Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:156–159
4:156Page 103
وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦
And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وقَوْلِهم إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] .
عُطِفَ (وبِكُفْرِهِمْ) مَرَّةً ثانِيَةً عَلى قَوْلِهِ (فَبِما نَقْضِهِمْ) ولَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥]“، وأُعِيدَ مَعَ ذَلِكَ حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي يُغْنِي عَنْهُ حَرْفُ العَطْفِ قَصْدًا لِلتَّأْكِيدِ، واعْتُبِرَ العَطْفُ لِأجْلِ بُعْدِ ما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، ولِأنَّهُ في مَقامِ التَّهْوِيلِ لِأمْرِ الكُفْرِ؛ فالمُتَكَلِّمُ يَذْكُرُهُ ويُعِيدُهُ: يَتَثَبَّتُ ويُرِي أنَّهُ لا رِيبَةَ في إناطَةِ الحُكْمِ بِهِ، ونَظِيرُ هَذا التَّكْرِيرِ قَوْلُ لَبِيدٍ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَـجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا
صفحة ١٩
فَأعادَ التَّشْبِيهَ بِقَوْلِهِ (كَدُخانِ نارٍ) لِيُحَقِّقَ مَعْنى التَّشْبِيهِ الأوَّلِ. وفي الكَشّافِ ”تَكَرَّرَ الكُفْرُ مِنهم لِأنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى ثُمَّ بِعِيسى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَعُطِفَ بَعْضُ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ“، أيْ فالكَفْرُ الثّانِي اعْتُبِرَ مُخالِفًا لِلَّذِي قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ عَطْفِ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾) . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُوَيْفٍ القَوافِيِّ:
واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْـرٍ ووالِـدِهِ ∗∗∗ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا
إذْ عَطَفَ قَوْلَهُ (واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ) بِاعْتِبارِ أنَّ الثّانِي قَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وما ولَدا) .
والبُهْتانُ مَصْدَرُ (بَهَتَهُ) إذا أتاهُ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لا يَتَرَقَّبُهُ ولا يَجِدُ لَهُ جَوابًا، والَّذِي يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ بَهُوتٌ، وجَمْعُهُ: بُهُتٌ وبُهْتٌ. وقَدْ زَيَّنَ اليَهُودُ ما شاءُوا في الإفْكِ عَلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - . أمّا قَوْلُهم إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَمَحَلُّ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ: هو أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَعُدُّوا هَذا الإثْمَ في مَفاخِرِ أسْلافِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى الإخْلافِ بِالعَهْدِ المُبِينِ في سَبِيلِ نَصْرِ الدِّينِ.
والمَسِيحُ كانَ لَقَبًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَقَّبَهُ بِهِ اليَهُودُ تَهَكُّمًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى المَسِيحِ في اللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ بِمَعْنى المَلِكِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهو لَقَبٌ قَصَدُوا مِنهُ التَّهَكُّمَ، فَصارَ لَقَبًا لَهُ بَيْنَهم. وقَلَبَ اللَّهُ قَصْدَهم تَحْقِيرَهُ فَجَعَلَهُ تَعْظِيمًا لَهُ. ونَظِيرُهُ ما كانَ يُطْلِقُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ اسْمَ مُذَمَّمٍ، قالَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ: مُذَمَّمًا عَصَيْنا، وأمْرَهُ أبَيْنا. فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «ألا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهم، يَشْتُمُونَ ويَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحَمَّدٌ» .
صفحة ٢٠
وقَوْلُهُ (رَسُولُ اللَّهِ) إنْ كانَ مِنَ الحِكايَةِ: فالمَقْصُودُ مِنهُ الثَّناءُ عَلَيْهِ والإيماءُ إلى أنَّ الَّذِينَ يَتَبَجَّحُونَ بِقَتْلِهِ أحْرِياءُ بِما رَتَّبَ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ نَصْبُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى المَدْحِ، وإنْ كانَ مِنَ المَحْكِيِّ: فَوَصْفُهم إيّاهُ مِنهُ التَّهَكُّمَ، كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ (﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) وقَوْلِ أهْلِ مَدْيَنَ لِشُعَيْبٍ (﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]) فَيَكُونُ نَصْبُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى النَّعْتِ لِلْمَسِيحِ.
وقَوْلُهُ (﴿وما قَتَلُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]) الخَ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ في حالِ أنَّهم ما قَتَلُوهُ، ولَيْسَ خَبَرًا عَنْ نَفْيِ القَتْلِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لاقْتَضى الحالُ تَأْكِيدَهُ بِمُؤَكِّداتٍ قَوِيَّةٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ حالًا مِن فاعِلِ القَوْلِ المَعْطُوفِ عَلى أسْبابِ لَعْنِهِمْ ومُؤاخَذَتِهِمْ كانَتْ تِلْكَ الأسْبابُ مُفِيدَةً ثُبُوتَ كَذِبِهِمْ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ خَبَرًا مَعْطُوفًا عَلى الجُمَلِ المُخْبَرِ بِها عَنْهم، ويَكُونُ تَجْرِيدُهُ مِنَ المُؤَكِّداتِ: إمّا لِاعْتِبارِ أنَّ المُخاطَبَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وإمّا لِاعْتِبارِ هَذا الخَبَرِ غَنِيًّا عَنِ التَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ تَرْكُ التَّأْكِيدِ تَخْرِيجًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإمّا لِكَوْنِهِ لَمْ يُتَلَقَّ إلّا مِنَ اللَّهِ العالِمِ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ، فَكانَ أعْظَمَ مِن أنْ يُؤَكَّدَ.
وعَطَفَ (﴿وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]) لِأنَّ الصَّلْبَ قَدْ يَكُونُ دُونَ القَتْلِ، فَقَدْ كانُوا رُبَّما صَلَبُوا الجانِيَ تَعْذِيبًا لَهُ ثُمَّ عَفَوْا عَنْهُ، وقالَ تَعالى ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] .
والمَشْهُورُ في الِاسْتِعْمالِ: أنَّ الصَّلْبَ هو أنْ يُوثَقَ المَعْدُودُ لِلْقَتْلِ عَلى خَشَبَةٍ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ التَّحَرُّكَ ثُمَّ يُطْعَنُ بِالرُّمْحِ أوْ يُرْمى بِسَهْمٍ، وكَذَلِكَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ عِيسى صُلِبَ ثُمَّ طُعِنَ بِرُمْحٍ في قَلْبِهِ.
وجُمْلَةُ (ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمُ) اسْتِدْراكٌ، والمُسْتَدْرَكُ هو ما أفادَهُ (وما قَتَلُوهُ) مِن كَوْنِ هَذا القَوْلِ لا شُبْهَةَ فِيهِ. وأنَّهُ اخْتِلاقٌ مَحْضٌ، فَبَيَّنَ بِالِاسْتِدْراكِ أنَّ أصْلَ ظَنِّهِمْ أنَّهم قَتَلُوهُ أنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم قَتَلُوهُ، وهي شُبْهَةٌ أوْهَمَتِ اليَهُودَ
صفحة ٢١
أنَّهم قَتَلُوا المَسِيحَ، وهي ما رَأوْهُ ظاهِرًا مِن وُقُوعِ قَتْلٍ وصَلْبٍ عَلى ذاتٍ يَعْتَقِدُونَها ذاتَ المَسِيحِ، وبِهَذا ورَدَتِ الآثارُ في تَأْوِيلِ كَيْفِيَّةِ مَعْنى الشَّبَهِ.
وقَوْلُهُ (شُبِّهَ لَهم) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ زَعَمُوا قَتْلَهُمُ المَسِيحَ في زَمانِهِمْ قَدْ شُبِّهَ لَهم مُشَبَّهٌ بِالمَسِيحِ فَقَتَلُوهُ، ونَجّى اللَّهُ المَسِيحَ مِن إهانَةِ القَتْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (شُبِّهَ) فِعْلًا مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، مُشْتَقًّا مِنَ الشَّبَهِ، وهو المُماثَلَةُ في الصُّورَةِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ نائِبَ فاعِلٍ (شُبِّهَ) لِدَلالَةِ فِعْلِ (شُبِّهَ) عَلَيْهِ؛ فالتَّقْدِيرُ: شُبِّهَ مُشَبَّهٌ فَيَكُونُ لَهم نائِبًا عَنِ الفاعِلِ. وضَمِيرُ (لَهم) عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٧] وهم يَهُودُ زَمانِهِ، أيْ وقَعَتْ لَهُمُ المُشابَهَةُ، واللّامُ عَلى هَذا بِمَعْنى عِنْدَ كَما تَقُولُ: حَصَلَ لِي ظَنٌّ بِكَذا. والِاسْتِدْراكُ بَيِّنٌ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ولَكِنْ شُبِّهَ لِلْيَهُودِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ خَبَرُ صَلْبِ المَسِيحِ، أيِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ بِالصِّدْقِ، فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ: خُيِّلَ إلَيْكَ، واخْتَلَطَ عَلى فُلانٍ. ولَيْسَ ثَمَّةَ شَبِيهٌ بِعِيسى ولَكِنَّ الكَذِبَ في خَبَرِهِ شَبِيهٌ بِالصِّدْقِ، واللّامُ عَلى هَذا لامُ الأجَلِ: أيْ لُبِسَ الخَبَرُ كَذِبُهُ بِالصِّدْقِ لِأجْلِهِمْ، أيْ لِتَضْلِيلِهِمْ، أيْ أنَّ كُبَراءَهُمُ اخْتَلَقُوهُ لَهم لِيُبَرِّدُوا غَلِيلَهم مِنَ الحَنَقِ عَلى عِيسى إذْ جاءَ بِإبْطالِ ضَلالاتِهِمْ. أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]) . ونُكْتَةُ العُدُولِ عَنْ حَرْفٍ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ شُبِّهَ مَعْنى صُنِعَ، أيْ صَنَعَ الأحْبارُ هَذا الخَبَرَ لِأجْلِ إدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلى عامَّتِهِمْ.
وفِي الأخْبارِ أنَّ يَهُوذا الِاسْخِرْيُوطِيَّ أحَدُ أصْحابِ المَسِيحِ، وكانَ قَدْ ضَلَّ ونافَقَ هو الَّذِي وشى بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي ألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى، وأنَّهُ الَّذِي صُلِبَ، وهَذا أصْلُهُ في إنْجِيلِ بِرَنابِي أحَدُ تَلامِيذِ الحَوارِيِّينَ. وهَذا يُلائِمُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ.
ويُقالُ: إنَّ بِيلاطِسَ، والِيَ فِلَسْطِينَ، سُئِلَ في رُومَةَ عَنْ قَضِيَّةِ قَتْلِ عِيسى وصَلْبِهِ فَأجابَ بِأنَّهُ لا عِلْمَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القَضِيَّةِ، فَتَأيَّدَ بِذَلِكَ اضْطِرابُ
صفحة ٢٢
النّاسِ في وُقُوعِ قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، ولَمْ يَقَعْ وإنَّما اخْتَلَقَ اليَهُودُ خَبَرَهُ، وهَذا يُلائِمُ الِاحْتِمالَ الثّانِي.
والَّذِي يَجِبُ اعْتِقادُهُ بِنَصِّ القُرْآنِ: أنَّ المَسِيحَ لَمْ يُقْتَلْ، ولا صُلِبَ، وأنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلَيْهِ ونَجّاهُ مِن طالِبِيهِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فالأمْرُ فِيهِ مُحْتَمَلٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في رَفْعِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ﴾ [النساء: ١٥٧] يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ خِلافٍ في شَأْنِ قَتْلِ المَسِيحِ. والخِلافُ فِيهِ مَوْجُودٌ بَيْنَ المَسِيحِيِّينَ: فَجُمْهُورُهم يَقُولُونَ: قَتَلَتْهُ اليَهُودُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: لَمْ يَقْتُلْهُ اليَهُودُ، ولَكِنْ قَتَلُوا يَهُوذا الِاسْخِرْيُوطِيَّ الَّذِي شُبِّهَ لَهم بِالمَسِيحِ، وهَذا الِاعْتِقادُ مَسْطُورٌ في إنْجِيلِ بِرْنابِي الَّذِي تَعْتَبِرُهُ الكَنِيسِيَّةُ اليَوْمَ كِتابًا مُحَرَّفًا فالمَعْنى أنَّ مُعْظَمَ النَّصارى المُخْتَلِفِينَ في شَأْنِهِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِصَلْبِهِ. بَلْ يُخالِجُ أنْفُسَهُمُ الشَّكُّ، ويَتَظاهَرُونَ بِاليَقِينِ، وما هو بِاليَقِينِ، فَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ قاطِعٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ. فالمُرادُ بِالظَّنِّ هُنا: مَعْنى الشَّكِّ، وقَدْ أُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى هَذا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، وفي القُرْآنِ (﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢])، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» . فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ مُنْقَطِعٌ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْـنَـوِيَّةٍ ∗∗∗ ولا عِلْمَ إلّا حُسْنُ ظَنٍّ بِصاحِبِ
4:157–158Page 103
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ .
واليَقِينُ: العِلْمُ الجازِمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ اليَقَنُ بِالتَّحْرِيكِ، يُقالُ: يَقِنَ كَفَرِحَ يَيْقَنُ يَقَنًا، وهو مَصْدَرٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، ويُقالُ: أيْقَنَ يُوقِنُ إيقانًا، وهو الشّائِعُ.
صفحة ٢٣
وقَوْلُهُ (﴿يَقِينًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ قَبْلَهُ: لِأنَّ مَضْمُونَ (﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾) بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾) إلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ انْتِفاءَ قَتْلِهِمْ إيّاهُ أمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ يَقِينًا مُؤَكِّدًا لِهَذا المَضْمُونِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في قَتَلُوهُ، أيْ ما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ قَتْلَهُ، ويَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ مَعًا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾)، أيْ: هم في زَعْمِهِمْ قَتْلَهُ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ بِذَلِكَ لِلِاضْطِرابِ الَّذِي حَصَلَ في شَخْصِهِ حِينَ إمْساكِ مَن أمْسَكُوهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالقَتْلُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ والتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَ الخَمْرَ إذا مَزَجَها حَتّى أزالَ قُوَّتَها، وقَوْلِهِمْ: قَتَلَ أرْضًا عالِمُها، ومِن شِعْرِ الحَماسَةِ في بابِ الهِجاءِ:
يَرُوعُكَ مِن سَعِدِ بْنِ عَمْرٍو جُسُومُها وتَزْهَدُ فِيها حِينَ تَقْتُلُهَـا خُـبْـرا
وقَوْلِ الشّاعِرِ:
كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكم يَقَنًا
وقَوْلِ الآخَرِ:
قَتَلَتْنِيَ الأيّامُ حِينَ قَتَلْتُهَـا ∗∗∗ خُبْرًا فَأُبْصِرُ قاتِلًا مَقْتُولًا
وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى العِلْمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾، فَيَكُونُ (﴿يَقِينًا﴾) عَلى هَذا تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ قَتَلُوهُ.
ولِذَلِكَ كُلِّهِ أعْقَبَ بِالإبْطالِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾، أيْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ. والرَّفْعُ: إبْعادُهُ عَنْ هَذا العالَمِ إلى عالَمِ السَّماواتِ، و(إلى) إفادَةُ الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّشْرِيفِ، أيْ رَفَعَهُ اللَّهُ رَفْعَ قُرْبٍ وزُلْفى.
صفحة ٢٤
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى هَذا الرَّفْعِ، وعَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ حَيًّا أوْ أماتَهُ اللَّهُ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ظاهِرُ المَوْقِعِ لِأنَّهُ لَمّا عَزَّ فَقَدْ حَقَّ لِعِزِّهِ أنْ يُعِزَّ أوْلِياءَهُ، ولَمّا كانَ حَكِيمًا فَقَدْ أتْقَنَ صُنْعَ هَذا الرَّفْعِ فَجَعَلَهُ فِتْنَةً لِلْكافِرِينَ، وتَبْصِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وعُقُوبَةً لِيَهُوذا الخائِنِ.
4:159Page 103
وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩
And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (وما قَتَلُوهُ) وهَذا الكَلامُ إخْبارٌ عَنْهم، ولَيْسَ أمْرًا لَهم، لِأنَّ وُقُوعَ لامِ الِابْتِداءِ فِيهِ يُنادِي عَلى الخَبَرِيَّةِ. و(إنَّ) نافِيَةٌ و(مِن أهْلِ الكِتابِ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أحَدٌ.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ لِعِيسى: أيْ لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى. والضَّمِيرُ في مَوْتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى أحَدِ أهْلِ الكِتابِ، أيْ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ الكِتابِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ. وأهْلُ الكِتابِ يُطْلَقُ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَأمّا النَّصارى فَهم مُؤْمِنُونَ بِعِيسى مِن قَبْلُ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودَ. والمَعْنى أنَّ اليَهُودَ مَعَ شِدَّةِ كُفْرِهِمْ بِعِيسى لا يَمُوتُ أحَدٌ مِنهم إلّا وهو يُؤْمِنُ بِنُبُوَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ يَنْكَشِفُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاحْتِضارِ قَبْلَ انْزِهاقِ رُوحِهِ، وهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ بِها عَلى عِيسى، إذْ جَعَلَ أعْداءَهُ لا يَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا إلّا وقَدْ آمَنُوا بِهِ جَزاءً لَهُ عَلى ما لَقِيَ مِن تَكْذِيبِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِمُشاهَدَةِ أُمَّةٍ تَتْبَعُهُ. وقِيلَ: كَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ.
وعِنْدِي أنَّ ضَمِيرَ (بِهِ) راجِعٌ إلى الرَّفْعِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ)، ويَعُمُّ قَوْلُهُ (أهْلِ الكِتابِ) اليَهُودَ، والنَّصارى، حَيْثُ اسْتَوَوْا مَعَ اليَهُودِ في اعْتِقادِ وُقُوعِ الصَّلْبِ.
صفحة ٢٥
والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْذِفُ في نُفُوسِ أهْلِ الكِتابَيْنِ الشَّكَّ في صِحَّةِ الصَّلْبِ، فَلا يَزالُ الشَّكُّ يُخالِجُ قُلُوبَهم ويَقْوى حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ العِلْمِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلْبِ في آخِرِ أعْمارِهِمْ تَصْدِيقًا لِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ حَيْثُ كَذَّبَ أخْبارَهم فَنَفى الصَّلْبَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (مَوْتِهِ) عائِدٌ إلى عِيسى، أيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسى؛ فَفَرَّعَ القائِلُونَ بِهَذا تَفارِيعَ: مِنها أنَّ مَوْتَهُ لا يَقَعُ إلّا آخِرَ الدُّنْيا لِيَتِمَّ إيمانُ جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِ المَوْتِ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ إيمانَهم مُسْتَقْبَلًا وجَعَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مَوْتُهُ مُسْتَقْبَلًا، ومِنها ما ورَدَ في الحَدِيثِ: أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيُؤْمِنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ”﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾“ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ: لِأنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى حَسَبِ هَذا التَّأْوِيلِ هُمُ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا جَمِيعُهم.
والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ؛ يَشْهَدُ بِأنَّهُ بَلَّغَ لَهم دَعْوَةَ رَبِّهِمْ فَأعْرَضُوا، وبِأنَّ النَّصارى بَدَّلُوا، ومَعْنى الآيَةِ مُفَصَّلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآياتِ في سُورَةِ العُقُودِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences