Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:4–5
39:4Page 458
لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤
If Allāh had intended to take a son, He could have chosen from what He creates whatever He willed. Exalted is He; He is Allāh, the One, the Prevailing.1
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِعُ الِاحْتِجاجِ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ كاذِبُونَ وكَفّارُونَ في اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] وأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الهُدى وذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فَقَصَدَ إبْطالَ شِرْكِهِمْ بِإبْطالِ أقْواهُ وهو عَدُّهم في جُمْلَةِ شُرَكائِهِمْ شُرَكاءَ زَعَمُوا لَهم بُنُوَّةً لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ قالُوا ”اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا“ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ بَناتِ اللَّهِ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] ﴿ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] .
قالَ في الكَشّافِ هُنالِكَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وهَذِهِ الأصْنامَ يَعْنِي هَذِهِ الثَّلاثَةَ بَناتُ اللَّهِ، وذَكَرَ البَغْوَيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ كانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ:
صفحة ٣٢٥
الأصْنامُ والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ فَخُصَّ الِاعْتِقادُ بِأهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوهُ في غَيْرِ اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ، لِأنَّ أسْماءَها مُؤَنَّثَةٌ، وإلّا فَإنَّ في أسْماءِ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ أصْنامِهِمْ ما هو مُذَكَّرٌ نَحْوَ ذِي الخَلَصَةِ، وذَكَرَ في الكَشّافِ عِنْدَ ذِكْرِ البَسْمَلَةِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الشُّرُوعِ في أعْمالِهِمْ: بِاسْمِ اللّاتِ، بِاسْمِ العُزّى.
فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ إلَهِيَّةِ أصْنامِ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ والآياتِ بَعْدَها اشْتَمَلَتْ عَلى حُجَجِ انْفِرادِ اللَّهِ.
ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ كانَ اللَّهُ مُتَّخِذًا ولَدًا لاخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ اخْتِيارَهُ، أيْ: لاخْتارَ ما هو أجْدَرُ بِالِاخْتِيارِ ولا يَخْتارُ لِبُنُوَّتِهِ حِجارَةً كَما زَعَمْتُمْ لِأنَّ شَأْنَ الِاخْتِيارِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالأحْسَنِ مِنَ الأشْياءِ المُخْتارِ مِنها فَبَطَلَ أنْ تَكُونَ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ بَناتِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ عَنْها بَطَلَ عَنْ سائِرِ الأصْنامِ بِحُكْمِ المُساواةِ أوِ الأحْرى، فَتَكُونُ (لَوْ) هُنا هي المُلَقَّبَةُ (لَوِ) الصُّهَيْبِيَّةَ، أيْ: الَّتِي شَرْطُها مَفْرُوضٌ فَرْضًا عَلى أقْصى احْتِمالٍ وهي الَّتِي يُمَثِّلُونَ لَها بِالمَثَلِ المَشْهُورِ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخِفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فَكانَ هَذا إبْطالًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] إلى قَوْلِهِ (كَفّارٌ) .
ولَيْسَ هو إبْطالًا لِمَقالَةِ بَعْضِ العَرَبِ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِن عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ وجِّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ، ولا إبْطالًا لِبُنُوَّةِ المَسِيحِ عِنْدَ النَّصارى لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ المُخاطِبِينَ ولا شُعُورٌ لَهم بِهِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مُحاجَّةُ النَّصارى ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ المَكِّيُّ إلى مُحاجَّةِ النَّصارى.
واعْلَمْ أنَّهُ بُنِيَ الدَّلِيلُ عَلى قاعِدَةِ اسْتِحالَةِ الوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى إذْ بُنِيَ القِياسُ الشَّرْطِيُّ عَلى فَرْضِ اتِّخاذِ الوَلَدِ لا عَلى فَرْضِ التَّوَلُّدِ، فاقْتَضى أنَّ المُرادَ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ: التَّبَنِّي؛ لِأنَّ إبْطالَ التَّبَنِّي بِهَذا الِاسْتِدْلالِ يَسْتَلْزِمُ إبْطالَ تَّوَلُّدِ الِابْنِ بِالأوْلى.
وعُزِّزَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ فِعْلِ الِاتِّخاذِ بِتَعْقِيبِهِ بِفِعْلِ الِاصْطِفاءِ عَلى طَرِيقَةِ مُجاراةِ الخَصْمِ المُخْطِئ لِيُغَيِّرَ في مَهْواةِ خَطَئِهِ، أيْ: لَوْ كانَ لِأحَدٍ مِنَ اللَّهِ نِسْبَةُ بُنُوَّةٍ
صفحة ٣٢٦
لَكانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ التَّبَنِّيَ لا غَيْرَ. إذْ لا تُتَعَقَّلُ بُنُوَّةُ اللَّهِ غَيْرَ التَّبَنِّي ولَوْ كانَ اللَّهُ مُتَبَنِّيًا لاخْتارَ ما هو الألْيَقُ بِالتَّبَنِّي مِن مَخْلُوقاتِهِ دُونَ الحِجارَةِ الَّتِي زَعَمْتُمُوها بَناتٍ لِلَّهِ. وإذا بَطَلَتْ بُنُوَّةُ تِلْكَ الأصْنامِ الثَّلاثَةِ المَزْعُومَةِ بَطَلَتْ إلَهِيَّةُ سائِرِ الأصْنامِ الأُخْرى الَّتِي اعْتَرَفُوا بِأنَّها في مَرْتَبَةٍ دُونَ مَرْتَبَةِ اللّاتِ والعُزّى ومَناةِ بِطَرِيقِ الأوْلى واتِّفاقِ الخَصْمَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى الكَلامُ دَلِيلَيْنِ: طُوِيَ أحَدُهُما وهو دَلِيلُ اسْتِحالَةِ الوَلَدِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ دَلِيلُ إبْطالِ التَّبَنِّي لِما لا يَلِيقُ أنْ يَتَبَنّاهُ الحَكِيمُ.
وهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيانِ وقْعِها مِمّا قَبْلَها وبِهِ تَخْرُجُ عَنْ نِطاقِ الحَيْرَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها المُفَسِّرُونَ فَسَلَكُوا مَسالِكَ تَعَسُّفٍ في مَعْناها ونَظْمِها ومَوْقِعِها، ولَمْ يَتِمَّ لِأحَدٍ مِنهم وجْهُ المُلازِمَةِ بَيْنَ شَرْطِ (لَوْ) وجَوابِها، وسَكَتَ بَعْضُهم عَنْ تَفْسِيرِها. فَوَقَعَ في الكَشّافِ ما يُفِيدُ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ زَعْمِ المُشْرِكِينَ بُنُوَّةُ المَلائِكَةِ وجَعْلُ جَوابِ ٩٩ (لَوْ) مَحْذُوفًا وجَعْلُ المَذْكُورِ في مَوْضِعِ الجَوابِ إرْشادًا إلى الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ في المَلائِكَةِ فَقالَ ”يَعْنِي لَوْ أرادَ اللَّهُ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ (أيْ ذَلِكَ الِاتِّخاذُ) مُحالًا ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهُ ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ فَغَرَّكُمُ اخْتِصاصِ إيّاهم فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِحَقِيقَتِهِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأغْراضِ“ .
فَجُعِلَ ما هو في الظّاهِرِ جَوابُ (لَوْ) مُفِيدًا مَعْنى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَعْقُبُ المُقَدَّمَ والتّالِيَ غالِبًا، فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِمُرادِفِهِ وهو الِاسْتِثْناءُ الَّذِي هو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
ولِلْتَفْتَزانِيِّ بَحْثٌ يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِقامَةِ تَقْرِيرِ الكَشّافِ لِدَلِيلِ شَرْطِ (لَوْ) وجَوابِهِ، واسْتَظْهَرَ أنَّ (لَوْ) صُهَيْبِيَّةٌ تَبَعًا لِتَقْرِيرِ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. وبَعْدُ فَإنَّ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ يَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ مُنْقَطِعَةً عَنِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، فَيَجْعَلُها بِمَنزِلَةِ غَرَضٍ مُسْتَأْنَفٍ مَعَ أنَّ نَظْمَ الآيَةِ نَظْمُ الِاحْتِجاجِ لا نَظْمُ الإفادَةِ، فَكانَ مَحْمَلُ الكَشّافِ فِيها بَعِيدًا. ومَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذا فَإنَّ في تَقْرِيرِ المُلازَمَةِ في الِاسْتِدْلالِ خَفاءً وتَعَسُّفًا كَما أشارَ إلَيْهِ الشَّقّارُ في كِتابِهِ ”التَّقْرِيبُ مُخْتَصَرُ الكَشّافِ“ .
صفحة ٣٢٧
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ”مَعْنى اتِّخاذِ الوَلَدِ اتِّخاذُ التَّشْرِيفِ والتَّبَنِّي وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ (لاصْطَفى) وأمّا الِاتِّخاذُ المَعْهُودُ في الشّاهِدِ (يَعْنِي اتِّخاذَ النَّسْلِ) فَمُسْتَحِيلٌ أنْ يُتَوَهَّمَ في جِهَةِ اللَّهِ ولا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لاصْطَفى)، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى أنْ يَتَّخِذَ الِاصْطِفاءُ والتَّبَنِّي قَوْلُهُ“ مِمّا يَخْلُقُ ”أيْ: مِن مُحْدَثاتِهِ اهـ وتَبِعَهُ عَلَيْهِ الفَخْرُ.
وبَنى عَلَيْهِ صاحِبُ التَّقْرِيبِ فَقالَ عَقْبَ تَعَقُّبِ كَلامِ الكَشّافِ“ والأوْلى ما قِيلَ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا كَما زَعَمْتُمْ لاخْتارَ الأفْضَلَ (أيِ الذُّكُورَ) لا الأنْقَصَ وهُنَّ الإناثُ ”، وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ: هَذا مَعْنى الآيَةِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ، وذَكَرَ أنَّ صاحِبَ الكَشّافِ لَمْ يَسْلُكْهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ التَّفْتَزانِيُّ هُناكَ.
والَّذِي سَلَكَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وإنْ كانَ أقْرَبُ وأوْضَحُ مِن مَسْلَكِ الكَشّافِ في تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ لَكِنَّهُ يُشارِكُهُ في أنَّهُ لا يَصِلُ الآيَةَ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها ويَنْبَغِي أنْ لا تُقْطَعَ بَيْنَها الأواصِرُ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخِرِ.
وجُمْلَةُ“ سُبْحانَهُ ”تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ بَعْدَ أنْ أبْطَلَهُ بِالدَّلِيلِ الِامْتِناعِيِّ عَوْدًا إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ الَّذِي فارَقَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] .
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ دَلِيلٌ لِلتَّنْزِيهِ المُسْتَفادِ مِن سُبْحانِهِ. فَجُمْلَةُ“ هو اللَّهُ ”تَمْهِيدٌ لِلْوَصْفَيْنِ، وذُكِرَ اسْمُهُ العَلَمُ لِإحْضارِهِ في الأذْهانِ بِالِاسْمِ المُخْتَصِّ بِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: هو الواحِدُ القَهّارُ كَما قالَ بَعْدَ ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] .
وإثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لَهُ يُبْطِلُ الشَّرِيكُ في الإلَهِيَّةِ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِ، وإثْباتُ“ القَهّارُ " يُبْطِلُ ما زَعَمُوهُ مِن أنَّ أوْلِياءَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفًى وتَشْفَعُ لَهم.
والقَهْرُ: الغَلَبَةُ، أيْ: هو شَدِيدُ الغَلَبَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ولا يَصْرِفُهُ عَنْ إرادَتِهِ.
39:5Page 458
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥
He created the heavens and earth in truth. He wraps the night over the day and wraps the day over the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. Unquestionably, He is the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1
صفحة ٣٢٨
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] فَإنَّ خَلْقَ هَذِهِ العَوالِمِ والتَّصَرُّفَ فِيها عَلى شِدَّتِها وعَظَمَتِها يُبَيِّنُ مَعْنى الوَحْدانِيَّةِ ومَعْنى القَهّارِيَّةِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ذاتَ اتِّصالَيْنِ: اتِّصالٌ بِجُمْلَةِ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزمر: ٤] كاتِّصالِ التَّذْيِيلِ، واتِّصالٌ بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ اتِّصالَ التَّمْهِيدِ.
وقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِاقْتِضاءِ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ نَفِيَ الشَّرِيكِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ إذْ لا يَسْتَطِيعُ شُرَكاؤُهم خَلْقَ العَوالِمِ.
والباءُ في ”بِالحَقِّ“ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: خَلَقَها خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ وهو هُنا ضِدُّ العَبَثِ، أيْ: خَلَقَهُما خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحِكْمَةِ والصَّوابِ والنَّفْعِ لا يَشُوبُ خَلْقَهُما عَبَثٌ ولا اخْتِلالٌ قالَ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] .
وجُمْلَةُ ”﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾“ بَيانٌ ثانٍ وهو كَتَعْدادِ الجُمَلِ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ أوَ الِامْتِنانِ. وأُوثِرَ المُضارِعُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ وتَكَرُّرِهِ، أوْ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ التَّكْوِيرِ تَبَعًا لِاسْتِحْضارِ آثارِها فَإنَّ حالَةَ تَكْوِيرِ اللَّهِ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ غَيْرُ مُشاهَدَةٍ وإنَّما المَشاهَدُ أثَرُها وتَجَدُّدُ الأثَرِ يَدُلُّ عَلى تَجَدُّدِ التَّأْثِيرِ.
والتَّكْوِيرُ حَقِيقَتُهُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كَوَّرَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ إذا لَواها ولَفَّها، ومُثِّلَتْ بِهِ هُنا هَيْئَةُ غَشَيانِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ في جُزْءٍ مِن سَطْحِ الأرْضِ وعَكْسُ ذَلِكَ عَلى التَّعاقُبِ بِهَيْئَةِ كُوَرِ العِمامَةَ إذْ تَغْشى اللِّيَةُ اللِّيَةَ الَّتِي قَبْلَها.
وهُوَ تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ قابِلٌ لِلتَّجْزِئَةِ بِأنْ تُشَبِّهَ الأرْضُ بِالرَّأْسِ، ويُشَبَّهَ تَعاوُرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلَيْها بِلَفِّ طَيّاتِ العِمامَةِ، ومِمّا يَزِيدُهُ إبْداعًا إيثارُ مادَّةِ التَّكْوِيرِ الَّذِي هو مُعْجِزَةٌ عِلْمِيَّةٌ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ المُشارِ إلَيْها في المُقَدِّمَةِ الرّابِعَةِ والمُوَضَّحَةِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ فَإنَّ مادَّةَ التَّكْوِيرِ جائِيَةٌ مِنِ اسْمِ الكُرَةِ، وهي الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ مِن جَمِيعِ
صفحة ٣٢٩
جِهاتِهِ عَلى التَّساوِي، والأرْضُ كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ في الواقِعِ وذَلِكَ كانَ يَجْهَلُهُ العَرَبُ وجُمْهُورُ البَشَرِ يَوْمَئِذٍ فَأوْمَأ القُرْآنُ إلَيْهِ بِوَصْفِ العَرَضَيْنِ اللَّذَيْنِ يَعْتَرِيانِ الأرْضَ عَلى التَّعاقُبِ وهُما النُّورُ والظُّلْمَةُ، أوِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، إذْ جَعَلَ تَعاوُرَهُما تَكْوِيرًا لِأنَّ عَرَضَ الكُرَةِ يَكُونُ كُرَوِيًّا تَبَعًا لِذاتِها، فَلَمّا كانَ سِياقُ هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الإلَهِيَّةِ الحَقِّ بِإنْشاءِ السَّماواتِ والأرْضِ اخْتِيرَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى ما يَتْبَعُ ذَلِكَ الإنْشاءَ مِن خَلْقِ العَرَضَيْنِ العَظِيمَيْنِ لِلْأرْضِ مادَّةِ التَّكْوِيرِ دُونَ غَيْرِها مِن نَحْوِ الغَشَيانِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى سَعَةِ التَّصَرُّفِ في المَخْلُوقاتِ لِأنَّ أوَّلَها ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَكانَ تَصْوِيرُ ذَلِكَ بِإغْشاءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ خاصَّةً لِأنَّهُ دَلَّ عَلى قُوَّةِ التَّمَكُّنِ مِن تَغْيِيرِهِ أعْراضَ مَخْلُوقاتِهِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى تَغْيِيرِ أعْظَمِ عَرَضٍ وهو النُّورُ بِتَسْلِيطِ الظُّلْمَةِ عَلَيْهِ، لِتَكُونَ هاتِهِ الآيَةُ لِمَن يَأْتِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى عِلْمِ الهَيْئَةِ فَتَكُونُ مُعْجِزَةً عِنْدَهم.
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ هو مِن عَطْفِ الجُزْءِ المَقْصُودِ مِنَ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] .
وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ هو تَذْلِيلُهُما لِلْعَمَلِ عَلى ما جَعَلَ اللَّهُ لَهُما مِن نِظامِ السَّيْرِ سَيْرِ المَتْبُوعِ والتّابِعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ التَّسْخِيرَ مُناسِبٌ لِتَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ وعَكْسِهِ فَإنَّ ذَلِكَ التَّكْوِيرَ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ فَتِلْكَ المُناسَبَةُ اقْتَضَتْ عَطْفَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.
وجُمْلَةُ ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ في مَوْقِعِ بَدَلِ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ وذَلِكَ أوْضَحُ أحْوالِ التَّسْخِيرِ.
وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ لِلْعِوَضِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ. والجَرْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ. واللّامُ لِلْعِلَّةِ.
صفحة ٣٣٠
والأجَلُ هو أجَلُ فَنائِهِما فَإنَّ جَرْيَهُما لَمّا كانَ فِيهِ تَقْرِيبُ فَنائِهِما جُعِلَ جَرْيُهُما كَأنَّهُ لِأجْلِ الأجَلِ؛ أيْ: لِأجْلِ ما يَطْلُبُهُ ويَقْتَضِيهِ أجَلُ البَقاءِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] فالتَّنْكِيرُ في ”أجَلٍ“ لِلْإفْرادِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأجَلِ أجْلَ حَياةِ النّاسِ الَّذِي يَنْتَهِي بانْتِهاءِ الأعْمارِ المُخْتَلِفَةِ. ولَيْسَ العُمْرُ إلّا أوْقاتًا مَحْدُودَةً وأنْفاسًا مَعْدُودَةً. وجَرْيُ الشَّمْسِ والقَمَرِ تُحْسَبُ بِهِ تِلْكَ الأوْقاتُ والأنْفاسُ، فَصارَ جَرْيُهُما كَأنَّهُ لِأجَلٍ.
قالَ أُسْقُفُ نَجْرانَ:
مَنَعَ البَقاءَ تَقَلُّبُ الشَّمْسِ وطُلُوعُها مِن حَيْثُ لا تُمْسِي
وأقْوالُهم في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.
فالتَّنْكِيرُ في ”أجَلٍ“ لِلنَّوْعِيَّةِ الَّذِي هو في مَعْنى لِآجالٍ مُسَمّاةٍ.
ولَعَلَّ تَعْقِيبَهُ بِوَصْفِ ”الغَفّارِ“ يُرَجِّحُ هَذا المَحْمَلَ كَما سَيَأْتِي.
والمُسَمّى: المَجْعُولُ لَهُ وسْمٌ، أيْ: ما بِهِ يُعَيَّنُ وهو ما عَيَّنَهُ اللَّهُ لِأنْ يَبْلُغَ إلَيْهِ.
وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخْرى ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ﴾ [لقمان: ٢٩] بِحَرْفِ انْتِهاءِ الغايَةِ، ولامُ العِلَّةِ وحَرْفُ الغايَةِ مُتَقارِبانِ في المَعْنى الأصْلِيِّ وأحْسَبُ أنَّ اخْتِلافَ التَّعْبِيرِ بِهِما مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ في الكَلامِ.
* * *
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ في مَعْنى الوَعِيدِ والوَعْدِ، فَإنَّ وصْفَ ”العَزِيزُ“ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ لا غالِبَ لَهُ فَلا تُجْدِي المُشْرِكِينَ عِبادَةُ أوْلِيائِهِمْ، ووَصْفُ ”الغَفّارُ“ مُؤْذِنٌ بِاسْتِدْعائِهِمْ إلى التَّوْبَةِ بِاتِّباعِ الإسْلامِ. وفي وصْفِ ”الغَفّارُ“ مُناسِبَةٌ لِذِكْرِ الأجَلِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ يَظْهَرُ أثَرُها بَعْدَ البَعْثِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ وانْتِهاءِ الأجَلِ تَحْرِيضًا عَلى البِدارِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ المَوْتِ حِينَ يَفُوتُ التَّدارُكُ.
وفِي افْتِتاحِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إيذانٌ بِأهَمِّيَّةِ مَدْلُولِها الصَّرِيحِ والكِنائِيِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences