Ibn 'AshurAz‑Zumar · 39:42–48

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:42–48

39:42Page 463

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.

صفحة ٢٣

﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

يَصْلُحُ هَذا أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِحالِ ضَلالِ الضّالِّينَ وهُدى المُهْتَدِينَ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] إلى قَوْلِهِ (﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]) .

والمَعْنى: أنَّ اسْتِمْرارَ الضّالِّ عَلى ضَلالِهِ قَدْ يَحْصُلُ بَعْدَهُ اهْتِداءٌ وقَدْ يُوافِيهِ أجَلُهُ وهو في ضَلالِهِ فَضَرَبَ المَثَلَ لِذَلِكَ بِنَوْمِ النّائِمِ قَدْ تَعْقُبُهُ إفاقَةٌ وقَدْ يَمُوتُ النّائِمُ في نَوْمِهِ، وهَذا تَهْوِينٌ عَلى نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ بِرَجاءِ إيمانِ كَثِيرٍ مِمَّنْ هم يَوْمَئِذٍ في ضَلالٍ وشِرْكٍ كَما تَحَقَّقَ ذَلِكَ. فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها ولَها اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِقالًا إلى اسْتِدْلالٍ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في الأحْوالِ فَإنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ الذَّواتِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، ثُمَّ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ أحْوالِ ذَواتٍ وإنْشاءِ ذَواتٍ مِن تِلْكَ الأحْوالِ، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] وأعْقَبَ كُلَّ دَلِيلٍ بِما يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُهُ مِنَ المَوْعِظَةِ والعِبْرَةِ والزَّجْرُ عَنْ مُخالَفَةِ مُقْتَضاهُ، فانْتَقَلَ هُنا إلى الِاسْتِدْلالِ بِحالَةٍ عَجِيبَةٍ مِن أحْوالِ أنْفُسِ المَخْلُوقاتِ وهي حالَةُ المَوْتِ وحالَةُ النَّوْمِ. وقَدْ أنْبَأ عَنْ الِاسْتِدْلالِ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فَهَذا دَلِيلٌ لِلنّاسِ مِن أنْفُسِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقالَ ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلتَّدَرُّجِ في الِاسْتِدْلالِ ولَها اتِّصالٌ بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] وجُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ [الزمر: ٢١] المُتَقَدِّمَتَيْنِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ أفادَتِ الآيَةُ إبْرازَ حَقِيقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِن نَوامِيسِ الحَياتَيْنِ النَّفْسِيَّةِ والجَسَدِيَّةِ وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَخْصِيصِهِ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ، أيِ اللَّهُ يَتَوَفّى لا غَيْرُهُ فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِإظْهارِ فَسادِ أنْ أشْرَكُوا

صفحة ٢٤

بِهِ آلِهَةً لا تَمْلِكُ تَصَرُّفًا في أحْوالِ النّاسِ.

والتَّوَفِّي: الإماتَةُ، وُسُمِّيَتْ تَوَفِّيًا لِأنَّ اللَّهَ إذا أماتَ أحَدًا فَقَدْ تَوَفّاهُ أجَلَهُ فَ (اللَّهُ) المُتَوَفِّي ومَلَكُ المَوْتِ مُتَوَفٍّ أيْضًا لِأنَّهُ مُباشِرُ التَّوَفِّي.

والمَيِّتُ: مُتَوَفّى بِصِيغَةِ المَفْعُولِ، وشاعَ ذَلِكَ فَصارَ التَّوَفِّي مُرادِفًا لِلْإماتَةِ، والوَفاةُ مُرادِفَةٌ لِلْمَوْتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَصْرِيفِ ذَلِكَ واشْتِقاقِهِ مِن مادَّةِ الوَفاةِ.

وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] في سُورَةِ السَّجْدَةِ.

والأنْفُسُ: جَمْعُ نَفْسٍ، وهي الشَّخْصُ والذّاتُ قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وتُطْلَقُ عَلى الرُّوحِ الَّذِي بِهِ الحَياةُ والإدْراكُ.

ومَعْنى التَّوَفِّي يَتَعَلَّقُ بِالأنْفُسِ عَلى كِلا الإطْلاقَيْنِ.

والمَعْنى: يَتَوَفّى النّاسَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فَإنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالمَوْتِ هو الذّاتُ لا الرُّوحُ وأنَّ تَوَفِّيها سَلْبُ الأرْواحِ عَنْها.

وقَوْلُهُ والَّتِي لَمْ تَمُتْ عَطْفٌ عَلى الأنْفُسِ بِاعْتِبارِ قَيْدِ (حِينَ مَوْتِها) لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ يَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي تَمُوتُ في حالَةِ نَوْمِها، والأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في نَوْمِها فَأفاقَتْ. ويَتَعَلَّقُ (في مَنامِها) بِقَوْلِهِ (يَتَوَفّى)، أيْ ويَتَوَفّى أنْفُسًا لَمْ تَمُتْ يَتَوَفّاها في مَنامِها كُلَّ يَوْمٍ، فَعَلِمَ أنَّ المُرادَ بِتَوَفِّيها هو مَنامُها، وهَذا جارٍ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِحَسَبِ عُرْفِ اللُّغَةِ إذْ لا يُطْلَقُ عَلى النّائِمِ مَيِّتَ ولا مُتَوَفّى.

وهُوَ تَشْبِيهٌ نُحِّيَ بِهِ مَنحى التَّنْبِيهِ إلى حَقِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَإنَّ حالَةَ النَّوْمِ حالَةُ انْقِطاعِ أهَمِّ فَوائِدِ الحَياةِ عَنِ الجَسَدِ وهي الإدْراكُ سِوى أنَّ أعْضاءَهُ الرَّئِيسِيَّةَ لَمْ تَفْقِدْ صَلاحِيَتَها لِلْعَوْدَةِ إلى أعْمالِها حِينَ الهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٥

والفاءُ في (فَيُمْسِكُ) فاءُ الفَصِيحَةِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَقْتَضِي مِقْدارًا يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ لِبَيانِ تَوَفِّي النُّفُوسِ في المَقامِ.

والإمْساكُ: الشَّدُّ بِاليَدِ وعَدَمُ تَسْلِيمِ المَشْدُودِ.

والمَعْنى: فَيُبْقِي ولا يَرُدُّ النَّفْسَ الَّتِي قَضى عَلَيْها بِالمَوْتِ، أيْ يَمْنَعُها أنْ تَرْجِعَ إلى الحَياةِ فَإطْلاقُ الإمْساكِ عَلى بَقاءِ حالَةِ المَوْتِ تَمْثِيلٌ لِدَوامِ تِلْكَ الحالَةِ. ومِن لَطائِفِهِ أنَّ أهْلَ المَيِّتِ يَتَمَنَّوْنَ عَوْدَ مَيِّتِهِمْ لَوْ وجَدُوا إلى عُودِهِ سَبِيلًا ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْمَحْ لِنَفْسٍ ماتَتْ أنْ تَعُودَ إلى الحَياةِ.

والإرْسالُ: الإطْلاقُ والتَّمْكِينُ مِن مُبارَحَةِ المَكانِ لِلرُّجُوعِ إلى ما كانَ. والمُرادُ بِ (الأُخْرى) (الَّتِي لَمْ تَمُتْ) ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَها بِمَنزِلَةِ المَيْتَةِ. والمَعْنى: يَرُدُّ إلَيْها الحَياةَ كامِلَةً.

والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْرازُ الفَرْقِ بَيْنَ الوَفاتَيْنِ.

ويَتَعَلَّقُ (﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾) بِفِعْلِ (يُرْسِلُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى يَرُدُّ الحَياةَ إلَيْها، أيْ فَلا يَسْلُبُها الحَياةَ كُلَّها إلّا في أجَلِها المُسَمّى، أيِ المُعَيَّنِ لَها في تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى.

والتَّسْمِيَةُ: التَّعْيِينُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، الخَلِيُّ عَنِ التَّكَلُّفاتِ وعَنِ ارْتِكابِ شِبْهِ الِاسْتِخْدامِ في قَوْلِهِ ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ وعَنِ التَّقْدِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَذْكُرُ النَّتِيجَةَ عَقِبَ الدَّلِيلِ، أيْ أنَّ في حالَةِ الإماتَةِ والإنامَةِ دَلائِلَ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ وأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وأنْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ الإخْبارَ بِاخْتِلافِ حالَتَيِ المَوْتِ والنَّوْمِ بَلِ المَقْصُودُ التَّفَكُّرُ والنَّظَرُ في مَضْرِبِ المَثَلِ، وفي دَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ والتَّذْكِيرُ بِما تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِن دَقائِقِ الحِكْمَةِ الَّتِي تَمُرُّ عَلى كُلِّ إنْسانٍ كُلَّ يَوْمٍ في

صفحة ٢٦

نَفْسِهِ، وتَمُرُّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في آلِهِمْ وفي عَشائِرِهِمْ وهم مُعْرِضُونَ عَمّا في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ وبَدِيعِ الصُّنْعِ.

وجَعَلَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّهُما حالَتانِ عَجِيبَتانِ ثُمَّ في كُلِّ حالَةٍ تَصَرُّفٌ يُغايِرُ التَّصَرُّفَ الَّذِي في الأُخْرى، فَفي حالَةِ المَوْتِ سَلْبُ الحَياةِ عَنِ الجِسْمِ وبَقاءُ الجِسْمِ كالجَمادِ ومَنعٌ مِن أنْ تَعُودَ إلَيْهِ الحَياةُ. وفي حالَةِ النَّوْمِ سَلْبُ بَعْضِ الحَياةِ عَنِ الجِسْمِ حَتّى يَكُونَ كالمَيِّتِ وما هو بِمَيِّتٍ ثُمَّ مَنحُ الحَياةِ أنْ تَعُودَ إلَيْهِ دَوالَيْكَ إلى أنْ يَأْتِيَ إبّانُ سَلْبِها عَنْهُ سَلْبًا مُسْتَمِرًّا.

والآياتُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ حاصِلَةٌ عَلى كُلٍّ مِن إرادَةِ التَّمْثِيلِ وإرادَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ مُعْظَمِ النّاسِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِتِلْكَ الآياتِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ في أحْوالِهِمْ عَلى مُقْتَضى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ.

والتَّفَكُّرُ: تَكَلُّفُ الفِكْرَةِ، وهو مُعالَجَةُ الفِكْرِ ومُعاوَدَةُ التَّدَبُّرِ في دَلالَةِ الأدِلَّةِ عَلى الحَقائِقِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾) بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ المَوْتِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”﴿قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ﴾“ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلنّائِبِ وبِرَفْعِ المَوْتِ وهو عَلى مُراعاةِ نَزْعِ الخافِضِ. والتَّقْدِيرُ: قُضِيَ عَلَيْها بِالمَوْتِ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ صارَ الِاسْمُ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ بِهِ فَجُعِلَ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ ”قُضِيَ“ مَعْنى كُتِبَ وقُدِّرَ.

39:43–44Page 463

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣

Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"

قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤

Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."

﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وهي لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ انْتِقالًا مِن تَشْنِيعِ إشْراكِهِمْ إلى إبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ في شِرْكِهِمْ، ذَلِكَ أنَّهم لَمّا دَمَغَتْهم حُجَجُ القُرْآنِ بِاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ

صفحة ٢٧

شُرَكاءُ تَمَحَّلُوا تَأْوِيلًا لِشِرْكِهِمْ فَقالُوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] كَما حُكِيَ عَنْهم في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَمّا اسْتُوفِيَتِ الحُجَجُ عَلى إبْطالِ الشِّرْكِ أقْبَلَ هُنا عَلى إبْطالِ تَأْوِيلِهِمْ مِنهُ ومَعْذِرَتِهِمْ.

والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ أمْ في جَمِيعِ مَواقِعِها هو هُنا لِلْإنْكارِ بِمَعْنى أنَّ تَأْوِيَلَهم وعُذْرَهم مُنْكَرٌ كَما كانَ المُعْتَذَرُ عَنْهُ مُنْكَرًا فَلَمْ يَقْضُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ وطَرًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ بَيانُ مُرادِهِمْ بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ.

وأمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم مَقالَةً تَقْطَعُ بُهْتانَهم وهي (﴿أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾) .

فالواوُ في (أوَلَوْ كانُوا) عاطِفَةٌ كَلامَ المُجِيبِ عَلى كَلامِهِمْ وهو مِن قَبِيلِ ما سُمِّيَ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ كَما هو المُخْتارُ في نَظِيرِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وصاحِبُ الحالِ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾، والتَّقْدِيرُ: أيَشْفَعُونَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا.

والظّاهِرُ أنَّ حُكْمَ تَصْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ واوِ الحالِ كَحُكْمِ تَصْدِيرِهِ قَبْلَ واوِ العَطْفِ.

وأفادَ تَنْكِيرُ شَيْئًا في سِياقِ النَّفْيِ عُمُومَ كُلِّ ما يُمْلَكُ فَيَدْخُلُ في عُمُومِهِ جَمِيعُ أنْواعِ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ أمْرًا مَعْنَوِيًّا كانَ مَعْنى مِلْكِها تَحْصِيلُ إجابَتِها، والكَلامُ تَهَكُّمٌ إذْ كَيْفَ يَشْفَعُ مَن لا يَعْقِلُ فَإنَّهُ لِعَدَمِ عَقْلِهِ لا يُتَصَوَّرُ خُطُورُ مَعْنى الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ فَضْلًا عَنْ أنْ تَتَوَجَّهَ إرادَتُهُ إلى الِاسْتِشْفاعِ فاتِّخاذُهم شُفَعاءَ مِنَ الحَماقَةِ.

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الشَّفاعَةِ في عُمُومِ نَفْيِ مِلْكِ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ عَنِ الأصْنامِ، قُوبِلَ بِقَوْلِهِ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ أيِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لِلَّهِ. وأُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَهم لِيَعْلَمُوا أنْ لا يَمْلِكَ الشَّفاعَةَ إلّا اللَّهُ، أيْ هو مالِكُ إجابَةِ شَفاعَةِ الشُّفَعاءِ الحَقِّ.

صفحة ٢٨

وتَقْدِيمُ الخَبَرِ المَجْرُورِ وهو لِلَّهِ عَلى المُبْتَدَأِ لِإفادَةِ الحَصْرِ. واللّامُ لِلْمِلْكِ، أيْ قَصْرِ مِلْكِ الشَّفاعَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَمْلِكُ أحَدٌ الشَّفاعَةَ عِنْدَهُ.

و(جَمِيعًا) حالٌ مِنَ الشَّفاعَةِ مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ لا يَشِذُّ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ حَقِيقَةِ الشَّفاعَةِ عَنْ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلَّهِ وقَدْ تَأكَّدَ بِلازِمِ هَذِهِ لِحالِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الحَصْرُ مِنِ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الشَّفاعَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِتَعْمِيمِ انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في السَّماواتِ والأرْضِ الشّامِلِ لِلتَّصَرُّفِ في مُؤاخَذَةِ المَخْلُوقاتِ وتَسْيِيرِ أُمُورِهِمْ فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ المُفِيدِ لِتَقْرِيرِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وزِيادَةٌ. والمُرادُ المُلْكُ بِالتَّصَرُّفِ بِالخَلْقِ وتَصْرِيفِ أحْوالِ العالَمَيْنِ ومَن فِيهِما، فَإذا كانَ ذَلِكَ المُلْكُ لَهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ صَرَفَهُ عَنْ أمْرٍ أرادَ وُقُوعَهُ إلى ضِدِّ ذَلِكَ الأمْرِ في مُدَّةِ وُجُودِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا إبْطالٌ لِأنْ تَكُونَ لِآلِهَتِهِمْ شَفاعَةٌ لَهم في أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا.

وعُطِفَ عَلَيْهِ (﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) لِلْإشارَةِ إلى إثْباتِ البَعْثِ وإلى أنَّهُ لا يَشْفَعُ أحَدٌ عِنْدَ اللَّهِ بَعْدَ الحَشْرِ إلّا مَن أذِنَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ، ذَلِكَ لِأنَّ مَضْمُونَ (﴿إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) أنَّ لِلَّهِ مُلْكَ الآخِرَةِ كَما كانَ لَهُ مُلْكُ الدُّنْيا ومُلْكُ الآخِرَةِ أعْظَمُ لِسَعَةِ مَمْلُوكاتِهِ وبَقائِها.

وتَقْدِيمُ (إلَيْهِ) عَلى (تُرْجَعُونَ) لِلِاهْتِمامِ والتَّقَوِّي ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

39:45Page 463

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.

﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]) لِإظْهارِ تَناقُضِهِمْ في أقْوالِهِمُ المُشْعِرِ بِأنَّ ما يَقُولُونَهُ أقْضِيَةٌ سُفُسْطائِيَّةٌ يَقُولُونَها لِلتَّنَصُّلِ مِن دَمَغاتِ الحُجَجِ الَّتِي جَبَهَهم بِها القُرْآنُ، فَإنَّهم يَعْتَذِرُونَ تارَةً عَلى إشْراكِهِمْ بِأنَّ شُرَكاءَهم شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو إلَهُهم وإلَهُ شُرَكائِهِمْ، ثُمَّ

صفحة ٢٩

إذا ذَكَرَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ أوْ ذَكَرَ المُسْلِمُونَ كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُهم مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ فَلا يَرْضَوْنَ بِالسُّكُوتِ عَنْ وصْفِ أصْنامِهِمْ بِالإلَهِيَّةِ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم يُسَوُّونَها بِاللَّهِ تَعالى.

فَقَوْلُهُ (وحْدَهُ) لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ حالًا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ ومَعْناهُ مُنْفَرِدًا. ويُقَدَّرُ في قَوْلِهِ (ذُكِرَ اللَّهُ) مَعْنى: بِوَصْفِ الإلَهِيَّةِ ويَكُونُ مَعْنى (ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ) ذُكِرَ تَفَرُّدُهُ بِالإلَهِيَّةِ. وهَذا جارٍ عَلى قَوْلِ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ في (وحْدَهُ)، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَصْدَرًا وهو قَوْلُ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ، أيْ هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِ (ذُكِرَ) لِبَيانِ نَوْعِهِ، أيْ ذِكْرًا وحْدًا، أيْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَ اسْمِ اللَّهِ أسْماءُ أصْنامِهِمْ. وإضافَةُ المَصَدَرِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِاشْتِهارِ المُضافِ إلَيْهِ بِهَذا الوَحْدِ. وهَذا الذِّكْرُ هو الَّذِي يَجْرِي في دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ وفي الصَّلَواتِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ وفي مَجامِعِ المُسْلِمِينَ.

ومَعْنى (﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾) إذا ذُكِرَتْ أصْنامُهم بِوَصْفِ الإلَهِيَّةِ وذَلِكَ حِينَ يَسْمَعُونَ أقْوالَ جَماعَةِ المُشْرِكِينَ في أحادِيثِهِمْ وإيمانِهِمْ بِاللّاتِ والعُزّى، أيْ ولَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ مَعَها فاسْتِبْشارُهم بِالِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ أصْنامِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم يُرَجِّحُونَ جانِبَ الأصْنامِ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى. والذِّكْرُ: هو النُّطْقُ بِالِاسْمِ. والمُرادُ إذا ذَكَرَ المُسْلِمُونَ اسْمَ اللَّهِ اشْمَأزَّ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا ذِكْرَ آلِهَتِهِمْ وإذا ذَكَرَ المُشْرِكُونَ أسْماءَ أصْنامِهِمُ اسْتَبْشَرَ الَّذِينَ يُسْمَعُونَهم مِن قَوْمِهِمْ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ آلِهَتِهِمْ بِ (﴿الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾) دُونَ لَفْظِ: شُرَكائِهِمْ أوْ شُفَعائِهِمْ، لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ اسْتِبْشارِهِمْ بِذَلِكَ الذِّكْرِ هو أنَّهُ ذِكْرُ مَن هم دُونَ اللَّهِ، أيْ ذِكْرٌ مُناسِبٌ لِهَذِهِ الصِّلَةِ، أيْ هو خالٍ عَنِ اسْمِ اللَّهِ، فالمَعْنى: وإذا ذُكِرَ شُرَكاؤُهم دُونَ ذِكْرِ اللَّهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ.

والِاقْتِصارُ عَلى التَّعَرُّضِ لِهَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ لِأنَّهُما أظْهَرُ في سُوءِ نَوايا المُشْرِكِينَ نَحْوَ اللَّهِ تَعالى، وفي بُطْلانِ اعْتِذارِهِمْ بِأنَّهم ما يَعْبُدُونَ الأصْنامَ إلّا لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ ويَشْفَعُوا لَهم عِنْدَهُ، فَأمّا الذِّكْرُ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وأسْماءُ آلِهَتِهِمْ كَقَوْلِهِمْ في

صفحة ٣٠

التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَذَلِكَ ذِكْرٌ لا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ.

وذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ لِقَوْلِهِ إذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما يُرْوى مِن قِصَّةِ الغَرانِيقِ، ونُسِبَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِذَلِكَ إلى مُجاهِدٍ، وهو بَعِيدٌ عَنْ سِياقِ الآيَةِ. ومِنَ البِناءِ عَلى الأخْبارِ المَوْضُوعَةِ فَلِلَّهِ دَرُّ مَن أعْرَضُوا عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ.

والِاشْمِئْزازُ: شِدَّةُ الكَراهِيَةِ والنُّفُورِ، أيْ كَرِهَتْ ذَلِكَ قُلُوبُهم ومَدارِكُهم.

والِاسْتِبْشارُ: شِدَّةُ الفَرَحِ حَتّى يَظْهَرَ أثَرُ ذَلِكَ عَلى بَشْرَةِ الوَجْهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ) في سُورَةِ الحِجْرِ.

ومُقابَلَةُ الِاشْمِئْزازِ بِالِاسْتِبْشارِ مُطابَقَةٌ كامِلَةٌ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ غايَةُ الكَراهِيَةِ والِاسْتِبْشارُ غايَةُ الفَرَحِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ المُشْرِكِينَ بِ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) لِأنَّهم عُرِفُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ بَيْنَ النّاسِ مَعَ قَصْدِ إعادَةِ تَذْكِيرِهِمْ بِوُقُوعِ القِيامَةِ.

و(إذا) الأُولى و(إذا) الثّانِيَةُ ظَرْفانِ مُضَمَّنانِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما هو الغالِبُ. و(إذا) الثّالِثَةُ لِلْمُفاجَأةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يُعالِجُهُمُ الِاسْتِبْشارُ حِينَئِذٍ مِن فَرْطِ حُبِّهِمْ آلِهَتَهم.

ولِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ في (يَسْتَبْشِرُونَ) دُونَ أنْ يُقالَ: مُسْتَبْشِرُونَ، لِإفادَةِ تَجَدُّدِ اسْتِبْشارِهِمْ.

39:46Page 463

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦

Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."

﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .

لَمّا كانَ أكْثَرُ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ مُشْعِرًا بِالِاخْتِلافِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، وبِأنَّ المُشْرِكِينَ مُصَمِّمُونَ عَلى باطِلِهِمْ عَلى ما غَمَرَهم مِن حُجَجِ الحَقِّ دُونَ إغْناءِ الآياتِ والتَّدَبُّرِ عَنْهم أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ عَقِبَ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ هَذا

صفحة ٣١

القَوْلَ تَنْفِيسًا عَنْهُ مِن كَدْرِ الأسى عَلى قَوْمِهِ، وإعْذارًا لَهم بِالنِّذارَةِ، وإشْعارًا لَهم بِأنَّ الحَقَّ في جانِبِهِمْ مُضاعٌ وأنَّ الأجْدَرَ بِالرَّسُولِ ﷺ مُتارِكَتُهم وأنْ يُفَوِّضَ الحُكْمَ في خِلافِهِمْ إلى اللَّهِ.

وفِي هَذا التَّفْوِيضِ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ هو الواثِقُ بِحَقِيَّةِ دِينِهِ المُطْمَئِنُّ بِأنَّ التَّحْكِيمَ يُظْهِرُ حَقَّهُ وباطِلَ خَصْمِهِ.

وابْتُدِئَ خِطابُ الرَّسُولِ ﷺ رَبَّهُ بِالنِّداءِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَوْجِيهٍ وتَحاكُمٍ.

وإجْراءُ الوَصْفَيْنِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِما فِيهِما مِنَ المُناسَبَةِ بِخُضُوعِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ لِحُكْمِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ لِدَخائِلِهِمْ مِن مُحِقٍّ ومُبْطِلٍ.

والفاطِرُ: الخالِقُ، وفاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ: فاطِرٌ لِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ.

ووَصْفُ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ مُشْعِرٌ بِصِفَةِ القُدْرَةِ، وتَقْدِيمُهُ قَبْلَ وصْفِ العِلْمِ لِأنَّ شُعُورَ النّاسِ بِقُدْرَتِهِ سابِقٌ عَلى شُعُورِهِمْ بِعِلْمِهِ، ولِأنَّ القُدْرَةَ أشَدُّ مُناسَبَةً لِطَلَبِ الحُكْمِ لِأنَّ الحُكْمَ إلْزامٌ وقَهْرٌ فَهو مِن آثارِ القُدْرَةِ مُباشَرَةً.

والغَيْبُ: ما خَفِيَ وغابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ، والشَّهادَةُ: ما يَعْلَمُهُ النّاسُ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ الإحْساسِ الَّذِي هو أصْلُ العُلُومِ.

والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ (﴿بَيْنَ عِبادِكَ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: بَيْنَنا، لِما في (عِبادِكَ) مِنَ العُمُومِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ فَيَشْمَلُ الحُكْمَ بَيْنَهم في قَضِيَّتِهِمْ هَذِهِ والحُكْمَ بَيْنَ كُلِّ مُخْتَلِفِينَ لِأنَّ التَّعْمِيمَ أنْسَبُ بِالدُّعاءِ والمُباهَلَةِ.

وجُمْلَةُ (﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ. والمَعْنى: احْكم بَيْنَنا. وفي تَلْقِينِ هَذا الدُّعاءِ لِلنَّبِيءِ ﷺ إيماءٌ إلى أنَّهُ الفاعِلُ الحَقُّ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ (﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾) لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ أنْتَ لا غَيْرُكَ.

وإذْ لَمْ يَكُنْ في الفَرِيقَيْنِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ في مِثْلِ هَذا الِاخْتِلافِ فَيَكُونُ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِمُفادِ القَصْرِ، تَعَيَّنَ أنَّ القَصْرَ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً

صفحة ٣٢

عَنْ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في العِنادِ وعَدَمِ الإنْصافِ والِانْصِياعِ إلى قَواطِعِ الحُجَجِ، بِحَيْثُ إنَّ مَن يَتَطَلَّبُ حاكِمًا فِيهِمْ لا يَجِدُ حاكِمًا فِيهِمْ إلّا اللَّهَ تَعالى. وهَذا أيْضًا يُومِئُ إلى العُذْرِ لِلرَّسُولِ ﷺ في قِيامِهِ بِأقْصى ما كُلِّفَ بِهِ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عَمَّنْ بَذَلَ وُسْعَهُ فِيما وجَبَ عَلَيْهِ، فَلَمّا لَقَّنَهُ رَبُّهُ أنْ يَقُولَهُ كانَ ذَلِكَ في مَعْنى: أنَّكَ أبْلَغْتَ وأدَّيْتَ الرِّسالَةَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا ما يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا يُعْجِزُها الألِدّاءُ أمْثالُ قَوْمِكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وفِيهِ وعِيدٌ لِلْمُعانِدِينَ.

والحُكْمُ يَصْدُقُ بِحُكْمِ الآخِرَةِ وهو المُحَقَّقُ الَّذِي لا يُخْلَفُ، ويَشْمَلُ حُكْمَ الدُّنْيا بِنَصْرِ المُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ إذا شاءَ اللَّهُ أنْ يُعَجِّلَ بَعْضَ حُكْمِهِ بِأنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا.

والإتْيانُ بِفِعْلِ الكَوْنِ صِلَةٌ لِ (ما) المَوْصُولَةِ لِيَدُلَّ عَلى تَحَقُّقِ الِاخْتِلافِ، وكَوْنُ خَبَرِ (كانَ) مُضارِعًا تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ اخْتِلافٌ مُتَجَدِّدٌ إذْ لا طَماعِيَةَ في ارْعِواءِ المُشْرِكِينَ عَنْ باطِلِهِمْ.

وتَقْدِيمُ (فِيهِ) عَلى (يَخْتَلِفُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِالأمْرِ المُخْتَلَفِ فِيهِ.

39:47–48Page 463

وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧

And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1

وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨

And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] إلَخْ لِأنَّها تُشِيرُ إلى أنَّ الحَقَّ في جانِبِ النَّبِيءِ ﷺ وهو الَّذِي دَعا رَبَّهُ لِلْمُحاكَمَةِ، وأنَّ الحُكْمَ سَيَكُونُ عَلى المُشْرِكِينَ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْوِيلِ ما سَيَكُونُ بِهِ الحُكْمُ بِأنَّهُ لَوْ وجَدَ المُشْرِكُونَ فِدْيَةً مِنهُ بالِغَةً ما بَلَغَتْ لافْتَدَوْا بِها.

صفحة ٣٣

و﴿ما في الأرْضِ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ عَزِيزٍ مِن أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ بَلْ وأنْفُسِهِمْ فَهو أهْوَنُ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.

والمَعْنى: لَوْ أنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ لافْتَدَوْا بِهِ يَوْمَئِذٍ. ووَجْهُ التَّهْوِيلِ في ذَلِكَ هو ما يَسْتَلْزِمُهُ مِلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الشُّحِّ بِها في مُتَعارَفِ النُّفُوسِ، فالكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في شِدَّةِ الدَّرْكِ والشَّقاءِ بِحالِ مَن لَوْ كانَ لَهُ ما ذُكِرَ لِبَذَلَهُ فِدْيَةً مِن ذَلِكَ العَذابِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ العُقُودِ. وتَضَمَّنَ حَرْفُ الشَّرْطِ أنَّ كَوْنَ ما في الأرْضِ لَهم مُنْتَفٍ، فَأفادَ أنْ لا فِداءَ لَهم مِن سُوءِ العَذابِ وهو تَأْيِيسٌ لَهم.

و(مَن) في قَوْلِهِ ﴿مِن سُوءِ العَذابِ﴾ بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ لافْتَدَوْا بِهِ لِأجْلِ العَذابِ السَّيِّئِ الَّذِي شاهَدُوهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَدَلِ، أيْ بَدَلًا عَنْ ﴿سُوءِ العَذابِ﴾ .

وعُطِفَ عَلى هَذا التَّأْيِيسِ تَهْوِيلٌ آخَرُ في عِظَمِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ وهو ما في المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ مِنَ الإيهامِ الَّذِي تَذْهَبُ فِيهِ نَفْسُ السّامِعِ إلى كُلِّ تَصْوِيرٍ مِنَ الشِّدَّةِ.

ويَجُوزُ جَعْلُ الواوِ لِلْحالِ، أيْ لافْتَدَوْا بِهِ في حالِ ظُهُورِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.

و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (بَدا)، و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ ظَهَرَ لَهم مِمّا أعَدَّ اللَّهُ لَهُمُ الَّذِي لَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَهُ.

والِاحْتِسابُ: مُبالَغَةٌ في الحِسابِ بِمَعْنى الظَّنِّ مِثْلَ: اقْتَرَبَ بِمَعْنى قَرُبَ. والمَعْنى: ما لَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُتَجاوِزًا أقْصى ما يَتَخَيَّلُهُ المُتَخَيَّلُ حِينَ يَسْمَعُ أوْصافَهُ، فَلا التِفاتَ في هَذِهِ الكِنايَةِ إلى كَوْنِهِمْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، ونَظِيرُ هَذا الوَعْدِ بِالخَبَرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .

و(سَيِّئاتُ) جَمْعُ سَيِّئَةٍ، وهو وصْفٌ أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ وهو المَوْصُولُ (ما كَسَبُوا) أيْ مَكْسُوباتِهِمُ السَّيِّئاتِ. وتَأْنِيثُها بِاعْتِبارِ شُهْرَةِ إطْلاقِ السَّيِّئَةِ عَلى

صفحة ٣٤

الفِعْلَةِ وإنْ كانَ فِيما كَسَبُوهُ ما هو مِن فاسِدِ الِاعْتِقادِ كاعْتِقادِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ وإضْمارِ البُغْضِ لِلرَّسُولِ والصّالِحِينَ، والأحْقادِ والتَّحاسُدِ، فَجَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ عَلى تَغْلِيبِ السَّيِّئاتِ العَمَلِيَّةِ مِثْلَ الغَصْبِ والقَتْلِ والفَواحِشِ تَغْلِيبًا لَفْظِيًّا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.

وأُوثِرَ فِعْلُ (كَسَبُوا) عَلى فِعْلِ: عَمِلُوا، لِقَطْعِ تَبَرُّمِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَسْجِيلِ أنَّهُمُ اكْتَسَبُوا أسْبابَهُ بِأنْفُسِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] دُونَ: تَعْلَمُونَ.

والحَوْقُ: الإحاطَةُ، أيْ أحاطَ بِهِمْ فَلَمْ يَنْفَلِتُوا مِنهُ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في اشْتِقاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وما ﴿كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] هو عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِذِكْرِهِ تَنْزِيلًا لِلْعِقابِ مَنزِلَةَ مُسْتَهْزَأٍ بِهِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وتَجْعَلَ مُتَعَلِّقَ (يَسْتَهْزِئُونَ) مَحْذُوفًا، أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ العَذابَ.

وتَقْدِيمُ (بِهِ) عَلى (يَسْتَهْزِئُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском