْلَكَ، وكَذَلِكَ كانَ، فَقَدْ رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَصارِعَ أشَدِّ أعْدائِهِ في قَلِيبِ بَدْرٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ:
«دَعا رَسُولُ اللَّهِ عَلى أبِي جَهْلٍ، وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وعُمارَةَ بْنِ الوَلِيدِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأيْتُ الَّذِينَ عَدَّهم رَسُولُ اللَّهِ صَرْعى في القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ» .
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في وإنَّهم مَيِّتُونَ لِلْمُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا غَرَضَ هُنا لِلْإخْبارِ بِأنَّهم مَيِّتُونَ كَما هو بَيِّنٌ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرَيْنِ بِـ ”إنَّ“ لِتَحْقِيقَ المَعْنى التَّعْرِيضِي المَقْصُودِ مِنها.
والمُرادُ بِالمَيِّتِ: الصّائِرُ إلى المَوْتِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ الوَصْفِ فِيمَن سَيَتَّصِفُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلُ اسْتِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً.
صفحة ٤٠٥
والمَيِّتُ: هو مَنِ اتَّصَفَ بِالمَوْتِ، أيْ: زالَتْ عَنْهُ الحَياةُ، ومِثْلُهُ: المَيْتُ، بِتَخْفِيفِ السُّكُونِ عَلى الياءِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِلْكِسائِيِّ والفَرّاءِ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ لِرَدِّ إنْكارِ المُشْرِكِينَ البَعْثَ. وتَقْدِيمُ ”عِنْدَ رَبِّكم“ عَلى ”تَخْتَصِمُونَ“ لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ.
والِاخْتِصامُ: كِنايَةٌ عَنِ الحُكْمِ بَيْنَهم، أيْ: يَحْكُمُ بَيْنَكم فِيما اخْتَصَمْتُمْ فِيهِ في الدُّنْيا مِن إثْباتِ المُشْرِكِينَ آلِهَةً وإبْطالِكم ذَلِكَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ١٢٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصامُ أُطْلِقَ عَلى حِكايَةِ ما وقَعَ بَيْنَهم في الدُّنْيا حِينَ تُعْرَضُ أعْمالُهم، كَما يُقالُ: هَذا تَخاصُمُ فُلانٍ وفُلانٍ، في طالِعِ مَحْضَرِ خُصُومَةٍ ومُقاوَلَةٍ بَيْنَهُما يُقْرَأُ بَيْنَ يَدَيِ القاضِي.
ويَجُوزُ أنْ تُصَوَّرَ خُصُومَةُ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ يَوْمَئِذٍ لِيَفْتَضِحَ المُبْطِلُونَ ويَبْهَجَ أهْلُ الحَقِّ عَلى نَحْوِ ما قالَ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] .
وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَضَمِيرُ ”إنَّكم“ عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”إنَّكَ“ و”إنَّهم“ .
وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى جَمِيعِ الأُمَّةِ وهو اخْتِصامُ الظُّلاماتِ، وقَدْ ورَدَ تَأْوِيلُ الضَّمِيرِ عَلى هَذا المَعْنى فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ " لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ ونَحْنُ إخْوانٌ، فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ وضَرَبَ بَعْضُنا وجْهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ قُلْنا: هَذا الخِصامُ الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا، ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَ مَقالَةِ ابْنِ عُمَرَ ولَكِنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ قُلْنا: نَعَمْ هو ذا، وسَواءٌ شَمِلَتِ الآيَةُ هَذِهِ المَحامِلَ وهو الألْيَقُ، أوْ لَمْ تَشْمَلْها فالمَقْصُودُ مِنها هو تَخاصُمُ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الشِّرْكِ.
39:32Page 462
۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (سُورَةُ الزُّمَرِ) ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ .
أفادَتِ الفاءُ تَفْرِيعَ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها تَفْرِيعَ القَضاءِ عَنِ الخُصُومَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] إذْ عَلِمْتَ أنَّ الِاخْتِصامَ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الحُكْمِ بَيْنَهم فِيما خالَفُوا فِيهِ وأنْكَرُوهُ، والمَعْنى: يَقْضِي بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ القَضاءُ عَلى مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ إذْ هو الَّذِي لا أظْلَمَ مِنهُ، أيْ: فَيَكُونُ القَضاءُ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِنِسْبَةِ الشُّرَكاءِ إلَيْهِ والبَناتِ، وكَذَّبُوا بِالصِّدْقِ وهو القُرْآنُ، وما صَدَقُ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ الفَرِيقُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وهُمُ المَعْنِيُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] .
وقَدْ كُنِّيَ عَنْ كَوْنِهِمْ مَدِينِينَ بِتَحْقِيقِ أنَّهم أظْلَمُ لِأنَّ مِنَ العَدْلِ أنْ لا يُقَرَّ الظّالِمُ عَلى ظُلْمِهِ فَإذا وُصِفَ الخَصْمُ بِأنَّهُ ظالِمٌ عُلِمَ أنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ داوُدَ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] .
وقَدْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الإخْبارِ إلى صَوْغِهِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ السّامِعَ لا يَسَعُهُ إلّا الجَوابُ بِأنَّهم أظْلَمُ.
فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرْسَلًا أوْ كِنايَةً مُرادٌ بِهِ أنَّهم أظْلَمُ الظّالِمِينَ وأنَّهُ لا ظالِمَ أظْلَمُ مِنهم، فَآلَ مَعْناهُ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ أظْلَمَ مِنهم فَإنَّهم أتَوْا أصْنافًا مِنَ
صفحة ٦
الظُّلْمِ العَظِيمِ: ظُلْمِ الِاعْتِداءِ عَلى حُرْمَةِ الرَّبِّ بِالكَذِبِ في صِفاتِهِ إذْ زَعَمُوا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، والكَذِبِ عَلَيْهِ بِادِّعاءِ أنَّهُ أمَرَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وظُلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِتَكْذِيبِهِ، وظُلْمِ القُرْآنِ بِنِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ، وظُلْمِ المُؤْمِنِينَ بِالأذى، وظُلْمِ حَقائِقِ العالَمِ بِقَلْبِها وإفْسادِها، وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِإقْحامِها في العَذابِ الخالِدِ.
وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ ”هم“ إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ كَوْنِهِمْ أظْلَمَ النّاسِ.
وإنَّما اقْتُصِرَ في التَّعْلِيلِ عَلى أنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وكَذَّبُوا بِالصِّدْقِ لِأنَّ هَذَيْنِ الكَذِبَيْنِ هُما جِماعُ ما أتَوْا بِهِ مِنَ الظُّلْمِ المَذْكُورِ آنِفًا.
والصِّدْقُ: ضِدُّ الكَذِبِ.
والمُرادُ بِالصِّدْقِ القُرْآنُ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ومَجِيءُ الصِّدْقِ إلَيْهِمْ: بُلُوغُهُ إيّاهم، أيْ: سَماعُهم إيّاهُ وفَهْمُهم فَإنَّهُ بِلِسانِهِمْ وجاءَ بِأفْصَحِ بَيانٍ بِحَيْثُ لا يُعْرِضُ عَنْهُ إلّا مُكابِرٌ مُؤْثِرٌ حُظُوظَ الشَّهْوَةِ والباطِلِ عَلى حُظُوظِ الإنْصافِ والنَّجاةِ.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَةِ ”الصِّدْقِ“ وفِعْلِ ”كَذَّبَ“ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
و﴿إذْ جاءَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”كَذَّبَ“، و”إذْ“ ظَرْفُ زَمَنٍ ماضٍ وهو مُشْعِرٌ بِالمُقارَنَةِ بَيْنَ الزَّمَنِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها، وحُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ، فَقَوْلُهُ ﴿إذْ جاءَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَذَّبَ بِالحَقِّ بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِ إيّاهُ بِدُونِ مُهْلَةٍ، أيْ: بادَرَ بِالتَّكْذِيبِ بِالحَقِّ عِنْدَ بُلُوغِهِ إيّاهُ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ لِإعْمالِ رُؤْيَةٍ ولا اهْتِمامٍ بِمَيْزٍ بَيْنَ حَقٍّ وباطِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ ظُلْمَهم أوْجَبَ أنْ يَكُونَ مَثْواهم في جَهَنَّمَ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وإنَّما وُجِّهَ الِاسْتِفْهامُ إلى نَفْيِ ما المَقْصُودُ التَّقْرِيرُ بِهِ جَرْيًا
صفحة ٧
عَلى الغالِبِ في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ وهي طَرِيقَةُ إرْخاءِ العَنانِ لِلْمُقَرَّرِ بِحَيْثُ يُفْتَحُ لَهُ بابُ الإنْكارِ عِلْمًا مِنَ المُتَكَلِّمِ بِأنَّ المُخاطَبَ لا يَسَعُهُ الإنْكارُ فَلا يَلْبَثُ أنْ يُقِرَّ بِالإثْباتِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا رَدًّا لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم ناجُونَ مِنَ النّارِ الدّالِّ عَلَيْهِ تَصْمِيمُهم عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ في دَعْوَةِ القُرْآنِ.
والكافِرُونَ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ فَأثْبَتُوا لَهُ الشُّرَكاءَ أوْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ بَعْدَ ظُهُورِ دَلالَةِ صِدْقِهِمْ، والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ لِلْجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقِ فَشَمِلَ الكافِرِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم شُمُولًا أوَّلِيًّا.
وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُفِيدَةً لِلتَّذْيِيلِ أيْضًا، ويَكُونُ اقْتِضاءُ مَصِيرِ الكافِرِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم إلى النّارِ ثابِتًا بِشِبْهِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَعُمُّ مَصِيرَ جَمِيعِ الجِنْسِ الَّذِي هم مِن أصْنافِهِ.
ولَيْسَ في الكَلامِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ.
والمَثْوى: اسْمُ مَكانِ الثُّواءِ، وهو القَرارُ، فالمَثْوى: المَقَرُّ.
39:33–35Page 462
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣
And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤
They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥
That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والصِّدْقُ: القُرْآنُ؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ.
وجُمْلَةُ وصَدَّقَ بِهِ صِلَةُ مَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، لِأنَّ المُصَدِّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ لِأنَّ الَّذِي صَدَّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ فالعَطْفُ عَطْفُ جُمْلَةٍ كامِلَةٍ ولَيْسَ عَطْفَ جُمْلَةِ صِلَةٍ.
صفحة ٨
وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى ”الصِّدْقِ“ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ والتَّصْدِيقُ بِكِلَيْهِما مُتَلازِمٌ، وإذْ قَدْ كانَ المُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالنَّبِيءِ ﷺ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ كانَ مُرادًا بِهِ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وهم جَماعَةٌ فَلا تَقَعُ صِفَتُهم صِلَةً لِـ ”الَّذِي“ لِأنَّ أصْلَهُ لِلْمُفْرَدِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِفَرِيقٍ، وقَرِينَتُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وإنَّما أُفْرِدَ عائِدُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ وصَدَّقَ رَعْيًا لِلَفْظِ ”الَّذِي“ وذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الإيجازِ.
ورَوى الطَّبَرَيُّ بِسَنَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ والَّذِي صَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ، وقالَهُ الكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ومَحْمَلُهُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ أوَّلُ مَن صَدَّقَ النَّبِيءَ ﷺ .
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْعِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يُفِيدُ قَصْرَ جِنْسِ المُتَّقِينَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ لِأنَّهُ لا مُتَّقٍ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ؛ وكُلُّهم مُتَّقُونَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ لَمّا أشْرَقَتْ عَلى نُفُوسِهِمْ أنْوارُ الرَّسُولِ ﷺ تَطَهَّرَتْ ضَمائِرُهم مِن كُلِّ سَيِّئَةٍ فَكانُوا مَحْفُوظِينَ مِنَ اللَّهِ بِالتَّقْوى قالَ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ تَحَقَّقَ فِيهِمْ ما أُرِيدَ مِن إنْزالِ القُرْآنِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] .
وجُمْلَةُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا قُصِرَ عَلَيْهِمْ جِنْسُ المُتَّقِينَ كانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِمَزِيَّةٍ عَظِيمَةٍ فَكانَ يَقْتَضِي أنْ يَسْألَ السّامِعُ عَنْ جَزاءِ هَذِهِ المَزِيَّةِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
و﴿ما يَشاءُونَ﴾ هو ما يُرِيدُونَ ويَتَمَنَّوْنَ، أيْ: يُعْطِيهُمُ اللَّهُ ما يَطْلُبُونَ في الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أنَّ اللَّهَ ادَّخَرَ لَهم ما يَبْتَغُونَهُ، وهَذا مِن صِيَغِ الِالتِزامِ
صفحة ٩
ووَعْدِ الإيجابِ، يُقالُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، أيْ ألْتَزِمُ لَكَ بِكَذا، ثُمَّ يَجُوزُ أنَّ اللَّهَ يُلْهِمُهم أنْ يَشاءُوا ما لا يَتَجاوَزُ قَدْرَ ما عَيَّنَ اللَّهُ مِنَ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُتَفاوِتُونَ في الدَّرَجاتِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: تَمَنَّهْ، فَلا يَزالُ يَتَمَنّى حَتّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأمانِيُّ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ مَعَهُ» .
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ مِمّا يَقَعُ تَحْتَ أنْظارِهِمْ في قُصُورِهِمْ ويَحْجُبُ اللَّهُ عَنْهم ما فَوْقَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَسْألُونَ ما هو مِن عَطاءِ أمْثالِهِمْ وهو عَظِيمٌ ويَقْلَعُ اللَّهُ مِن نُفُوسِهِمْ ما لَيْسَ مِن حُظُوظِهِمْ.
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ سَعَةِ ما يُعْطَوْنَهُ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَما يَقُولُ مَن أسْدَيْتَ إلَيْهِ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ: لَكَ عَلَيَّ حُكْمُكَ، أوْ لَكَ عِنْدِي ما تَسْألُ، وأنْتَ تُرِيدُ ما هو غايَةُ الإحْسانِ لِأمْثالِهِ.
وعَدَلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى وصْفِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّهِمْ إيماءً إلى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ عَطاءَ الرُّبُوبِيَّةِ والإيثارِ بِالخَيْرِ.
ثُمَّ نَوَّهَ بِهَذا الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ والمُشارُ إلَيْهِ هو ﴿ما يَشاءُونَ﴾ لِما تَضَمَّنَهُ مِن أنَّهُ جَزاءٌ لَهم عَلى التَّصْدِيقِ. وأُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ.
والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم المُتَّقُونَ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِهِمْ فَيُقالُ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَوَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُحْسِنُونَ.
والإحْسانُ: هو كَمالُ التَّقْوى لِأنَّهُ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ - بِأنَّهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»، وأيُّ إحْسانٍ وأيُّ تَقْوًى أعْظَمُ مِن نَبْذِهِمْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن تَحَمُّلِهِمْ مُخالَفَةَ أهْلِيهِمْ وذَوِيهِمْ وعَداوَتِهم وأذاهم، ومِن صَبْرِهِمْ عَلى مُصادَرَةِ أمْوالِهِمْ ومُفارَقَةِ نِسائِهِمْ تَصْدِيقًا لِلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وإيثارًا لِرِضى اللَّهِ عَلى شَهْوَةِ النَّفْسِ ورِضى العَشِيرَةِ.
صفحة ١٠
وقَوْلُهُ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وهي تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ والتَزَمَ لَهم ذَلِكَ لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم وعْدًا مُطْلَقًا لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ ما عَمِلُوهُ، أيْ ما وعَدَهم بِذَلِكَ الجَزاءِ إلّا لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ إعْلامُهم بِهِ لِيَطْمَئِنُّوا مِن عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم مِنَ الشِّرْكِ وأحْوالِهِ.
و(أسْوَأ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى ظاهِرِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنِ اقْتِضاءِ مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ، فالمُرادُ بِأسْوَأِ عَمَلِهِمْ هو أعْظَمُهُ سُوءًا، وهو الشِّرْكُ «، سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ فَقالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ»، وإضافَتُهُ إلى الَّذِي عَمِلُوا إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ومَعْنى كَوْنِ الشِّرْكِ مِمّا عَمِلُوا بِاعْتِبارِ أنَّ الشِّرْكَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ أوْ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وإذا كَفَّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا كَفَّرَ عَنْهم ما دُونَهُ مِن سَيِّئِ أعْمالِهِمْ بِدَلالَةِ الفَحْوى، فَأفادَ أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهم جَمِيعَ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما سَبَقَ قَبْلَ الإسْلامِ فالآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِالرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ بَعْدَ أنْ كانَ كافِرًا فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما عَسى أنْ يَعْمَلَهُ أحَدٌ مِنهم مِنَ الكَبائِرِ في الإسْلامِ كانَ هَذا التَّكْفِيرُ خُصُوصِيَّةً لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ فَضْلَ الصُّحْبَةِ عَظِيمٌ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ:
«لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْوَأ مَسْلُوبَ المُفاضَلَةِ، وإنَّما هو مُجازٌ في السُّوءِ العَظِيمِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] أيِ العَمَلُ الشَّدِيدُ السُّوءِ، وهو الكَبائِرُ، وتَكُونُ إضافَتُهُ بَيانِيَّةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ رُتْبَةَ صُحْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَظِيمَةٌ.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ في أصْحابِي لا تَتَّخِذُوهم
صفحة ١١
غَرَضًا بَعْدِيَ، فَمَن أحَبَّهم فَبِحُبِّي أحَبَّهم ومَن أبْغَضَهم فَبِبُغْضِي أبْغَضَهم، ومَن آذاهم فَقَدْ آذانِي، ومَن آذانِي فَقَدْ آذى اللَّهَ ومَن آذى اللَّهَ فَيُوشِكُ أنْ يَأْخُذَهُ» .
وقَدْ أوْصى أيِمَّةُ سَلَفِنا الصّالِحِ أنْ لا يُذْكَرَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا بِأحْسَنِ ذِكْرٍ، وبِالإمْساكِ عَمّا شَجَرَ بَيْنَهم، وأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِأنْ يُلْتَمَسَ لَهم أحْسَنُ المَخارِجِ فِيما جَرى بَيْنَ بَعْضِهِمْ، ويُظَنَّ بِهِمْ أحْسَنُ المَذاهِبِ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى تَفْسِيقِ ابْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ ومَن لَفَّ لَفَّهُ مِنَ الثُّوّارِ الَّذِينَ جاءُوا مِن مِصْرَ إلى المَدِينَةِ لِخَلْعِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْحابَ الجَمَلِ وأصْحابَ صِفِّينَ كانُوا مُتَنازِعِينَ عَنِ اجْتِهادٍ وما دَفَعَهم عَلَيْهِ إلّا السَّعْيُ لِصَلاحِ الإسْلامِ والذَّبِّ عَنْ جامِعَتِهِ مِن أنْ تَتَسَرَّبَ إلَيْها الفُرْقَةُ والِاخْتِلالُ، فَإنَّهم جَمِيعًا قُدْوَتُنا وواسِطَةُ تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ إلَيْنا، والطَّعْنُ في بَعْضِهِمْ يُفْضِي إلى مَخاوِفَ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ أثْبَتَ عُلَماؤُنا عَدالَةَ جَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ .
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ بِضَمِيرِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِزِيادَةِ تَمَكُّنِ الإخْبارِ بِتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ تَمْكِينًا لِاطْمِئْنانِ نُفُوسِهِمْ بِوَعْدِ رَبِّهِمْ.
وعُطِفَ عَلى الفِعْلِ المَجْعُولِ عِلَّةً أوْلى فِعْلٌ هو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ وهو ﴿ويَجْزِيَهِمْ أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْوَعْدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
والبِناءُ في قَوْلِهِ بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ صِفَةٌ لِ (أجْرَهم) ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (يَجْزِيَهِمْ)، أيْ يَجْزِيَهِمْ أجْرًا عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ. وإذا كانَ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ الأحْسَنِ بِهَذا الوَعْدِ وهو لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم يُجازُونَ عَلى ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، بِدَلالَةِ إيذانِ وصْفِ (الأحْسَنِ) بِأنَّ عِلَّةَ الجَزاءِ هي الأحْسَنِيَّةُ وهي تَتَضَمَّنُ أنَّ لِمَعْنى الحُسْنِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ فَإذا كانَ جَزاءُ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ كانَ جَزاءُ ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن أعْمالِهِمْ جَزاءً دُونَ ذَلِكَ بِأنْ يُجازُوا بِزِيادَةٍ وتَنْفِيلٍ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ بِزِيادَةِ تَنَعُّمٍ أوْ كَرامَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ١٢
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: أنَّ مُقاتِلًا كانَ شَيْخَ المُرْجِئَةِ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَّقَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ فَإنَّهُ تَعالى يُكَفِّرُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا. ولا يَجُوزُ حَمْلُ الأسْوَأِ عَلى الكُفْرِ السّابِقِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ إنَّما حَصَلَ في حالِ ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْوَأِ الكَبائِرَ الَّتِي يَأْتِي بِها بَعْدَ الإيمانِ اهـ. ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وجَوابُهُ: لِأنَّ الأسْوَأ مُحْتَمَلٌ أنَّ أدِلَّةً كَثِيرَةً أحْرى تُعارِضُ الِاسْتِدْلالَ بِعُمُومِها.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَةِ (أسْوَأ) وكَلِمَةِ (أحْسَنَ) مُحَسِّنُ الطَّباقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences