Ibn 'AshurGhafir · 40:58–62

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:58–62

40:58Page 473

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨

And not equal are the blind and the seeing, nor are those who believe and do righteous deeds and the evildoer. Little do you remember.

”﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما يَتَذَكَّرُونَ﴾“ .

لَمّا نَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ ضَرَبَ مَثَلًا لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَثَلُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في أمْرِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ إمْكانِهِ مَثَلُ الأعْمى، ومَثَلُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ حالَ البَصِيرِ، وقَدْ عُلِمَ حالُ المُؤْمِنِينَ مِن مَفْهُومِ صِفَةِ أكْثَرَ النّاسِ لِأنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يُقابِلُهم أقَلُّونَ يَعْلَمُونَ.

والمَعْنى: لا يَسْتَوِي الَّذِينَ اهْتَدَوْا والَّذِينَ هم في ضَلالٍ، فَإطْلاقُ الأعْمى والبَصِيرِ اسْتِعارَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ.

ونَفْيُ الِاسْتِواءِ بَيْنَهُما يَقْتَضِي تَفْضِيلَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ تَعالى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الآيَةَ في سُورَةِ النِّساءِ، ومِنَ المُتَبادَرِ أنَّ الأفْضَلَ هو صاحِبُ الحالِ الأفْضَلِ وهو البَصِيرُ إذْ لا يَخْتَلِفُ النّاسُ في أنَّ البَصَرَ أشْرَفُ مِنَ العَمى في شَخْصٍ واحِدٍ، ونَفْيُ الِاسْتِواءِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ يَقْتَضِي العُمُومَ في مُتَعَلِّقاتِهِ، لَكِنَّهُ يُخَصُّ بِالمُتَعَلِّقاتِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها سِياقُ الكَلامِ وهي آياتُ اللَّهِ ودَلائِلُ صِفاتِهِ، ويُسَمّى مِثْلُ هَذا العُمُومِ العُمُومَ العُرْفِيَّ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ فاطِرٍ.

وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِفَضِيلَةِ أهْلِ الإيمانِ بِذِكْرِ فَضِيلَتِهِمْ في أعْمالِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ فَضْلِهِمْ في إدْراكِ أدِلَّةِ إمْكانِ البَعْثِ ونَحْوِهِ مِن أدِلَّةِ الإيمانِ.

والمَعْنى: وما يَسْتَوِي الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ والمُسِيئُونَ، أيْ في أعْمالِهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى

صفحة ١٧٨

اخْتِلافِ جَزْيِ الفَرِيقَيْنِ وهَذا الإيماءُ إدْماجٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ.

والواوُ في قَوْلِهِ والَّذِينَ آمَنُوا عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ بِتَقْدِيرِ: وما يَسْتَوِي الَّذِينَ آمَنُوا.

والواوُ في قَوْلِهِ ولا المُسِيءُ عاطِفَةٌ المُسِيءُ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا عَطَفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، فالعَطْفُ الأوَّلُ عَطْفُ المَجْمُوعِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ.

وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الأعْمى عَلى ذِكْرِ البَصِيرِ مَعَ أنَّ البَصَرَ أشْرَفُ مِنَ العَمى بِالنِّسْبَةِ لِذاتٍ واحِدَةٍ، والمُشَبَّهَ بِالبَصِيرِ أشْرَفُ مِنَ المُشَبَّهِ بِالأعْمى إذِ المُشَبَّهُ بِالبَصِيرِ المُؤْمِنُونَ، فَقَدْ ذَكَرَ تَشْبِيهَ الكافِرِينَ مُراعاةً لِكَوْنِ الأهَمِّ في المَقامِ بَيانَ حالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في الآياتِ إذْ هُمُ المَقْصُودُ بِالمَوْعِظَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ فَإنَّما رَتَّبَ فِيهِ ذِكْرَ الفَرِيقَيْنِ عَلى عَكْسِ تَرْتِيبِهِ في التَّشْبِيهِ بِالأعْمى والبَصِيرِ اهْتِمامًا بِشَرَفِ المُؤْمِنِينَ.

وأُعِيدَتْ لا النّافِيَةُ بَعْدَ واوِ العَطْفِ عَلى النَّفْيِ، وكانَ العَطْفُ مُغْنِيًا عَنْها فَإعادَتُها لِإفادَتِها تَأْكِيدَ نَفْيِ المُساواةِ ومَقامُ التَّوْبِيخِ يَقْتَضِي الإطْنابَ، ولِذَلِكَ تُعَدُّ (لا) في مِثْلِهِ زائِدَةً كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ تَقَعَ لا قَبْلَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ مُساواةِ المُسِيءِ لِمَن عَمِلَ الصّالِحاتِ، وأنَّ ذِكْرَ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ المُسِيءِ لِلِاهْتِمامِ بِالَّذِينَ آمَنُوا ولا مُقْتَضِيَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ بَعْدَ أنْ قُضِيَ حَقُّ الِاهْتِمامِ بِالَّذِينَ سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِ تَمْثِيلِهِمْ، فَحَصَلَ في الكَلامِ اهْتِمامانِ.

وقَرِيبٌ مِنهُ ما في سُورَةِ فاطِرٍ في أرْبَعِ جُمَلٍ: اثْنَتَيْنِ قُدِّمَ فِيهِما جانِبُ تَشْبِيهِ الكافِرِينَ، واثْنَتَيْنِ قُدِّمَ فِيهِما تَشْبِيهُ جانِبِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] .

(وقَلِيلًا) حالٌ مِن (أكْثَرَ النّاسِ) في قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ

صفحة ١٧٩

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، وما في قَوْلِهِ ما يَتَذَكَّرُونَ مَصْدَرِيَّةٌ وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

وهَذا مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] لِأنَّ قِلَّةَ التَّذَكُّرِ تُئَوَّلُ إلى عَدَمِ العِلْمِ، والقِلَّةُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العَدَمِ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى صَرِيحِ مَعْناها ويَكُونُ المُرادُ بِالقِلَّةِ عَدَمَ التَّمامِ، أيْ لا يَعْلَمُونَ فَإذا تَذَكَّرُوا تَذَكَّرُوا تَذَكُّرًا لا يَتَمَنَّوْنَهُ فَيَنْقَطِعُونَ في أثْنائِهِ عَنِ التَّعَمُّقِ إلى اسْتِنْباطِ الدَّلالَةِ مِنهُ فَهو كالعَدَمِ في عَدَمِ تَرَتُّبِ أثَرِهِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَتَذَكَّرُونَ“ بِياءِ الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الكَلامِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ تَتَذَكَّرُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والخِطابُ لِلَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ.

وكَوْنُ الخِطابِ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ مِن مُؤْمِنِينَ ومُشْرِكِينَ وأنَّ التَّذَكُّرَ القَلِيلَ هو تَذَكُّرُ المُؤْمِنِينَ فَهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ تَذَكُّرِ المُشْرِكِينَ بَعِيدٌ عَنْ سِياقِ الرَّدِّ ولا يُلاقِي الِالتِفاتَ.

40:59Page 474

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩

Indeed, the Hour is coming - no doubt about it - but most of the people do not believe.

﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

لَمّا أُعْطِيَ إثْباتُ البَعْثِ ما يَحِقُّ مِنَ الحِجاجِ والِاسْتِدْلالِ، تَهَيَّأ المَقامُ لِاسْتِخْلاصِ تَحْقِيقِهِ كَما تُسْتَخْلَصُ النَّتِيجَةُ مِنَ القِياسِ، فَأُعْلِنَ بِتَحْقِيقِ مَجِيءِ السّاعَةِ وهي ساعَةُ البَعْثِ إذِ السّاعَةُ في اصْطِلاحِ الإسْلامِ عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ البَعْثِ، فالسّاعَةُ والبَعْثُ مُتَرادِفانِ في المَآلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِي جادَلَ فِيهِ المُجادِلُونَ سَيَقَعُ لا مَحالَةَ إذِ انْكَشَفَتْ عَنْهُ شُبَهُ الضّالِّينَ وتَمْوِيهاتُهم فَصارَ بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـإنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الخَبَرَ تَحَقَّقَ بِالأدِلَّةِ السّابِقَةِ. وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ، ولِهَذا لَمْ

صفحة ١٨٠

يُؤْتَ بِلامِ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ في سُورَةِ طه (﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥]) لِأنَّ الخِطابَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجِيءَ بِاسْمِ الفاعِلِ في آتِيَةٌ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الحالِ، لِلْإيماءِ إلى أنَّها لَمّا تَحَقَّقَتْ فَقَدْ صارَتْ كالشَّيْءِ الحاضِرِ المُشاهَدِ. والمُرادُ تَحْقِيقُ وُقُوعِها لا الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِها.

وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيها مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، ونَفْيُ الرَّيْبِ عَنْ نَفْسِ السّاعَةِ، والمُرادُ نَفْيُهُ عَنْ إتْيانِها لِدَلالَةِ قَوْلِهِ آتِيَةٌ عَلى ذَلِكَ.

ومَعْنى نَفْيِ الرَّيْبِ في وُقُوعِها: أنَّ دَلائِلَها واضِحَةٌ بِحَيْثُ لا يُعْتَدُّ بِرَيْبِ المُرْتابِينَ فِيها لِأنَّهُمُ ارْتابُوا فِيها لِعَدَمِ الرَّوِيَّةِ والتَّفَكُّرِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ.

فَمَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هو ما يُثِيرُهُ نَفْيُ الرَّيْبِ عَنْ وُقُوعِها مِن أنْ يَتَساءَلَ مُتَسائِلٌ كَيْفَ يَنْفِي الرَّيْبَ عَنْها ؟ والرَّيْبُ حاصِلٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جَوابًا لِذَلِكَ السُّؤالِ.

والمَعْنى: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ بِالأدِلَّةِ والآياتِ وهم مُعْرِضُونَ عَنْ دَلالَتِها فَيَبْقَوْنَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِمَدْلُولاتِها ولَوْ تَأمَّلُوا واسْتَنْبَطُوا بِعُقُولِهِمْ لَظَهَرَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ ما يُؤْمِنُونَ بَعْدَهُ، فَلِذَلِكَ نُفِيَ عَنْهم هُنا وصْفُ الإيمانِ.

وهَذا الِاسْتِدْراكُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ولَوْلا أنَّ لَكِنَّ يَكْثُرُ أنْ تَقَعَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ لَكانَتِ الجُمْلَةُ جَدِيرَةً بِالفَصْلِ دُونَ عَطْفٍ، فَهَذا العَطْفُ تَحْلِيَةٌ لَفْظِيَّةٌ.

وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ المُشْرِكُونَ، وهم يَوْمَئِذٍ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جِدًّا.

40:60Page 474

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

And your Lord says, "Call upon Me; I will respond to you." Indeed, those who disdain My worship will enter Hell [rendered] contemptible.

﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ .

لَمّا كانَتِ المُجادَلَةُ في آياتِ اللَّهِ تَشْمَلُ مُجادَلَتَهم في وحْدانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ

صفحة ١٨١

قَوْلُهُ الآتِي، ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [غافر: ٧٣] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤]، فَجَعَلَ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو نَقِيضَ ما قِيلَ لَهم ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]، وتَشْمَلُ المُجادَلَةُ في وُقُوعِ البَعْثِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] إلى قَوْلِهِ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] الآيَةَ، أعْقَبَ ذِكْرَ المُجادَلَةِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وذَلِكَ اسْتِدْلالٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، تَحْذِيرًا مِنَ الإشْراكِ بِهِ، وأيْضًا لَمّا ذُكِرَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِدُعاءِ اللَّهِ وحْدَهُ أمْرًا مُفَرَّعًا عَلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢] وعَلى قَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] وانْتَقَلَ الكَلامُ إثْرَ ذَلِكَ إلى الأهَمِّ وهو إنْذارُ المُشْرِكِينَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] إلَخْ، وتَتابَعَتِ الأغْراضُ حَتّى اسْتَوْفَتْ مُقْتَضاها، عادَ الكَلامُ الآنَ إلى ما يَشْمَلُ عِبادَةَ المُؤْمِنِينَ الخالِصَةَ لِلَّهِ تَعالى وهو أيْضًا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] . فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدُّعاءِ بِمَعْنَيَيْهِ: مَعْنى العِبادَةِ، ومَعْنى سُؤالِ المَطْلُوبِ، أرْدَفَ بِهَذا الأمْرِ الجامِعِ لِكِلا المَعْنَيَيْنِ.

والقَوْلُ المُخْبَرُ عَنْهُ بِفِعْلِ قالَ رَبُّكم يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ النَّفْسِيُّ، أيْ ما تَعَلَّقَتْ إرادَةُ اللَّهِ تَعَلُّقًا صَلاحِيًّا، بِأنْ يَقُولَهُ عِنْدَ إرادَةِ تَكْوِينِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ القَوْلُ اللَّفْظِيُّ ويَكُونَ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) الماضِي إخْبارًا عَنْ أقْوالٍ مَضَتْ في آياتٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَإنَّهُ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الماضِي مُسْتَعْمَلًا في الحالِ مَجازًا، أيْ يَقُولُ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي.

والدُّعاءُ يُطْلَقُ بِمَعْنى النِّداءِ المُسْتَلْزِمِ لِلِاعْتِرافِ بِالمُنادى، ويُطْلَقُ عَلى الطَّلَبِ وقَدْ جاءَ مِن كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ ما فِيهِ صَلاحِيَةُ مَعْنى الدُّعاءِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ لِما يُلائِمُ المَعْنَيَيْنِ في حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ:

سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقُولُ: «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ»﴾ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ» يَقْتَضِي اتِّحادَ الحَقِيقَتَيْنِ

صفحة ١٨٢

فَإذا كانَ الدُّعاءُ هو العِبادَةَ كانَتِ العِبادَةُ هي الدُّعاءَ لا مَحالَةَ.

فالدُّعاءُ يُطْلَقُ عَلى سُؤالِ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ حاجَتَهُ وهو مَعْناهُ في اللُّغَةِ، ويُطْلَقُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّ العِبادَةَ لا تَخْلُو مِن دُعاءِ المَعْبُودِ بِنِداءِ تَعْظِيمِهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، وهَذا إطْلاقٌ أقَلُّ شُيُوعًا مِنَ الأوَّلِ، ويُرادُ بِالعِبادَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ إفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، أيِ الِاعْتِرافُ بِوَحْدانِيَّتِهِ.

والِاسْتِجابَةُ تُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ المَسْئُولِ لِمَن سَألَهُ وهو أشْهَرُ إطْلاقِها، وتُطْلَقُ عَلى أثَرِ قَبُولِ العِبادَةِ بِمَغْفِرَةِ الشِّرْكِ السّابِقِ وبِحُصُولِ الثَّوابِ عَلى أعْمالِ الإيمانِ فَإفادَةُ الآيَةِ عَلى مَعْنى طَلَبِ الحاجَةِ مِنَ اللَّهِ يُناسِبُ تَرَتُّبَ الِاسْتِجابَةِ عَلى ذَلِكَ الطَّلَبِ مُعَلَّقًا عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ أوْ عَلى اسْتِيفاءِ شُرُوطِ قَبُولِ الطَّلَبِ، وإعْطاءِ خَيْرٍ مِنهُ في الدُّنْيا، أوْ إعْطاءِ عِوَضٍ مِنهُ في الآخِرَةِ. وإفادَتِها عَلى مَعْنى إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، أيْ بِأنْ يَتُوبُوا عَنِ الشِّرْكِ، فَتَرَتُّبُ الِاسْتِجابَةِ هو قَبُولُ ذَلِكَ، فَإنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ مَقْطُوعٌ بِهِ.

فَلَمّا جَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَ شُيُوعِ الإطْلاقِ في كِلَيْهِما عَلِمْنا أنَّ في المَعْنى المُرادِ ما يُشْبِهُ الِاحْتِباكَ بِأنْ صَرَّحَ بِالمَعْنى المَشْهُورِ في كِلا الفِعْلَيْنِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ الدُّعاءُ والعِبادَةُ، وأنَّ الِاسْتِجابَةَ أُرِيدَ بِها قَبُولُ الدُّعاءِ وحُصُولُ أثَرِ العِبادَةِ. فَفِعْلُ ادْعُونِي مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ بِطَرِيقَةِ عُمُومِ المُشْتَرَكِ.

وفِعْلُ أسْتَجِبْ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، والقَرِينَةُ ما عَلِمْتَ وذَلِكَ مِنَ الإيجازِ والكَلامِ الجامِعِ.

وتَعْرِيفُ اللَّهِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِما في هَذا الوَصْفِ وإضافَتِهِ مِنَ الإيماءِ إلى وُجُوبِ امْتِثالِ أمْرِهِ لِأنَّ مِن حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ امْتِثالَ ما يَأْمُرُ بِهِ مَوْصُوفُها لِأنَّ المَرْبُوبَ مَحْقُوقٌ بِالطّاعَةِ لِرَبِّهِ، ولِهَذا لَمْ يُعَرِّجْ مَعَ هَذا الوَصْفِ عَلى تَذْكِيرٍ بِنِعْمَتِهِ ولا إشارَةٍ إلى كَمالاتِ ذاتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ

صفحة ١٨٣

بِالدُّعاءِ تَعْلِيلًا يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن إبايَةِ دُعاءِ اللَّهِ حِينَ الإقْبالِ عَلى دُعاءِ الأصْنامِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢] وكانَ المُشْرِكُونَ لا يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ إلّا إذا لَمْ يَتَوَسَّمُوا اسْتِجابَةَ شُرَكائِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ومَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالدُّعاءِ بِهَذا التَّحْذِيرِ: أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ لِعِبادِهِ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى العَذابِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] فَفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى طَلَبِ اللَّهِ مِن عِبادِهِ أنْ يَدْعُوَهُ في حاجاتِهِمْ. ومَشْرُوعِيَّةُ الدُّعاءِ لا خِلافَ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما الخِلافُ في أنَّهُ يَنْفَعُ في رَدِّ القَدَرِ أوْ لا وهو خِلافٌ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ. ولَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم تَأوَّلُوا مَعْنى أسْتَجِبْ لَكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ إيماءٌ إلى التَّعْلِيلِ.

وداخِرِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ سَيَدْخُلُونَ أيْ أذِلَّةً، دَخَرَ كَمَنَعَ وفَرِحَ: صَغُرَ وذَلَّ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] في سُورَةِ النَّحْلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ سَيَدْخُلُونَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ، أيْ سَيُدْخِلُهم مَلائِكَةُ العَذابِ جَهَنَّمَ.

40:61Page 474

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١

It is Allāh who made for you the night that you may rest therein and the day giving sight.1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَلالَةِ بَدَلًا مِن رَبِّكم في (﴿وقالَ رَبُّكُمُ﴾ [غافر: ٦٠]) أتْبَعَ رَبَّكم بِالِاسْمِ العَلَمِ لِيُقْضى بِذَلِكَ حَقّانِ: حَقُّ اسْتِحْقاقِهِ أنْ يُطاعَ بِمُقْتَضى الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وحَقُّ اسْتِحْقاقِهِ الطّاعَةَ لِصِفاتِ كَمالِهِ الَّتِي يَجْمَعُها اسْمُ الذّاتِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ مَعَ وصْفِ الرَّبِّ المُتَقَدِّمِ بِشَيْءٍ مِن ذِكْرِ نِعَمِهِ ولا كَمالاتِهِ اجْتِزاءً بِمُقْتَضى حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وذَكَرَ مَعَ الِاسْمِ العَلَمِ بَعْضَ إنْعامِهِ وإفْضالِهِ ثُمَّ وصَفَ الِاسْمَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إشارَةً إلى بَعْضِ صِفاتِهِ، وإيماءً إلى وجْهِ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَقْوِيَةِ الأمْرِ بِدُعائِهِ.

صفحة ١٨٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً والمَوْصُولُ صِفَةً لَهُ ويَكُونَ الخَبَرُ قَوْلَهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] ويَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ مُعْتَرِضَةً، أوْ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً والمَوْصُولُ خَبَرًا.

واعْتِبارُ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً أحْسَنُ مِنِ اعْتِبارِ اسْمِ الجَلالَةِ بَدَلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالتَّوْقِيفِ عَلى سُوءِ شُكْرِهِمْ، وبِمَقامِ تَعْدادِ الدَّلائِلِ وأسْعَدُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافر: ٦٤]، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أيْ تَسَبَّبُوا لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ العِقابِ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إذْ جَعَلَ لَهُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ.

وعَلى هَذِهِ الِاعْتِباراتِ كُلِّها فَقَدْ سَجَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النّاسِ تَقْسِيمَهم إلى: شاكِرِ نِعْمَةٍ، وكَفُورِها، كَما سَجَّلَتْ عَلَيْهِمُ الآيَةُ السّابِقَةُ تَقْسِيمَهم إلى: مُؤْمِنٍ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وكافِرٍ بِها.

وهَذِهِ الآيَةُ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ كَما اقْتَضاهُ لامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ لَكم واقْتَضاهُ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .

وأُدْمِجَ في التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ اسْتِدْلالٌ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ بِالخَلْقِ، والتَّدْبِيرِ الَّذِي هو مُلازِمٌ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ.

وابْتُدِئَ الِاسْتِدْلالُ بِدَلائِلِ الأكْوانِ العُلْوِيَّةِ وآثارِها الواصِلَةِ إلى الأكْوانِ السُّفْلِيَّةِ، وهي مَظْهَرُ النِّعْمَةِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فَهُما تَكْوِينانِ عَظِيمانِ دالّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ مُكَوِّنِهِما ومُنَظِّمِهِما وجاعِلِهِما مُتَعاقِبَيْنِ، فَنِيطَتْ بِهِما أكْثَرُ مَصالِحِ هَذا العالَمِ ومَصالِحِ أهْلِهِ، فَمِن مَصالِحِ العالَمِ حُصُولُ التَّعادُلِ بَيْنَ الضِّياءِ والظُّلْمَةِ، والحَرارَةِ والبُرُودَةِ لِتَكُونَ الأرْضُ لائِقَةً بِمَصالِحِ مَن عَلَيْها فَتُنْبِتُ الكَلَأ وتُنْضِجُ الثِّمارَ، ومِن مَصالِحِ سُكّانِ العالَمِ سُكُونُ الإنْسانِ والحَيَوانِ في اللَّيْلِ لِاسْتِرْدادِ النَّشاطِ العَصَبِيِّ الَّذِي يُعْيِيهِ عَمَلُ الحَواسِّ والجَسَدِ في النَّهارِ، فَيَعُودُ النَّشاطُ إلى المَجْمُوعِ العَصَبِيِّ في الجَسَدِ كُلِّهِ وإلى الحَواسِّ، ولَوْلا ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لَكانَ النَّوْمُ غَيْرَ

صفحة ١٨٥

كامِلٍ فَكانَ عَوْدُ النَّشاطِ بَطِيئًا وواهِنًا ولَعادَ عَلى القُوَّةِ العَصَبِيَّةِ بِالِانْحِطاطِ والِاضْمِحْلالِ في أقْرَبِ وقْتٍ فَلَمْ يَتَمَتَّعِ الإنْسانُ بِعُمُرٍ طَوِيلٍ.

ومِنها انْتِشارُ النّاسِ والحَيَوانِ في النَّهارِ وتَبَيُّنُ الذَّواتِ بِالضِّياءِ، وبِذَلِكَ تَتِمُّ المَساعِي لِلنّاسِ في أعْمالِهِمُ الَّتِي بِها انْتِظامُ أمْرِ المُجْتَمَعِ مِنَ المُدُنِ والبَوادِي، والحَضَرِ والسَّفَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وكادِحٌ لِلْعَمَلِ والِاكْتِسابِ، فَحاجَتُهُ لِلضِّياءِ ضَرُورِيَّةٌ ولَوْلا الضِّياءُ لَكانَتْ تَصَرُّفاتُ النّاسِ مُضْطَرِبَةً مُخْتَبِطَةً.

ولِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْصارِ النّاسِ في الضِّياءِ وكَثْرَةِ الفَوائِدِ الحاصِلَةِ لَهم مِن ذَلِكَ أسْنَدَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِقُوَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ الأفْعالِ وزَمانِها، فَأسْنَدَ إبْصارَ النّاسِ إلى نَفْسِ النَّهارِ لِأنَّهُ سَبَبُ بَعْضِهِ وسَبَبُ كَمالِ بَعْضٍ آخَرَ.

فَأمّا نِعْمَةُ السُّكُونِ في اللَّيْلِ فَهي نِعْمَةٌ واحِدَةٌ هي رُجُوعُ النَّشاطِ.

وفِي ذِكْرِ اللَّيْلِ تَذْكِيرٌ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الشَّمْسُ الَّتِي يَنْشَأُ اللَّيْلُ مِنِ احْتِجابِ أشِعَّتِها عَنْ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ ويَنْشَأُ النَّهارُ مِنِ انْتِشارِ شُعاعِها عَلى النِّصْفِ المُقابِلِ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الِامْتِنانَ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ دُونَ الشَّمْسِ، وقَدْ ذُكِرَتِ الشَّمْسُ في آياتٍ أُخْرى كانَ الغَرَضُ الأهَمُّ مِنها الدَّلالَةَ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والوَحْدانِيَّةِ كَقَوْلِهِ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] .

ودَلَّتْ مُقابَلَةُ تَعْلِيلِ إيجادِ اللَّيْلِ بِعِلَّةِ سُكُونِ النّاسِ فِيهِ، بِإسْنادِ الإبْصارِ إلى ذاتِ النَّهارِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ وإنَّما المُبْصِرُونَ النّاسُ في النَّهارِ، عَلى احْتِباكٍ إذْ يُفْهَمُ مِن كِلَيْهِما أنَّ اللَّيْلَ ساكِنٌ أيْضًا، وأنَّ النَّهارَ خُلِقَ لِيُبْصِرَ النّاسُ فِيهِ إذِ المِنَّةُ بِهِما سَواءٌ، فَهَذا مِن بَدِيعِ الإيجازِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَفَنُّنِ أُسْلُوبَيِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ العَقْلِيِّ. ولَمْ يُعْكَسْ فَيُقَلْ: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، لِئَلّا تَفُوتَ صَراحَةُ المُرادِ مِنَ السُّكُونِ كَيْلا يُتَوَهَّمَ أنَّ سُكُونَ اللَّيْلِ هو شِدَّةُ الظَّلامِ فِيهِ كَما يُقالُ: لَيْلٌ ساجٍ، لِقِلَّةِ الأصْواتِ فِيهِ.

صفحة ١٨٦

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وفي مَواضِعَ أُخْرى.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ اعْتِراضٌ هو كالتَّذْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لِأنَّ الفَضْلَ يَشْمَلُ جَعْلَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ، ولِأنَّ النّاسَ يَعُمُّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ (جَعَلَ لَكم) وغَيْرَهم مِنَ النّاسِ.

وتَنْكِيرُ فَضْلٍ لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَظِيمَةٌ جَلِيلَةٌ ولِذَلِكَ قالَ لَذُو فَضْلٍ ولَمْ يَقُلْ: لَمُتَفَضِّلٌ، ولا لَمُفَضَّلٌ، فَعُدِلَ إلى إضافَةِ ذُو إلى فَضْلٍ لِتَأتِّي التَّنْكِيرِ المُشْعِرِ بِالتَّعْظِيمِ.

وعُدِلَ عَنْ نَحْوِ: لَهُ فَضْلٌ، إلى لَذُو فَضْلٍ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذُو مِن شَرَفِ ما يُضافُ هو إلَيْهِ.

والِاسْتِدْراكُ بِـ لَكِنَّ ناشِئٌ عَنْ لازِمِ ذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ يَشْكُرَ النّاسُ رَبَّهم عَلى فَضْلِهِ فَكانَ أكْثَرُهم كافِرًا بِنِعَمِهِ، وأيُّ كُفْرٍ لِلنِّعْمَةِ أعْظَمُ مِن أنْ يَتْرُكُوا عِبادَةَ خالِقِهِمُ المُتَفَضِّلِ عَلَيْهِمْ ويَعْبُدُوا ما لا يَمْلِكُ لَهم نَفْعًا ولا ضَرًّا.

وخَرَجَ بِـ أكْثَرَ النّاسِ الأقَلُّ وهُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم أقَلُّ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] .

والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِيَتَكَرَّرَ لَفْظُ النّاسِ عِنْدَ ذِكْرِ عَدَمِ الشُّكْرِ كَما ذُكِرَ عِنْدَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ فَيُسَجِّلُ عَلَيْهِمُ الكُفْرانَ بِوَجْهٍ أصْرَحَ.

وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ وجْهَ اخْتِلافِ المَنفِيّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، فَقَدْ أتْبَعَ كُلَّ غَرَضٍ أُرِيدَ إثْباتُهُ بِما يُناسِبُ حالَ مُنْكِرِيهِ.

40:62Page 474

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٦٢

That is Allāh, your Lord, Creator of all things; there is no deity except Him, so how are you deluded?

صفحة ١٨٧

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ .

اتَّصَلَ الكَلامُ عَلى دَلائِلِ التَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] اتِّصالَ الأدِلَّةِ بِالمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ.

والإشارَةُ بِـ ذَلِكم إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١]، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّهُ تَعالى مَعْلُومٌ مُتَمَيِّزٌ بِأفْعالِهِ المُنْفَرِدِ بِها بِحَيْثُ إذا ذُكِرَتْ أفْعالُهُ تَمَيَّزَ عَمّا سِواهُ فَصارَ كالمُشاهَدِ المُشارِ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَلْتَبِسُ إلَهِيَّتُهُ بِإلَهِيَّةٍ مَزْعُومَةٍ لِلْأصْنامِ فَلَيْسَتْ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ شُبْهَةٌ تُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ ما لا يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ، أيْ ذَلِكم رَبُّكم لا غَيْرُهُ وفي اسْمِ الإشارَةِ هَذا تَعْرِيضٌ بِغَباوَةِ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ التَبَسَتْ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةُ إلَهِيَّتِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، ابْتُدِئَ فِيها بِالِاسْمِ الجامِعِ لِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ إجْمالًا، وأرْدَفَ بِـ (رَبُّكم) أيِ الَّذِي دَبَّرَ خَلْقَ النّاسِ وهَيَّأ لَهم ما بِهِ قِوامُ حَياتِهِمْ. ولَمّا كانَ في مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ مِن مَعْنى الخَلْقِ ما هو خَلْقٌ خاصٌّ بِالبَشَرِ بِأنَّهُ خالِقُ الأشْياءِ كُلِّها كَما خَلَقَهم، وأرْدَفَ بِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ فَجاءَتْ مَضامِينُ هَذِهِ الأخْبارِ الأرْبَعَةِ مُتَرَتِّبَةً بِطَرِيقَةِ التَّرَقِّي، وكانَ رابِعُها نَتِيجَةً لَها، ثُمَّ فُرِّعَ عَلَيْها اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ مِنِ انْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِ إلى جانِبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ مَعَ وُضُوحِ فَسادِ إعْراضِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِ.

وأنّى اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وأصْلُهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ فَإذا جَعَلُوا الحالَةَ في مَعْنى الجانِبِ ومَثارِ الشَّيْءِ اسْتَفْهَمُوا بِـ أنّى عَنِ الحالَةِ ويُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وتُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُونَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] في سُورَةِ بَراءَةَ، وبِناؤُهُ لِلْمَجْهُولِ لِإجْمالٍ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ إذْ سَيُبَيَّنُ بِحاصِلِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском