Ibn 'AshurGhafir · 40:68–77

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:68–77

40:68Page 475

هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨

He it is who gives life and causes death; and when He decrees a matter, He but says to it, "Be," and it is.

﴿هو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ خامِسٌ ومُناسَبَةُ مَوْقِعِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] إلى ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] فَإنَّ مِن أوَّلِ ما يُرْجى أنْ يَعْقِلُوهُ هو ذَلِكَ التَّصَرُّفُ البَدِيعُ بِخَلْقِ الحَياةِ في الإنْسانِ عِنْدَ تَكْوِينِهِ بَعْدَ أنْ كانَ جُثَّةً لا حَياةَ فِيها، وخَلْقِ المَوْتِ فِيهِ عِنْدَ انْتِهاءِ أجَلِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَيًّا مُتَصَرِّفًا بِقُوَّتِهِ وتَدْبِيرِهِ.

فَمَعْنى يُحْيِي يُوجِدُ المَخْلُوقَ حَيًّا. ومَعْنى يُمِيتُ أنَّهُ يُعْدِمُ الحَياةَ عَنِ الَّذِي كانَ حَيًّا، وهَذا هو مَحَلُّ العِبْرَةِ.

وأمّا إمْكانُ الإحْياءِ بَعْدَ الإماتَةِ فَمَدْلُولٌ بِدَلالَةِ قِياسِ التَّمْثِيلِ العَقْلِيِّ ولَيْسَ هو صَرِيحَ الآيَةِ. والمَقْصُودُ: الِامْتِنانُ بِالحَياةِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] .

وفِي قَوْلِهِ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [الدخان: ٨] المُحَسِّنُ البَدِيعِيُّ المُسَمّى الطِّباقَ.

وفُرِّعَ عَلى هَذا الخَبَرِ إخْبارٌ بِأنَّهُ إذا أرادَ أمْرًا مِن أُمُورِ التَّكْوِينِ مِن إحْياءٍ أوْ إماتَةٍ أوْ غَيْرِهِما فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى فِعْلِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ ولا مُعالَجَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِالمَقْدُورِ وذَلِكَ التَّعَلُّقُ هو تَوْجِيهُ قُدْرَتِهِ لِلْإيجادِ أوِ الإعْدامِ. فالفاءُ مِن قَوْلِهِ فَإذا قَضى فاءُ تَفْرِيعِ الإخْبارِ بِما بَعْدَها عَلى الإخْبارِ بِما قَبْلَها.

وقَوْلُ كُنْ تَمْثِيلٌ لِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ بِلا تَأْخِيرٍ ولا عُدَّةٍ ولا مُعاناةٍ وعِلاجٍ بِحالِ مَن يُرِيدُ إذْنَ غَيْرِهِ بِعَمَلٍ فَلا يَزِيدُ عَلى أنْ يُوَجِّهَ إلَيْهِ أمْرًا فَإنَّ صُدُورَ القَوْلِ

صفحة ٢٠٠

عَنِ القائِلِ أسْرَعُ أعْمالِ الإنْسانِ وأيْسَرُ وقَدِ اخْتِيرَ لِتَقْرِيبِ ذَلِكَ أخْصَرُ فِعْلٍ وهو كُنِ المُرَكَّبُ مِن حَرْفَيْنِ مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ.

40:69–72Page 475

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ ٦٩

Do you not consider those who dispute concerning the signs of Allāh - how are they averted?

ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٧٠

Those who deny the Book [i.e., the Qur’ān] and that with which We sent Our messengers - they are going to know,

إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١

When the shackles are around their necks and the chains; they will be dragged

فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢

In boiling water; then in the Fire they will be filled [with flame].

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ .

بُنِيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى إبْطالِ جَدَلِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ جِدالَ التَّكْذِيبِ والتَّوَرُّكِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ إذْ كانَ مِن أوَّلِها قَوْلُهُ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وتَكَرَّرَ ذَلِكَ خَمْسَ مَرّاتٍ فِيها، فَنَبَّهَ عَلى إبْطالِ جِدالِهِمْ في مُناسَباتِ الإبْطالِ كُلِّها إذِ ابْتُدِئَ بِإبْطالِهِ عَلى الإجْمالِ عَقِبَ الآياتِ الثَّلاثِ مِن أوَّلِها بِقَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ بِإبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥]، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ .

وذَلِكَ كُلُّهُ إيماءٌ إلى أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ هو ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ فَلِذَلِكَ أعْقَبَ كُلَّ طَرِيقَةٍ مِن طَرائِقِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِالإنْحاءِ عَلى جِدالِهِمْ في آياتِ اللَّهِ، فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ وهو مَنفِيٌّ لَفْظًا، والمُرادُ بِهِ: التَّقْرِيرُ عَلى الإثْباتِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُها مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْجِيبِ مِثْلَ قَوْلِهِ

صفحة ٢٠١

﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] أيْ أرَأيْتَ عَجِيبَ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ بِصارِفٍ غَيْرِ بَيِّنٍ مَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ بُنِيَ فِعْلُ يُصْرَفُونَ لِلنّائِبِ لِأنَّ سَبَبَ صَرْفِهِمْ عَنِ الآياتِ لَيْسَ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنّى بِمَعْنى أيْنَ، أيْ ألا تَعْجَبُ مِن أيْنَ يَصْرِفُهم صارِفٌ عَنِ الإيمانِ حَتّى جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مَعَ أنَّ شُبَهَ انْصِرافِهِمْ عَنِ الإيمانِ مُنْتَفِيَةٌ بِما تَكَرَّرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وأنْفُسِهِمْ وبِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ الَّذِينَ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مِمَّنْ سَبَقَهم، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَعَجِّبُ مِن فِعْلِ أحَدٍ أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ.

وبِناءُ فِعْلِ يُصْرَفُونَ لِلْمَجْهُولِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الصّارِفِ الَّذِي يَصْرِفُهم وهو غَيْرُ كائِنٍ في مَكانٍ غَيْرِ نُفُوسِهِمْ.

وأبْدَلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ لِأنَّ صِلَتَيِ المَوْصُولَيْنِ صادِقَتانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتَّكْذِيبُ هو ماصَدَقَ الجِدالِ، والكِتابُ: القُرْآنُ.

وعَطْفُ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِ العَطْفِ مُقْتَضِيًا المُغايَرَةَ، فَيَكُونُ المُرادُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ تَكْذِيبُهم ما أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ مُرادًا بِهِ تَكْذِيبُهم جَمِيعَ الأدْيانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أُنْزِلَ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ فَلَعَلَّهم لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِإثْباتِ البَعْثِ سَألُوا عَنْهُ أهْلَ الكِتابِ فَأثْبَتُوهُ فَأنْكَرَ المُشْرِكُونَ جَمِيعَ الشَّرائِعِ لِذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُرادِفٍ فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ، والمُرادُ بِـ رُسُلَنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] يَعْنِي الرَّسُولَ نُوحًا عَلى أنَّ في العَطْفِ فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهي أنَّ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مَواعِظَ وإرْشادًا كَثِيرًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ.

وتَفَرَّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وعِيدُهم بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقِيلَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾،

صفحة ٢٠٢

أيْ سَوْفَ يَجِدُونَ العَذابَ الَّذِي كانُوا يُجادِلُونَ فِيهِ فَيَعْلَمُونَهُ. وعَبَّرَ عَنْ وِجْدانِهِمُ العَذابَ بِالعِلْمِ بِهِ بِمُناسَبَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى جَهْلِهِمْ بِالبَعْثِ وتَظاهُرِهِمْ بَعْدَ فَهْمِ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ فَأُنْذِرُوا بِأنَّ ما جَهِلُوهُ سَيَتَحَقَّقُونَهُ يَوْمَئِذٍ كَقَوْلِ النّاسِ: سَتَعْرِفُ مِنهُ ما تَجْهَلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ البَصِيرُ:

فَتَذُمُّ رَأْيَكَ في الَّذِينَ خَصَصْتَهم دُونِي وتَعْرِفُ مِنهم ما تَجْهَلُ

وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ كَذَّبُوا بِالكِتابِ عَلَيْهِ، أيْ يَتَحَقَّقُونَ ما كَذَّبُوا بِهِ.

والظَّرْفُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَعْلَمُونَ) أيْ يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ. وشَأْنُ إذْ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلزَّمَنِ الماضِي واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ سَوْفَ فَهو إمّا اسْتِعْمالُ المَجازِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وإمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ الوُقُوعِ تَشْبِيهًا بِالزَّمَنِ الماضِي وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ. ومِنهُ اقْتِرانُها بِـ (يَوْمَ) في نَحْوِ قَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها، وقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وأوَّلُ ما يَعْلَمُونَهُ حِينَ تَكُونُ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ وُقُوعَ البَعْثِ.

والأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ، بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلَقَةٌ مِن قِدٍّ أوْ حَدِيدٍ تُحِيطُ بِالعُنُقِ تُناطُ بِها سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، أوْ سَيْرٌ مِن قِدٍّ يُمْسَكُ بِها المُجْرِمُ والأسِيرُ.

والسَّلاسِلُ: جَمْعُ سِلْسِلَةٍ بِكَسْرِ السِّينَيْنِ وهي مَجْمُوعُ حِلَقٍ غَلِيظَةٍ مِن حَدِيدٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ.

ومِنَ المَسائِلِ ما رَأيْتُهُ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ كانَ يَوْمًا في دَرْسِهِ في التَّفْسِيرِ سُئِلَ: هَلْ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ سَنَدًا لِما يَفْعَلُهُ أُمَراءُ المَغْرِبِ - أصْلَحَهُمُ اللَّهُ - مَن وضْعِ الجُناةِ بِالأغْلالِ والسَّلاسِلِ جَرْيًا عَلى حُكْمِ القِياسِ عَلى فِعْلِ اللَّهِ في العُقُوباتِ كَما اسْتَنْبَطُوا بَعْضَ صُوَرِ عِقابٍ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، أوِ الإلْقاءِ مِن شاهِقٍ. فَأجابَ بِالمَنعِ لِأنَّ وضْعَ الغُلِّ في العُنُقِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ وإنَّما يُوثَقُ الجانِي مِن يَدِهِ، قالَ: لِأنَّهم إنَّما قاسُوا عَلى فِعْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا يُقاسُ عَلى

صفحة ٢٠٣

تَصَرُّفِهِ في الآخِرَةِ «لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الإحْراقِ بِالنّارِ، وقَوْلِهِ إنَّما يُعَذِّبُ بِها رَبُّ العِزَّةِ» .

وجُمْلَةُ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ أعْناقِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِ يَعْلَمُونَ.

والسَّحْبُ: الجَرُّ، وهو يَجْمَعُ بَيْنَ الإيلامِ والإهانَةِ. والحَمِيمُ: أشَدُّ الحَرِّ.

و(ثُمَّ) عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ، وشَأْنُ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وذَلِكَ أنَّ احْتِراقَهم بِالنّارِ أشَدُّ في تَعْذِيبِهِمْ مِن سَحْبِهِمْ عَلى النّارِ، فَهو ارْتِقاءٌ في وصْفِ التَّعْذِيبِ الَّذِي أُجْمِلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ والسَّجْرُ بِالنّارِ حاصِلٌ عَقِبَ السَّحْبِ سَواءٌ كانَ بِتَراخٍ أمْ بِدُونِهِ.

والسَّجْرُ: مَلْءُ التَّنُّورِ بِالوَقُودِ لِتَقْوِيَةِ النّارِ فِيهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ يُسْجَرُونَ إلى ضَمِيرِهِمْ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ الَّذِي يُسْجَرُ هو مَكانُهم مِن جَهَنَّمَ، فَأُرِيدَ بِإسْنادِ المَسْجُورِ إلَيْهِمُ المُبالَغَةُ في تَعَلُّقِ السَّجْرِ بِهِمْ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِمْ بِالتَّنُّورِ في اسْتِقْرارِ النّارِ بِباطِنِهِمْ كَما قالَ تَعالى يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ.

40:73–76Page 475

ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٧٣

Then it will be said to them, "Where is that which you used to associate [with Him in worship]

مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤

Other than Allāh?" They will say, "They have departed from us; rather, we did not used to invoke previously anything." Thus does Allāh put astray the disbelievers.

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ ٧٥

[The angels will say], "That was because you used to exult upon the earth without right and you used to behave insolently.

ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٦

Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ .

ثُمَّ هَذِهِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا مَحالَةَ لِأنَّ هَذا القَوْلَ يُقالُ لَهم قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، بِدَلِيلِ أنَّ مِمّا وقَعَ في آخِرِ القَوْلِ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، ودُخُولُ أبْوابِ جَهَنَّمَ قَبْلَ السَّحْبِ في حَمِيمِها والسَّجْرِ في نارِها. وهَذا القِيلُ ارْتِقاءٌ في تَقْرِيعِهِمْ

صفحة ٢٠٤

وإعْلانُ خَطَلِ آرائِهِمْ بَيْنَ أهْلِ المَحْشَرِ وهو أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن ألَمِ الجِسْمِ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةٌ لِتَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ لِاشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ سَبَبِ العَذابِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وازْدِهائِهِمْ في الأرْضِ بِكُفْرِهِمْ ومَرَحِهِمْ، وهو أيْضًا ارْتِقاءٌ في وصْفِ أحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَكالِهِمْ إذِ ارْتَقى مِن صِفَةِ جَزائِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ وهو شَيْءٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ تَرَتُّبُهُ عَلى الشِّرْكِ إلى وصْفِ تَحْقِيرِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها وذَلِكَ غَرِيبٌ مِن أحْوالِهِمْ وأشَدُّ دَلالَةً عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ وهو المَقْصِدُ المُهِمُّ مِنَ القَوارِعِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ المَعْطُوفِ بِـ ثُمَّ هُنا كَمَوْقِعِ المَعْطُوفِ بِها في قَوْلِ أبِي نُواسٍ:

قُلْ إنْ سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ قَبْلَهُ ثُمَّ سادَ مِن قَبْلُ جَدُّهُ

مِن حَيْثُ كانَتْ سِيادَةُ جَدِّهِ أرْسَخَتْ لَهُ سِيادَةَ أبِيهِ وأعْقَبَتْ سِيادَةَ نَفْسِهِ، وهَذا اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ.

وصِيغَ قِيلَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ فَكَأنَّهُ وقَعَ ومَضى وكَذَلِكَ فِعْلُ قالُوا ضَلُّوا.

والقائِلُ لَهم: ناطِقٌ بِإذْنِ اللَّهِ. وأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ المَجْهُولِ المَكانِ، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الغَلَطِ والفَضِيحَةِ في المَوْقِفِ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيَكُونُوا شُفَعاءَ لَهم مِن غَضَبِ اللَّهِ فَلَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعاءَ ذُكِّرُوا بِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فابْتَدَرُوا بِالجَوابِ قَبْلَ انْتِهاءِ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهم، ومَعْنى ضَلُّوا غابُوا كَقَوْلِهِ ”﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ أيْ غُيِّبْنا في التُّرابِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهم فَعَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تُفِيدُهم. فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا، وقالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ نَكُنْ في الدُّنْيا نَدْعُو شَيْئًا يُغْنِي عَنّا، فَنَفْيُ دُعاءِ شَيْءٍ هُنا راجِعٌ إلى نَفْيِ دُعاءِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، إنْ كُنْتَ خَبَرْتَهُ فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ خَيْرًا. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ

صفحة ٢٠٥

لَيْسُوا بِشَيْءٍ» أيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ فِيما يَقْصِدُهُمُ النّاسُ لِأجْلِهِ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:

وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْراءٍ ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ العُقُودِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا عَبَدُوا شَيْئًا لِمُنافاتِهِ لِقَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا المُقْتَضِي الِاعْتِرافَ الضِّمْنِيَّ بِعِبادَتِهِمْ.

وفَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنَّهُ إنْكارٌ لِعِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ الِاعْتِرافِ بِها لِاضْطِرابِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ المَوْقِفِ مَقالانِ، وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ أنْ يُحْشَرُوا في النّارِ هم وأصْنامُهم فَإنَّهم يَكُونُونَ مُتَماثِلِينَ حِينَئِذٍ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] .

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ لَهم. ومَعْنى الإشارَةِ تَعْجِيبٌ مِن ضَلالِهِمْ، أيْ مِثْلُ ضَلالِهِمْ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ: عُمُومُ الكافِرِينَ، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ.

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ تَشْبِيهَ إضْلالِ جَمِيعِ الكافِرِينَ بِإضْلالِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلًا، أيْ مِثْلُ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ يُضِلُّ اللَّهُ جَمِيعَ الكافِرِينَ، فَيَكُونُ إضْلالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ مُشَبَّهًا بِهِ إضْلالُ الكافِرِينَ كُلِّهِمْ، والتَّشْبِيهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بَلَغَ قُوَّةَ نَوْعِهِ بِحَيْثُ يُنَظَّرُ بِهِ كُلُّ ما خَفِيَ مِن أصْنافِ الضَّلالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ في آياتِ اللَّهِ أشَدَّ الكُفْرِ.

والتَّشْبِيهُ جارٍ عَلى أصْلِهِ وهو إلْحاقُ ناقِصٍ بِكامِلٍ في وصْفٍ ولا يَكُونُ مِن قَبِيلِ

صفحة ٢٠٦

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ولا هو نَظِيرُ قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] .

وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَكْمِلَةُ القِيلِ الَّذِي يُقالُ لَهم حِينَ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ. والإشارَةُ إلى ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ.

وما في المَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ ذَلِكم مُسَبَّبٌ عَلى فَرَحِكم ومَرَحِكُمُ اللَّذَيْنِ كانا لَكم في الدُّنْيا، والأرْضُ: مُطْلَقَةٌ عَلى الدُّنْيا.

والفَرَحُ: المَسَرَّةُ ورِضى الإنْسانِ عَلى أحْوالِهِ، فَهو انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ. والمَرَحُ ما يَظْهَرُ عَلى الفارِحِ مِنَ الحَرَكاتِ في مَشْيِهِ ونَظَرِهِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ النّاسِ وكَلامِهِ وتَكَبُّرِهِ فَهو هَيْئَةٌ ظاهِرِيَّةٌ.

وبِغَيْرِ الحَقِّ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن (تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ) أيْ تَفْرَحُونَ بِما يَسُرُّكم مِنَ الباطِلِ وتَزْدَهُونَ بِالباطِلِ، فَمِن آثارِ فَرَحِهِمْ بِالباطِلِ تَطاوُلُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ المَرَحِ بِالباطِلِ اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى و﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] . فالفَرَحُ كُلَّما جاءَ مَنهِيًّا عَنْهُ في القُرْآنِ فالمُرادُ بِهِ هَذا الصِّنْفُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لا كُلَّ فَرِحٍ فَإنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالفَرَحِ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] .

وبَيْنَ تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ.

وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ وأيْقَنُوا بِانْتِفاءِ الشَّفِيعِ تَرَقَّبُوا ماذا سَيُؤْمَرُ بِهِ في حَقِّهِمْ فَقِيلَ لَهُمُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الإشارَةِ العَذابُ المُشاهَدُ لَهم وهو يَشْتَمِلُ عَلى إدْخالِهِمْ أبْوابَ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها.

ودُخُولُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنِ الكَوْنِ في جَهَنَّمَ لِأنَّ الأبْوابَ إنَّما جُعِلَتْ لِيُسْلَكَ مِنها إلى البَيْتِ ونَحْوِهِ.

صفحة ٢٠٧

وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدَّرًا خُلُودُكم.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ جَهَنَّمَ أيْ فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ جَهَنَّمُ، ولَمْ يَتَّصِلْ فِعْلُ بِئْسَ بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فاعِلَهُ في الظّاهِرِ هو مَثْوى لِأنَّ العِبْرَةَ بِإسْنادِ فِعْلِ الذَّمِّ والمَدْحِ إلى الِاسْمِ المَذْكُورِ بَعْدَهُما، وأمّا اسْمُ المَخْصُوصِ فَهو بِمَنزِلَةِ البَيانِ بَعْدَ الإجْمالِ فَهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولِذَلِكَ عُدَّ بابُ نِعْمَ وبِئْسَ مِن طُرُقِ الإطْنابِ.

والمَثْوى: مَحَلُّ الثَّواءِ، والثَّواءِ: الإقامَةُ الدّائِمَةُ، وأُوثِرَ لَفْظُ مَثْوى دُونَ (مُدْخَلٍ) المُناسِبِ لِـ (ادْخُلُوا) لِأنَّ المَثْوى أدَلُّ عَلى الخُلُودِ فَهو أوْلى بِمَساءَتِهِمْ.

والمُرادُ بِالمُتَكَبِّرِينَ: المُخاطَبُونَ ابْتِداءً؛ لِأنَّهم جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ عَنْ كِبْرٍ في صُدُورِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] ولِأنَّ تَكَبُّرَهم مِن فَرَحِهِمْ.

وإنَّما عُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو المُتَكَبِّرِينَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِمْ في النّارِ تَكَبُّرَهم عَلى الرُّسُلِ. ولِيَكُونَ لِكُلِّ مَوْصُوفٍ بِالكِبْرِ حَظٌّ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِقابِ إذا لَمْ يَتُبْ ولَمْ تَغْلُبْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ إنْ كانَ مِن أهْلِ الإيمانِ.

40:77Page 475

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٧٧

So be patient, [O Muḥammad]; indeed, the promise of Allāh is truth. And whether We show you some of what We have promised them or We take you in death, it is to Us they will be returned.

﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ .

قَدْ كانَ فِيما سَبَقَ مِنَ السُّورَةِ ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما تَلَقّاهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الإساءَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى الإعْراضِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٢١]، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] ثُمَّ

صفحة ٢٠٨

قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] الآيَةَ، فَفَرَّعَ هُنا عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ وما تَخَلَّلَهُ مِن تَصْرِيحٍ وتَعْرِيضٍ أنَّ أمْرَ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يُلاقِيهِ مِنهم، وهَذا كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، وذَلِكَ أنَّ نَظِيرَهُ المُتَقَدِّمَ ورَدَ بَعْدَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] الآيَةَ، فَلَمّا تَمَّ الكَلامُ عَلى ما أخَذَ اللَّهُ بِهِ المُكَذِّبِينَ مِن عَذابِ الدُّنْيا انْتَقَلَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ ما يَلْقَوْنَهُ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] إذِ ﴿الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] الآياتِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عَوْدًا إلى بَدْءٍ إذِ الأمْرُ بِالصَّبْرِ مُفَرَّعٌ عَلى ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر: ٥] الآياتِ، ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨] ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [غافر: ٢١] وما بَعْدَهُ، فَلَمّا حَصَلَ الوَعْدُ بِالِانْتِصافِ مِن مُكَذِّبِي النَّبِيءِ ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ فَإنَّ مُناسَبَةَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَقِبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا بِالِانْتِصارِ لَهُ ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ الشَّرْطُ المُرَدَّدُ بَيْنَ أنْ يُرِيَهُ بَعْضَ ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ وبَيْنَ أنْ لا يَراهُ، فَإنَّ جَوابَ الشَّرْطِ حاصِلٌ عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ وهو مَضْمُونُ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ أنَّهم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِنَ العِقابِ، فَلا شَكَّ أنَّ أحَدَ التَّرْدِيدَيْنِ هو أنْ يَرى النَّبِيءُ ﷺ عَذابَهم في الدُّنْيا.

ولِهَذا كانَ لِلتَّأْكِيدِ بِـ إنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥] مَوْقِعُهُ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ كَما قالَ تَعالى ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فِيهِ فَأُكِّدَ وعْدُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ يُرْجَعُونَ لِإفادَتِهِ التَّجَدُّدَ فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ في الدُّنْيا.

وقَوْلُهُ ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ شَرْطٌ، اقْتَرَنَ حَرْفُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ بِحَرْفِ ما

صفحة ٢٠٩

الزّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ ولِذَلِكَ لَحِقَتْ نُونُ التَّوْكِيدِ بِفِعْلِ الشَّرْطِ. وعُطِفَ عَلَيْهِ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ وهو فِعْلُ شَرْطٍ ثانٍ.

وجُمْلَةُ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ جَوابٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ الثّانِي؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ جَوابٌ لَهُ. وأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ الأوَّلُ فَجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وتَقْدِيرُ جَوابِهِ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ فَذاكَ، ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾، أيْ فَهم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِمّا نَعِدُهم.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ في سُورَةِ يُونُسَ إلّا أنَّ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦] وفي سُورَةِ غافِرٍ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾، والمُخالَفَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ، ولِأنَّ ما في يُونُسَ اقْتَضى تَهْدِيدَهم بِأنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ، أيْ عَلى ما يَفْعَلُهُ الفَرِيقانِ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] وقَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] فَكانَتِ الفاصِلَةُ حاصِلَةً بِقَوْلِهِ ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، وأمّا هُنا فالفاصِلَةُ مُعاقِبَةٌ لِلشَّرْطِ فاقْتَضَتْ صَوْغَ الرُّجُوعِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُخْتَتَمِ بِواوٍ ونُونٍ، عَلى أنَّ مَرْجِعَهم مُعَرَّفٌ بِالإضافَةِ فَهو مُشْعِرٌ بِالمَرْجِعِ المَعْهُودِ وهو مَرْجِعُهم في الآخِرَةِ بِخِلافِ قَوْلِهِ يُرْجَعُونَ المُشْعِرِ بِرُجُوعٍ مُتَجَدِّدٍ كَما عَلِمْتَ.

والمَعْنى: أنَّهم واقِعُونَ في قَبْضَةِ قُدْرَتِنا في الدُّنْيا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في حَياتِكَ مِثْلَ عَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ بَعْدَ وفاتِكَ مِثْلَ قَتْلِهِمْ يَوْمَ اليَمامَةِ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَذَلِكَ مُقَرَّرٌ لَهم بِطَرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском