Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:43–47, continued
وقَوْلُهُ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ جَعَلَ التَّيَمُّمَ قاصِرًا عَلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ، وأسْقَطَ مَسْحَ ما سِواهُما مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ بَلْهَ أعْضاءِ الغُسْلِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ تَطْهِيرًا حِسِّيًّا، ولا تَجْدِيدَ النَّشاطِ، ولَكِنْ مُجَرَّدَ اسْتِحْضارِ اسْتِكْمالِ الحالَةِ لِلصَّلاةِ، وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الصَّحابَةِ أنَّ هَذا تَيَمُّمٌ بَدَلٌ عَنِ الوُضُوءِ، وأنَّ التَّيَمُّمَ البَدَلَ عَنِ الغُسْلِ لا يُجْزِي مِنهُ إلّا مَسْحُ سائِرِ الجَسَدِ بِالصَّعِيدِ، فَعَلَّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ التَّيَمُّمَ لِلْجَنابَةِ مِثْلُ التَّيَمُّمِ لِلْوُضُوءِ، فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ: «كُنْتُ في سَفَرٍ فَأجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ في التُّرابِ (أيْ تَمَرَّغْتُ) وصَلَّيْتُ فَأتَيْتُ النَّبِيءَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقالَ: يَكْفِيكَ الوَجْهُ والكَفّانِ» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.
والباءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] وقَوْلِ النّابِغَةِ يَرْثِي النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ:
لَكَ الخَيْرُ إنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا ∗∗∗ وأصْبَحَ جَدُّ النّاسِ يَظْلَعَ عاثِـرا
أرادَ إنْ وارَتْكَ الأرْضُ مُواراةَ الدَّفْنِ. والمَعْنى: فامْسَحُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم، وقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الباءُ مَعَ المَمْسُوحِ في الوُضُوءِ ومَعَ التَّيَمُّمِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَسْحِ لِئَلّا تَزِيدَ رُخْصَةٌ عَلى رُخْصَةٍ.
صفحة ٧١
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَذْيِيلٌ لِحُكْمِ الرُّخْصَةِ إذْ عَفا عَنِ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ الغُسْلَ أوِ الوُضُوءَ عِنْدَ المَرَضِ، ولا تَرَقُّبَ وُجُودِ الماءِ عِنْدَ عَدَمِهِ، حَتّى تَكْثُرَ عَلَيْهِمُ الصَّلَواتُ فَيَعْسُرَ عَلَيْهِمُ القَضاءُ.
4:44–45Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ .
اسْتِئْنافُ كَلامٍ راجِعٌ إلى مَهْيَعِ الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] فَإنَّهُ بَعْدَ نِذارَةِ المُشْرِكِينَ وجَّهَ الإنْذارَ لِأهْلِ الكِتابِ، ووَقَعَتْ آياتُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ وقْتَ الصَّلاةِ، وآياتُ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّهارَةِ لَها فِيما بَيْنَهُما، وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِ الخَمْرِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ والأمْرِ بِالطَّهارَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِلْيَهُودِ نَظِيرُهُ، فَهم يَحْسُدُونَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، لِأنَّهم حُرِمُوا مِن مِثْلِهِ وفَرَّطُوا في هُدًى عَظِيمٍ، وأرادُوا إضْلالَ المُسْلِمِينَ عَداءً مِنهم.
وجُمْلَةُ (ألَمْ تَرَ) إلى (الكِتابِ) جُمْلَةٌ يُقْصَدُ مِنها التَّعْجِيبُ، والِاسْتِفْهامُ فِيها تَقْرِيرِيٌّ عَنْ نَفْيِ فِعْلٍ لا يَوَدُّ المُخاطَبُ انْتِفاءَهُ عَنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُحَرِّضًا عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ فَعَلَ، وهو مُفِيدٌ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّعْجِيبِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ (يَشْتَرُونَ) حالِيَّةٌ فَهي قَيْدٌ لِجُمْلَةِ ”ألَمْ تَرَ“ وحالَةُ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ بِالبَصَرِ فَقَدْ نُزِّلَتْ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ المَرْئِيِّ، لِأنَّ شُهْرَةَ الشَّيْءِ وتَحَقُّقَهُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ.
والنَّصِيبُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي اخْتِيارِهِ هُنا إلْقاءُ احْتِمالِ قِلَّتِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، وإلّا لَقِيلَ: أُوتُوا الكِتابَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ
صفحة ٧٢
هَذا ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أيْ نَصِيبٌ مِنَ الفَتْحِ أوْ مِنَ النَّصْرِ.
والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، لِأنَّ اليَهُودَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مُخْتَلَطِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ مِنَ النَّصارى.
والِاشْتِراءُ مَجازٌ في الِاخْتِيارِ والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِ الشَّيْءِ، لِأنَّ المُشْتَرِيَ هو آخِذُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ مِنَ المُتَبائِعَيْنِ، والبائِعُ هو باذِلُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِحاجَتِهِ إلى ثَمَنِهِ، هَكَذا اعْتَبَرَ أهْلُ العُرْفِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وإلّا فَإنَّ كِلا المُتَبايِعَيْنِ مُشْتَرٍ وشارٍ، فَلا جَرَمَ أنْ أُطْلِقَ الِاشْتِراءُ مَجازًا عَلى الِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اقْتَحَمُوا الضَّلالَةَ عَنْ عَمْدٍ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى عِلْمِهِمْ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الضَّلالَةَ لِئَلّا يَفْضُلُوهم بِالِاهْتِداءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . فالإرادَةُ هُنا بِمَعْنى المَحَبَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الإرادَةَ عَلى الغالِبِ في مَعْناها وهو الباعِثُ النَّفْسانِيُّ عَلى العَمَلِ، أيْ يَسْعَوْنَ لِأنْ تَضِلُّوا، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والسَّعْيِ في صَرْفِ المُسْلِمِينَ عَنِ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] .
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْرِيضٌ، فَإنَّ إرادَتَهُمُ الضَّلالَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَداوَةٍ وحَسَدٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اليَهُودِ بِأنَّهم يُرِيدُونَ ضَلالَ المُسْلِمِينَ، وأنَّهم أعْداءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، مِن شَأْنِهِ أنْ يُلْقِيَ الرَّوْعَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، إذْ كانَ اليَهُودُ المُجاوِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ذَوِي عَدَدٍ وعُدَدٍ، وبِيَدِهِمُ الأمْوالُ، وهم مَبْثُوثُونَ في المَدِينَةِ وما حَوْلَها: مِن قَيْنُقاعَ
صفحة ٧٣
وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ، فَعَداوَتُهم، وسُوءُ نَواياهم، لَيْسا بِالأمْرِ الَّذِي يُسْتَهانُ بِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، أيْ إذا كانُوا مُضْمِرِينَ لَكُمُ السُّوءَ فاللَّهُ ولِيُّكم يَهْدِيكم ويَتَوَلّى أُمُورَكم؛ شَأْنُ الوَلِيِّ مَعَ مَوْلاهُ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ (﴿بِأعْدائِكُمْ﴾) أيْ فاللَّهُ يَنْصُرُكم.
وفِعْلُ (كَفى) في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في تَقْوِيَةِ اتِّصافِ فاعِلِهِ بِوَصْفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمْيِيزُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ، أيْ أنَّ فاعِلَ (كَفى) أجْدَرُ مَن يَتَّصِفُ بِذَلِكَ الوَصْفِ، ولِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا غَلَبَ في الكَلامِ إدْخالُ باءٍ عَلى فاعِلِ فِعْلِ (كَفى) وهي باءٌ زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ الكِفايَةِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ إبْهامٌ يُشَوِّقُ السّامِعَ إلى مَعْرِفَةِ تَفْصِيلِهِ، فَيَأْتُونَ بِاسْمٍ يُمَيِّزُ نَوْعَ تِلْكَ النِّسْبَةِ لِيَتَمَكَّنَ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ.
وقَدْ يَجِيءُ فاعِلُ (كَفى) غَيْرَ مَجْرُورٍ بِالباءِ، كَقَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحِسْحاسِ:
كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
وجَعَلَ الزَّجّاجُ الباءَ هُنا غَيْرَ زائِدَةٍ وقالَ: ضُمِّنَ فِعْلُ (كَفى) مَعْنى (اكْتَفِ)، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ هِشامٍ.
وشَذَّتْ زِيادَةُ الباءِ في المَفْعُولِ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أوْ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ:
فَكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرُنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ إيّانا
وجَزَمَ الواحِدِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ المُتَنَبِّي:
كَفى بِجِسْمِي نُحُولًا أنَّنِي رَجُلٌ ∗∗∗ لَوْلا مُخاطَبَتِي إيّاكَ لَمْ تَرَنِي
بِأنَّهُ شُذُوذٌ.
لا تُزادُ الباءُ في فاعِلِ ”كَفى“ بِمَعْنى أجْزَأ، ولا الَّتِي بِمَعْنى وقى، فَرْقًا بَيْنَ اسْتِعْمالِ كَفى المَجازِيِّ واسْتِعْمالِها الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو مَعْنى الِاكْتِفاءِ بِذاتِ الشَّيْءِ نَحْوَ:
كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ.
4:46Page 86
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2
صفحة ٧٤
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِفَتُهُ وهي جُمْلَةُ ”يُحَرِّفُونَ“ . والتَّقْدِيرُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ.
وحَذْفُ المُبْتَدَإ في مِثْلِ هَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ اجْتِزاءً بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ، وذَلِكَ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُوفًا بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ، وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ ”مِن“، وذَلِكَ الِاسْمُ مُقَدَّمٌ عَلى المُبْتَدَإ. ومِن كَلِماتِ العَرَبِ المَأْثُورَةِ قَوْلُهم: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ. أيْ مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا فَرِيقٌ أقامَ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ غالِبٌ لَهُ وآخَرُ يَذْرِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ
أيْ ومِنهم فَرِيقٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في العَطْفِ: وآخَرُ. وقَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ:
وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنـهُـمَـا أمُوتُ ∗∗∗ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وقَدْ دَلَّ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (﴿يُحَرِّفُونَ﴾) أنَّ هَذا صَنِيعُ فَرِيقٍ مِنهم، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِنَ اليَهُودِ، ولَعَلَّ قائِلَ هَذا يَعْنِي أنَّهُ مِن جُمْلَةِ هَؤُلاءِ الفَرِيقِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ واحِدًا ويُؤْتى بِضَمِيرِ الجَماعَةِ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ إخْفاءٍ حَتّى يَكُونَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ» إلَخْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ صِفَةً لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وتَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً أيْ هُمُ الَّذِينَ هادُوا، فَتَكُونَ جُمْلَةُ يُحَرِّفُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ هادُوا. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَدْ أُثْبِتَتْ لَهم أوْصافُ التَّحْرِيفِ والضَّلالَةِ ومَحَبَّةِ ضَلالِ المُسْلِمِينَ.
صفحة ٧٥
والتَّحْرِيفُ: المَيْلُ بِالشَّيْءِ إلى الحَرْفِ وهو جانِبُ الشَّيْءِ وحافَّتُهُ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] في سُورَةِ المائِدَةِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في المَيْلِ عَنْ سَواءِ المَعْنى وصَرِيحِهِ إلى التَّأْوِيلِ الباطِلِ، كَما يُقالُ: تَنَكَّبَ عَنِ الصِّراطِ، وعَنِ الطَّرِيقِ، إذا أخْطَأ الصَّوابَ وصارَ إلى سُوءِ الفَهْمِ أوِ التَّضْلِيلِ، فَهو عَلى هَذا تَحْرِيفُ مُرادِ اللَّهِ في التَّوْراةِ إلى تَأْوِيلاتٍ باطِلَةٍ، كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأهْواءِ في تَحْرِيفِ مَعانِي القُرْآنِ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّحْرِيفُ مُشْتَقًّا مِنَ الحَرْفِ وهو الكَلِمَةُ والكِتابَةُ، فَيَكُونُ مُرادًا بِهِ تَغْيِيرُ كَلِماتِ التَّوْراةِ وتَبْدِيلُها بِكَلِماتٍ أُخْرى لِتُوافِقَ أهْواءَ أهْلِ الشَّهَواتِ في تَأْيِيدِ ما هم عَلَيْهِ مِن فاسِدِ الأعْمالِ. والظّاهِرُ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ قَدِ ارْتَكَبَهُ اليَهُودُ في كِتابِهِمْ. وما يُنْقَلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّحْرِيفَ فَسادُ التَّأْوِيلِ ولا يَعْمِدُ قَوْمٌ عَلى تَغْيِيرِ كِتابِهِمْ، ناظِرٌ إلى غالِبِ أحْوالِهِمْ، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ اسْتِعْمالُ ”عَنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ مَجازًا، ولا مُجاوَزَةَ ولا مَواضِعَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ حَقِيقَةً إذِ التَّحْرِيفُ حِينَئِذٍ نَقْلٌ وإزالَةٌ.
وقَوْلُهُ ”ويَقُولُونَ“ عَطْفٌ عَلى يُحَرِّفُونَ ذُكِرَ سُوءُ أفْعالِهِمْ، وسُوءُ أقْوالِهِمُ الَّتِي يُواجِهُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ: يَقُولُونَ سَمِعْنا دَعْوَتَكَ وعَصَيْناكَ، وذَلِكَ إظْهارٌ لِتَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ لِيَزُولَ طَمَعُ الرَّسُولِ في إيمانِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَرَوْا في قَوْلِهِمْ هَذا أذًى لِلرَّسُولِ فَأعْقَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ لَهُ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ إظْهارٌ لِلتَّأدُّبِ مَعَهُ.
ومَعْنى ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أنَّهم يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ مُراجَعَتِهِ في أمْرِ الإسْلامِ: اسْمَعْ مِنّا، ويُعَقِّبُونَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يُوهِمُونَ أنَّهم قَصَدُوا الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِمْ: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أيْ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِأنْ تَسْمَعَ، في مَعْنى قَوْلِ العَرَبِ: افْعَلْ غَيْرَ مَأْمُورٍ. وقِيلَ مَعْناهُ: غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، فَلَعَلَّ العَرَبَ كانُوا يَقُولُونَ: أسْمَعَهُ بِمَعْنى سَبَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كانَتْ مَعْرُوفَةَ الإطْلاقِ بَيْنَ العَرَبِ في مَعْنى الكَرامَةِ والتَّلَطُّفِ. إطْلاقًا مُتَعارَفًا، ولَكِنَّهم لَمّا قالُوها لِلرَّسُولِ أرادُوا بِها مَعْنًى آخَرَ انْتَحَلُوهُ لَها مِن شَيْءٍ يَسْمَحُ بِهِ تَرْكِيبُها الوَضْعِيُّ، أيْ أنْ لا يَسْمَعَ صَوْتًا مِن مُتَكَلِّمٍ. بِأنْ يَصِيرَ أصَمَّ، أوْ
صفحة ٧٦
أنْ لا يُسْتَجابَ دُعاؤُهُ. والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّهم أرادُوا ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ فَأزالَ لَهم كَلِمَةَ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ . وقَصْدُهم مِن إيرادِ كَلامٍ ذِي وجْهَيْنِ أنْ يُرْضُوا الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ ويُرْضُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ نِيَّتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ويُرْضُوا قَوْمَهم، فَلا يَجِدُوا عَلَيْهِمْ حُجَّةً.
وقَوْلُهم ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] أتَوْا بِلَفْظٍ ظاهِرُهُ طَلَبُ المُراعاةِ، أيِ الرِّفْقِ، والمُراعاةُ مُفاعَلَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُبالَغَةِ في الرَّعْيِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ الشّائِعَةِ الَّتِي ساوَتِ الأصْلَ، ذَلِكَ لِأنَّ الرَّعْيَ مِن لَوازِمِهِ الرِّفْقُ بِالمَرْعِيِّ، وطَلَبُ الخِصْبِ لَهُ، ودَفْعُ العادِيَةِ عَنْهُ. وهم يُرِيدُونَ بِـ ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] كَلِمَةً في العِبْرانِيَّةِ تَدُلُّ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الرُّعُونَةِ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها كَلِمَةُ ”راعُونا“ وأنَّ مَعْناها الرُّعُونَةُ فَلَعَلَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِها، يُوهِمُونَ أنَّهم يُعَظِّمُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ إيّاهم في ذَلِكَ اغْتِرارًا فَقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤] .
واللَّيُّ أصْلُهُ الِانْعِطافُ والِانْثِناءُ، ومِنهُ ﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وهو يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ في كِلْتا الكَلِمَتَيْنِ: اللَّيُّ، والألْسِنَةُ، أيْ أنَّهم يُثْنُونَ ألْسِنَتَهم لِيَكُونَ الكَلامُ مُشْبِهًا لُغَتَيْنِ بِأنْ يُشْبِعُوا حَرَكاتٍ، أوْ يَقْصُرُوا مُشْبَعاتٍ، أوْ يُفَخِّمُوا مُرَقَّقًا، أوْ يُرَقِّقُوا مُفَخَّمًا، لِيُعْطِيَ اللَّفْظُ في السَّمْعِ صُورَةً تُشْبِهُ صُورَةَ كَلِمَةٍ أُخْرى، فَإنَّهُ قَدْ تَخْرُجُ كَلِمَةٌ مِن زِنَةٍ إلى زِنَةٍ، ومِن لُغَةٍ إلى لُغَةٍ بِمِثْلِ هَذا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِلَفْظِ اللَّيِّ مَجازُهُ، وبِالألْسِنَةِ مَجازُهُ: فاللَّيُّ بِمَعْنى تَغْيِيرِ الكَلِمَةِ، والألْسِنَةُ مَجازٌ عَلى الكَلامِ، أيْ يَأْتُونَ في كَلامِهِمْ بِما هو غَيْرُ مُتَمَحِّضٍ لِمَعْنى الخَيْرِ.
وانْتَصَبَ ﴿لَيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ ”يَقُولُونَ“ لِأنَّ اللَّيَّ كَيْفِيَّةٌ مِن كَيْفِيّاتِ القَوْلِ.
وانْتَصَبَ ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، فَهو مِن عَطْفِ بَعْضِ المَفاعِيلِ عَلى بَعْضٍ آخَرَ، ولا ضَيْرَ فِيهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُما مَعًا مَفْعُولَيْنِ مُطْلَقَيْنِ أوْ مَفْعُولَيْنِ لِأجْلِهِما، وإنَّما كانَ قَوْلُهم ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾، لِأنَّهم أضْمَرُوا في كَلامِهِمْ قَصْدًا خَبِيثًا فَكانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ، ومَن يَلِيهِمْ مِن حَدِيثِي العَهْدِ بِالإيمانِ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولًا لَعَلِمَ ما أرَدْنا بِقَوْلِنا، فَلِذَلِكَ فَضَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها.
صفحة ٧٧
وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ لَوْ قالُوا ما هو قَبُولٌ لِلْإسْلامِ لَكانَ خَيْرًا. وقَوْلُ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يُشْبِهُ أنَّهُ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ بِقَوْلِ مَن أُمِرَ بِشَيْءٍ وامْتَثَلَهُ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، أيْ شَأْنِي سَمْعٌ وطاعَةٌ، وهو مِمّا التُزِمَ فِيهِ حَذْفُ المُبْتَدَإ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وسَيَجِيءُ في سُورَةِ النُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] .
وقَوْلُهُ (وأقُومُ) تَفْضِيلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ القِيامِ الَّذِي هو بِمَعْنى الوُضُوحِ والظُّهُورِ، كَقَوْلِهِمْ: قامَ الدَّلِيلُ عَلى كَذا، وقامَتْ حُجَّةُ فُلانٍ. وإنَّما كانَ أقْوَمَ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى مَعْنًى لا احْتِمالَ فِيهِ، بِخِلافِ قَوْلِهِمْ.
والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، أيْ ولَكِنْ أثَرُ اللَّعْنَةِ حاقَ بِهِمْ فَحُرِمُوا ما هو خَيْرٌ فَلا تَرْشَحُ نُفُوسُهم إلّا بِآثارِ ما هو كَمِينٌ فِيها مِن فِعْلٍ سَيِّئٍ وقَوْلٍ بَذاءٍ لا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ أنْفُسِهِمْ عَنْ ذَلِكَ.
ومَعْنى ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا فَهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وأُطْلِقَ القِلَّةُ عَلى العَدَمِ، وفُسِّرَ بِهِ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا:
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُـهِـمِّ يُصِـيبُـهُ كَثِيرُ ∗∗∗ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
قالَ الجاحِظُ في كِتابِ البَيانِ عِنْدَ قَوْلِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يَصِفُ أرْضَ نَصِيبِينَ ”كَثِيرَةُ العَقارِبِ قَلِيلَةُ الأقارِبِ، يَضَعُونَ“ قَلِيلًا ”في مَوْضِعِ“ لَيْسَ "، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ قَلِيلُ الحَياءِ. لَيْسَ مُرادُهم أنَّ هُناكَ حَياءً وإنْ قَلَّ. قُلْتُ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، يُرِيدُونَ أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] والمَعْنى نَفْيُ التَّذْكِيرِ، والقِلَّةُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ. وإنَّما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ القِلَّةَ عِوَضًا عَنِ النَّفْيِ لِضَرْبٍ مِنَ الِاحْتِرازِ والِاقْتِصادِ، فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَخْشى أنْ يُتَلَقّى عُمُومُ نَفْيِهِ بِالإنْكارِ فَيَتَنازَلُ عَنْهُ إلى إثْباتِ قَلِيلٍ وهو يُرِيدُ النَّفْيَ.
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
صفحة ٧٨
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .
أقْبَلَ عَلى خِطابِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مِن عَجائِبِ ضَلالِهِمْ، وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ما فِيهِ وازِعٌ لَهم لَوْ كانَ بِهِمْ وزْعٌ، وكَذَلِكَ شَأْنُ القُرْآنِ أنْ لا يُفْلِتَ فُرْصَةً تَعِنُّ مِن فُرَصِ المَوْعِظَةِ والهُدى إلّا انْتَهَزَها، وكَذَلِكَ شَأْنُ النّاصِحِينَ مِنَ الحُكَماءِ والخُطَباءِ أنْ يَتَوَسَّمُوا أحْوالَ تَأثُّرِ نُفُوسِ المُخاطَبِينَ ومَظانِّ ارْعِوائِها عَنِ الباطِلِ، وتَبَصُّرِها في الحَقِّ، فَيُنْجِدُوها حِينَئِذٍ بِقَوارِعِ المَوْعِظَةِ والإرْشادِ، كَما أشارَ إلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ ١١ إذْ قالَ: فَلَمّا ألْحَدُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رِباوَةْ، مُتَأبِّطًا لِهِراوَةْ، فَقالَ: لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ إلَخْ. لِذَلِكَ جِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ.
وهَذا مُوجِبُ اخْتِلافِ الصِّلَةِ هُنا عَنِ الصِّلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] لِأنَّ ذَلِكَ جاءَ في مَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ فَناسَبَتْهُ صِلَةٌ مُؤْذِنَةٌ بِتَهْوِينِ شَأْنِ عِلْمِهِمْ بِما أُوتُوهُ مِنَ الكِتابِ، وما هُنا جاءَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ فَناسَبَتْهُ صِلَةٌ تُؤْذِنُ بِأنَّهم شُرِّفُوا بِإيتاءِ التَّوْراةِ لِتُثِيرَ هِمَمَهم لِلِاتِّسامِ بِمِيسَمِ الرّاسِخِينَ في جَرَيانِ أعْمالِهِمْ عَلى وفْقِ ما يُناسِبُ ذَلِكَ، ولَيْسَ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ اخْتِلافٌ في الواقِعِ لِأنَّهم أُوتُوا الكِتابَ كُلَّهُ حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وأُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ بِاعْتِبارِ جَرَيانِ أعْمالِهِمْ عَلى خِلافِ ما جاءَ بِهِ كِتابُهم، فالَّذِي لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ مِنهُ كَأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْهُ.
وجِيءَ بِالصِّلَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ وقَوْلِهِ (لِما مَعَكم) دُونَ الِاسْمَيْنِ العَلَمَيْنِ، وهُما: القُرْآنُ والتَّوْراةُ: لِما في قَوْلِهِ: ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ مِنَ التَّذْكِيرِ بِعِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ بِإنْزالِ اللَّهِ، ولِما في قَوْلِهِ (لِما مَعَكم) مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِمْ في أنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ مُسْتَصْحَبٌ عِنْدَهم لا يَعْلَمُونَ مِنهُ حَقَّ عِلْمِهِ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] .
صفحة ٧٩
وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ تَهْدِيدٌ أوْ وعِيدٌ، ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ﴾ أيْ آمِنُوا في زَمَنٍ يَبْتَدِئُ مِن قَبْلِ الطَّمْسِ، أيْ مِن قَبْلِ زَمَنِ الطَّمْسِ عَلى الوُجُوهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ أمْرٌ عَظِيمٌ، وهو يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَةِ الطَّمْسِ بِأنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما يُفْسِدُ بِهِ مُحَيّاهم فَإنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ صالِحَةٌ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ مَجازًا عَلى إزالَةِ ما بِهِ كَمالُ الإنْسانِ مِنِ اسْتِقامَةِ المَدارِكِ فَإنَّ الوُجُوهَ مَجامِعُ الحَواسِّ.
والتَّهْدِيدُ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ المُهَدَّدِ بِهِ، وفي الحَدِيثِ «أما يَخْشى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمامِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وجْهَهُ وجْهَ حِمارٍ» .
وأصْلُ الطَّمْسِ إزالَةُ الآثارِ الماثِلَةِ. قالَ كَعْبٌ:
عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ
وقَدْ يُطْلَقُ الطَّمْسُ مَجازًا عَلى إبْطالِ خَصائِصِ الشَّيْءِ المَأْلُوفَةِ مِنهُ. ومِنهُ طَمْسُ القُلُوبِ أيْ إبْطالُ آثارِ التَّمَيُّزِ والمَعْرِفَةِ مِنها.
وقَوْلُهُ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ عَطْفٌ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ لا لِلتَّسَبُّبِ؛ أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَحْصُلَ الأمْرانِ: الطَّمْسُ والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ، أيْ تَنْكِيسُ الرُّؤُوسِ إلى الوَراءِ. وإنْ كانَ الطَّمْسُ هُنا مَجازًا وهو الظّاهِرُ، فَهو وعِيدٌ بِزَوالِ وجاهَةِ اليَهُودِ في بِلادِ العَرَبِ، ورَمْيِهِمْ بِالمَذَلَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا هُناكَ أعِزَّةً ذَوِي مالٍ وعُدَّةٍ، فَقَدْ كانَ مِنهُمُ السَّمَوْألُ قَبْلَ البَعْثَةِ، ومِنهم أبُو رافِعٍ تاجِرُ أهْلِ الحِجازِ، ومِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، سَيِّدُ جِهَتِهِ في عَصْرِ الهِجْرَةِ.
والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا بِمَعْنى القَهْقَرى، أيْ إصارَتُهم إلى بِئْسَ المَصِيرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وهو رَدُّهم مِن حَيْثُ أتَوْا، أيْ إجْلاؤُهم مِن بِلادِ العَرَبِ إلى الشّامِ.
والفاءُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعْقِيبِ والتَّسَبُّبِ مَعًا، والكَلامُ وعِيدٌ، والوَعِيدُ حاصِلٌ، فَقَدْ رَماهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، ثُمَّ أجْلاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وأجْلاهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أذَرِعاتَ.
صفحة ٨٠
وقَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ أُرِيدَ بِاللَّعْنِ هُنا الخِزْيُ، فَهو غَيْرُ الطَّمْسِ، فَإنْ كانَ الطَّمْسُ مُرادًا بِهِ المَسْخُ فاللَّعْنُ مُرادٌ بِهِ الذُّلُّ، وإنْ كانَ الطَّمْسُ مُرادًا بِهِ الذُّلُّ فاللَّعْنُ مُرادٌ بِهِ المَسْخُ.
و﴿أصْحابَ السَّبْتِ﴾ هُمُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences