Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:49–55
39:49Page 464
فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩
And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضَرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ هَذا الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] الآيَةَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُسَلْسَلٌ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ لِلْمُناسِباتِ.
وتَفْرِيعُ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى ما ذَكَرْناهُ تَفْرِيعُ وصْفِ بَعْضٍ مِن غَرائِبِ أحْوالِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَلْ أغْرَبُ مِن فَزَعِهِمْ إلى اللَّهِ وحْدَهُ بِالدُّعاءِ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ وقَدْ كانُوا يَشْمَئِزُّونَ مِن ذِكْرِ اسْمِهِ وحْدَهُ فَهَذا تَناقُضٌ مِن أفْعالِهِمْ وتَعْكِيسٌ، فَإنَّهُ تَسَبُّبُ
صفحة ٣٥
حَدِيثٍ عَلى حَدِيثٍ ولَيْسَ تَسَبُّبًا عَلى الوُجُودِ. وهَذِهِ النُّكْتَةُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ العَطْفِ بِالفاءِ هُنا وعَطْفِ نَظِيرِها بِالواوِ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ هو قَوْلُهُ ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾، وأمّا ما بَعْدَهُ فَتَتْمِيمٌ واسْتِطْرادٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ﴾ [الزمر: ٨] الآيَةَ. وأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ كُلَّ مُشْرِكٍ فالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والمُرادُ جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ وهم أهْلُ الشِّرْكِ فَهو لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ ولِئَلّا تَخْلُو إعادَةُ الآيَةِ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ كَما هو عادَةُ القُرْآنِ في القِصَصِ المُكَرَّرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾، (إنَّما) فِيهِ هي الكَلِمَةُ المُرَكَّبَةُ مِن (إنَّ) الكافَّةِ الَّتِي تَصِيرُ كَلِمَةً تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ بِمَنزِلَةِ (ما) النّافِيَةِ الَّتِي بَعْدَها (إلّا) الِاسْتِثْنائِيَّةُ.
والمَعْنى: ما أُوتِيتَ الَّذِي أُوتِيتَهُ مِن نِعْمَةٍ إلّا لِعِلْمٍ مِنِّي بِطُرُقِ اكْتِسابِهِ. وتَرْكِيزُ ضَمِيرِ الغائِبِ في قَوْلِهِ (أُوتِيتُهُ) عائِدٌ إلى (نِعْمَةً) عَلى تَأْوِيلِ حِكايَةِ مَقالَتِهِمْ بِأنَّها صادِرَةٌ مِنهم في حالِ حُضُورِ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أنْواعِ النِّعَمِ فَهو مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى ذاتٍ مُشاهَدَةٍ، فالضَّمِيرُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] .
ومَعْنى ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَجَرى في أقْوالِهِ إذِ القَوْلُ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ.
و(عَلى) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ عِلْمٍ، أيْ بِسَبَبِ عِلْمٍ. وخُولِفَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ آيَةِ سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] فَلَمْ يُذْكَرْ هُنا (عِنْدِي) لِأنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ هُنا مُجَرَّدُ الفِطْنَةِ والتَّدْبِيرِ، وأُرِيدَ هُنالِكَ عِلْمُ صَوْغِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والكِيمْياءِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها قارُونُ مِن مَعْرِفَةِ تَدابِيرِها مالًا عَظِيمًا،
صفحة ٣٦
وهُوَ عِلْمٌ خاصٌّ بِهِ، وأمّا ما هُنا العِلْمُ الَّذِي يُوجَدُ في جَمِيعِ أهْلِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.
والمُرادُ: العِلْمُ بِطُرُقِ الكَسْبِ ودَفْعِ الضُّرِّ كَمَثَلِ حِيَلِ النُّوتِيِّ في هَوْلِ البَحْرِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ إذا ذَكَّرَهُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أوْ أحَدُ المُؤْمِنِينَ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ صِيغَةِ الحَصْرِ لِأنَّهُ قَصَدَ قَلْبَ كَلامِ مَن يَقُولُ لَهُ إنَّ ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ وهو إبْطالٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّهم أُوتُوا ذَلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ، أيْ بَلْ إنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي أُوتُوها إنَّما آتاهُمُ اللَّهُ إيّاها لِيُظْهِرَ لِلْأُمَمِ مِقْدارَ شُكْرِهِمْ، أيْ هي دالَّةٌ عَلى حالَةٍ فِيهِمْ تُشْبِهُ حالَةَ الِاخْتِبارِ لِمِقْدارِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ وشُكْرِهِمْ إيّاهُ، لِأنَّ الرَّحْمَةَ والنِّعْمَةَ بِها أثَرٌ في المَنعِ عَلَيْهِ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، واللَّهُ عالِمٌ بِهِمْ وغَنِيٌّ عَنِ اخْتِبارِهِمْ.
وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (قالَ) عَلى طَرِيقَةِ إعادَةِ الضَّمِيرِ عَلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلٍ نَحْوَ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، وإنَّما أنَّثَ ضَمِيرَهُ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ (فِتْنَةٌ)، أوْ عَلى تَأْوِيلِ القَوْلِ بِالكَلِمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] والمُرادُ: أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ سَبَبُ فِتْنَةٍ أوْ مُسَبَّبٌ عَنْ فِتْنَةٍ في نُفُوسِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (نِعْمَةً) .
والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾، أيْ لَكِنْ لا يَعْلَمُ أكْثَرُ النّاسِ ومِنهُمُ القائِلُونَ، أنَّهم في فِتْنَةٍ بِما أُوتُوا مِن نِعْمَةٍ إذا كانُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ القائِلِينَ الزّاعِمِينَ أنَّ ما هم فِيهِ مِن خَيْرٍ نَتِيجَةُ مَساعِيهِمْ وحِيَلِهِمْ.
وضَمِيرُ (أكْثَرَهم) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَعادًا، والمُرادُ بِهِ النّاسُ، أيْ لَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ بَعْضَ ما أُوتُوهُ مِنَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا يَكُونُ لَهم فِتْنَةً بِحَسَبِ ما يَتَلَقَّوْنَها بِهِ مِن قِلَّةِ
صفحة ٣٧
الشُّكْرِ وما يُفْضِي إلى الكُفْرِ، فَدَخَلَ في هَذا الأكْثَرِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ.
39:50–51Page 464
قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠
Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١
And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ .
جُمْلَةُ قَدْ قالَها مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ هي فِتْنَةٌ لِأنَّ بَيانَ مَغَبَّةِ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ في شَأْنِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَنالُهم يُبَيِّنُ أنَّ نِعْمَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ فِتْنَةً لَهم.
وضَمِيرُ (قالَها) عائِدٌ إلى قَوْلِ القائِلِ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩]، عَلى تَأْوِيلِ القَوْلِ بِالكَلِمَةِ الَّتِي هي الجُمْلَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .
و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هم غَيْرُ المُتَدَيِّنِينَ مِمَّنْ أسْلَفُوا مِمَّنْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ، ومِنهم قارُونُ وقَدْ حَكى عَنْهُ في سُورَةِ القَصَصِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما كَسَبُوهُ مِن أمْوالٍ. وعَدَمُ إغْنائِهِ عَنْهم أنَّهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا دَفْعَ العَذابِ بِأمْوالِهِمْ. والفاءُ في ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِتَفْرِيعِ عَدَمِ إغْناءِ ما كَسَبُوهُ عَلى مَقالَتِهِمْ تِلْكَ فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم حَلَّ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ ما شَأْنُ مِثْلِهِ أنْ يَتَطَلَّبَ صاحِبُهُ الِافْتِداءَ مِنهُ، فَإذا كانَ ذَلِكَ السُّوءُ عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِداءٌ، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ .
فَفاءُ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾ [الشعراء: ٢٠٧]، أيْ تَسَبَّبَ عَلى انْتِفاءِ إغْناءِ الكَسْبِ عَنْهم حُلُولُ العِقابِ بِهِمْ.
وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ الجُمَلِ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ مُقَدَّمَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، لِأنَّ الإغْناءَ إنَّما
صفحة ٣٨
يُتَرَقَّبُ عِنْدَ حُلُولِ الضَّيْرِ بِهِمْ فَإذا تَقَرَّرَ عَدَمُ الإغْناءِ يُذْكَرُ بَعْدَهُ حُلُولُ المُصِيبَةِ، فَعُكِسَ التَّرْتِيبُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ التَّعْجِيلِ بِإبْطالِ مَقالَةِ قائِلِهِمْ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، أيْ لَوْ كانَ لِعِلْمِهِمْ أثَرٌ في جَلْبِ النِّعْمَةِ لَهم لَكانَ لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ الضُّرِّ عَنْهم.
والإشارَةُ بِ (هَؤُلاءِ) إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وقَدْ بَيَّنّا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّنا اهْتَدَيْنا إلى كَشْفِ عادَةٍ مِن عاداتِ القُرْآنِ إذا ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الإشارَةُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ.
وإصابَةُ السَّيِّئاتِ مُرادٌ بِها في المَوْضِعَيْنِ إصابَةُ جَزاءِ السَّيِّئاتِ وهو عِقابُ الدُّنْيا وعِقابُ الآخِرَةِ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
والمُعْجِزُ: الغالِبُ، وتَقَدَّمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، أيْ ما هم بِمُعْجِزِينا، فَحُذِفَ مَفْعُولُ اسْمِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ.
39:52Page 464
أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] فَبَعْدَ أنْ وصَفَ أكْثَرَهم بِانْتِفاءِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وإهْمالِهِمُ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ المُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ وصَمِّهِمْ آذانَهم عَنِ الآياتِ الَّتِي تُذَكِّرُهم بِذَلِكَ حَتّى بَقُوا في جَهالَةٍ مُرَكَّبَةٍ وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، أيْ يُعْطِي الخَيْرَ مَن يَشاءُ، ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ.
فالِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في انْتِفاءِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ لِأنَّهم تَسَبَّبُوا في انْتِفاءِ العِلْمِ، فالإنْكارُ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخًا.
واقْتَصَرَ في الإنْكارِ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ العِلْمِ بِأنْ بَسْطَ الرِّزْقِ وقَدْرَهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ
صفحة ٣٩
تَعالى لِأنَّهُ أدْنى لِمُشاهَدَتِهِمْ أحْوالَ قَوْمِهِمْ فَكَمْ مِن كادٍّ غَيْرِ مَرْزُوقٍ وكَمْ مِن آخَرَ يَجِيئُهُ الرِّزْقُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
وجَعَلَ في ذَلِكَ آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الرِّزْقِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ التَّصَرُّفَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُنْبِئُ عَنْ بَقِيَّةِ الأحْوالِ فَتَحْصُلُ في ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في نَفْسِ الأمْرِ.
وجُعِلَتِ الآياتُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ وتَخَلَّقُوا بِهِ ولَمْ تَكُنْ فِيهِ آياتٌ لِلْمُشْرِكِينَ الغافِلِينَ عَنْهُ.
39:53Page 464
۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣
Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أطْنَبَتْ آياتُ الوَعِيدِ بِأفْنانِها السّابِقَةِ إطْنابًا يَبْلُغُ مِن نُفُوسِ سامِعِيها أيَّ مَبْلَغٍ مِنَ الرُّعْبِ والخَوْفِ، عَلى رَغْمِ تَظاهُرِهِمْ بِقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِها. وقَدْ يَبْلُغُ بِهِمْ وقْعُها مَبْلَغَ اليَأْسِ مِن سَعْيٍ يُنْجِيهِمْ مِن وعِيدِها، فَأعْقَبَها اللَّهُ بِبَعْثِ الرَّجاءِ في نُفُوسِهِمْ لِلْخُرُوجِ إلى ساحِلِ النَّجاةِ إذا أرادُوها عَلى عادَةِ هَذا الكِتابِ المَجِيدِ مِن مُداواةِ النُّفُوسِ بِمَزِيجِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ الزَّواجِرَ السّابِقَةَ تُثِيرُ في نُفُوسِ المُواجِهِينَ بِها خاطَرَ التَّساؤُلِ عَنْ مَسالِكِ النَّجاةِ فَتَتَلاحَمُ فِيها الخَواطِرُ المَلَكِيَّةُ والخَواطِرُ الشَّيْطانِيَّةُ إلى أنْ يُرْسِيَ التَّلاحُمُ عَلى انْتِصارِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، فَكانَ في إنارَةِ السَّبِيلِ لَها ما يُسَهِّلُ خَطْوَ الحائِرِينَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ، ويَرْتَفِقُ بِها ويُواسِيها بَعْدَ أنْ أثْخَنَتْها جُرُوحُ التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ والوَعِيدِ، ويُضَمِّدُ تِلْكَ الجِراحَةَ، والحَلِيمُ يَزْجُرُ ويَلِينُ، وتُثِيرُ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ خَشْيَةَ أنْ يُحِيطَ غَضَبُ اللَّهِ بِالَّذِينِ دَعاهم إلَيْهِ فَأعْرَضُوا، أوْ حَبَّبَهم في الحَقِّ فَأبْغَضُوا، فَلَعَلَّهُ لا يَفْتَحُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ، ولا تُقْبَلُ مِنهم بَعْدَ إعْراضِهِمْ أوْبَةٌ، ولا سِيَّما بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِتَفْوِيضِ الأمْرِ إلى حُكْمِهِ،
صفحة ٤٠
المُشْتَمِّ مِنهُ تَرَقُّبُ قَطْعِ الجِدالِ وفَصْمِهُ، فَكانَ أمْرُهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنْ يُنادِيَهم بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ تَنْفِيسًا عَلَيْهِ، وتَفْتِيحًا لِبابِ الأوْبَةِ إلَيْهِ، فَهَذا كَلامٌ يَنْحَلُّ إلى اسْتِئْنافَيْنِ فَجُمْلَةُ (قُلْ) اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما تَرَقَبَّهُ أفْضَلُ النَّبِيئِينَ ﷺ أيْ بَلِّغْ عَنِّي هَذا القَوْلَ.
وجُمْلَةُ (يا عِبادِي) اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مِن خِطابِ اللَّهِ لَهم.
وابْتِداءُ الخِطابِ بِالنِّداءِ وعُنْوانِ العِبادِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ما بَعْدَهُ إعْدادٌ لِلْقَبُولِ وإطْماعٌ في النَّجاةِ.
والخِطابُ بِعُنْوانِ (عِبادِي) مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ ابْتِداءً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (﴿وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ [الزمر: ٥٤]) وقَوْلُهُ (﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦]) وقَوْلُهُ (﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩]) . فَهَذا الخِطابُ جَرى عَلى غَيْرِ الغالِبِ في مِثْلِهِ في عادَةِ القُرْآنِ عِنْدَ ذِكْرِ (عِبادِي) بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ تَعالى.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا قَدْ قَتَلُوا وأكْثَرُوا، وزَنَوْا وأكْثَرُوا، فَأتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةٌ يَعْنِي وقَدْ سَمِعُوا آياتِ الوَعِيدِ لِمَن يَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمُوا أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ جَرائِمٌ وهم في جاهِلِيَّةٍ فَنَزَلَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] يَعْنِي إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] ونَزَلَ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ»﴾ .
وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثٌ عِدَّةٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ حَدِيثِ البُخارِيِّ وهي بَيْنَ ضَعِيفٍ ومَجْهُولٍ ويُسْتَخْلَصُ مِن مَجْمُوعِها أنَّها جُزَيْئاتٌ لِعُمُومِ الآيَةِ وأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِخِطابِ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ وقَدْ أشَرْنا إلَيْها في دِيباجَةِ تَفْسِيرِ السُّورَةِ.
ومِن أجْمَلِ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ فِيها ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قالَ لَمّا اجْتَمَعْنا عَلى الهِجْرَةِ اتَّعَدْتُ أنا وهِشامُ بْنُ العاصِ السَّهْمِيُّ
صفحة ٤١
وعَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ. فَقُلْنا: المَوْعِدُ أضاةُ بَنِي غِفارٍ، وقُلْنا: مَن تَأخَّرَ مِنّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحِباهُ. فَأصْبَحْتُ أنا وعَيّاشُ بْنُ عُتْبَةَ وحُبِسَ عَنّا هِشامٌ وإذا هو قَدْ فُتِنَ فافْتَتَنَ فَكُنّا نَقُولُ بِالمَدِينَةِ: هَؤُلاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ ثُمَّ افْتَتَنُوا لِبَلاءٍ لَحِقَهم لا نَرى لَهم تَوْبَةً. وكانُوا هم يَقُولُونَ هَذا في أنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢] قالَ عُمَرُ فَكَتَبْتُها بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُها إلى هِشامٍ. قالَ هِشامٌ: فَلَمّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِها إلى ذِي طَوى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيها فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ. فَقَوْلُ عُمَرَ (فَأنْزَلَ اللَّهُ) يُرِيدُ أنَّهُ سَمِعَهُ بَعْدَ أنْ هاجَرَ وأنَّهُ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَلَمْ يَسْمَعْهُ عُمَرُ إذْ كانَ في شاغِلِ تَهْيِئَةِ الهِجْرَةِ فَما سَمِعَها إلّا وهو بِالمَدِينَةِ فَإنَّ عُمَرَ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ قَبْلَ النَّبِيءِ ﷺ .
فالخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ تَمْهِيدٌ بِإجْمالٍ يَأْتِي بَيانُهُ في الآياتِ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]، وبَعْدَ هَذا فَعُمُومُ (عِبادِيَ) وعُمُومُ صِلَةِ (الَّذِينَ أسْرَفُوا) يَشْمَلُ أهْلَ المَعاصِي مِنَ المُسْلِمِينَ وإنْ كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الخِطابِ المُشْرِكِينَ عَلى عادَةِ الكَلامِ البَلِيغِ مِن كَثْرَةِ المَقاصِدِ والمَعانِي الَّتِي تُفَرَّغُ في قَوالِبٍ تَسَعُها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِإسْكانِ الياءِ. ولَعَلَّ وجْهَ ثُبُوتِ الياءِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ نَظِيرِها وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠]، أنَّ الخِطابَ هُنا لِلَّذِينَ أسْرَفُوا وفي مُقَدِّمَتِهِمُ المُشْرِكُونَ وكُلُّهم مَظِنَّةُ تَطَرُّقِ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إلى نُفُوسِهِمْ، فَكانَ إثْباتُ (يا) المُتَكَلِّمِ في خِطابِهِمْ زِيادَةَ تَصْرِيحٍ بِعَلامَةِ التَّكَلُّمِ تَقْوِيَةً لِنِسْبَةِ عُبُودِيَّتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى إيماءً إلى أنَّ شَأْنَ الرَّبِّ الرَّحْمَةُ بِعِبادِهِ.
والإسْرافُ: الإكْثارُ. والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ في الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الإسْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والأكْثَرُ أنْ يُعَدّى إلى مُتَعَلِّقِهِ بِحَرْفِ (مِن)، وتَعْدِيَتُهُ هُنا بِ (عَلى) لِأنَّ
صفحة ٤٢
الإكْثارَ هُنا مِن أعْمالٍ تَتَحَمَّلُها النَّفْسُ وتَثْقُلُ بِها وذَلِكَ مُتَعارَفٌ في التَّبِعاتِ والعُدْوانِ تَقُولُ: أكْثَرْتُ عَلى فُلانٍ، فَمَعْنى (﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾): أنَّهم جَلَبُوا لِأنْفُسِهِمْ ما تُثْقِلُهم تَبِعَتُهُ لِيَشْمَلَ ما اقْتَرَفُوهُ مِن شِرْكٍ وسَيِّئاتٍ.
والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
ومادَّةُ الغَفْرِ تَرْجِعُ إلى السَّتْرِ، وهو يَقْتَضِي وُجُودَ المَسْتُورِ واحْتِياجَهُ لِلسَّتْرِ فَدَلَّ (﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾) عَلى أنَّ الذُّنُوبَ ثابِتَةٌ، أيِ المُؤاخَذَةُ بِها ثابِتَةٌ واللَّهُ يَغْفِرُها، أيْ يُزِيلُ المُؤاخَذَةَ بِها، وهَذِهِ المَغْفِرَةُ تَقْتَضِي أسْبابًا أُجْمِلَتْ هُنا وفُصِّلَتْ في دَلائِلَ أُخْرى مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢]، وتِلْكَ الدَّلائِلُ يَجْمَعُها أنَّ لِلْغُفْرانِ أسْبابًا تَطْرَأُ عَلى المُذْنِبِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ بِالذُّنُوبِ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ الحَكِيمُ تَعالى، كَيْفَ وقَدْ سَمّاها ذُنُوبًا وتَوَعَّدَ عَلَيْها فَكانَ قَوْلُهُ (﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾) دَعْوَةً إلى تَطَلُّبِ أسْبابِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ فَإذا طَلَبَها المُذْنِبُ عَرَفَ تَفْصِيلَها.
و(جَمِيعًا) حالٌ مِنَ (الذُّنُوبِ)، أيْ حالُ جَمِيعِها، أيْ عُمُومُها، فَيَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ مِنها إنْ حَصَلَتْ مِنَ المُذْنِبِ أسْبابُ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ (جَمِيعٍ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾) أيْ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَغْفِرَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ ما بَلَغَ جَمِيعُها مِنَ الكَثْرَةِ لِأنَّهُ شَدِيدُ الغُفْرانِ شَدِيدُ الرَّحْمَةِ.
فَبَطَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ المُرْجِئَةِ أنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ شَيْءٌ.
39:54Page 464
وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤
And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.
صفحة ٤٣
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ .
لَمّا فَتَحَ لَهم بابَ الرَّجاءِ أعْقَبَهُ بِالإرْشادِ إلى وسِيلَةِ المَغْفِرَةِ مَعْطُوفًا بِالواوِ ولِلدَّلالَةِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ وبَيْنَ الإنابَةِ جَمْعًا يَقْتَضِي المُبادَرَةَ، وهي أيْضًا مُقْتَضى صِيغَةِ الأمْرِ.
والإنابَةُ: التَّوْبَةُ ولِما فِيها وفي التَّوْبَةِ مِن مَعْنى الرُّجُوعِ عُدِّيَ الفِعْلانِ بِحَرْفِ (إلى) .
والمَعْنى: تُوبُوا إلى اللَّهِ مِمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ بِأنْ تُوَحِّدُوهُ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالإسْلامِ، أيِ التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيءِ ﷺ والقُرْآنِ واتِّباعِ شَرائِعِ الإسْلامِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ إيذانٌ بِوَعِيدٍ قَرِيبٍ إنْ لَمْ يُنِيبُوا ويُسْلِمُوا كَما يُلْمِحُ إلَيْهِ فِعْلُ (يَأْتِيَكم) .
والتَّعْرِيفُ في العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهم إنْ لَمْ يُنِيبُوا ويُسْلِمُوا يَأْتِهِمُ العَذابُ.
والعَذابُ مِنهُ ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا إنْ شاءَهُ اللَّهُ وهَذا خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا المُسْلِمُونَ فَقَدِ اسْتَعاذَ لَهم مِنهُ الرَّسُولُ ﷺ حِينَ نَزَلَ ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، ومِنَ العَذابِ عَذابُ الآخِرَةِ وهو جَزاءُ الكُفْرِ والكَبائِرِ.
وهَذا الخِطابُ يَأْخُذُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُ بِنَصِيبٍ، فَنَصِيبُ المُشْرِكِينَ الإنابَةُ إلى التَّوْحِيدِ واتِّباعُ دِينِ الإسْلامِ، ونَصِيبُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ التَّوْبَةُ إذا أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ والإكْثارُ مِنَ الحَسَناتِ وأمّا الإسْلامُ فَحاصِلٌ لَهم.
والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى الغَلَبَةِ بِحَيْثُ يَنْفَلِتُ المَغْلُوبُ مِن غَلَبَةِ قاهِرِهِ كُرْهًا عَلى القاهِرِ ولا نَصِيرَ لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ.
صفحة ٤٤
وأمّا الشَّفاعَةُ لِأهْلِ الكَبائِرِ فَلَيْسَتْ مِن حَقِيقَةِ النَّصْرِ المَنفِيِّ وهَذِهِ الفِقْرَةُ أكْثَرُ حَظٍّ فِيها هو حَظُّ المُشْرِكِينَ.
39:55Page 464
وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥
And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
(أحْسَنَ ما أُنْزِلَ) هو القُرْآنُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، والحَظُّ لِلْمُشْرِكِينَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٨] .
و(أحْسَنُ) اسْمُ تَفْضِيلٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى كامِلِ الحُسْنِ، ولَيْسَ في مَعْنى تَفْضِيلِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ لِأنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ حُسْنٌ فَهو مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] .
وإضافَةُ (أحْسَنَ) إلى (ما أُنْزِلُ) مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ.
والعَذابُ المَذْكُورُ في هَذِهِ هو العَذابُ المَذْكُورُ قَبْلُ بِنَوْعَيْهِ وكُلُّهُ بَغْتَةٌ إذْ لا يَتَقَدَّمُهُ إشْعارٌ، فَعَذابُ الدُّنْيا يَحِلُّ بَغْتَةً وعَذابُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ لِأنَّهُ تَظْهَرُ بَوارِقُهُ عِنْدَ البَعْثِ، وقَدْ أتاهم عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَأْتِيهِمْ عَذابُ الآخِرَةِ يَوْمَ البَعْثِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences