Ibn 'AshurAn‑Nisa · 4:88–91

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:88–91

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَنْ أخْبارِ المُنافِقِينَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، لِأنَّ ما وُصِفَ مِن أحْوالِهِمْ لا يَتْرُكُ شَكًّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ في خُبْثِ طَوِيَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أوْ هو تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. وإذْ قَدْ حَدَّثَ اللَّهُ عَنْهم بِما وصَفَ مِن سابِقِ الآيِ، فَلا يَحِقُّ التَّرَدُّدُ في سُوءِ نَواياهم وكُفْرِهِمْ، فَمَوْقِعُ الفاءِ هَنا نَظِيرُ مَوْقِعِ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٤] في سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ١٤٩

والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْجِيبِ واللَّوْمِ. والتَّعْرِيفُ في المُنافِقِينَ لِلْعَهْدِ. و”فِئَتَيْنِ“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِاللّامِ فَهي قَيْدٌ لِعامِلِهِ، الَّذِي هو التَّوْبِيخُ، فَعُلِمَ أنَّ مَحَلَّ التَّوْبِيخِ هو الِانْقِسامُ. و”في المُنافِقِينَ“ مُتَعَلِّقٌ بِفِئَتَيْنِ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: مُنْقَسِمِينَ، ومَعْناهُ: في شَأْنِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ الحُكْمَ لا يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ المُنافِقِينَ.

والفِئَةُ: الطّائِفَةُ. وزْنُها فِلَةٌ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ، لِأنَّهم يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ في شُئُونِهِمْ. وأصْلُها فَيْءٌ، فَحَذَفُوا الياءَ مِن وسَطِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وعَوَّضُوا عَنْها الهاءَ.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ الِانْقِسامَ إلى فِئَتَيْنِ ما هو إلّا انْقِسامٌ في حالَةٍ مِن حالَتَيْنِ، والمَقامُ لِلْكَلامِ في الإيمانِ والكُفْرِ، أيْ فَما لَكم بَيْنَ مُكَفِّرٍ لَهم ومُبَرِّرٍ؛ وفي إجْراءِ أحْكامِ الإيمانِ أوِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنْخَذِلِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ، اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في وصْفِهِمْ بِالإيمانِ أوِ الكُفْرِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِمْ تِلْكَ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: رَجَعَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيءِ مِن أُحُدٍ، وكانَ النّاسُ فِيهِمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهم، وفَرِيقٌ يَقُولُ: لا، فَنَزَلَتْ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ .

وقالَ إنَّها طَيْبَةُ تَنْفِي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ أيْ ولَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيءُ ﷺ جَرْيًا عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ مِن إظْهارِ الإسْلامِ. فَتَكُونُ الآيَةُ لِبَيانِ أنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في أمْرِهِمْ.

وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أظْهَرُوا الإيمانَ، وهاجَرُوا إلى المَدِينَةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوا في الرُّجُوعِ إلى مَكَّةَ، لِيَأْتُوا بِبِضاعَةٍ يَتَّجِرُونَ فِيها، وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَزالُوا مُؤْمِنِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في شَأْنِهِمْ: أهم مُشْرِكُونَ أمْ مُسْلِمُونَ.

ويُبَيِّنُهُ ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ يُبْطِنُونَ الشِّرْكَ ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ لِلْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونُوا في أمْنٍ مِن تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لَهم بِحَرْبٍ في خُرُوجِهِمْ في تِجاراتٍ أوْ نَحْوِها، وأنَّهُ قَدْ بَلَغَ المُسْلِمِينَ أنَّهم خَرَجُوا مِن مَكَّةَ في تِجارَةٍ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: نَرْكَبُ إلَيْهِمْ فَنُقاتِلُهم، وقالَ فَرِيقٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم وقَدْ نَطَقُوا بِالإسْلامِ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في ذَلِكَ، ولَمْ يُغَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ عَلى أحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ» .

صفحة ١٥٠

وعَنِ الضَّحّاكِ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، وكانُوا يُظاهِرُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ.

وأحْسَبُ أنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ كُلَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، فَكانُوا مَثَلًا لِعُمُومِها وهي عامَّةٌ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن عُرِفَ بِالنِّفاقِ يَوْمَئِذٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِن أهْلِ مَكَّةَ.

والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ فاتَ وقْتُ قِتالِهِمْ، لِقَصْدِ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهم وقْتَ خُرُوجِهِمْ، اسْتِدْراجًا لَهم إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ.

وعَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ فَمَوْقِعُ المَلامِ هو الخَطَأُ في الِاجْتِهادِ لِضَعْفِ دَلِيلِ المُخْطِئِينَ لِأنَّ دَلائِلَ كُفْرِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم كانَتْ تَرْجُحُ عَلى دَلِيلِ إسْلامِهِمُ الَّذِي هو مُجَرَّدُ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، مَعَ التَّجَرُّدِ عَنْ إظْهارِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ.

وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُجْتَهِدَ إذا اسْتَنَدَ إلى دَلِيلٍ ضَعِيفٍ ما كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ العالِمُ لا يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ المَلامِ في الدُّنْيا، عَلى أنْ أخْطَأ فِيما لا يُخْطِئُ أهْلُ العِلْمِ في مِثْلِهِ.

وجُمْلَةُ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا حالِيَّةٌ، أيْ إنْ كُنْتُمُ اخْتَلَفْتُمْ فِيهِمْ فاللَّهُ قَدْ رَدَّهم إلى حالِهِمُ السُّوأى، لِأنَّ مَعْنى أرْكَسَ رَدَّ إلى الرِّكْسِ، والرِّكْسُ قَرِيبٌ مِنَ الرِّجْسِ.

«وفِي حَدِيثِ الصَّحِيحِ في الرَّوْثِ إنَّ هَذا رِكْسٌ» وقِيلَ: مَعْنى أرْكَسَ نَكَّسَ، أيْ رَدَّ رَدًّا شَنِيعًا، وهو مُقارِبٌ لِلْأوَّلِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ رَدَّهم إلى الكُفْرِ جَزاءً لِسُوءِ اعْتِقادِهِمْ وقِلَّةِ إخْلاصِهِمْ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ، فَإنَّ الأعْمالَ تَتَوالَدُ مِن جِنْسِها، فالعَمَلُ الصّالِحُ يَأْتِي بِزِيادَةِ الصّالِحاتِ، والعَمَلُ السَّيِّئُ يَأْتِي بِمُنْتَهى المَعاصِي، ولِهَذا تَكَرَّرَ في القُرْآنِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ العَمَلِ سَبَبًا في بُلُوغِ الغاياتِ مِن جِنْسِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنِ اللَّوْمِ والتَّعْجِيبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، لِأنَّ السّامِعِينَ يَتَرَقَّبُونَ بَيانَ وجْهِ اللَّوْمِ، ويَتَساءَلُونَ عَمّاذا يَتَّخِذُونَ نَحْوَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ.

وقَدْ دَلَّ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ المَشُوبُ بِاللَّوْمِ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ هي مَحَلُّ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، وتَقْدِيرُها: إنَّهم قَدْ أضَلَّهُمُ اللَّهُ، ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾، بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ

صفحة ١٥١

أضَلَّهم، بَلِ المُرادُ مِنهُ أساءَ حالَهم، وسُوءُ الحالِ أمْرٌ مُجْمَلٌ يَفْتَقِرُ إلى البَيانِ، فَيَكُونُ فَصْلُ الجُمْلَةِ فَصْلُ الِاسْتِئْنافِ.

وإنْ جَعَلْتَ مَعْنى ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ أنَّهُ رَدَّهم إلى الكُفْرِ، كانَتْ جُمْلَةُ أتُرِيدُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، ووَجْهُ الفَصْلِ أنَّهُ إقْبالٌ عَلى اللَّوْمِ والإنْكارِ، بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ الَّتِي هي خَبَرِيَّةٌ، فالفَصْلُ لِكَمالِ الِانْقِطاعِ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ.

4:89Page 92

وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,

﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ ”ودُّوا“ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] . فَضَحَ اللَّهُ هَذا الفَرِيقَ فَأعْلَمَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مُضْمِرُونَ الكُفْرَ، وأنَّهم يُحاوِلُونَ رَدَّ مَن يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ.

وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ المُهاجَرَةِ لا يُناسِبُ إلّا ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ولا يُناسِبُ ما في الصَّحِيحِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ المُهاجَرَةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فاللَّهُ نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ وِلايَتِهِمْ إلى أنْ يَخْرُجُوا في سَبِيلِ اللَّهِ في غَزْوَةٍ تَقَعُ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ، الَّتِي انْخَزَلَ عَنْها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، قَدْ مَضَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وما أبْلَغَ التَّعْبِيرَ في جانِبِ مُحاوَلَةِ المُؤْمِنِينَ بِالإرادَةِ في قَوْلِهِ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، وفي جانِبِ مُحاوَلَةِ المُنافِقِينَ بِالوُدِّ، لِأنَّ الإرادَةَ يَنْشَأُ عَنْها الفِعْلُ، فالمُؤْمِنُونَ يَسْتَقْرِبُونَ حُصُولَ الإيمانِ مِنَ المُنافِقِينَ، لِأنَّ الإيمانَ قَرِيبٌ مِن فِطْرَةِ النّاسِ، والمُنافِقُونَ يَعْلَمُونَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَرْتَدُّونَ عَنْ دِينِهِمْ، ويَرَوْنَ مِنهم مَحَبَّتَهم إيّاهُ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَبُهم تَكْفِيرَ المُؤْمِنِينَ إلّا تَمَنِّيًا، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُدِّ المُجَرَّدِ.

صفحة ١٥٢

وجُمْلَةُ ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ تُفِيدُ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ قَوْلِهِ بِما كَفَرُوا قُصِدَ مِنها تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في حِبالَةِ المُنافِقِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أقامَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ عَلامَةً عَلى كُفْرِ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، حَتّى لا يَعُودَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ في شَأْنِهِمْ، وهي عَلامَةٌ بَيِّنَةٌ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ النِّفاقِ شَيْءٌ مَسْتُورٌ إلّا نِفاقَ مُنافِقِي المَدِينَةِ.

والمُهاجَرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هي الخُرُوجُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِقَصْدِ مُفارَقَةِ أهْلِ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ لِأجْلِ الوُصُولِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى دِينِهِ الَّذِي أرادَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ المُهاجَرَةِ. وهَذا إنْذارٌ لَهم قَبْلَ مُؤاخَذَتِهِمْ، إذِ المَعْنى: فَأبْلِغُوهم هَذا الحُكْمَ فَإنْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَقَبَّلُوهُ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ الكُفْرَ لا يُؤاخَذُ بِهِ حَتّى يُتَقَدَّمَ لَهُ، ويُعَرَّفَ بِما صَدَرَ مِنهُ، ويُعْذَرَ إلَيْهِ، فَإنِ التَزَمَهُ يُؤاخَذُ بِهِ، ثُمَّ يُسْتَتابُ. وهو الَّذِي أفْتى بِهِ سَحْنُونٌ.

والوَلِيُّ: المُوالِي الَّذِي يَضَعُ عِنْدَهُ مَوْلاهُ سِرَّهُ ومَشُورَتَهُ. والنَّصِيرُ الَّذِي يُدافِعُ عَنْ ولِيِّهِ ويُعِينُهُ.

4:90Page 92

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.

﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ .

الاسْتِثْناءُ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] أيْ: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا. أوْ إلّا الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ إلى مَكَّةَ بَعْدَ أنْ هاجَرُوا، وهَؤُلاءِ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مِمَّنْ عاهَدُوكم، فَلا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِالقَتْلِ، لِئَلّا تَنْقُضُوا عُهُودَكُمُ المُنْعَقِدَةَ مَعَ قَوْمِهِمْ.

صفحة ١٥٣

ومَعْنى يَصِلُونَ يَنْتَسِبُونَ، مِثْلُ مَعْنى اتَّصَلَ في قَوْلِ أحَدِ بَنِي نَبْهانَ:

ألا بَلِّغا خُلَّتِي راشِدًا وصِنْوِي قَدِيمًا إذا ما اتَّصَلَ

أيِ انْتَسَبَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَحَقَ، أيْ إلّا الَّذِينَ يَلْتَحِقُونَ بِقَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَيَدْخُلُونَ في عَهْدِهِمْ. فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ هم مِنَ المُعاهَدِينَ أصالَةً. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي هم كالمُعاهَدِينَ لِأنَّ مُعاهَدَ المُعاهَدِ كالمُعاهَدِ. والمُرادُ بِـ الَّذِينَ يَصِلُونَ قَوْمٌ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، بَلْ كُلُّ مَنِ اتَّصَلَ بِقَوْمٍ لَهم عَهْدٌ مَعَ المُسْلِمِينَ، ولِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هَؤُلاءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فالمُرادُ بِهِ القَبائِلُ الَّتِي كانَ لَهم عَهْدٌ مَعَ المُسْلِمِينَ. قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] الآيَةَ خافَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَذَهَبُوا بِبَضائِعِهِمْ إلى هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرِ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ حالَفَ النَّبِيءَ ﷺ عَلى: أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن لَجَأ إلى هِلالٍ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ ما لَهُ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ خُزاعَةُ، وقِيلَ: بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناءَةٍ كانُوا في صُلْحٍ وهُدْنَةٍ مَعَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُونُوا آمَنُوا يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هم بَنُو مُدْلِجٍ إذْ كانَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيُّ قَدْ عَقَدَ عَهْدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِهِ بَنِي مُدْلِجٍ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ، وأنَّهم إنْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أسْلَمُوا وإنْ لَمْ تُسْلِمْ قُرَيْشٌ فَهم لا يُسْلِمُونَ، لِئَلّا تَخْشُنَ قُلُوبُ قُرَيْشٍ عَلَيْهِمْ. والأوْلى أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ القَبائِلِ مَشْمُولٌ لِلْآيَةِ.

ومَعْنى ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ إلَخْ: أوْ جاءُوا إلى المَدِينَةِ مُهاجِرِينَ ولَكِنَّهم شَرَطُوا أنْ لا يُقاتِلُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ قَوْمَهم فاقْبَلُوا مِنهم ذَلِكَ. وكانَ هَذا رُخْصَةً لَهم أوَّلَ الإسْلامِ، إذْ كانَ المُسْلِمُونَ قَدْ هادَنُوا قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ تَألُّفًا لَهم، ولِمَن دَخَلَ في عَهْدِهِمْ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ صارَ الجِهادُ مَعَ المُؤْمِنِينَ واجِبًا عَلى كُلِّ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ، أمّا المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ومَن أسْلَمُوا ولَمْ يَشْتَرِطُوا هَذا الشَّرْطَ فَلا تَشْمَلُهُمُ الرُّخْصَةُ، وهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”حَصِرَتْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ المُقْتَرِنِ بِتاءِ تَأْنِيثِ الفِعْلِ وقَرَأهُ يَعْقُوبُ (حَصِرَةً) بِصِيغَةِ الصِّفَةِ وبَهاءِ تَأْنِيثِ الوَصْفِ في آخِرِهِ مَنصُوبَةً مُنَوَّنَةً - .

صفحة ١٥٤

و”حَصِرَتْ“ بِمَعْنى ضاقَتْ وحَرِجَتْ.

و”أنْ يُقاتِلُوكم“ مَجْرُورٌ بِحَذْفِ عَنْ، أيْ ضاقَتْ عَنْ قِتالِكم، لِأجْلِ أنَّهم مُؤْمِنُونَ لا يَرْضَوْنَ قِتالَ إخْوانِهِمْ، وعَنْ قِتالِ قَوْمِهِمْ لِأنَّهم مِن نَسَبٍ واحِدٍ، فَعَظُمَ عَلَيْهِمْ قِتالُهم. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ عَنْ صِدْقٍ مِنهم.

وأُرِيدَ بِهَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ: عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ عَذَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ إذْ صَدَقُوا، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ فائِدَةَ هَذا التَّسْخِيرِ الَّذِي سَخَّرَ لَهم مِن قَوْمٍ قَدْ كانُوا أعْداءً لَهم فَصارُوا سِلْمًا يَوَدُّونَهم، ولَكِنَّهم يَأْبَوْنَ قِتالَ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ﴾، ولِذَلِكَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِكَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْ هَؤُلاءِ إنِ اعْتَزَلُوهم ولَمْ يُقاتِلُوهم، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أيْ إذْنًا بَعْدَ أنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقِتالِ غَيْرِهِمْ حَيْثُ وجَدُوهم.

والسَّبِيلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِوَسِيلَةِ المُؤاخَذَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ في خَبَرِهِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ دُونَ حَرْفِ الغايَةِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ بَراءَةٍ.

4:91Page 92

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .

هَؤُلاءِ فَرِيقٌ آخَرُ لا سَعْيَ لَهم إلّا في خُوَيْصَّتِهِمْ، ولا يَعْبَأُونَ بِغَيْرِهِمْ، فَهم يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَأْمَنُوا غَزْوَهم، ويُظْهِرُونَ الوُدَّ لِقَوْمِهِمْ لِيَأْمَنُوا غائِلَتَهم، وما هم بِمُخْلِصِينَ الوُدَّ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ، ولِذَلِكَ وُصِفُوا بِإرادَةِ أنْ يَأْمَنُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِن قَوْمِهِمْ، فَلا هَمَّ لَهم إلّا حُظُوظُ أنْفُسِهِمْ، يَلْتَحِقُونَ بِالمُسْلِمِينَ في قَضاءِ لُباناتٍ

صفحة ١٥٥

لَهم فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيَرْتَدُّونَ إلى الكُفْرِ.

وهُوَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ . وقَدْ مَرَّ بَيانُ مَعْنى أُرْكِسُوا قَرِيبًا. وهَؤُلاءِ هم غَطَفانُ وبَنُو أسَدٍ مِمَّنْ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُصَ إسْلامُهم، وبَنُو عَبْدِ الدّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ. كانُوا يَأْتُونَ المَدِينَةَ فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويَرْجِعُونَ إلى مَكَّةَ فَيَعْبُدُونَ الأصْنامَ.

وأمْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ في مُعامَلَةِ هَؤُلاءِ ومُعامَلَةِ الفَرِيقِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] أمْرٌ واحِدٌ، وهو تَرْكُهم إذا تَرَكُوا المُؤْمِنِينَ وسالَمُوهم، وقِتالُهم إذا ناصَبُوهُمُ العَداءَ.

إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الشَّرْطَ المَفْرُوضَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأوَّلِينَ: أنَّهم يَعْتَزِلُونَ المُسْلِمِينَ، ويُلْقُونَ إلَيْهِمُ السَّلَمَ، ولا يُقاتِلُونَهم، وجَعَلَ الشَّرْطَ المَفْرُوضَ بِالنِّسْبَةِ إلى هَؤُلاءِ أنَّهم لا يَعْتَزِلُونَ المُسْلِمِينَ، ولا يُلْقُونَ إلَيْهِمُ السَّلَمَ، ولا يَكُفُّونَ أيْدِيَهم عَنْهم، نَظَرًا إلى الحالَةِ المُتَرَقَّبَةِ مِن كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المَذْكُورِينَ.

وهُوَ افْتِنانٌ بَدِيعٌ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ اخْتِلافٌ في الحُكْمِ ولَكِنْ صَرَّحَ بِاخْتِلافِ الحالَيْنِ، وبِوَصْفِ ما في ضَمِيرِ الفَرِيقَيْنِ.

والوِجْدانُ في قَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ بِمَعْنى العُثُورِ والِاطِّلاعِ، أيْ سَتَطَّلِعُونَ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ وجَدَ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَقَوْلُهُ ”﴿يُرِيدُونَ﴾“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وسَيَأْتِي بَيانُ تَصارِيفِ اسْتِعْمالِ الوِجْدانِ في كَلامِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨٢] في سُورَةِ المائِدَةِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ.

”والسُّلْطانُ المُبِينُ“ هو الحُجَّةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى نِفاقِهِمْ، فَلا يُخْشى أنْ يُنْسَبَ المُسْلِمُونَ في قِتالِهِمْ إلى اعْتِداءٍ وتَفْرِيقِ الجامِعَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском