Ibn 'AshurAz‑Zumar · 39:36–41

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:36–41

39:36Page 462

أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦

Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.

﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ . لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلٍ فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلٍ خالِصٍ لِرَجُلٍ، كانَ ذَلِكَ المَثَلُ مُثِيرًا لِأنْ يَقُولَ قائِلُ المُشْرِكِينَ لَتَتَألَّبَنَّ شُرَكاؤُنا عَلى الَّذِي جاءَ يُحَقِّرُها ويَسُبُّها، ومُثِيرًا لِحَمِيَّةِ المُشْرِكِينَ أنْ يَنْتَصِرُوا لِآلِهَتِهِمْ كَما قالَ مُشْرِكُو قَوْمِ إبْراهِيمَ ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، ورُبَّما أنْطَقَتْهم حَمِيَّتُهم بِتَخْوِيفِ الرَّسُولِ ﷺ فَفي الكَشّافِ وتَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا وإنّا نَخْشى عَلَيْكَ مَعَرَّتَها بِعَيْنٍ بَعْدَ المِيمِ بِمَعْنى الإصابَةِ بِمَكْرُوهٍ يَعْنُونَ المَضَرَّةَ لِعَيْبِكَ إيّاها، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ ما هو بِمَعْنى هَذا، فَلَمّا حَكى تَكْذِيبَهم النَّبِيءَ عَطَفَ الكَلامَ إلى ما هَدَّدُوهُ بِهِ وخَوَّفُوهُ مِن شَرِّ أصْنامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ .

فَهَذا الكَلامُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ الَّذِي أفْرَدْتُهُ بِالعِبادَةِ هو كافِيكَ شَرَّ المُشْرِكِينَ وباطِلَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها مِن دُونِهِ، فَقَوْلُهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَعْجِيلِ مَساءَةِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَعْجِيلُ مَسَرَّةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ ضامِنٌ لَهُ الوِقايَةَ كَقَوْلِهِ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .

صفحة ١٣

وأصْلُ النَّظْمِ: ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِ اللَّهِ واللَّهُ كافِيكَ، فَغَيَّرَ مَجْرى النَّظْمِ لِهَذا الغَرَضِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ نَظْمَ الكَلامِ عَلى تَرْتِيبِهِ في اللَّفْظِ فَتَجْعَلَ جُمْلَةَ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ اسْتِئْنافًا وتَصِيرُ جُمْلَةُ (ويُخَوِّفُونَكَ) حالًا.

ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وهو عَبْدُهُ دُونَ ضَمِيرِ الخِطابِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْجِيهُ الكَلامِ إلى المُشْرِكِينَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِ (كافٍ) لِظُهُورِ أنَّ المَقْصُودَ كافِيكَ أذاهم، فَأمّا الأصْنامُ فَلا تَسْتَطِيعُ أذًى حَتّى يُكْفاهُ الرَّسُولُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ ظَنَّهم أنْ لا حامِيَ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن ضُرِّ الأصْنامِ.

والمُرادُ بِ (عَبْدَهُ) هو الرَّسُولُ ﷺ لا مَحالَةَ وبِقَرِينَةِ (ويُخَوِّفُونَكَ) .

وفِي اسْتِحْضارِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، مَعْنًى عَظِيمٌ مِن تَشْرِيفِهِ بِهَذِهِ الإضافَةِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّمِهِ إلى أعْدائِهِ.

والخِطابُ في (ويُخَوِّفُونَكَ) لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ العائِدِ عَلى عَبْدِهِ، ونُكْتَةُ هَذا الِالتِفاتِ هو تَمْحِيضُ قَصْدِ النَّبِيءِ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

والَّذِينَ مِن دُونِهِ هُمُ الأصْنامُ. عَبَّرَ عَنْهم وهم حِجارَةٌ بِمَوْصُولِ العُقَلاءِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ التَّعْبِيرِ عَنْهم في الكَلامِ بِصِيَغِ العُقَلاءِ. ومِن دُونِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، تَقْدِيرُهُ: اتَّخَذُوهم مِن دُونِهِ أوْ عَبَدُوهم مِن دُونِهِ.

ووَقَعَ في تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هو خَبَرُ تَوْجِيهِ النَّبِيءِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى هَدْمِ العُزّى وأنَّ سادِنَ العُزّى قالَ لِخالِدٍ: أُحَذِّرُكَها يا خالِدُ فَإنَّ لَها شِدَّةً لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، فَعَمَدَ خالِدٌ إلى العُزّى فَهَشَّمَ أنْفَها حَتّى كَسَرَها بِالفَأْسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وتَأوَّلَ الخِطابَ في قَوْلِهِ ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ بِأنَّ تَخْوِيفَهم خالِدًا أرادُوا بِهِ تَخْوِيفَ النَّبِيءِ ﷺ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وسِياقُ الآيَةِ نابَ عَنْهُ. ولَعَلَّ بَعْضَ مَن قالَ هَذا إنَّما أرادَ الِاسْتِشْهادَ لِتَخْوِيفِ المُشْرِكِينَ النَّبِيءَ ﷺ مِن أصْنامِهِمْ بِمِثالٍ مَشْهُورٍ.

صفحة ١٤

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِكافٍ عَبْدَهُ﴾، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ ”عِبادَهُ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ أيِ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم لَمّا خَوَّفُوا النَّبِيءَ ﷺ فَقَدْ أرادُوا تَخْوِيفَهُ وتَخْوِيفَ أتْباعِهِ وأنَّ اللَّهَ كَفاهم شَرَّهم.

* * *

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] .

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ الآيَةَ، وجُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] قَصَدَ مِن هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ ضَلالَهم داءٌ عَياءٌ لِأنَّهُ ضَلالٌ مُكَوَّنٌ في نُفُوسِهِمْ وجِبِلَّتِهِمْ قَدْ ثَبَّتَتْهُ الأيّامُ، ورَسَّخَهُ تَعاقُبُ الأجْيالِ، فَرانَ بِغِشاوَتِهِ عَلى ألْبابِهِمْ، فَلَمّا صارَ ضَلالُهم كالمَجْبُولِ المَطْبُوعِ أُسْنِدَ إيجادُهُ إلى اللَّهِ كِنايَةً عَنْ تَعَسُّرِ أوْ تَعَذُّرِ اقْتِلاعِهِ مِن نُفُوسِهِمْ.

وأُرِيدَ مِن نَفْيِ الهادِي مِن قَوْلِهِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ نَفِيُ حُصُولِ الِاهْتِداءِ، فَكُنِّيَ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الهُدى بِانْتِفاءِ الهادِي لِأنَّ عَدَمَ الِاهْتِداءِ يَجْعَلُ هادِيَهم كالمَنفِيِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] .

والآيَتانِ مُتَساوِيَتانِ في إفادَةِ نَفْيِ جِنْسِ الهادِي، إلّا أنَّ إفادَةَ ذَلِكَ هُنا بِزِيادَةِ (مَن) تَنْصِيصًا عَلى نَفْيِ الجِنْسِ. وفي آيَةِ الأعْرافِ بِبِناءِ هادِي عَلى الفَتْحِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ فَإنَّ بِناءَ اسْمِها عَلى الفَتْحِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الجِنْسِ نَصًّا. والِاخْتِلافُ بَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ تَفَنُّنٌ في الكَلامِ وهو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.

وتَقْدِيمُ (لَهُ) عَلى (هادٍ) لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِهِمْ في مَقامِ نَفْيِ الهادِي لَهم لِأنَّ ضَلالَهُمُ المَحْكِيَّ هُنا بالِغٌ في الشَّناعَةِ إذا بَلَغَ بِهِمْ حَدُّ الطَّمَعِ في تَخْوِيفِ النَّبِيءِ بِأصْنامِهِمْ في حالِ ظُهُورِ عَدَمِ اعْتِدادِهِ بِأصْنامِهِمْ لِكُلِّ مُتَأمِّلٍ مِن حالِ دَعْوَتِهِ، وإذْ بَلَغَ بِهِمُ اعْتِقادُ مَقْدِرَةِ أصْنامِهِمْ مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ قُدْرَةِ الرَّبِّ الحَقِّ، بِخِلافِ آيَةِ الأعْرافِ فَإنَّ فِيها ذِكْرَ إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو ضَلالٌ دُونَ ضَلالِ التَّخْوِيفِ مِن بَأْسِ أصْنامِهِمْ.

صفحة ١٥

وأمّا جُمْلَةُ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] فَقَدِ اقْتَضاها أنَّ الكَلامَ الَّذِي اعْتَرَضَتْ بَعْدَهُ الجُمْلَتانِ اقْتَضى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا مُتَمَسِّكًا بِاللَّهِ القادِرِ عَلى النَّفْعِ والضَّرِّ وهو النَّبِيءُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، وآخَرُ مُسْتَمْسِكًا بِالأصْنامِ العاجِزَةِ عَنِ الأمْرَيْنِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ ضَلالَ الفَرِيقِ الثّانِي ضَلالٌ مَكِينٌ بِبَيانِ أنَّ هُدى الفَرِيقِ الآخَرِ راسِخٌ مَتِينٌ فَلا مَطْمَعَ لِلْفَرِيقِ الضّالِّ بِأنْ يَجُرُّوا المُهْتَدِينَ إلى ضَلالِهِمْ.

39:37Page 462

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧

And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?

﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ .

تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ انْتِفاءِ كِفايَةِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كَإنْكارِ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ لِأنَّ العِلْمَ بِعِزَّةِ اللَّهِ مُتَقَرِّرٌ في النُّفُوسِ لِاعْتِرافِ الكُلِّ بِإلَهِيَّتِهِ والإلَهِيَّةُ تَقْتَضِي العِزَّةَ، ولِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مُتَقَرِّرٌ مِن مُشاهَدَةِ آثارِ أخْذِهِ لِبَعْضِ الأُمَمِ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ.

فَإذا كانُوا يُقِرُّونَ لِلَّهِ بِالوَصْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَما عَلَيْهِمْ إلّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ كافٍ عَبْدَهُ بِعِزَّتِهِ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إصابَةِ عَبْدِهِ بِسُوءٍ، وبِانْتِقامِهِ مِنَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ لِعَبْدِهِ الأذى.

و(العَزِيزُ): صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ العِزِّ، وهو مَنَعَةُ الجانِبِ وأنْ لا يَنالَهُ المُتَسَلِّطُ وهو ضِدُّ الذُّلِّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(الِانْتِقامُ): المُكافَأةُ عَلى الشَّرِّ بِشَرٍّ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّقْمِ وهو الغَضَبُ كَأنَّهُ مُطاوِعُهُ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ النَّقْمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ في سُورَةِ العُقُودِ.

39:38Page 462

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨

And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."

صفحة ١٦

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ [الزمر: ٣٧]، وجُمْلَةِ قُلْ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنَ دُونِ اللَّهِ﴾، لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّوْطِئَةَ إلَيْهِ بِما لا نِزاعَ فِيهِ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في عَظائِمِ الأُمُورِ، أيْ خَلْقِهِما وما تَحْوِيانِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

* * *

”﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾“ .

جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ﴾ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُقاوَلَةِ والمُجاوَبَةِ لِكَلامِهِمُ المَحْكِيِّ بِجُمْلَةِ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الثّانِيَةُ بِالواوِ ولا بِالفاءِ، والمَعْنى: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَقُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلَخْ. والفاءُ مِن (أفَرَأيْتُمْ) لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى جَوابِهِمْ تَفْرِيعًا يُفِيدُ مُحاجَّتَهم عَلى لازِمِ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وهَذا تَفْرِيعُ الإلْزامِ عَلى الإقْرارِ، والنَّتِيجَةُ عَلى الدَّلِيلِ فَإنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ يَلْزَمُهم أنْ يُقِرُّوا بِأنَّهُ المُتَصَرِّفُ فِيما تَحْوِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ. والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ أفَظَنَنْتُمْ.

وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَفْعُولُ (رَأيْتُمُ) الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ سَدَّ مَسَدَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ المُعْتَرِضُ بَعْدَ المَفْعُولِ الأوَّلِ عَلى قاعِدَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ اجْتِماعِ مُبْتَدَأٍ وشَرْطٍ أنْ يَجْرِيَ ما بَعْدَهُما عَلى ما يُناسِبُ جُمْلَةَ الشَّرْطِ لِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِأفْعالِ القُلُوبِ في مَعْنى المُبْتَدَأِ.

صفحة ١٧

وجُمْلَةُ ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ جَوابُ (إنْ)، واسْتِعْمالُ العَرَبِ إذا صُدِّرَ الجَوابُ بِأداةِ اسْتِفْهامٍ غَيْرِ الهَمْزَةِ يَجُوزُ تَجَرُّدُهُ عَنِ الفاءِ الرّابِطَةِ لِلْجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، ويَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣] . فَأمّا المُصَدَّرُ بِالهَمْزَةِ فَلا يَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] .

وجَوابُ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفاتٍ ضُرَّهُ.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو إنْكارِيٌّ إنْكارًا لِهَذا الظَّنِّ.

وجِيءَ بِحَرْفِ (هَلْ) في جَوابِ الشَّرْطِ وهي لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أيْضًا تَأْكِيدًا لِما أفادَتْهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعَ ما في (هَلْ) مِن إفادَةِ التَّحْقِيقِ. وضَمِيرُ (هُنَّ) عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ الضَّمائِرُ المُؤَنَّثَةُ الوارِدَةُ بَعْدَهُ ظاهِرَةً ومُسْتَتِرَةً، إمّا لِأنَّ ماصَدَقَ (ما) المَوْصُولَةُ هُنا أحْجارٌ غَيْرُ عاقِلَةٍ وجَمْعُ غَيْرِ العُقَلاءِ يَجْرِي عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ، ولِأنَّ ذَلِكَ يُصَيِّرُ الكَلامَ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُوَجَّهِ بِأنَّ آلِهَتَهم كالإناثِ لا تَقْدِرُ عَلى النَّصْرِ.

والكاشِفاتُ: المُزِيلاتُ، فالكَشْفُ مُسْتَعارٌ لِلْإزالَةِ بِتَشْبِيهِ المَعْقُولِ وهو الضُّرُّ بِشَيْءٍ مُسْتَتِرٍ، وتَشْبِيهُ إزالَتِهِ بِكَشْفِ الشَّيْءِ المَسْتُورِ، أيْ إخْراجِهِ، وهي مَكْنِيَّةٌ والكَشْفُ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ.

والإمْساكُ أيْضًا مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الرَّحْمَةِ بِما يُسْعَفُ بِهِ، وتَشْبِيهُ التَّعَرُّضِ لِحُصُولِها بِإمْساكِ صاحِبِ المَتاعِ مَتاعَهُ عَنْ طالِبِيهِ.

وعَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الإرادَةِ لِلضُّرِّ والرَّحْمَةِ، إلى تَعْدِيَتِهِ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ذاتِ المَضْرُورِ والمَرْحُومِ مَعَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الإراداتِ المَعانِي دُونَ الذَّواتِ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنْ أرادَ ضُرِّي أوْ أرادَ رَحْمَتِي فَحَقُّ فِعْلِ الإرادَةِ إذا قُصِدَ تَعْدِيَتُهُ إلى شَيْئَيْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو المَفْعُولُ، وأنْ يَكُونَ ما مَعَهُ مُعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، نَحْوَ أرَدْتُ خَيْرًا لِزَيْدٍ، أوْ أرَدْتُ بِهِ خَيْرًا، فَإذا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ قَصَدَ بِهِ

صفحة ١٨

الِاهْتِمامَ بِالمُرادِ بِهِ لِإيصالِ المُرادِ إلَيْهِ حَتّى كَأنَّ ذاتَهُ هي المُرادُ لِمَن يُرِيدُ إيصالَ شَيْءٍ إلَيْهِ، وهَذا مِن تَعْلِيقِ الأحْكامِ بِالذَّواتِ. والمُرادُ أحْوالُ الذَّواتِ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها. ونَظْمُ التَّرْكِيبِ: إنْ أرادَنِي وأنا مُتَلَبِّسٌ بِضُرٍّ مِنهُ أوْ بِرَحْمَةٍ مِنهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ شاسٍ:

أرادَتْ عِرارًا بِالهَوانِ ومَن يُرِدْ عِرارًا لَعَمْرِي بِالهَوانِ فَقَدْ ظَلَمْ

وإنَّما فَرَضَ إرادَةَ الضُّرِّ وإرادَةَ الرَّحْمَةِ في نَفْسِهِ دُونَ أنْ يَقُولَ: إنْ أرادَكم، لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى ما خَوَّفُوهُ مِن ضُرِّ أصْنامِهِمْ إيّاهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ و﴿مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ بِإضافَةِ الوَصْفَيْنِ إلى الِاسْمَيْنِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِتَنْوِينِ الوَصْفَيْنِ ونَصْبِ ”ضُرِّهِ“ و”رَحْمَتِهِ“ وهو اخْتِلافٌ في لَفْظِ تَعَلُّقِ الوَصْفِ بِمَعْمُولِهِ والمَعْنى واحِدٌ.

ولَمّا ألْقَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الحَجَرَ وقَطَعَهم فَلا يُحِيرُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾، وإنَّما أُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ ولَمْ يَنْتَظِمْ حَسْبِيَ اللَّهُ في جُمْلَةِ الأمْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المَأْمُورَ بِأنْ يَقُولَهُ لَيْسَ المَقْصُودَ تَوْجِيهُهُ إلى المُشْرِكِينَ فَإنَّ فِيما سَبَقَهُ مُقْنِعًا مِن قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأصْنامِهِمْ، وإنَّما المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ شِعارَ النَّبِيءِ ﷺ في جَمِيعِ شُئُونِهِ، وفِيهِ حَظٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ حاصِلٌ مِن قَوْلِهِ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ قالَ تَعالى ”﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]“، فَإعادَةُ فِعْلِ قُلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ هَذا الغَرَضِ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ.

والحَسْبُ: الكافِي. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في آلِ عِمْرانَ.

وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لِعُمُومِ المُتَعَلِّقاتِ، أيْ حَسْبِيَ اللَّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ حالٍ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ اعْتِقادُهُ، ثُمَّ تُذَكُّرُهُ، ثُمَّ الإعْلانُ بِهِ لِتَعْلِيمِ المُسْلِمِينَ وإغاظَةِ المُشْرِكِينَ.

صفحة ١٩

والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ أُمُورِ المُفَوِّضِ إلى مَن يَكْفِيهِ إيّاهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ عَلَيْهِ ﴿يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا أُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ تَذَكُّرًا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وتَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّها أعَمُّ مِنها بِاعْتِبارِ القائِلِينَ لِأنَّ حَسْبِيَ اللَّهُ يَئُولُ إلى مَعْنى: تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ، أيْ حَسْبِيَ أنا وحَسْبُ كُلِّ مُتَوَكِّلٍ، أيْ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ويَعْتَمِدُ عَلى كِفايَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَتَعْرِيفُ ”المُتَوَكِّلُونَ“ لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أيِ المُتَوَكِّلُونَ الحَقِيقِيُّونَ إذْ لا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى خاطَبَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِأنْ يَقُولَهُ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِقَوْلِ حَسْبِيَ اللَّهُ، أيِ اجْعَلِ اللَّهَ حَسْبَكَ، لِأنَّ أهْلَ التَّوَكُّلِ يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ وهُمُ الرُّسُلُ والصّالِحُونَ وإذْ قَدْ كُنْتَ مِن رَفِيقِهِمْ فَكُنْ مِثْلَهم في ذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى يَتَوَكَّلُ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِأنَّ أهْلَ التَّوَكُّلِ الحَقِيقِيِّينَ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذا اعْتَمَدُوا في أُمُورِهِمْ عَلى أصْنامِهِمْ.

39:39–40Page 462

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩

Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know

مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠

To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."

﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .

لَمّا أبْلَغَهُمُ اللَّهُ مِنَ المَوْعِظَةِ لِأقْصى مَبْلَغٍ، ونَصَبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ أسَطَعَ حُجَّةٍ، وثَبَّتَ رَسُولَهُ ﷺ أرْسَخَ تَثْبِيتٍ، لا جَرَمَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُوادِعَهم مُوادَعَةَ مُسْتَقْرِبِ النَّصْرِ، ويُواعِدَهم ما أُعِدَّ لَهم مَن خُسْرٍ.

وعَدَمُ عَطْفِ جُمْلَةِ قُلْ هَذِهِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى المُشْرِكِينَ نَظِيرَ تَرْكِ العَطْفِ في البَيْتِ المَشْهُورِ في عِلْمِ المَعانِي:

صفحة ٢٠

وتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها بَدَلًا أراها في الضَّلالِ تَهِيمُ

لَمْ يَعْطِفْ جُمْلَةَ: أراها في الضَّلالِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: أبْغِي بِها بَدَلًا، ولِأنَّها انْتِقالٌ مِن غَرَضِ الدَّعْوَةِ والمُحاجَّةِ إلى غَرَضِ التَّهْدِيدِ.

وابْتَدَأ المَقُولَ بِالنِّداءِ بِوَصْفِ القَوْمِ لِما يَشْعَرُ بِهِ مِنَ التَّرْقِيقِ لِحالِهِمْ والأسَفِ عَلى ضَلالِهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم قَوْمَهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَدَّخِرَهم نُصْحًا.

والمَكانَةُ: المَكانُ، وتَأْنِيثُهُ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنى البُقْعَةِ، اسْتُعِيرَ لِلْحالَةِ المُحِيطَةِ بِصاحِبِها إحاطَةَ المَكانِ بِالكائِنِ فِيهِ.

والمَعْنى: اعْمَلُوا عَلى طَرِيقَتِكم وحالِكم مِن عَداوَتِي، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكانَتِكم بِصِيغَةِ المُفْرَدِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”مَكاناتِكم“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ.

وقالَ تَعالى هُنا ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ لِيَكُونَ التَّهْدِيدُ بِعَذابِ خِزْيٍ في الدُّنْيا وعَذابٍ مُقِيمٍ في الآخِرَةِ.

فَأمّا قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها العَذابَ لِأنَّها جاءَتْ بَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] .

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ إنِّي عامِلٌ لِيَعُمَّ كُلَّ مُتَعَلِّقٍ يَصْلُحُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِعامِلٍ مَعَ الِاخْتِصارِ فَإنَّ مُقابَلَتَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ مِن إنِّي عامِلٌ أنَّهُ ثابِتٌ عَلى عَمَلِهِ في نُصْحِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى ما يُنْجِيهِمْ. وأنَّ حَذْفَ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لا يَقْتَصِرُ عَلى مِقْدارِ مَكانَتِهِ وحالَتِهِ بَلْ حالُهُ تَزْدادُ كُلَّ حِينٍ قُوَّةً وشِدَّةً لا يَعْتَرِيها تَقْصِيرٌ ولا يُثَبِّطُها إعْراضُهم، وهَذا مِن مُسْتَتْبِعاتِ الحَذْفِ ولَمْ نُنَبِّهْ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ هُودٍ.

و(مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلَّقَتْ فِعْلَ تَعْلَمُونَ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْهِ.

صفحة ٢١

والعَذابُ المُخْزِي هو عَذابُ الدُّنْيا. والمُرادُ بِهِ هُنا عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. والعَذابُ المُقِيمُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وإقامَتُهُ خُلُودُهُ. وتَنْوِينُ عَذابٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ المُرادِ بِهِ التَّهْوِيلُ.

وأُسْنِدَ فِعْلُ يَأْتِيهِ إلى العَذابِ المُخْزِي لِأنَّ الإتْيانَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يُفاجِئُهم كَما يَأْتِي الطّارِقُ. وكَذَلِكَ إسْنادُ فِعْلِ يَحِلُّ إلى العَذابِ المُقِيمِ لِأنَّ الحُلُولَ مُشْعِرٌ بِالمُلازَمَةِ والإقامَةِ مَعَهم، وهو عَذابُ الخُلُودِ، ولِذَلِكَ يُسَمّى مَنزِلُ القَوْمِ حِلَّةً، ويُقالُ لِلْقَوْمِ القاطِنِينَ غَيْرِ المُسافِرِينَ: هم حِلالٌ، فَكانَ الفِعْلُ مُناسِبًا لِوَصْفِهِ بِالمُقِيمِ.

وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَحِلُّ بِحَرْفِ عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ.

39:41Page 463

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١

Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.

﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الزمر: ٣٩] المُفِيدِ مُوادَعَتَهم وتَهْوِينَ تَصْمِيمِ كُفْرِهِمْ عَلَيْهِ، وتَثْبِيتِهِ عَلى دَعْوَتِهِ. والمَعْنى: لِأنّا نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِفائِدَةِ النّاسِ وكَفاكَ ذَلِكَ شَرَفًا وهِدايَةً وكَفاكَ تَبْلِيغُهُ إلَيْهِمْ فَمَنِ اهْتَدى مِنَ النّاسِ فَهِدايَتُهُ لِنَفْسِهِ بِواسِطَتِكَ ومَن ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ بِهِ فَضَلالُهُ عَلى نَفْسِهِ وما عَلَيْكَ مِن ضَلالِهِمْ تَبِعَةٌ لِأنَّكَ بَلَّغْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ. ولِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ قَوْلِهِ في صَدْرِ السُّورَةِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٢]، لِأنَّ تِلْكَ في غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَناسَبَ أنْ يَكُونَ إنْزالُ الكِتابِ إلَيْهِ، و(لِلنّاسِ) مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلْنا، و(بِالحَقِّ) حالٌ مِنَ الكِتابِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، واللّامُ في لِلنّاسِ لِلْعِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ النّاسِ. وفي الكَلامِ مُضافٌ مَفْهُومٌ مِمّا تُؤْذِنُ بِهِ اللّامُ مِن مَعْنى الفائِدَةِ والنَّفْعِ أيْ لِنَفْعِ النّاسِ، أوْ مِمّا يُؤْذَنُ بِهِ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ فَمَنِ اهْتَدى إلَخْ.

وفاءُ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ لِلتَّفْرِيعِ وهو تَفْرِيعٌ ناشِئٌ مِن مَعْنى اللّامِ. و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، أيْ مَن حَصَلَ مِنهُ الِاهْتِداءُ في المُسْتَقْبَلِ فَإنَّ اهْتِداءَهُ لِفائِدَةِ

صفحة ٢٢

نَفْسِهِ لا غَيْرُ، أيْ لَيْسَتْ لَكَ مِنِ اهْتِدائِهِ فائِدَةٌ لِذاتِكَ لِأنَّ فائِدَةَ الرَّسُولِ ﷺ وهي شَرَفُهُ وأجْرُهُ ثابِتَةٌ عَلى التَّبْلِيغِ سَواءٌ اهْتَدى مَنِ اهْتَدى وضَلَّ مَن ضَلَّ.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] آخِرَ سُورَةِ يُونُسَ، وفي قَوْلِهِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] في آخِرِ سُورَةِ النَّمْلِ، ولَكِنْ جِيءَ في تَيْنِكَ الآيَتَيْنِ بِصِيغَةِ قَصْرِ الِاهْتِداءِ عَلى نَفْسِ المُهْتَدِي وتُرِكَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ تَيْنَكَ الآيَتَيْنِ وارِدَتانِ بِالأمْرِ بِمُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ فَكانَ المَقامُ فِيهِما مُناسِبًا لِإفادَةِ أنَّ فائِدَةَ اهْتِدائِهِمْ لا تَعُودُ إلّا لِأنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَتْ لِي مَنفَعَةٌ مِنِ اهْتِدائِهِمْ، خِلافًا لِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّها خِطابٌ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ لَيْسَ فِيها حالُ مَن يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المُدِلِّ بِاهْتِدائِهِ.

أمّا قَوْلُهُ ﴿ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ فَصِيغَةُ القَصْرِ فِيهِ لِتَنْزِيلِ الرَّسُولِ ﷺ في أسَفِهِ عَلى ضَلالِهِمُ المُفْضِي بِهِمْ إلى العَذابِ مَنزِلَةَ مَن يَعُودُ عَلَيْهِ مِن ضَلالِهِمْ ضُرٌّ فَخُوطِبَ بِصِيغَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ. ولِذَلِكَ اتَّحَدَتِ الآياتُ الثَّلاثُ في الِاشْتِمالِ عَلى القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِجانِبِ ضَلالِهِمْ فَإنَّ قَوْلَهُ في سُورَةِ النَّمْلِ (﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢]) . وهَذِهِ نُكَتٌ مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨] في سُورَةِ يُونُسَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ أيْ لَسْتَ مَأْمُورًا بِإرْغامِهِمْ عَلى الِاهْتِداءِ، فَصِيغَ هَذا الخَبَرُ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ حُكْمِ هَذا النَّفْيِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском