Ibn 'AshurAz‑Zumar · 39:6–7

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:6–7

39:6Page 459

خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦

He created you from one soul. Then He made from it its mate, and He produced for you from the grazing livestock eight mates.1 He creates you in the wombs of your mothers, creation after creation, within three darknesses.2 That is Allāh, your Lord; to Him belongs dominion. There is no deity except Him, so how are you averted?

صفحة ٣٣١

﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النّاسِ وهو الخَلْقُ العَجِيبُ. وأُدْمِجَ فِيهِ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ أصْلِهِمْ وهو نَفْسٌ واحِدَةٌ تَشَعَّبَ مِنها عَدَدٌ عَظِيمٌ وبِخَلْقِ زَوْجِ آدَمَ لِيَتَقَوَّمَ نامُوسُ التَّناسُلِ.

والجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَكْرِيرًا لِلِاسْتِدْلالِ.

والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَأنّى تُصْرَفُونَ وهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ونُكْتَتُهُ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ رَسُولَهُ ﷺ عَنْهم بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ أقْبَلَ عَلى خِطابِهِمْ لِيَجْمَعَ في تَوْجِيهِ الِاسْتِدْلالِ إلَيْهِمْ بَيْنَ طَرِيقَيِ التَّعْرِيضِ والتَّصْرِيحِ.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، إلّا أنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ الدّالُّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِي لِأنَّ مَساقَها الِاسْتِدْلالُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وإبْطالِ الشَّرِيكِ بِمَراتِبِهِ، فَكانَ خَلْقُ آدَمَ دَلِيلًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وخَلْقُ زَوْجِهِ مِن نَفْسِهِ دَلِيلًا آخَرَ مُسْتَقِلُّ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ. فَعُطِفَ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ الدّالِّ في عَطْفِ الجُمَلِ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِي إشارَةً إلى اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها بِالدَّلالَةِ مِثْلَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فَكانَ خَلْقُ زَوْجِ آدَمَ مِنهُ أدَلَّ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن خَلْقِ النّاسِ مِن تِلْكَ النَّفْسِ الواحِدَةِ ومِن زَوْجِها لِأنَّهُ خَلَقٌ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ فَكانَ ذَلِكَ الخَلْقُ أجْلَبُ لِعَجَبِ السّامِعِ مِن خَلْقِ النّاسِ فَجِيءَ لَهُ بِحَرْفِ التَّراخِي المُسْتَعْمَلِ في تَراخِي المَنزِلَةِ لا في تَراخِي الزَّمَنِ لِأنَّ زَمَنَ خَلْقِ زَوْجِ آدَمَ سابِقٌ عَلى خَلْقِ النّاسِ.

فَأمّا آيَةُ الأعْرافِ فَمَساقُها مَساقُ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِنِعْمَةِ الإيجادِ، فَذُكِرَ الأصْلانَ لِلنّاسِ مَعْطُوفًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِحَرْفِ التَّشْرِيكِ في الحُكْمِ الَّذِي هو الكَوْنُ أصْلًا لِخَلْقِ النّاسِ.

وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَ دَلائِلَ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ في خَلْقِ النّاسِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى بِالأصالَةِ وخَلْقِ الذَّكَرِ الأوَّلِ بِالإدْماجِ وخَلْقِ الأُنْثى بِالأصالَةِ أيْضًا.

* * *

صفحة ٣٣٢

﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ اسْتِدْلالٌ بِما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأنْعامِ عُطِفَ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ يَوْمَئِذٍ قِوامُ حَياتِهِمْ بِالأنْعامِ ولا تَخْلُو الأُمَمُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الحاجَةِ إلى الأنْعامِ ولَمْ تَزَلِ الحاجَةُ إلى الأنْعامِ حافَّةً بِالبَشَرِ في قِوامِ حَياتِهِمْ.

وهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] وبَيْنَ ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ لِمُناسِبَةِ أزْواجِ الأنْعامِ لِزَوْجِ النَّفْسِ الواحِدَةِ.

وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”لَكم“ لِأنَّ في الأنْعامِ مَوادَّ عَظِيمَةً لِبَقاءِ الإنْسانِ وهي الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وقَوْلِهِ ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها﴾ [النحل: ٨٠] إلَخْ؛ في سُورَةِ النَّحْلِ.

والإنْزالُ: نَقْلُ الجِسْمِ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، ويُطْلَقُ عَلى تَذْلِيلِ الأمْرِ الصَّعْبِ كَما يُقالُ: نَزَلُوا عَلى حُكْمِ فُلانٍ، لِأنَّ الأمْرَ الصَّعْبَ يُتَخَيَّلُ صَعْبَ المَنالِ كالمُعْتَصِمِ بِقِمَمِ الجِبالِ، قالَ خَصّابُ بْنُ المُعَلّى مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:

أنْزَلَنِي الدَّهْرُ عَلى حُكْمِهِ مِن شاهِقٍ عالٍ إلى خَفْضِ

فَإطْلاقُ الإنْزالِ هُنا بِمَعْنى التَّذْلِيلِ والتَّمْكِينِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] أيْ سَخَّرْناهُ لِلنّاسِ فَألْهَمْناهم إلى مَعْرِفَةِ قَيْنِهِ يَتَّخِذُونَهُ سُيُوفًا ودُرُوعًا ورِماحًا وعَتادًا مَعَ شِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْزالُ الأنْعامِ إنْزالَها الحَقِيقِيَّ، أيْ: إنْزالُ أُصُولِها مِن سَفِينَةِ نُوحٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] أيْ: خَلَقْنا أصْلَكم وهو آدَمُ، قالَ تَعالى ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] فَيَكُونُ الإنْزالُ هو الإهْباطُ؛ قالَ تَعالى ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] فَهَذانِ وجْهانِ حَسَنانِ لِإطْلاقِ الإنْزالِ، وهُما أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ إنْزالَ الأنْعامِ بِمَعْنى: الخَلْقِ، أيْ: لِأنَّ خَلْقَها بِأمْرِ التَّكْوِينِ يَنْزِلُ مِن حَضْرَةِ القُدْسِ إلى المَلائِكَةِ.

صفحة ٣٣٣

والأزْواجُ: الأنْواعُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] والمُرادُ أنْواعُ الإبِلِ والغَنَمِ والبَقَرِ والمَعْزِ.

وأُطْلِقَ عَلى النَّوْعِ اسْمُ الزَّوْجِ الَّذِي هو المُثَنِّي لِغَيْرِهِ لِأنَّ كُلَّ نَوْعٍ يَتَقَوَّمُ كِيانُهُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى وهُما زَوْجانِ أوْ أُطْلِقَ عَلَيْها أزْواجٌ لِأنَّهُ أشارَ إلى ما أُنْزِلَ مِن سَفِينَةِ نُوحٍ مِنها وهو ذَكَرٌ وأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

* * *

﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وضَمِيرُ المُخاطَبِينَ هُنا راجِعٌ إلى النّاسِ لا غَيْرَ وهو اسْتِدْلالٌ بِتَطَوُّرِ خَلْقِ الإنْسانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ودَقائِقِ صَنْعَتِهِ.

والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ الخَلْقِ وتَكَرُّرِهِ مَعَ اسْتِحْضارِ صُورَةِ هَذا التَّطَوُّرِ العَجِيبِ اسْتِحْضارًا بِالوَجْهِ والإجْمالِ الحاصِلِ لِلْأذْهانِ عَلى حَسْبِ اخْتِلافِ مَراتِبِ إدْراكِها، ويَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ عُلَماءُ الطِّبِّ والعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ وقَدْ بَيَّنَهُ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» .

وقَوْلُهُ ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أيْ طَوْرًا مِنَ الخَلْقِ بَعْدَ طَوْرٍ آخَرَ يُخالِفُهُ وهَذِهِ الأطْوارُ عَشْرَةٌ:

الأوَّلُ: طَوْرُ النُّطْفَةِ، وهي جِسْمٌ مُخاطِيٌّ مُسْتَدِيرٌ أبْيَضُ خالٍ مِنَ الأعْضاءِ يُشْبِهُ دُودَةً، طُولُهُ نَحْوَ خَمْسَةِ مِلِّيمِتْرٍ.

الثّانِي: طَوْرُ العَلَقَةِ، وهي تَتَكَوَّنُ بَعْدَ ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ يَوْمًا مِن وقْتِ اسْتِقْرارِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، وهي في حَجْمِ النَّمْلَةِ الكَبِيرَةِ؛ طُولُها نَحْوُ ثَلاثَةَ عَشَرَ مِلِّيمِتْرًا يَلُوحُ فِيها الرَّأْسُ وتَخْطِيطاتٌ مِن صُوَرِ الأعْضاءِ.

صفحة ٣٣٤

الثّالِثُ: طَوْرُ المُضْغَةِ وهي قِطْعَةٌ حَمْراءُ في حَجْمِ النَّحْلَةِ.

الرّابِعُ: عِنْدَ اسْتِكْمالِ شَهْرَيْنِ يَصِيرُ طُولُهُ ثَلاثَةَ صانْتِمِيتَرٍ وحَجْمُ رَأْسِهِ بِمِقْدارِ نِصْفِ بَقِيَّتِهِ ولا يَتَمَيَّزُ عُنُقُهُ ولا وجْهُهُ ويَسْتَمِرُّ احْمِرارُهُ.

الخامِسُ: في الشَّهْرِ الثّالثِ يَكُونُ طُولُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صانْتِمِيتَرًا ووَزْنُهُ مِائَةُ غِرامٍ ويَبْدُو رَسْمُ جَبْهَتِهِ وأنْفِهِ وحَواجِبِهِ وأظافِرِهِ ويَسْتَمِرُّ احْمِرارُ جِلْدِهِ.

السّادِسُ: في الشَّهْرِ الرّابِعِ يَصِيرُ طُولُهُ عِشْرِينَ صانْتِمِيتَرٍ ووَزْنُهُ ٢٤٠ غِراماتِ، ويَظْهَرُ في الرَّأْسِ زَغَبٌ وتَزِيدُ أعْضاؤُهُ البَطْنِيَّةُ عَلى أعْضائِهِ الصَّدْرِيَّةِ وتَتَّضِحُ أظافِرُهُ في أواخِرَ ذَلِكَ الشَّهْرِ.

السّابِعُ: في الشَّهْرِ السّادِسِ يَصِيرُ طُولُهُ نَحْوَ ثَلاثِينَ صانْتِمِيتَرٍ ووَزْنُهُ خَمْسُمِائَةِ غِرامٍ ويَظْهَرُ فِيهِ مُطْبِقًا وتَتَصَلَّبُ أظافِرُهُ.

الثّامِنُ: في الشَّهْرِ السّابِعِ يَصِيرُ طُولُهُ ثَمانِيَةً وثَلاثِينَ صانْتِمِيتَرًا ويَقِلُّ احْمِرارُ جِلْدِهِ ويَتَكاثَفُ جِلْدُهُ وتَظْهَرُ عَلى الجِلْدِ مادَّةٌ دُهْنِيَّةٌ دَسِمَةٌ مُلْتَصِقَةٌ، ويَطُولُ شَعْرُ رَأْسِهِ ويَمِيلُ إلى الشُّقْرَةِ وتَتَقَبَّبُ جُمْجُمَتُهُ مِنَ الوَسَطِ.

التّاسِعُ: في الشَّهْرِ الثّامِنِ يَزِيدُ غِلَظُهُ أكْثَرَ مِنِ ازْدِيادِ طُولِهِ ويَكُونُ طُولُهُ نَحْوَ أرْبَعِينَ صانْتِمِيتَرٍ، ووَزْنُهُ نَحْوَ أرْبَعَةِ أرْطالٍ أوْ تَزِيدُ، وتَقْوى حَرَكَتُهُ.

العاشِرُ: في الشَّهْرِ التّاسِعِ يَصِيرُ طُولُهُ مِن خَمْسِينَ إلى سِتِّينَ صانْتِمِيتَرٍ ووَزْنُهُ مِن سِتَّةٍ إلى ثَمانِيَةِ أرْطالٍ. ويَتِمُّ عَظْمُهُ، ويَتَضَخَّمُ رَأْسُهُ، ويُكَثُفُ شَعْرُهُ، وتَبْتَدِئُ فِيهِ وظائِفُ الحَياةِ في الجِهازِ الهَضْمِيِّ والرِّئَةِ والقَلْبِ، ويَصِيرُ نَماؤُهُ بِالغِذاءِ، وتَظْهَرُ دَوْرَةُ الدَّمِ فِيهِ؛ المَعْرُوفَةِ بِالدَّوْرَةِ الجَنِينِيَّةِ.

و ”الظُّلُماتُ الثَّلاثُ“: ظُلْمَةُ بَطْنِ الأُمِّ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وهي غِشاءٌ مِن جَلْدٍ يُخْلَقُ مَعَ الجَنِينِ مُحِيطًا بِهِ لِيَقِيَهُ ولِيَكُونَ بِهِ اسْتِقْلالُهُ مِمّا يَنْجَرُّ إلَيْهِ مِنَ الأغْذِيَةِ في دَوْرَتِهِ الدَّمَوِيَّةِ الخاصَّةِ بِهِ دُونَ أُمِّهِ.

وفِي ذِكْرِ هَذِهِ الظُّلُماتِ تَنْبِيهٌ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالأشْياءِ ونُفُوذِ قُدْرَتِهِ إلَيْها في أشَدِّ ما تَكُونُ فِيهِ مِنَ الخَفاءِ.

صفحة ٣٣٥

وانْتَصَبَ ”خَلْقًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُبَيِّنَةِ لِلنَّوْعِيَّةِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ بِـ ”يَخْلُقُكم“ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أُمَّهاتِكم“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ في حالِ الوَصْلِ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، إتْباعًا لِكَسْرَةِ نُونِ ”بُطُونِ“ وبِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ في حالِ الوَصْلِ مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ.

* * *

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأخْبارِ والصِّفاتِ القاضِيَةِ بِأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في الأكْوانِ كُلِّها: جَواهِرِها وأعْراضِها، ظاهِرِها وخَفِيِّها، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] ما يُرْشِدُ العاقِلَ إلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ المُسْتَحَقِّ العِبادَةِ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن أجْلِ تِلْكَ التَّصَرُّفاتِ والصِّفاتِ.

والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ ونَتِيجَةٌ أنْتَجَتْها الأدِلَّةُ السّابِقَةُ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ.

واسْمُ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِ صاحِبِ تِلْكَ الصِّفاتِ عَنْ غَيْرِهِ تَمْيِيزًا يُفْضِي إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: ذَلِكُمُ الَّذِي خَلَقَ وسَخَّرَ وأنْشَأ النّاسَ والأنْعامَ وخَلَقَ الإنْسانَ أطْوارًا هو اللَّهُ، فَلا تُشْرِكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ إذْ لَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ تَعْذُرُ أهْلَ الشِّرْكِ بِشِرْكِهِمْ، أيْ: لَيْسَ شَأْنُهُ بِمُشابِهٍ حالَ غَيْرِهِ مِن آلِهَتِكم قالَ تَعالى ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦] .

والإتْيانُ بِاسْمِهِ العَلَمِ لِإحْضارِ المُسَمّى في الأذْهانِ باسِمٍ مُخْتَصٍّ زِيادَةً في البَيانِ لِأنَّ حالَ المُخاطَبِينَ نُزِّلَ مَنزِلَةَ حالِ مَن لَمْ يَعْلَمْ أنَّ فاعِلَ تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ هو اللَّهُ تَعالى.

واسْمُ الجَلالَةِ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَولُهُ ”رَبُّكم“ صِفَةٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ.

صفحة ٣٣٦

ووَصْفُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةِ الإيجادِ والإمْدادِ وهو مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْطِئَةٌ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِكُفْرانِ نِعْمَتِهِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] .

وجُمْلَةُ لَهُ المُلْكُ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

والمُلْكُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ مَلَكَ، وهو مُثَلَّثُ المِيمِ إلّا أنَّ مَضْمُومَ المِيمِ خَصَّهُ الِاسْتِعْمالُ بِمُلْكِ البِلادِ ورِعايَةِ النّاسِ، وفِيهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] وصاحِبُهُ: مَلِكٌ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وجَمْعُهُ: مُلُوكٌ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ الِادِّعائِيِّ، أيْ: المُلْكُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وأمّا مُلْكُ المُلُوكِ فَهو لِنَقْصِهِ وتَعَرُّضِهِ لِلزَّوالِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ، وفي حَدِيثِ القِيامَةِ: ”«ثُمَّ يَقُولُ أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ» “ فالإلَهِيَّةُ هي المُلْكُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ كانَ ادِّعاؤُهم شُرَكاءَ لِلْإلَهِ الحَقِّ خَطَأٌ، فَكانَ الحَصْرُ الِادِّعائِيُّ لِإبْطالِ ادِّعاءِ المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الحَصْرِ في قَوْلِهِ لَهُ المُلْكُ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَنِ انْصِرافِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ الِانْصِرافُ حالَةً اسْتُفْهِمَ عَنْها بِكَلِمَةِ ”أنّى“ الَّتِي هي بِمَعْنى كَيْفَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] .

والصَّرْفُ: الإبْعادُ عَنْ شَيْءٍ، والمَصْرُوفُ عَنْهُ هُنا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: عَنْ تَوْحِيدِهِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .

وجَعَلَهم مَصْرُوفَيْنِ عَنِ التَّوْحِيدِ ولَمْ يَذْكُرْ لَهم صارِفًا، فَجاءَ في ذَلِكَ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ ولَمْ يَقُلْ لَهم: فَأنّى تَنْصَرِفُونَ، نَعَيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالمَقُودِينَ إلى الكُفْرِ غَيْرِ المُسْتَقِلِّينَ بِأُمُورِهِمْ يَصْرِفُهُمُ الصّارِفُونَ، يَعْنِي أيِمَّةَ الكُفْرِ أوِ الشَّياطِينَ المُوَسْوِسِينَ لَهم. وذَلِكَ إلْهابٌ لِأنْفُسِهِمْ لِيَكُفُّوا عَنِ امْتِثالِ أيِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَهم ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] عَسى أنْ يَنْظُرُوا بِأنْفُسِهِمْ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ المَذْكُورَةِ لَهم.

صفحة ٣٣٧

والمَعْنى: فَكَيْفَ يَصْرِفُكم صارِفٌ عَنْ تَوْحِيدِهِ بَعْدَما عَلِمْتُمْ مِنَ الدَّلائِلِ الآنِفَةِ.

والمُضارِعُ هَنا مُرادٌ مِنهُ زَمَنُ الِاسْتِقْبالِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الدَّلائِلِ.

39:7Page 459

إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أتْبَعَ إنْكارَ انْصِرافِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ بَعْدَ ما ظَهَرَ عَلى ثُبُوتِهِ مِنَ الأدِلَّةِ، بِأنْ أُعْلِمُوا بِأنَّ كُفْرَهم إنْ أصَرُّوا عَلَيْهِ لا يَضُرُّ اللَّهَ وإنَّما يَضُرُّ أنْفُسَهم.

وهَذا شُرُوعٌ في الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ لِلْكافِرِينَ ومُقابَلَتِهِ بِالتَّرْغِيبِ والبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما سَبَقَ مِن إثْباتِ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ.

فَجُمْلَةُ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإنْكارِ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ، أيْ: إنْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ هَذا الزَّمَنِ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم. ومَعْناهُ: غَنِيٌّ عَنْ إقْرارِكم لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، أيْ: غَيْرُ مُفْتَقِرٍ لَهُ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ طَلَبِ التَّوْحِيدِ مِنهم لِنَفْعِهِمْ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْهم لا لِنَفْعِ اللَّهِ، وتَذْكِيرِهِمْ بِهَذا لِيُقْبِلُوا عَلى النَّظَرِ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً في تَنْبِيهِ المُخاطَبِ عَلى الخَطَأِ مِن فِعْلِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ لِقَصْدِ الِاحْتِراسِ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَكْتَرِثُ بِكُفْرِهِمْ ولا يَعْبَأُ بِهِ فَيَتَوَهَّمُوا أنَّهُ والشُّكْرَ سَواءٌ عِنْدَهُ، لِيَتَأكَّدَ بِذَلِكَ مَعْنى اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في تَنْبِيهِ المُخاطَبِ عَلى الخَطَأِ.

وبِهَذا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”لِعِبادِهِ“ العِبادُ الَّذِينَ وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ وذَلِكَ جَرْيٌ عَلى أصْلِ اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ لَفْظَ العِبادِ، كَقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] . الآيَةَ، وإنْ كانَ الغالِبُ في القُرْآنِ في لَفْظِ العِبادِ المُضافِ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ ضَمِيرِهِ أنْ يُطْلَقَ عَلى خُصُوصِ المُؤْمِنِينَ والمُقَرَّبِينَ، وقَرِينَةُ السِّياقِ ظاهِرَةٌ هُنا ظُهُورًا دُونَ ظُهُورِها في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] .

والرِّضى حَقِيقَتُهُ: حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْقُبُ حُصُولَ مُلائِمٍ مَعَ ابْتِهاجٍ بِهِ، وهو عَلى

صفحة ٣٣٨

التَّحْقِيقِ فِيهِ مَعْنًى لَيْسَ في مَعْنى الإرادَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِحْسانِ والِابْتِهاجِ ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَرْكِ الِاعْتِراضِ، ولِهَذا يُقابَلُ الرِّضى بِالسُّخْطِ، وتُقابَلُ الإرادَةُ بِالإكْراهِ، والرِّضى آئِلٌ إلى مَعْنى المَحَبَّةِ.

والرِّضى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَفاسَةُ المَرْضِيِّ عِنْدَ الرّاضِي وتَفْضِيلُهُ واخْتِيارُهُ، فَإذا أُسْنِدَ الرِّضى إلى اللَّهِ تَعالى تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ لازَمَ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ لِأنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْفِعالاتِ، كَشَأْنِ إسْنادِ الأفْعالِ والصِّفاتِ الدّالَّةِ في اللُّغَةِ عَلى الِانْفِعالاتِ؛ مِثْلَ: الرَّحْمَنِ والرَّءُوفِ، وإسْنادُ الغَضَبِ والفَرَحِ والمَحَبَّةِ، فَيُئَوَّلُ الرِّضى بَلازِمِهِ مِنَ الكَرامَةِ والعِنايَةِ والإثابَةِ إنْ عُدِّيَ إلى النّاسِ، ومِنَ النَّفاسَةِ والفَضْلِ إنْ عُدِّيَ إلى أسْماءِ المَعانِي. وقَدْ فَسَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِالِاخْتِيارِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

وفِعْلُ الرِّضى يُعَدَّي في الغالِبِ بِحَرْفِ ”عَنْ“ فَتَدْخُلُ عَلى اسْمِ عَيْنٍ؛ لَكِنْ بِاعْتِبارِ مَعْنًى فِيها هو مُوجِبُ الرِّضى. وقَدْ يُعَدّى بِالباءِ فَيَدْخُلُ غالِبًا عَلى اسْمِ مَعْنًى؛ نَحْوَ: رَضِيتُ بِحُكْمِ فُلانٍ، ويَدْخُلُ عَلى اسْمِ ذاتٍ بِاعْتِبارِ مَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ تَمْيِيزٌ بَعْدَهُ؛ نَحْوَ: رَضِيَتُ بِاللَّهِ رَبًّا، أوْ نَحْوِهِ مِثْلُ ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أوْ قَرِينَةُ مَقامٍ «كَقَوْلِ قُرَيْشٍ في وضْعِ الحَجَرِ الأسْوَدِ: هَذا مُحَمَّدٌ قَدْ رَضِينا بِهِ»، أيْ: رَضِينا بِهِ حَكَمًا إذْ هم قَدِ اتَّفَقُوا عَلى تَحْكِيمِ أوَّلِ داخِلٍ.

ويُعَدّى بِنَفْسِهِ، ولَعَلَّهُ يُراعى فِيهِ التَّضْمِينُ، أوِ الحَذْفُ والإيصالُ، فَيَدْخُلُ غالِبًا عَلى اسْمِ مَعْنًى؛ نَحْوَ: رَضِيَتُ بِحُكْمِ فُلانٍ؛ بِمَعْنى: أحْبَبْتُ حُكْمَهُ. وفي هَذِهِ الحالَةِ قَدْ يُعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِواسِطَةِ لامِ الجَرِّ؛ نَحْوَ:

﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] أيْ: رَضِيتُهُ لِأجْلِكم وأحْبَبْتُهُ لَكم، أيْ: لِأجْلِكم، أيْ: لِمَنفَعَتِكم وفائِدَتِكم.

وفِي هَذا التَّرْكِيبِ مُبالَغَةٌ في التَّنْوِيهِ بِالشَّيْءِ المَرْضِيِّ لَدى السّامِعِ حَتّى كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَرْضاهُ لِأجْلِ السّامِعِ.

فَإذا كانَ قَوْلُهُ لِعِبادِهِ عامًّا غَيْرَ مَخْصُوصٍ وهو مِن صِيَغِ العُمُومِ ثارَ في الآيَةِ إشْكالٌ بَيْنَ المُتَكَلِّمِينَ في تَعَلُّقِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِأفْعالِ العِبادِ إذْ مِنَ الضَّرُورِيِّ

صفحة ٣٣٩

أنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ كَثِيرًا كافِرِينَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ واقِعٍ هو مُرادُ اللَّهِ تَعالى إذْ لا يَقَعُ في مُلْكِهِ إلّا ما يُرِيدُ فَأنْتَجَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ الشَّكْلِ الثّالثِ أنْ يُقالَ: كُفْرُ الكافِرُ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ولا شَيْءَ مِنَ الكُفْرِ بِمُرْضٍ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ يَنْتِجُ القِياسُ بَعْضُ ما أرادَهُ اللَّهُ لَيْسَ بِمُرْضٍ لَهُ.

فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الإرادَةُ والرِّضى حَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وأنْ يَكُونَ لَفْظاهُما غَيْرَ مُتَرادِفَيْنِ، ولِهَذا قالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ إنَّ الإرادَةَ غَيْرُ الرِّضى، والرِّضى غَيْرُ الإرادَةِ والمَشِيئَةِ، فالإرادَةُ والمَشِيئَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ والرِّضى والمَحَبَّةُ والِاخْتِيارُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا حَمْلٌ لِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ عَلى مَعانٍ يُمْكِنُ مَعَها الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ. قالَ التَّفْتَزانِيُّ: وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ التَّحْقِيقِ.

ويَنْبَنِي عَلَيْها القَوْلُ في تَعَلُّقِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ بِأفْعالِ العِبادِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ راجِعًا إلى خِطابِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] راجِعًا إلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالإيجادِ والخَلْقِ. ويَتَرَكَّبُ مِن مَجْمُوعِهِما ومَجْمُوعِ نَظائِرِ كُلٍّ مِنهُما الِاعْتِقادُ بِأنَّ لِلْعِبادِ كَسْبًا في أفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ وأنَّ اللَّهَ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِخَلْقِ تِلْكَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ عِنْدَ تَوَجُّهِ كَسْبِ العَبْدِ نَحْوَها، فاللَّهُ خالِقٌ لِأفْعالِ العَبْدِ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ لَها. والعَبْدُ مُكْتَسِبٌ غَيْرُ خالِقٍ، فَإنَّ الكَسْبَ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ هو الِاسْتِطاعَةُ المُفَسَّرَةُ عِنْدَهُ بِسَلامَةِ أسْبابِ الفِعْلِ وآلاتِهِ، وهي واسِطَةٌ بَيْنَ القُدْرَةِ والجَبْرِ، أيْ: هي دُونَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ وفَوْقَ تَسْخِيرِ الجَبْرِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ الدِّينِيَّةِ النّاطِقَةِ بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَيْنَ دَلالَةِ الضَّرُورَةِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ حَرَكَةِ المُرْتَعِشِ وحَرَكَةِ الماشِي، وجَمْعًا بَيْنَ أدِلَّةِ عُمُومِ القُدْرَةِ وبَيْنَ تَوْجِيهِ الشَّرِيعَةِ خِطابَها لِلْعِبادِ بِالأمْرِ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، والنَّهْيِ عَنِ الكُفْرِ والسَّيِّئاتِ وتَرْتِيبِ الثَّوابِ والعِقابِ.

وأمّا الَّذِينَ رَأوُا الِاتِّحادَ بَيْنَ مَعانِي الإرادَةِ والمَشِيئَةِ والرِّضى وهو قَولُ كَثِيرٍ مِن أصْحابِ الأشْعَرِيِّ وجَمِيعِ الماتُرِيدِيَّةِ فَسَلَكُوا في تَأْوِيلِ الآيَةِ مَحْمَلَ لَفْظِ ”لِعِبادِهِ“ عَلى العامِّ المَخْصُوصِ، أيْ: لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ واسْتَأْنَسُوا لِهَذا المَحْمَلِ بِأنَّهُ الجارِي عَلى غالِبِ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ في لَفْظَةِ العِبادِ لِاسْمِ اللَّهِ، أوْ ضَمِيرِهِ

صفحة ٣٤٠

كَقَوْلِهِ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] قالُوا: فَمَن كَفَرَ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ كُفْرَهُ ومَن آمَنَ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ إيمانَهُ، والتَزَمَ كِلا الفَرِيقَيْنِ الأشاعِرَةُ والماتُرِيدِيَّةُ أصْلَهُ في تَعَلُّقِ إرادَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ بِأفْعالِ العِبادِ الِاخْتِيارِيَّةِ المُسَمّى بِالكَسْبِ ولَمْ يَخْتَلِفا إلّا في نِسْبَةِ الأفْعالِ لِلْعِبادِ: أهِيَ حَقِيقِيَّةٌ أمْ مَجازِيَّةٌ، وقَدْ عُدَّ الخِلافُ في تَشْبِيهِ الأفْعالِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظِيًّا.

ومِنَ العَجِيبِ تَهْوِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِهَذا القَوْلِ إذْ يَقُولُ: ”ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضى بِالكُفْرِ فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ إلَخْ؛“ فَكانَ آخِرُ كَلامِهِ رَدًّا لِأوَّلِهِ وهَلْ يُعَدُّ التَّأْوِيلُ تَضْلِيلًا أمْ هَلْ يُعَدُّ العامُّ المَخْصُوصُ بِالدَّلِيلِ مِنَ النّادِرِ القَلِيلِ.

وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ القُدْرَةَ لِلْعِبادِ عَلى أفْعالِهِمْ وأنَّ أفْعالَ العِبادِ غَيْرُ مُقْدُورَةٍ لِلَّهِ تَعالى ويَحْمِلُونَ ما ورَدَ في الكِتابِ مِن نِسْبَةِ أفْعالٍ مِن أفْعالِ العِبادِ إلى اللَّهِ أوْ إلى قُدْرَتِهِ أنَّهُ عَلى مَعْنى أنَّهُ خالِقُ أُصُولِها وأسْبابِها، ويَحْمِلُونَ ما ورَدَ مِن نَفْيِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ ولِذَلِكَ أوْرَدُوا هَذِهِ الآيَةَ لِلِاحْتِجاجِ بِها. وقَدْ أوْرَدَها إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ في فَصْلٍ حَشَرَ فِيهِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ مِن ظَواهِرِ الكِتابِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ والمَعْنى: وإنْ تَشْكُرُوا بَعْدَ هَذِهِ المَوْعِظَةِ فَتُقْلِعُوا عَنِ الكُفْرِ وتَشْكُرُوا اللَّهَ بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والتَّنْزِيهِ يَرْضَ لَكُمُ الشُّكْرَ، أيْ: يُجازِيكم بِلَوازِمِ الرِّضى. والشُّكْرُ يَتَقَوَّمُ مِنِ اعْتِقادٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ جَزاءً عَلى نِعْمَةٍ حاصِلَةٍ لِلشّاكِرِ مِنَ المَشْكُورِ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ ”يَرْضَهُ“ عائِدٌ إلى الشُّكْرِ المُتَصَيَّدِ مِن أفْعالِ إنْ تَشْكُرُوا.

* * *

﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ كَأنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَها أنَّ في المُخاطَبِينَ كافِرًا وشاكِرًا وهم في بَلَدٍ واحِدٍ بَيْنَهم وشائِجُ القَرابَةِ والوَلاءِ، فَرُبَّما تَحَرَّجَ المُؤْمِنُونَ مِن أنْ يَمَسَّهم إثْمٌ مِن جَرّاءَ كُفْرِ أقْرِبائِهِمْ وأوْلِيائِهِمْ، أوْ أنَّهم خَشَوْا أنْ يُصِيبَ اللَّهُ الكافِرِينَ بِعَذابٍ في

صفحة ٣٤١

الدُّنْيا فَيَلْحَقَ مِنهُ القاطِنِينَ مَعَهم بِمَكَّةَ فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ لا يُنْقِصُ إيمانَ هَؤُلاءِ وأرادَ اطْمِئْنانَهم عَلى أنْفُسِهِمْ.

وأصِلُ الوِزْرِ، بِكَسْرِ الواوِ: الثِّقَلُ، وأُطْلِقَ عَلى الإثْمِ لِأنَّهُ يَلْحَقُ صاحِبَهُ تَعَبٌ كَتَعَبِ حامِلِ الثِّقْلِ. ويُقالُ: وزِرَ بِمَعْنى حَمَلَ الوِزْرَ، بِمَعْنى كَسْبَ الإثْمَ.

وتَأْنِيثُ ”وازِرَةٌ“ و”أُخْرى“ بِاعْتِبارِ إرادَةِ مَعْنى النَّفْسِ في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] .

والمَعْنى: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، أيْ: لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مِن إثْمِها فَلا تَطْمَعُ نَفْسٌ بِإعانَةِ ذَوِيِها وأقْرِبائِها، وكَذَلِكَ لا تَخْشى نَفْسٌ صالِحَةٌ أنْ تُؤاخَذَ بِتَبِعَةِ نَفْسٍ أُخْرى مِن ذَوِيِها أوْ قَرابَتِها. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُتارَكَةِ وقَطْعِ اللِّجاجِ مَعَ المُشْرِكِينَ وأنَّ قُصارى المُؤْمِنِينَ أنْ يُرْشِدُوا الضُّلّالَ لا أنْ يُلْجِئُوهم إلى الإيمانِ، كَما تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ.

* * *

﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ثُمَّ لِلْتَرْتِيبَيْنَ الرُّتْبِيِّ والتَّراخِي، أيْ: وأعْظَمُ مِن كَوْنِ اللَّهِ غَنِيًّا عَنْكم أنَّهُ أعَدَّ لَكُمُ الجَزاءَ عَلى كُفْرِكم وسَتَرْجِعُونَ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ.

وإنَّما جاءَ في آيَةِ الأنْعامِ ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤] لِأنَّها وقَعَتْ إثْرَ آياتٍ كَثِيرَةٍ تَضَمَّنَتِ الِاخْتِلافَ بَيْنَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُشْرِكِينَ ولَمْ يَجِئْ مِثْلُ ذَلِكَ هُنا، فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن كُفْرِ مَن كَفَرَ وشُكْرِ مَن شَكَرَ.

والأنْباءُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإظْهارِ الحاصِلِ بِهِ العِلْمُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَةِ الإخْبارِ بِأنْ يُعْلِنَ لَهم بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ أعْمالَهم، والمَعْنى: أنَّهُ يُظْهِرُ لَكُمُ الحَقَّ لا مِرْيَةَ فِيهِ أوْ يُخْبِرَكم بِهِ مُباشَرَةً، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في آخِرِ الأنْعامِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠]

صفحة ٣٤٢

لِأنَّ العَلِيمَ بِذاتِ الصُّدُورِ لا يُغادِرُ شَيْئًا إلّا عَلِمَهُ فَإذا أنْبَأ بِأعْمالِهِمْ كانَ إنْباؤُهُ كامِلًا.

وذاتِ: صاحِبَةِ، مُؤَنَّثُ ”ذُو“ بِمَعْنى صاحِبٍ، صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: الأعْمالُ، أيْ: بِالأعْمالِ صاحِبَةِ الصُّدُورِ، أيْ: المُسْتَقِرَّةِ في النَّوايا فَعَبَّرَ بِـ ”الصُّدُورِ“ عَمّا يَحِلُّ بِها، والصُّدُورُ مُرادٌ بِها القُلُوبُ المُعَبَّرُ بِها عَمّا بِهِ الإدْراكُ والعَزْمُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском