Ibn 'AshurGhafir · 40:52–57

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:52–57

40:52Page 473

يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢

The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].

﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلُنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ .

كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وهو اسْتِخْلاصٌ لِلْعِبْرَةِ مِنِ القِصَصِ الماضِيَةِ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ووَعْدِهُ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مِنِ ابْتِداءِ السُّورَةِ كانَ بِذِكْرِ مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وأوْمَأ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ شِيَعَهم آيِلَةٌ إلى خَسارٍ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤]، وامْتَدَّ الكَلامُ في الرَّدِّ عَلى المُجادِلِينَ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي آلَ أمْرُها إلى خَيْبَةٍ واضْمِحْلالٍ في الدُّنْيا وإلى عَذابٍ دائِمٍ في الآخِرَةِ ولَمّا اسْتَوْفى الغَرَضُ مُقْتَضاهُ مِن إطْنابِ البَيانِ بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ عَقِبَهُ أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الكَلامِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥] .

وقَدْ عُلِمَ مِن فِعْلِ النَّصْرِ أنَّ هُنالِكَ فَرِيقًا مَنصُورًا عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومِنَ المُتَعَيَّنِ أنَّهُمُ الفَرِيقُ المُعانِدُ لِلرُّسُلِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَنَصْرُ الرُّسُلِ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا بِإظْهارِهِمْ عَلَيْهِمْ وإبادَتِهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ لَهم وعَذابِ النّارِ لِأعْدائِهِمْ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ لَنَنْصُرُ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ حالاتِ النَّصْرِ العَجِيبَةِ الَّتِي وُصِفَ بَعْضُها في السُّورَةِ ووُصِفَ بَعْضٌ آخَرُ في سُوَرٍ أُخْرى تَقَدَّمَ نُزُولُها، وإلّا فَإنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَضى، ونَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَرَقَّبٌ غَيْرُ حاصِلٍ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ.

صفحة ١٦٨

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنْ) وبِجَعْلِ المُسْنَدِ فِعْلِيًا في قَوْلِهِ لَنَنْصُرُ مُراعًى فِيهِ حالُ المُعَرَّضِ بِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رُسُلَهُ عَلَيْهِمْ وهم المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ.

وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهم عَلى مَن ظَلَمَهم في الحَياةِ الدُّنْيا بِأنْ يُوقِعَ الظّالِمَ في سُوءِ عاقِبَةٍ أوْ بِأنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ مَن يَنْتَقِمُ مِنهُ بِنَحْوٍ أوْ أشَدَّ مِمّا ظَلَمَ بِهِ مُؤْمِنًا.

والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ. والقِيامُ: الوُقُوفُ في المَوْقِفِ. والأشْهادُ: الرُّسُلُ، والمَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمُؤْمِنُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وذَلِكَ اليَوْمُ هو يَوْمُ الحَشْرِ، وشَهادَةُ الرُّسُلِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ مِن جُمْلَةِ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ وكَذَلِكَ شَهادَةُ المُؤْمِنِينَ.

و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] وهو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الظَّرْفِ.

والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ. والمَعْذِرَةُ اسْمُ مَصْدَرِ اعْتَذَرَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وظاهِرُ إضافَةِ المَعْذِرَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ أنَّهم تَصْدُرُ مِنهم يَوْمَئِذٍ مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُمُ العَذابَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] وهَذا لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] الَّذِي هو في انْتِفاءِ الِاعْتِذارُ مِن أصْلِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ هو الِاعْتِذارُ المَأْذُونُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] في سُورَةِ الرُّومِ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ لا يَنْفَعُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ الفاعِلَ وهو (مَعْذِرَةُ) غَيْرُ حَقِيقِيُّ التَّأْنِيثِ ولِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ بِالمَفْعُولِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ.

ولَهُمُ اللَّعْنَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ ويَوْمَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ.

صفحة ١٦٩

واللَّعْنَةُ: البُعْدُ والطَّرْدُ، أيْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] هي جَهَنَّمُ. وتَقْدِيمُ لَهم في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِالِانْتِقامِ مِنهم.

40:53–54Page 473

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣

And We had certainly given Moses guidance, and We caused the Children of Israel to inherit the Scripture

هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٤

As guidance and a reminder for those of understanding.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ .

هَذا مِن أوْضَحِ مَثَلِ نَصْرِ اللَّهِ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وهو أشْبَهُ الأمْثالِ بِالنَّصْرِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ نَصْرَ مُوسى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَوَّنَ اللَّهُ بِهِ أُمَّةً عَظِيمَةً لَمْ تَكُنْ يُؤْبَهُ بِها وأُوتِيَتْ شَرِيعَةً عَظِيمَةً ومُلْكًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ كانَ نَصْرُ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ كانَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ وأكْمَلَ وأشْرَفَ.

فَجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وبَيْنَ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥]، وأيُّ نَصْرٍ أعْظَمُ مِنَ الخَلاصِ مِنَ العُبُودِيَّةِ والقِلَّةِ والتَّبَعِ لِأُمَّةٍ أُخْرى في أحْكامٍ تُلائِمُ أحْوالَ الأُمَّةِ التّابِعَةِ، إلى مَصِيرِ الأُمَّةِ مالِكَةِ أمْرِ نَفْسِها ذاتِ شَرِيعَةٍ مُلائِمَةٍ لِأحْوالِها ومَصالِحِها وسِيادَةٍ عَلى أُمَمٍ أُخْرى، وذَلِكَ مِثْلُ المُسْلِمِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ وبَعْدَهُ وهو إيماءٌ إلى الوَعْدِ بِأنَّ القُرْآنَ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ باقٍ مَوْرُوثٌ في الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ.

والهُدى الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى هو ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أيِ الرِّسالَةِ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وهي المُرادُ بِالكِتابِ، أيِ التَّوْراةِ، وهو الَّذِي أوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ جَعَلَهُ باقِيًا فِيهِمْ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهم ورِثُوهُ عَنْ مُوسى، أيْ أخَذُوهُ مِنهُ في حَياتِهِ وأبْقاهُ اللَّهُ لَهم بَعْدَ وفاتِهِ، فَإطْلاقُ الإيراثِ اسْتِعارَةٌ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ الكِتابَ مِن جُمْلَةِ الهُدى الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى، قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى والكِتابَ وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ، فَإنَّ مُوسى أُوتِيَ مِنَ الهُدى ما لَمْ يَرِثْهُ بَنُو إسْرائِيلَ وهو الرِّسالَةُ وأُوتِيَ مِنَ الهُدى ما أُورِثَهُ بَنُو إسْرائِيلَ وهو الشَّرِيعَةُ الَّتِي في التَّوْراةِ.

و﴿هُدًى وذِكْرى﴾ حالانِ مِنَ الكِتابِ، أيْ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرى

صفحة ١٧٠

لَهم، فَفِيهِ عِلْمُ ما لَمْ يَعْلَمْهُ المُتَعَلِّمُونَ، وفِيهِ ذِكْرى لِما عَلِمَهُ أهْلُ العِلْمِ مِنهم، وتَشْمَلُ الذِّكْرى اسْتِنْباطَ الأحْكامِ مِن نُصُوصِ الكِتابِ وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالعُلَماءِ مِنهم مِن أنْبِيائِهِمْ وقُضاتِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَيَكُونُ ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِذِكْرى.

وأُولُو الألْبابِ: أُولُو العُقُولِ الرّاجِحَةِ القادِرَةِ عَلى الِاسْتِنْباطِ.

40:55Page 473

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٥٥

So be patient, [O Muḥammad]. Indeed, the promise of Allāh is truth. And ask forgiveness for your sin1 and exalt [Allāh] with praise of your Lord in the evening and the morning.

﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] أيْ فاعْلَمْ أنّا ناصِرُوكَ والَّذِينَ آمَنُوا واصْبِرْ عَلى ما تُلاقِيهِ مِن قَوْمِكَ ولا تَهِنْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ.

وإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهي في مِثْلِ هَذا المَقامِ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّعْلِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ ويُفادُ بِأنَّ التَّأْكِيدَ الَّذِي هو لِلِاهْتِمامِ والتَّحْقِيقِ.

ووَعْدُ اللَّهِ هو وعْدُ رَسُولِهِ بِالنَّصْرِ في الآيَةِ السّابِقَةِ وفي غَيْرِ ما آيَةٍ.

والمَعْنى لا تَسْتَبْطِئِ النَّصْرَ فَإنَّهُ واقِعٌ، وذَلِكَ ما نُصِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في أيّامِهِ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ ويَوْمَ حُنَيْنٍ وفي أيّامِ الغَزَواتِ الأُخْرى. وما عَرَضَ مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ امْتِحانًا وتَنْبِيهًا عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ عَدَمِ الحِفاظِ عَلى وصِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ لا يَبْرَحُوا مِن مَكانِهِمْ ثُمَّ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وعُطِفَ عَلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّسْبِيحِ فَكانا داخِلَيْنِ في سِياقِ التَّفْرِيعِ عَلى الوَعْدِ بِالنَّصْرِ رَمْزًا إلى تَحْقِيقِ الوَعْدِ لِأنَّهُ أمَرَ عَقِبَهُ بِما هو مِن آثارِ الشُّكْرِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ نِعْمَةِ النَّصْرِ حاصِلَةً لا مَحالَةَ، وهَذِهِ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.

والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ أمْرٌ بِأنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى المَغْفِرَةَ الَّتِي اقْتَضَتْها النُّبُوءَةُ،

صفحة ١٧١

أيِ اسْألِ اللَّهَ دَوامَ العِصْمَةِ لِتَدُومَ المَغْفِرَةُ، وهَذا مَقامُ التَّخْلِيَةِ عَنِ الأكْدارِ النَّفْسِيَّةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أُمَّتَهُ مَطْلُوبُونَ بِذَلِكَ بِالأحْرى كَقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وأيْضًا فالنَّبِيءُ ﷺ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِغْفارِ تَعَبُّدًا وتَأدُّبًا.

وأُمِرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ، أيِ الأوْقاتِ كُلِّها فاقْتَصَرَ عَلى طَرَفَيْ أوْقاتِ العَمَلِ.

والعَشِيُّ: آخِرُ النَّهارِ إلى ابْتِداءِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ طَعامُ اللَّيْلِ عَشاءً، وسُمِّيَتِ الصَّلاةُ الأخِيرَةُ بِاللَّيْلِ عِشاءً. والإبْكارُ: اسْمٌ لِبُكْرَةِ النَّهارِ كالإصْباحِ اسْمٌ لِلصَّباحِ، والبُكْرَةُ أوَّلُ النَّهارِ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وتَقَدَّمَ العَشِيُّ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا مَقامُ التَّحَلِّي بِالكَمالاتِ النَّفْسِيَّةِ وبِذَلِكَ يَتِمُّ الشُّكْرُ ظاهِرًا وباطِنًا. وجُعِلَ الأمْرانِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ لِأنَّ الصَّبْرَ هُنا لِانْتِظارِ النَّصْرِ المَوْعُودِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّبْرِ لَمّا حَصَلَ النَّصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] فَإنَّ ذَلِكَ مَقامُ مَحْضِ الشُّكْرِ دُونَ الصَّبْرِ.

وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ بِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ كَما في أوَّلِ سُورَةِ الفَتْحِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ في سُورَةِ غافِرٍ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ، لِطَلَبِ دَوامِ المَغْفِرَةِ، وكانَ أمْرُهُ بِهِ في سُورَةِ النَّصْرِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، لِلْإرْشادِ إلى شُكْرِ نِعْمَةِ النَّصْرِ، وقَدْ «قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في شَأْنِ عِبادَتِهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فَقالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا. وكانَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في سُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها يَتَأوَّلُ القُرْآنُ» . وبِحُكْمِ السِّياقِ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا عَلاقَةَ لَها بِفَرْضِ الصَّلاةِ ولا بِأوْقاتِها وإنَّما هي عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] في سُورَةِ النَّصْرِ.

40:56Page 473

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦

Indeed, those who dispute concerning the signs of Allāh without [any] evidence having come to them - there is not within their breasts except pride, [the extent of] which they cannot reach. So seek refuge in Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Seeing.

صفحة ١٧٢

﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ .

جَرى الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا في مَيْدانِ الرَّدِّ عَلى مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ في آياتِ اللَّهِ ودَحْضِ شُبَهِهِمْ وتَوَعُّدِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ وضَرْبِ الأمْثالِ لَهم بِأمْثالِهِمْ مِن أهْلِ العِنادِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وقَوْلِهِ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ، كَما ذُكِرَتْ أمْثالُ أضْدادِهِمْ مِن أهْلِ الإيمانِ مَن حَضَرَ مِنهم ومَن غَبَرَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٤] ثُمَّ قَوْلِهِ وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِوَعْدِ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ كَما نَصَرَ النَّبِيئِينَ مِن قَبْلِهِ والَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ، وأمَرَ بِالصَّبْرِ عَلى عِنادِ قَوْمِهِ والتَّوَجُّهِ إلى عِبادَةِ رَبِّهِ، فَكانَ ذِكْرُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ عَقِبَ ذَلِكَ مِن بابِ المَثَلِ المَشْهُورِ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ.

وبِهَذِهِ المُناسَبَةِ انْتَقَلَ هُنا إلى كَشْفِ ما تُكِنُّهُ صُدُورُ المُجادِلِينَ مِن أسْبابِ جِدالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ ﷺ دَخِيلَتَهم فَلا يَحْسَبُ أنَّهم يُكَذِّبُونَهُ تَنَقُّصًا لَهُ ولا تَجْوِيزًا لِلْكَذِبِ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ الَّذِي يَدْفَعُهم إلى التَّكْذِيبِ هو التَّكَبُّرُ عَنْ أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِلرَّسُولِ ﷺ ووَراءَ الَّذِينَ سَبَقُوهم بِالإيمانِ مِمَّنْ كانُوا لا يَعْبَئُونَ بِهِمْ.

وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .

فَقَوْلُهُ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ الآيَةَ، اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهو كالتَّكْرِيرِ لِجُمْلَةِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ تَكْرِيرُ تِعْدادٍ لِلتَّوْبِيخِ عِنْدَ تَنْهِيَةِ غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ كَما يُوقَفُ المُوَبَّخُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ.

والَّذِينَ يُجادِلُونَ هم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وهُمُ المُخْبَرُ عَنْهم في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .

ومَعْنى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ تَقَدَّمَ هُناكَ.

صفحة ١٧٣

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ بِ يُجادِلُونَ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مُصاحِبٌ لَهم غَيْرَ سُلْطانٍ، أيْ غَيْرَ حُجَّةٍ، أيْ أنَّهم يُجادِلُونَ مُجادَلَةَ عِنادٍ وغَصْبٍ.

وفائِدَةُ هَذا القَيْدِ تَشْنِيعُ مُجادَلَتِهِمْ وإلّا فَإنَّ المُجادَلَةَ في آياتِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بِغَيْرِ سُلْطانٍ لِأنَّ آياتِ اللَّهِ لا تَكُونُ مُخالِفَةً لِلْواقِعِ فَهَذا القَيْدُ نَظِيرُ القَيْدِ في قَوْلِهِ ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وكَذَلِكَ وُصِفَ سُلْطانٌ بِجُمْلَةِ أتاهم لِزِيادَةِ تَفْظِيعِ مُجادَلَتِهِمْ بِأنَّها عَرِيَّةٌ عَنْ حُجَّةٍ لَدَيْهِمْ فَهم يُجادِلُونَ بِما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

وإنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ نافِيَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وكِبْرٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، وأطْلَقَ الصُّدُورَ عَلى القُلُوبِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، والمُرادُ ضَمائِرُ أنْفُسِهِمْ، والعَرَبُ يُطْلِقُونَ القَلْبَ عَلى العَقْلِ لِأنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يُحِسُّ الإنْسانُ بِحَرَكَتِهِ عِنْدَ الِانْفِعالاتِ النَّفْسِيَّةِ مِنَ الفَرَحِ وضِدِّهِ والِاهْتِمامِ بِالشَّيْءِ.

والكِبْرُ مِنَ الِانْفِعالاتِ النَّفْسِيَّةِ، وهو: إدْراكُ الإنْسانِ خَواطِرَ تُشْعِرُهُ بِأنَّهُ أعْظَمُ مِن غَيْرِهِ فَلا يَرْضى بِمُساواتِهِ بَلْهَ مُتابَعَتِهِ، وتَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ إلّا الكِبْرُ عَلى الَّذِي جاءَهم بِها ولَيْسَتْ مُجادَلَتُهم لِدَلِيلٍ لاحَ لَهم.

وقَدْ أثْبَتَ لَهُمُ الكِبْرَ الباعِثَ عَلى المُجادَلَةِ بِطَرِيقِ القَصْرِ لِيَنْفِيَ - أنْ يَكُونَ داعِيَهم إلى المُجادَلَةِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الكِبْرِ عَلى وجْهٍ مُؤَكَّدٍ، فَإنَّ القَصْرَ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ لِما يَتَضَمَّنُهُ مِن إثْباتِ الشَّيْءِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ مُؤَكَّدٍ، ومِن نَفْيِ ما عَداهُ فَتَضَمَّنَ جُمْلَتَيْنِ.

وجُمْلَةُ ما هم بِبالِغِيهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ

صفحة ١٧٤

الصِّفَةِ لِـ (كِبْرٌ)، وحَقِيقَةُ البُلُوغِ: الوُصُولُ، قالَ تَعالى ﴿إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] ويُطْلَقُ عَلى نَوالِ الشَّيْءِ وتَحْصِيلِهِ مَجازًا مُرْسَلًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم وهو هُنا مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ لا مَحالَةَ، أيْ ما هم بِبالِغِي الكِبْرِ.

وإذْ قَدْ كانَ الكِبْرُ مُثْبَتًا حُصُولُهُ في نُفُوسِهِمْ إثْباتًا مُؤَكَّدًا بِقَوْلِهِ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾، تَعَيَّنَ أنَّ نَفْيَ بُلُوغِهِمُ الكِبْرَ مُنْصَرِفٌ إلى حالاتِ الكِبْرِ: فَإمّا أنْ يُرادَ نَفْيُ أهْلِيَّتِهِمْ لِلْكِبْرِ إذْ هم أقَلُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُمُ الكِبْرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنهُ الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] أيْ لا عِزَّةَ حَقًّا لَهم، فالمَعْنى هُنا: كِبْرُ زَيْفٍ؛ وإمّا أنْ يُرادَ نَفْيُ نَوالِهِمْ شَيْئًا مِن آثارِ كِبْرِهِمْ مِثْلَ تَحْقِيرِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ احْتِقارِ المُتَكَبِّرِ عَلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهم فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ أتْباعِهِمْ، وإذْلالِهِمْ، وإفْحامِ حُجَّتِهِمْ، فالمَعْنى: ما هم بِبالِغِينَ مُرادَهُمُ الَّذِي يَأْمُلُونَهُ مِنكَ في نُفُوسِهِمُ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أقْوالُهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وقَوْلِهِمْ ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمُ الكاشِفَةِ لِآمالِهِمْ.

فَتَنْكِيرُ (كِبْرٌ) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ كِبْرٌ شَدِيدٌ بِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ، وتَمَكُّنِهِ مِن نُفُوسِهِمْ، فالضَّمِيرُ البارِزُ في بِبالِغِيهِ عائِدٌ إلى الكِبْرِ عَلى وجْهِ المَجازِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوِ المُسَبَّبِيَّةِ، والدّاعِي إلى هَذا المَجازِ طَلَبُ الإيجازِ لِأنَّ تَعْلِيقَ نَفْيِ البُلُوغِ بِاسْمِ ذاتِ الكِبْرِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الأحْوالِ الَّتِي يُثِيرُها الكِبْرُ، وهَذا مِن مَقاصِدِ إسْنادِ الأحْكامِ إلى الذَّواتِ إنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢] أيْ جَمِيعَ أحْوالِ مَعِيشَتِهِمْ. فَشِمَلَ قَوْلُهُ ما هم بِبالِغِيهِ عَدَمَ بُلُوغِهِمْ شَيْئًا مِمّا يَنْطَوِي عَلَيْهِ كِبْرُهم، فَما بَلَغُوا الفَضْلَ عَلى غَيْرِهِمْ حَتّى يَتَكَبَّرُوا، ولا مَطْمَعَ لَهم في حُصُولِ آثارِ كِبْرِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] .

وقَدْ نُفِيَ أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم بِصَوْغِهِ في قالَبِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَتِها ثَباتَ مَدْلُولِها ودَوامِهِ، فالمَعْنى: أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن بُلُوغِهِ حِرْمانًا مُسْتَمِرًّا، فاشْتَمَلَ تَشْوِيهُ حالِهِمْ إثْباتًا ونَفْيًا عَلى خُصُوصِيّاتٍ بَلاغِيَّةٍ كَثِيرَةٍ.

صفحة ١٧٥

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ ماصَدَقَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ هُنا اليَهُودَ، وجَعَلَهُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، وارْتَقى بِذَلِكَ إلى القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أُلْحِقَتْ بِالسُّورَةِ المَكِّيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِ السُّورَةِ، وأيَّدُوا تَفْسِيرَهم هَذا بِآثارٍ لَوْ صَحَّتْ لَمْ تَكُنْ فِيها دَلالَةٌ عَلى أكْثَرَ مِن صُلُوحِيَّةِ الآيَةِ لَأنْ تُضْرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ فَرِيقٍ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ جِدالًا يَدْفَعُهم إلَيْهِ الكِبْرُ.

* * *

﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .

لَمّا ضَمِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَهُ فِيما جاءَهم بِهِ يَحْدُوهم إلى الجِدالِ كِبْرُهُمُ المُنْطَوِي عَلى كَيْدِهِمْ وأنَّهم لا يَبْلُغُونَ ما أضْمَرُوهُ وما يُضْمِرُونَهُ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهَ مَعاذَهُ مِنهم، أيْ لا يَعْبَأُ بِما يُبَيِّتُونَهُ، أيْ قَدِّمْ عَلى طَلَبِ العَوْذِ بِاللَّهِ

وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ اسْتَعِذْ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الِاسْتِعاذَةِ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ، أيْ لِأنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأنْتَ لا تُحِيطُ عِلْمًا بِتَصارِيفِ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ.

والتَّوْكِيدُ بِحَرْفِ إنَّ، والحَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ مُراعًى فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالمُتَحَدَّثِ عَنْهم وهُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ. والمَعْنى: أنَّهُ هو القادِرُ عَلى إبْطالِ ما يَصْنَعُونَهُ لا أنْتَ فَكَيْفَ يَتِمُّ لَهم ما أضْمَرُوهُ لَكَ.

40:57Page 473

لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧

The creation of the heavens and earth is greater than the creation of mankind, but most of the people do not know.

﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

مُناسَبَةُ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ أهَمَّ ما جادَلُوا فِيهِ مِن آياتِ اللَّهِ هي الآياتُ المُثْبِتَةُ لِلْبَعْثِ وجِدالُهم في إثْباتِ البَعْثِ هو أكْبَرُ شُبْهَةٍ لَهم ضَلَّلَتْ أنْفُسَهم

صفحة ١٧٦

ورَوَّجُوها في عامَّتِهِمْ فَقالُوا ”﴿أئِذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]“ . فَكانُوا يَسْخَرُونَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ البَعْثِ بِأنَّ بَعْثَ الأمْواتِ لا يَبْلُغُ أمْرُهُ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

والكَلامُ مُؤْذِنٌ بِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ لِأنَّ اللّامَ لامُ جَوابِ القَسَمِ، والمَقْصُودُ: تَأْكِيدُ الخَبَرِ.

ومَعْنى أكْبَرُ أنَّهُ أعْظَمُ وأهَمُّ وأكْثَرُ مُتَعَلَّقاتِ قُدْرَةٍ بِالقادِرِ عَلَيْهِ لا يَعْجِزُ عَنْ خَلْقِ ناسٍ يَبْعَثُهم لِلْحِسابِ.

فالمُرادُ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ مِن خَلْقِ النّاسِ الَّذِينَ يُعِيدُ اللَّهُ خِلْقَتَهم كَما بَدَأهم أوَّلَ مَرَّةٍ ويُودِعُ فِيهِمْ أرْواحَهم كَما أوْدَعَها فِيهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِأنَّ كَوْنَ خَلْقِها أكْبَرَ هو أمْرٌ مَعْلُومٌ وإنَّما أُرِيدَ التَّذْكِيرُ والتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ بِهِ.

ومُوقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما اقْتَضاهُ التَّوْكِيدُ بِالقِسْمِ مِنَ اتِّضاحِ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ.

فالمَعْنى: أنَّ حُجَّةَ إمْكانِ البَعْثِ واضِحَةٌ ولَكِنَّ الَّذِينَ يُنْكِرُونَها لا يَعْلَمُونَ، أيْ لا يَعْلَمُونَ الدَّلِيلَ لِأنَّهم مُتَلاهُونَ عَنِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ مُقْتَنِعُونَ بِبادِئِ الخَواطِرِ الَّتِي تَبْدُو لَهم فَيَتَّخِذُونَها عَقِيدَةً دُونَ بَحْثٍ عَنْ مُعارِضِها، فَلَمّا جَرَوْا عَلى حالَةِ انْتِقاءِ العِلْمِ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا عِلْمَ لَهم فَلِذَلِكَ نَزَلَ فِعْلُ يَعْلَمُونَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَفْعُولٌ.

فالمُرادُ بِ أكْثَرَ النّاسِ هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ البَعْثِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأمّا الَّذِينَ عَلِمُوا ذَلِكَ فَهُمُ المُؤْمِنُونَ وهم أقَلُّ مِنهم عَدَدًا.

وإظْهارُ لَفْظِ النّاسِ في قَوْلِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ مَعَ أنَّ

صفحة ١٧٧

مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ، لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِالدَّلالَةِ فَتَصْلُحُ لِأنْ تَسِيرَ مَسِيرَ الأمْثالِ، فالمَعْنى أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِبْعادِهِمْ خَلْقَ الأجْسامِ مَعَ أنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ما لا يَبْقى مَعَهُ اسْتِبْعادٌ مِثْلَ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском