Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:142–149
4:142–143Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢
Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,
مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣
Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.
﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهْوَ خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .
صفحة ٢٣٩
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، فِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ لِمَساوِيهِمْ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِتَحْقِيقِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ وتَحْقِيقِ ما عَقَبَها مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى مُخادَعَةِ المُنافِقِينَ اللَّهَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] .
وزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ فَقابَلَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ، فَكَما كانَ فِعْلُهم مَعَ المُؤْمِنِينَ المُتَّبِعِينَ أمْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ خِداعًا لِلَّهِ تَعالى، كانَ إمْهالُ اللَّهِ لَهم في الدُّنْيا حَتّى اطْمَأنُّوا وحَسِبُوا أنَّ حِيلَتَهم وكَيْدَهم راجا عَلى المُسْلِمِينَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ ناصِرَهم، وإنْذارُهُ المُؤْمِنِينَ بِكَيْدِهِمْ حَتّى لا تَنْطَلِيَ عَلَيْهِمْ حِيَلُهم، وتَقْدِيرُ أخْذِهِ إيّاهم بِأخَرَةٍ، شَبِيهًا بِفِعْلِ المُخادِعِ جَزاءً وِفاقًا. فَإطْلاقُ الخِداعِ عَلى اسْتِدْراجِ اللَّهِ إيّاهُمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وحَسَّنَتْها المُشاكَلَةُ؛ لِأنَّ المُشاكَلَةَ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ اسْتِعارَةَ لَفْظٍ لِغَيْرِ مَعْناهُ مَعَ مَزِيدِ مُناسَبَةٍ مَعَ لَفْظٍ آخَرَ مِثْلِ اللَّفْظِ المُسْتَعارِ. فالمُشاكَلَةُ تَرْجِعُ إلى التَّمْلِيحِ، أيْ إذا لَمْ تَكُنْ لِإطْلاقِ اللَّفْظِ عَلى المَعْنى المُرادِ عَلاقَةٌ بَيْنَ مَعْنى اللَّفْظِ والمَعْنى المُرادِ إلّا مُحاكاةَ اللَّفْظِ، سُمِّيَتْ مُشاكَلَةٌ كَقَوْلِ أبِي الرَّقَعْمَقِ.
قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ: أطْبِخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصا
و”كُسالى“ جَمْعُ كَسْلانَ عَلى وزْنِ فُعالى، والكَسْلانُ المُتَّصِفُ بِالكَسَلِ، وهو الفُتُورُ في الأفْعالِ لِسَآمَةٍ أوْ كَراهِيَةٍ. والكَسَلُ في الصَّلاةِ مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ المُصَلِّي بِها وزُهْدِهِ في فِعْلِها، فَلِذَلِكَ كانَ مِن شِيَمِ المُنافِقِينَ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِن تَجاوُزِ حَدِّ النَّشاطِ في العِبادَةِ خَشْيَةَ السَّآمَةِ، فَفي الحَدِيثِ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» .
ونَهى عَنِ الصَّلاةِ والإنْسانُ يُرِيدُ حاجَتَهُ، وعَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعامِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ إقْبالُ المُؤْمِنِ عَلى الصَّلاةِ بِشَرَهٍ وعَزْمٍ، لِأنَّ
صفحة ٢٤٠
النَّفْسَ إذا تَطَرَّقَتْها السَّآمَةُ مِنَ الشَّيْءِ دَبَّتْ إلَيْها كَراهِيَتُهُ دَبِيبًا حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنها الكَراهِيَةُ، ولا خَطَرَ عَلى النَّفْسِ مِثْلُ أنْ تَكْرَهَ الخَيْرَ.
و”كُسالى“ حالٌ لازِمَةٌ مِن ضَمِيرِ ”قامُوا“، لِأنَّ قامُوا لا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ وحْدَهُ جَوابًا لـِ ”إذا“ الَّتِي شَرْطُها قامُوا، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مُجَرَّدًا لَكانَ الجَوابُ عَيْنَ الشَّرْطِ، فَلَزِمَ ذِكْرُ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
.
وجُمْلَةُ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِـ ”كُسالى“، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ جَوابِ مَن يَسْألُ: ماذا قَصْدُهم بِهَذا القِيامِ لِلصَّلاةِ وهَلّا تَرَكُوا هَذا القِيامَ مِن أصْلِهِ، فَوَقَعَ البَيانُ بِأنَّهم يُراءُونَ بِصَلاتِهِمُ النّاسَ. و”يُراءُونَ“ فِعْلٌ يَقْتَضِي أنَّهم يُرُونَ النّاسَ صَلاتَهم ويُرِيهِمُ النّاسُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالمُفاعَلَةُ هُنا لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ في الإراءَةِ، وهَذا كَثِيرٌ في بابِ المُفاعَلَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُراءُونَ“ إنْ كانَ ”يُراءُونَ“ حالًا أوْ صِفَةً، وإنْ كانَ ”يُراءُونَ“ اسْتِئْنافًا فَجُمْلَةُ ”ولا يَذْكُرُونَ“ حالٌ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالصَّلاةِ إلّا قَلِيلًا. فالِاسْتِثْناءُ إمّا مِن أزْمِنَةِ الذِّكْرِ، أيْ إلّا وقْتًا قَلِيلًا، وهو وقْتُ حُضُورِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ إذْ يَقُومُونَ إلى الصَّلاةِ مَعَهم حِينَئِذٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالتَّكْبِيرِ وغَيْرِهِ، وإمّا مِن مَصْدَرِ ”يَذْكُرُونَ“، أيْ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا في تِلْكَ الصَّلاةِ الَّتِي يُراءُونَ بِها، وهو الذِّكْرُ الَّذِي لا مَندُوحَةَ عَنْ تَرْكِهِ مِثْلَ: التَّأْمِينِ، وقَوْلِ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ، والتَّكْبِيرِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يَقُولُونَهُ مِن تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وقِراءَةِ رَكَعاتِ السِّرِّ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ”ولا يَذْكُرُونَ“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”وإذا قامُوا“، فَهي خَبَرٌ عَنْ خِصالِهِمْ، أيْ هم لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في سائِرِ أحْوالِهِمْ إلّا حالًا قَلِيلًا أوْ زَمَنًا قَلِيلًا وهو الذِّكْرُ الَّذِي لا يَخْلُو عَنْهُ عَبْدٌ يَحْتاجُ لِرَبِّهِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، أيْ أنَّهم لَيْسُوا مِثْلَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ، ويُكْثِرُونَ مِن ذِكْرِهِ.
وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالآيَةُ أفادَتْ عُبُودِيَّتَهم وكُفْرَهم بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ زِيادَةً عَلى كُفْرِهِمْ بِرَسُولِهِ وقُرْآنِهِ.
ثُمَّ جاءَ بِحالٍ تُعَبِّرُ عَنْ جامِعِ نِفاقِهِمْ وهي قَوْلُهُ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”يُراءُونَ“ .
صفحة ٢٤١
والمُذَبْذَبُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الذَّبْذَبَةِ. يُقالُ: ذَبْذَبَهُ فَتَذَبْذَبَ. والذَّبْذَبَةُ: شِدَّةُ الِاضْطِرابِ مِن خَوْفٍ أوْ خَجَلٍ، قِيلَ: إنَّ الذَّبْذَبَةَ مُشْتَقَّةٌ مِن تَكْرِيرِ ذَبَّ إذا طَرَدَ، لِأنَّ المَطْرُودَ يُعَجِّلُ ويَضْطَرِبُ، فَهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي أفادَتْ كَثْرَةَ المَصْدَرِ بِالتَّكْرِيرِ، مَثْلَ زَلْزَلَ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ وصَلْصَلَ وكَبْكَبَ، وفِيهِ لُغَةٌ بِدالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وهي الَّتِي تَجْرِي في عامِّيَّتِنا اليَوْمَ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مُدَبْدَبٌ، أيْ يَفْعَلُ الأشْياءَ عَلى غَيْرِ صَوابٍ ولا تَوْفِيقٍ. فَقِيلَ: إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّبَّةِ بِضَمِّ الدّالِ وتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ أيِ الطَّرِيقَةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْلُكُ مَرَّةً هَذا الطَّرِيقَ ومَرَّةً هَذا الطَّرِيقَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِأنَّ الَّذِي يَقْصِدُ مِن فِعْلِهِ إرْضاءَ النّاسِ لا يَلْبَثُ أنْ يَصِيرَ مُذَبْذَبًا، إذْ يَجِدُ في النّاسِ أصْنافًا مُتَبايِنَةَ المَقاصِدِ والشَّهَواتِ.
ويَجُوزُ جَعْلُ الإشارَةِ راجِعَةً إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ولَكِنْ إلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُشارَ إلَيْهِ، أيْ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ كالإيمانِ والكُفْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ صِفَةٌ لِـ ”مُذَبْذَبِينَ“ لِقَصْدِ الكَشْفِ عَنْ مَعْناهُ لِما فِيهِ مِن خَفاءِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ هي بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ . و”هَؤُلاءِ“ أحَدُهُما إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ، والآخَرُ إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، إذْ لَيْسَ في المَقامِ إلّا فَرِيقانِ فَأيُّها جَعَلْتَهُ مُشارًا إلَيْهِ بِأحَدِ اسْمَيِ الإشارَةِ صَحَّ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] .
والتَّقْدِيرُ: لا هم إلى المُسْلِمِينَ ولا هم إلى الكافِرِينَ. و”إلى“ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ لا ذاهِبِينَ إلى هَذا الفَرِيقِ ولا إلى الفَرِيقِ الآخَرِ، والذَّهابُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”إلى“ ذَهابٌ مَجازِيٌّ وهو الِانْتِماءُ والِانْتِسابُ، أيْ هم أضاعُوا النِّسْبَتَيْنِ فَلا هم مُسْلِمُونَ ولا هم كافِرُونَ ثابِتُونَ، والعَرَبُ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ المُشْتَمِلِ عَلى (لا) النّافِيَةِ مُكَرَّرَةً في غَرَضَيْنِ: تارَةً يَقْصِدُونَ بِهِ إضاعَةَ الأمْرَيْنِ، كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ لا سَهْلٌ فَيُرْتَقى ولا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلُ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] . وتارَةً يَقْصِدُونَ بِهِ إثْباتَ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، وقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَلا هو أخْفاها ولَمْ يَتَقَدَّمِ
صفحة ٢٤٢
وعَلى الِاسْتِعْمالَيْنِ فَمَعْنى الآيَةِ خَفِيٌّ، إذْ لَيْسَ المُرادُ إثْباتَ حالَةٍ وسَطٍ لِلْمُنافِقِينَ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، لِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ مَعْناهُ. فَتَعَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ، أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا مِنَ الكافِرِينَ، وهم في التَّحْقِيقِ، إلى الكافِرِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] . فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعْنى أنَّهم أضاعُوا الإيمانَ والِانْتِماءَ إلى المُسْلِمِينَ. وأضاعُوا الكُفْرَ بِمُفارَقَةِ نُصْرَةِ أهْلِهِ، أيْ كانُوا بِحالَةِ اضْطِرابٍ وهو مَعْنى التَّذَبْذُبِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْقِيرُهم وتَنْفِيرُ الفَرِيقَيْنِ مِن صُحْبَتِهِمْ لِيَنْبِذَهُمُ الفَرِيقانِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: لَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إلى الهُدى بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ .
4:144Page 101
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤
O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .
أقْبَلَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالتَّحْذِيرِ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ بَعْدَ أنْ شَرَحَ دَخائِلَهم واسْتِصْناعَهم لِلْمُنافِقِينَ لِقَصْدِ أذى المُسْلِمِينَ، فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّهُ لَوْلا عَداوَةُ الكافِرِينَ لِهَذا الدِّينِ لَما كانَ النِّفاقُ، وما كانَتْ تَصارِيفُ المُنافِقِينَ، فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، فَهي اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِأنَّها تَوْجِيهُ خِطابٍ بَعْدَ الِانْتِهاءِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ المُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ. وهَذِهِ آيَةٌ جامِعَةٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، ومِنَ الوُقُوعِ في النِّفاقِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ تَظاهَرُوا بِالإيمانِ ووالَوُا الكافِرِينَ. فالتَّحْذِيرُ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِاسْتِشْعارِ بِشِعارِ النِّفاقِ، وتَحْذِيرٌ مِن مُوالاةِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياءُ الكافِرِينَ. وتَشْهِيرٌ بِنِفاقِ المُنافِقِينَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَقُولُوا: كُنّا نَجْهَلُ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مُوالاةَ الكافِرِينَ.
صفحة ٢٤٣
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هُنا مُشْرِكُو مَكَّةَ وأهْلُ الكِتابِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في الأكْثَرِ مُوالِينَ لِأهْلِ الكِتابِ.
وقَوْلُهُ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِمّا يَبْعَثُ النّاسَ عَلى مَعْرِفَةِ جَزاءِ هَذا الفِعْلِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ مِن قَصْدِ التَّشْهِيرِ بِالمُنافِقِينَ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، أيْ أنَّكم إنِ اسْتَمْرَرْتُمْ عَلى مُوالاةِ الكافِرِينَ جَعَلْتُمْ لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا، أيْ حُجَّةً واضِحَةً عَلى فَسادِ إيمانِكم، فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ.
فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْذِيرِ والإنْذارِ مَجازًا مُرْسَلًا.
وهَذا السُّلْطانُ هو حُجَّةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكامُ الكُفْرِ، لِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما في نُفُوسِهِمْ لا يَحْتاجُ إلى حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ، أوْ أُرِيدَ حُجَّةُ افْتِضاحِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ بِمُوالاةِ الكافِرِينَ، كَقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . ومِن هُنا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحُجَّةِ قَطْعَ حُجَّةِ مَن يَرْتَكِبُ هَذِهِ المُوالاةَ والإعْذارَ إلَيْهِ.
4:145–146Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥
Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦
Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
عَقَّبَ التَّعْرِيضَ بِالمُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [النساء: ١٤٤] كَما تَقَدَّمَ بِالتَّصْرِيحِ بِأنَّ المُنافِقِينَ أشَدُّ أهْلِ النّارِ عَذابًا. فَإنَّ الِانْتِقالَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ إلى ذِكْرِ حالِ المُنافِقِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مَعْدُودُونَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ لِانْتِقالاتِ جُمَلِ الكَلامِ مَعانِيَ لا يُفِيدُها الكَلامُ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَرْتِيبِ الخَواطِرِ في الفِكْرِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ إنَّ المُنافِقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، ثانِيًا إذْ هي عَوْدٌ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ لِإفادَةِ أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ.
والدَّرَكُ: اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“، ضِدُّ الدَّرَجِ اسْمُ جَمْعِ دَرَجَةٍ. والدَّرَكَةُ المَنزِلَةُ في الهُبُوطِ. فالشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أسْفَلُهُ تَكُونُ مُنازِلُ التَّدَلِّي إلَيْهِ دَرَكاتٍ، والشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أعْلاهُ تَكُونُ مَنازِلُ الرُّقِيِّ إلَيْهِ دَرَجاتٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمانِ عَلى المَنزِلَةِ الواحِدَةِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ المُنافِقُونَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ، أيْ في أذَلِّ مَنازِلِ العَذابِ، لِأنَّ كُفْرَهم أسْوَأُ الكُفْرِ لِما حَفَّ بِهِ مِنَ الرَّذائِلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في الدَّرَكِ) بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“ ضِدِّ الدَّرَجَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وفَتْحُ الرّاءِ هو الأصْلُ، وهو أشْهَرُ.
والخِطابُ في ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ الخِطابِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ ألِفُوا الشَّفاعاتِ والنَّجَداتِ في المَضائِقِ. فَلِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ تَذْيِيلُ الوَعِيدِ بِقَطْعِ الطَّمَعِ في النَّصِيرِ والفِداءِ ونَحْوِهِما.
واسْتَثْنى مِن هَذا الوَعِيدِ مَن آمَنَ مِنَ المُنافِقِينَ، وأصْلَحَ حالَهُ، واعْتَصَمَ بِاللَّهِ دُونَ الِاعْتِزازِ بِالكافِرِينَ، وأخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، فَلَمْ يَشُبْهُ بِتَرَدُّدٍ ولا تَرَبَّصَ بِانْتِظارِ مَن يَنْتَصِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَأخْبَرَ أنَّ مَن صارَتْ حالُهُ إلى هَذا الخَيْرِ فَهو مَعَ المُؤْمِنِينَ وفي لَفْظِ ”مَعَ“ إيماءٌ إلى فَضِيلَةِ مَن آمَنَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَصِمْ نَفْسَهُ بِالنِّفاقِ لِأنَّ ”مَعَ“ تَدَخُلُ عَلى المَتْبُوعِ وهو الأفْضَلُ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ.
وقَدْ عَلِمَ النّاسُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، ولَكِنْ زادَهُ هُنا تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وحَرْفُ التَّنْفِيسِ هُنا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأجْرِ أجْرُ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ وحُسْنُ العاقِبَةِ وأجْرُ الآخِرَةِ، إذِ الكُلُّ مُسْتَقْبَلٌ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الثَّوابَ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن قَبْلُ.
4:147Page 101
مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧
What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.
صفحة ٢٤٥
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ .
تَذْيِيلٌ لِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] مَعَ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِاسْتِثْناءِ مَن يَتُوبُ مِنهم ويُؤْمِنُ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] .
والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ الأُمَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوَجَّهَ إلى المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ارْتِفاقًا بِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ أُرِيدَ بِهِ الجَوابُ بِالنَّفْيِ فَهو إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَفْعَلُ بِعَذابِكم شَيْئًا.
ومَعْنى يَفْعَلُ يَصْنَعُ ويَنْتَفِعُ، بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ. والمَعْنى أنَّ الوَعِيدَ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ المُنافِقُونَ إنَّما هو عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ، فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ غَفَرَ لَهُمُ العَذابَ، فَلا يَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِكَراهَةٍ في ذاتِهِمْ أوْ تَشَفٍّ مِنهم، ولَكِنَّهُ جَزاءُ السُّوءِ، لِأنَّ الحَكِيمَ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، فَيُجازِي عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وعَلى الإساءَةِ بِالإساءَةِ، فَإذا أقْلَعَ المُسِيءُ عَنِ الإساءَةِ أبْطَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ بِالسُّوءِ، إذْ لا يَنْتَفِعُ بِعَذابٍ ولا بِثَوابٍ، ولَكِنَّها المُسَبِّباتُ تَجْرِي عَلى الأسْبابِ. وإذا كانَ المُؤْمِنُونَ قَدْ ثَبَتُوا عَلى إيمانِهِمْ وشُكْرِهِمْ، وتَجَنَّبُوا مُوالاةَ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ، فاللَّهُ لا يُعَذِّبُهم، إذْ لا مُوجِبَ لِعَذابِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، وهو إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُعَطِّلُ الجَزاءَ الحَسَنَ عَنِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَشْكُرُونَ نِعَمَهُ الجَمَّةَ، والإيمانُ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ شُكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ.
4:148–149Page 102
۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨
Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.
إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩
If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1
صفحة ٥
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ .
مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآيِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّ اللَّهَ لَمّا شَوَّهَ حالَ المُنافِقِينَ وشَهَّرَ بِفَضائِحِهِمْ تَشْهِيرًا طَوِيلًا، كانَ الكَلامُ السّابِقُ بِحَيْثُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ نُفُورًا مِنَ النِّفاقِ وأحْوالِهِ، وبُغْضًا لِلْمَلْمُوزِينَ بِهِ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِاتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَغِيظَهم ذَلِكَ عَلى مَن يَتَوَسَّمُونَ فِيهِ النِّفاقَ، فَيُجاهِرُوهم بِقَوْلِ السُّوءِ، ورَخَّصَ لِمَن ظُلِمَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْهَرَ لِظالِمِهِ بِالسُّوءِ، لِأنَّ ذَلِكَ دِفاعٌ عَنْ نَفْسِهِ. رَوى البُخارِيُّ: «أنَّ رِجالًا اجْتَمَعُوا في بَيْتِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ لِطَعامٍ صَنَعَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ قائِلٌ: أيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، فَقالَ بَعْضُهم، ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ألا تَراهُ قَدْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ. فَقالَ: فَإنّا نَرى وجْهَهُ ونَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ» . الحَدِيثَ. فَظَنَّ هَذا القائِلُ بِمالِكٍ أنَّهُ مُنافِقٌ، لِمُلازَمَتِهِ لِلْمُنافِقِينَ، فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَلَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلصَّدِّ عَنِ المُجازَفَةِ بِظَنِّ النِّفاقِ بِمَن لَيْسَ مُنافِقًا. وأيْضًا لَمّا كانَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُنافِقِينَ إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطِنُونَ فَقَدْ ذُكِرَتْ نَجْواهم وذُكِرَ رِياؤُهم في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ مِن إظْهارِهِمْ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَ ذَلِكَ يُثِيرُ في النُّفُوسِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ إظْهارُ خِلافِ ما في الباطِنِ نِفاقًا، فَأرادَ اللَّهُ تَبَيُّنَ الفارِقِ بَيْنَ الحالَيْنِ.
وجُمْلَةُ (لا يُحِبُّ) مَفْصُولَةٌ لِأنَّها اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ: (﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾)، وقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ المَحَبَّةَ والكَراهِيَةَ
صفحة ٦
تَسْتَحِيلُ حَقِيقَتِهِما عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُما انْفِعالانِ لِلنَّفْسِ نَحْوَ اسْتِحْسانِ الحَسَنِ، واسْتِنْكارِ القَبِيحِ، فالمُرادُ لازِمُهُما المُناسِبُ لِلْإلَهِيَّةِ، وهُما الرِّضا والغَضَبُ. وصِيغَةُ (لا يُحِبُّ) بِحَسَبِ قَواعِدِ الأُصُولِ، صِيغَةُ نَفْيِ الإذْنِ، والأصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وهَذا المُرادُ هُنا لِأنَّ (لا يُحِبُّ) يُفِيدُ مَعْنى يَكْرَهُ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى النَّهْيِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا ويَكْرَهُ لَكم ثَلاثًا - إلى قَوْلِهِ - ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ وإضاعَةَ المالِ» . فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ أكْثَرُ أحْوالِها مُحَرَّمٌ أوْ مَكْرُوهٌ.
والمُرادُ بِالجَهْرِ ما يَبْلُغُ إلى أسْماعِ النّاسِ إذْ لَيْسَ السِّرُّ بِالقَوْلِ في نَفْسِ النّاطِقِ مِمّا يَنْشَأُ عَنْهُ ضُرٌّ. وتَقْيِيدُهُ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ أضْعَفُ أنْواعِ الأذى فَيُعْلَمُ أنَّ السُّوءَ مِنَ الفِعْلِ أشَدُّ تَحْرِيمًا.
واسْتَثْنى (مَن ظُلِمَ) فَرَخَّصَ لَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ. والمُسْتَثْنى مِنهُ هو فاعِلُ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ الواقِعِ في سِياقِ النَّفْيِ، المُفِيدُ لِلْعُمُومِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ جَهْرَ أحَدٍ بِالسُّوءِ، أوْ يَكُونُ المُسْتَثْنى مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقَدْ قُضِيَ في الكَلامِ حَقُّ الإيجازِ.
ورَخَّصَ اللَّهُ لِلْمَظْلُومِ الجَهْرَ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ لِيَشْفِيَ غَضَبَهُ، حَتّى لا يَثُوبَ إلى السَّيْفِ أوْ إلى البَطْشِ بِاليَدِ، في هَذا الإذْنِ تَوْسِعَةٌ عَلى مَن لا يَمْسِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ لِحاقِ الظُّلْمِ بِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا هو الِاحْتِراسُ في حُكْمِ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ . وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الإذْنِ لِلْمَظْلُومِ في جَمِيعِ أنْواعِ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، وهو مَخْصُوصٌ بِما لا يَتَجاوَزُ حَدَّ التَّظَلُّمِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ، أوْ شِكايَةَ ظُلْمِهِ: أنْ يَقُولَ لَهُ: ظَلَمْتَنِي، أوْ أنْتَ ظالِمٌ، وأنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: إنَّهُ ظالِمٌ. ومِن ذَلِكَ الدُّعاءُ عَلى الظّالِمِ جَهْرًا؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ إعْلانٌ بِظُلْمِهِ وإحالَتِهِ عَلى عَدْلِ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِما لا يُؤَدِّي إلى القَذْفِ، فَإنَّ دَلائِلَ النَّهْيِ عَنِ القَذْفِ وصِيانَةَ النَّفْسِ مِن أنْ تَتَعَرَّضَ لِحَدِّ القَذْفِ أوْ تَعْزِيرِ الغِيبَةِ قائِمَةٌ في الشَّرِيعَةِ. فَهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفِيدٌ إباحَةَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ مِن جانِبِ
صفحة ٧
المَظْلُومِ في جانِبِ ظالِمِهِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ»، أيْ فَلِلْمَمْطُولِ أنْ يَقُولَ: فُلانٌ مُماطِلٌ وظالِمٌ. وفي الحَدِيثِ «لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ» .
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يُحِبُّ)، والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالأقْوالِ الصّادِرَةِ كُلِّها، عَلِيمٌ بِالمَقاصِدِ والأُمُورِ كُلِّها، فَذَكَرَ (عَلِيمًا) بَعْدَ (سَمِيعًا) لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في العِلْمِ؛ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَظُنُّوا أنَّ اللَّهَ غَيْرُ عالِمٍ بِبَعْضِ ما يَصْدُرُ مِنهم.
وبَعْدَ أنْ نَهى ورَخَّصَ، نَدَبَ المُرَخَّصَ لَهم إلى العَفْوِ وقَوْلِ الخَيْرِ، فَقالَ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾؛ فَإبْداءُ الخَيْرِ إظْهارُهُ. وعَطَفَ عَلَيْهِ (أوْ تُخْفُوهُ) لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ أنْ لا يَظُنُّوا أنَّ الثَّوابَ عَلى إبْداءِ الخَيْرِ خاصَّةً، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . والعَفْوُ عَنِ السُّوءِ بِالصَّفْحِ وتَرْكِ المُجازاةِ، فَهو أمْرٌ عَدَمِيٌّ.
وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ، وهو عِلَّةٌ لَهُ، وتَقْدِيرُ الجَوابِ: يَعْفُ عَنْكم عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْكم، كَما أنَّكم فَعَلْتُمُ الخَيْرَ جَهْرًا وخُفْيَةً وعَفَوْتُمْ عِنْدَ المَقْدِرَةِ عَلى الأخْذِ بِحَقِّكم، لِأنَّ المَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا يُعْتَبَرُ مَقْدُورًا لِلْمَأْذُونِ، فَجَوابُ الشَّرْطِ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ لَهم في بَعْضِ ما يَقْتَرِفُونَهُ جَزاءً عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ وعَنِ العَفْوِ عَمَّنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا، فَذَكَرَ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ تَكْمِلَةً لِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ اسْتِكْمالًا لِمُوجِباتِ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: «وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها» .
هَذا ما أراهُ في مَعْنى الجَوابِ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: جُمْلَةُ الجَزاءِ تَحْرِيضٌ عَلى العَفْوِ بِبَيانِ أنَّ فِيهِ تَخَلُّقًا بِالكَمالِ، لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ غايَةُ الكَمالاتِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تَبْدُوا خَيْرًا إلَخْ تَكُونُوا مُتَخَلِّقِينَ بِصِفاتِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا، وهَذا التَّقْدِيرُ لا يُناسِبُ إلّا قَوْلَهُ ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ ولا يُناسِبُ قَوْلَهُ
صفحة ٨
﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إلّا إذا خَصَّصَ ذَلِكَ بِإبْداءِ الخَيْرِ لِمَن ظَلَمَهم، وإخْفائِهِ عَمَّنْ ظَلَمَهم. وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences