Ibn 'AshurFussilat · 41:13–17

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:13–17

41:13Page 478

فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣

But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.

﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [فصلت: ١٤]

بَعْدَ أنْ قَرَعَتْهُمُ الحُجَّةُ الَّتِي لا تَتْرُكُ لِلشَّكِّ مَسْرَبًا إلى النُّفُوسِ بَعْدَها في أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِإيجادِ العَوالِمِ كُلِّها. وكانَ ثُبُوتُ الوَحْدانِيَّةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُزِيلَ الرِّيبَةَ في أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم ما كَفَرُوا بِهِ إلّا لِأجْلِ إعْلانِهِ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا اسْتَبانَ ذَلِكَ كانَ الشَّأْنُ أنْ يَفِيئُوا إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ والإيمانِ بِالقُرْآنِ، وأنْ يُقْلِعُوا عَنْ إعْراضِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] إلَخْ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ اسْتِمْرارُهم عَلى الإعْراضِ بَعْدَ تِلْكَ الحُجَجِ أمْرًا مَفْرُوضًا كَما يُفْرَضُ المُحالُ، فَجِيءَ في جانِبِهِ بِحَرْفِ إنَّ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ أنْ يَقَعَ في المَوْقِعِ الَّذِي لا جَزْمَ فِيهِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنْ) .

فَمَعْنى ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى إعْراضِهِمْ بَعْدَ ما هَدَيْتُهم بِالدَّلائِلِ البَيِّنَةِ وكابَرُوا فِيها، فالفِعْلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاسْتِمْرارِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .

والإنْذارُ: التَّخْوِيفُ، وهو هُنا تَخْوِيفٌ بِتَوَقُّعِ عُقابٍ مِثْلِ عِقابِ الَّذِينَ شابَهُوهم في الإعْراضِ خَشْيَةَ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بِناءً عَلى أنَّ المَعْرُوفَ أنْ تَجْرِيَ أفْعالُ اللَّهِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ، ولَيْسَ هو وعِيدًا لِأنَّ قُرَيْشًا لَمْ تُصِبْهم صاعِقَةٌ مِثْلُ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، وإنْ كانُوا قَدْ ساوَوْهُما في التَّكْذِيبِ والإعْراضِ عَنِ الرُّسُلِ وفي التَّعَلُّلاتِ الَّتِي تَعَلَّلُوا بِها مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، وأمْهَلَ اللَّهُ قُرَيْشًا حَتّى آمَنَ كَثِيرٌ مِنهم واسْتَأْصَلَ كُفّارَهم بِعَذابٍ خاصٍّ.

صفحة ٢٥٣

وحَقِيقَةُ الصّاعِقَةِ: نارٌ تَخْرُجُ مَعَ البَرْقِ تُحْرِقُ ما تُصِيبُهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتُطْلَقُ عَلى الحادِثَةِ المُبِيرَةِ السَّرِيعَةِ الإهْلاكِ، ولَمّا أُضِيفَتْ صاعِقَةٌ هُنا إلى عادٍ وثَمُودَ، وعادٌ لَمْ تُهْلِكْهُمُ الصّاعِقَةُ وإنَّما أهْلَكَهُمُ الرِّيحُ وثَمُودُ أُهْلِكُوا بِالصّاعِقَةِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الصّاعِقَةَ هُنا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، أوْ هو مِن عُمُومِ المُجاوِزِ والمُقْتَضِي لِذَلِكَ عَلى الِاعْتِبارَيْنِ قَصْدَ الإيجازِ، ولِيَقَعَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأمّا عادٌ﴾ [فصلت: ١٥] إلى قَوْلِهِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] .

وإذْ ظَرْفٌ لِلْماضِي، والمَعْنى مِثْلُ صاعِقَتِهِمْ حِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ إلى آخِرِ الآياتِ. رَوى ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ كَلَّمَ النَّبِيءَ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن خِلافِ قَوْمِهِ فَتَلا عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿حم﴾ [فصلت: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] حَتّى بَلَغَ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الآيَةَ، فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فَمِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ لَهُ: ناشَدْتُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ» .

وضَمِيرُ جاءَتْهم عائِدٌ إلى عادٍ وثَمُودَ بِاعْتِبارِ عَدَدِ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنهُما.

وجَمْعُ الرُّسُلِ هُنا مِن بابِ إطْلاقِ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ وهو اسْتِعْمالٌ غَيْرُ عَزِيزٍ، وإنَّما جاءَهم رَسُولانِ هُودٌ وصالِحٌ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت: ١٤] تَمْثِيلٌ لِحِرْصِ رَسُولِ كُلٍّ مِنهم عَلى هُداهم بِحَيْثُ لا يَتْرُكُ وسِيلَةً يُتَوَسَّلُ بِها إلى إبْلاغِهِمُ الدِّينَ إلّا تَوَسَّلَ بِها. فَمُثِّلَ ذَلِكَ بِالمَجِيءِ إلى كُلٍّ مِنهم تارَةً مِن أمامِهِ وتارَةً مِن خَلْفِهِ لا يَتْرُكُ لَهُ جِهَةً، كَما يَفْعَلُ الحَرِيصُ عَلى تَحْصِيلِ أمْرٍ أنْ يَتَطَلَّبَهُ ويُعِيدَ تَطَلُّبَهُ ويَسْتَوْعِبَ مَظانَّ وُجُودِهِ أوْ مَظانَّ سَماعِهِ، وهَذا التَّمْثِيلُ نَظِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الشَّيْطانِ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] .

وإنَّما اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى جِهَتَيْنِ ولَمْ تُسْتَوْعَبِ الجِهاتُ الأرْبَعُ كَما مُثِّلَ حالُ الشَّيْطانِ في وسْوَسَتِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا تَمْثِيلُ الحِرْصِ فَقَطْ وقَدْ حَصَلَ، والمَقْصُودُ

صفحة ٢٥٤

فِي الحِكايَةِ عَنِ الشَّيْطانِ تَمْثِيلُ الحِرْصِ مَعَ التَّلَهُّفِ تَحْذِيرًا مِنهُ وإثارَةً لِبُغْضِهِ في نُفُوسِ النّاسِ.

وأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ [فصلت: ١٤] لِتَضَمُّنِ المَجِيءِ مَعْنى الإبْلاغِ بِقَرِينَةِ كَوْنِ فاعِلِ المَجِيءِ مُتَّصِفًا بِأنَّهم رُسُلٌ، فَتَكُونُ أنْ تَفْسِيرِيَّةً لِـ (جاءَتْهم) بِهَذا التَّأْوِيلِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

إنْ تَحْمِلا حاجَةً لِي خِفٌ مَحْمِلُها تَسْتَوْجِبا مِنَّةً عِنْدِي بِها ويَدًا

أنْ تَقْرَآنِ عَلى أسْماءَ ويْحَكُما ∗∗∗ مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُشْعِرا أحَدًا

إذْ فَسَّرَ الحاجَةَ بِأنْ يَقْرَأ السَّلامَ عَلى أسْماءَ؛ لِأنَّهُ أرادَ بِالحاجَةِ الرِّسالَةَ، وهَذا جَرْيٌ عَلى رَأْيِ الزَّمَخْشَرِيِّ والمُحَقِّقِينَ مِن عَدَمِ اشْتِراطِ تَقَدُّمِ جُمْلَةٍ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ بَلِ الِاكْتِفاءُ بِتَقَدُّمِ ما أُرِيدَ بِهِ مَعْنى القَوْلِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ جُمْلَةً خِلافًا لِما أطالَ بِهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ مِن أبْحاثٍ لا يَرْضاها الأرِيبُ، أوْ لِما يَتَضَمَّنُهُ عُنْوانُ الرُّسُلِ مِن إبْلاغِ رِسالَةٍ.

41:14Page 478

إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤

[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."

﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ .

حِكايَةُ جَوابِ عادٍ وثَمُودَ لِرَسُولَيْهِمْ فَقَدْ كانَ جَوابًا مُتَماثِلًا؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ تَفْكِيرٍ مُتَماثِلٍ وهو أنَّ تَفْكِيرَ الأذْهانِ القاصِرَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْنى عَلى تَصَوُّراتٍ وهْمِيَّةٍ وأقْيِسَةٍ تَخْيِيلِيَّةٍ وسُفِسْطائِيَّةٍ، فَإنَّهم يَتَصَوَّرُونَ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالَهُ عَلى غَيْرِ كُنْهِها ويَقِيسُونَها عَلى أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ يَتَماثَلُ في هَذا حالُ أهْلِ الجَهالَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، أيْ بَلْ هم مُتَماثِلُونَ في الطُّغْيانِ، أيِ الكُفْرِ الشَّدِيدِ فَتُمْلِي عَلَيْهِمْ أوْهامُهم قَضايا مُتَماثِلَةً.

ولِكَوْنِ جَوابِهِمْ جَرى في سِياقِ المُحاوَرَةِ أتَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ بِأُسْلُوبِ المُقاوَلَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]

صفحة ٢٥٥

فَإنَّ قَوْلَ الرُّسُلِ لَهم: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قَدْ حُكِيَ بِفِعْلٍ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى القَوْلِ، وهو فِعْلُ جاءَتْهم كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

فَقَوْلُهم ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ يَتَضَمَّنُ إبْطالَ رِسالَةِ البَشَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ لَوْ شاءَ رَبُّنا أنْ يُرْسِلَ إلَيْنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً مِنَ السَّماءِ مُرْسَلِينَ إلَيْنا، وهَذا حَذْفٌ خاصٌّ هو غَيْرُ حَذْفِ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ الشّائِعِ في الكَلامِ لِأنَّ ذَلِكَ فِيما إذا كانَ المَحْذُوفُ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِجَوابِ لَوْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، ونُكْتَتُهُ الإبْهامُ ثُمَّ البَيانُ، وأمّا الحَذْفُ في الآيَةِ فَهو لِلِاعْتِمادِ عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ والإيجازِ وهو حَذْفٌ عَزِيزٌ لِمَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ المَعَرِّيِّ:

وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَهَكَ يَشْهَدِ

وتَضَمَّنَ كَلامُهم قِياسًا اسْتِثْنائِيًّا تَرْكِيبُهُ: لَوْ شاءَ رَبُّنا أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا لَأرْسَلَ مَلائِكَةً يُنْزِلُهم مِنَ السَّماءِ لَكِنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ إلَيْنا مَلائِكَةً فَهو لَمْ يَشَأْ أنْ يُرْسِلَ إلَيْنا رَسُولًا. وهَذا إيماءٌ إلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ ولِهَذا فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ جاحِدُونَ رِسالَتَكم وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ.

41:15–16Page 478

فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥

As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.

فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦

So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.

﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحْساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ .

بَعْدَ أنْ حَكى عَنْ عادٍ وثَمُودَ ما اشْتَرَكَ فِيهِ الأُمَّتانِ مِنَ المُكابَرَةِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ فَصَّلَ هُنا بَعْضَ ما اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهُما مِن صُورَةِ الكُفْرِ، وذَكَرَ مِن ذَلِكَ ما لَهُ مُناسَبَةٌ لِما حَلَّ بِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهُما مِنَ العَذابِ.

صفحة ٢٥٦

والفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] المُقْتَضِيَةِ أنَّهم رَفَضُوا دَعْوَةَ رَسُولَيْهِمْ ولَمْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُما واسْتِدْلالَهُما.

وأمّا حَرْفُ شَرْطٍ وتَفْصِيلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: فَأمّا عادٌ فَمَنَعَهم مِن قَبُولِ الهُدى اسْتِكْبارُهم.

والِاسْتِكْبارُ المُبالَغَةُ في الكِبْرِ، أيِ التَّعاظُمُ واحْتِقارُ النّاسِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: اسْتَجابَ، والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ لِلْعَهْدِ، أيْ أرْضُهُمُ المَعْهُودَةُ. وإنَّما ذُكِرَ مِن مَساوِيهِمُ الِاسْتِكْبارُ لِأنَّ تَكَبُّرَهم هو الَّذِي صَرَفَهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولِهِمْ وعَنْ تَوَقُّعِ عِقابِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ لِاسْتِكْبارِهِمْ، فَإنَّ الِاسْتِكْبارَ لا يَكُونُ بِحَقٍّ إذْ لا مُبَرِّرَ لِلْكِبْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ جَمِيعَ الأُمُورِ المُغْرِياتِ بِالكِبْرِ مِنَ العِلْمِ والمالِ والسُّلْطانِ والقُوَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ لا تُبْلِغُ الإنْسانَ مَبْلَغَ الخُلُوِّ عَنِ النَّقْصِ ولَيْسَ لِلضَّعِيفِ النّاقِصِ حَقٌّ في الكِبْرِ ولِذَلِكَ كانَ الكِبْرُ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى. وهم قَدِ اغْتَرُّوا بِقُوَّةِ أجْسامِهِمْ وعَزَّةِ أُمَّتِهِمْ وادَّعَوْا أنَّهم لا يَغْلِبُهم أحَدٌ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ (﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾) فَقَوْلُهم ذَلِكَ هو سَبَبُ اسْتِكْبارِهِمْ؛ لِأنَّهُ أوْرَثَهُمُ الِاسْتِخْفافَ بِمَن عَداهم، فَلَمّا جاءَهم هُودٌ بِإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والطُّغْيانِ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اعْتادُوا العُجْبَ بِأنْفُسِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَكَذَّبُوا رَسُولَهم.

فَلَمّا كانَ اغْتِرارُهم بِقُوَّتِهِمْ هو باعِثَهم عَلى الكُفْرِ وكانَ قَوْلُهم (﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾) دَلِيلًا عَلَيْهِ خُصَّ بِالذِّكْرِ.

وإنَّما عُطِفَ بِالواوِ مَعَ أنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إشارَةً إلى اسْتِقْلالِهِ بِكَوْنِهِ مُوجِبَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ هو بِمُفْرَدِهِ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ فَذُكِرَ بِالعَطْفِ عَلى فِعْلِ اسْتَكْبَرُوا لِأنَّ شَأْنَ العَطْفِ أنْ يَقْتَضِيَ المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويُعْلِمَ أنَّهُ باعِثُهم عَلى الِاسْتِكْبارِ بِالسِّياقِ.

صفحة ٢٥٧

وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْنى: إنْكارُ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ رَبِّهِمْ وعَنْ إنْذارِهِ إيّاهم إعْراضَ مَن لا يَكْتَرِثُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم لَوْ حَسَبُوا لِذَلِكَ حِسابَهُ لَتَوَقَّعُوا عَذابَهُ فَلَأقْبَلُوا عَلى دَلائِلِ صِدْقِ رَسُولِهِ.

وإجْراءُ وصْفِ الَّذِي خَلَقَهم عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ لِجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أقْوى مِنهم، فَإنَّ كَوْنَهم مَخْلُوقِينَ مَعْلُومٌ لَهم بِالضَّرُورَةِ، فَكانَ العِلْمُ بِهِ كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْسِبُوا لِغَضَبِهِ حِسابَهُ فَيَنْظُرُوا في أدِلَّةِ صِدْقِ رَسُولِهِ إلَيْهِمْ.

وضَمِيرُ هو أشَدُّ مِنهم ضَمِيرُ فَصْلٍ، وهو مُفِيدٌ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ بِمَعْنى وُضُوحِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مُحَقَّقًا كانَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِمُقْتَضاهُ أشْنَعَ وعُذْرُهم في جَهْلِهِ مُنْتَفِيًا.

والقُوَّةُ حَقِيقَتُها: حالَةٌ في الجِسْمِ يَتَأتّى بِها أنْ يَعْمَلَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ، وتُطْلَقُ عَلى لازِمِ ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ ووَسائِلِ الأعْمالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ إطْلاقِها في قَوْلِهِ تَعالى فَخُذْها بِقُوَّةٍ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ بِها هُنا مَعْناها الحَقِيقِيُّ والكِنائِيُّ والمَجازِيُّ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ تَصْرِيحًا وكِنايَةً، ومَجازُهُ لِما عِنْدَهم مِن وسائِلِ تَذْلِيلِ صِعابِ الأُمُورِ لِقُوَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ. والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِعادٍ في أصالَةِ آرائِهِمْ فَيَقُولُونَ أحْلامُ عادٍ قالَ النّابِغَةُ:

أحْلامُ عادٍ وأجْسامٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والإثَمِ

ويَقُولُونَ في وصْفِ الأشْياءِ الَّتِي يَقِلُّ صُنْعُ أمْثالِها ”عادِيَّةٌ“ يَقُولُونَ: بِئْرٌ عادِيَّةٌ، وبِناءٌ عادِيٌّ.

ولَمّا كانَتِ القُوَّةُ تَسْتَلْزِمُ سِعَةَ القُدْرَةِ أسْنَدَ القُوَّةَ إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى لا يَسْتَعْصِي عَلَيْها شَيْءٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهُ تَعالى، وهَذا المُرادُ هُنا في قَوْلِهِ ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ أيْ هو أوْسَعُ قُدْرَةً مِن قُدْرَتِهِمْ فَإطْلاقُ القُوَّةِ

صفحة ٢٥٨

عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى كَمالِ القُدْرَةِ، أيْ عُمُومُ تَأْثِيرِها وتَعَلُّقِها بِالمُمْكِناتِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا يَسْتَعْصِي عَلى تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ مُمْكِنٌ، وكَمالُ غِناهُ عَنِ التَّأثُّرِ لِلْغَيْرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ في سُورَةِ الأنْفالِ.

وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والواوُ فِيها اعْتِراضِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ مُعْجِزاتُ رَسُولِهِمْ هُودٍ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِها وأصَرُّوا عَلى العِنادِ ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ لِهُودٍ آياتٍ سِوى أنَّهُ أنْذَرَهم عَذابًا يَأْتِيهِمْ مِنَ السَّماءِ، قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] فَذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِأوائِلِ الآياتِ.

ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي في دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ، وتَذْكِيرُهم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] .

ودَلَّ فِعْلُ كانُوا عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ بِالآياتِ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ. ودَلَّتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ يَجْحَدُونَ أنَّ الجَحْدَ مُتَكَرِّرٌ فِيهِمْ مُتَجَدِّدٌ.

ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ وصْفَ عِقابِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأشارَتِ الفاءُ إلى أنَّ عِقابَهم كانَ مُسَبَّبًا عَلى حالَةِ كُفْرِهِمْ بِصِفَتِها، فَإنَّ باعِثَ كُفْرِهِمْ كانَ اغْتِرارَهم بِقُوَّتِهِمْ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما لا يَتَرَقَّبُ النّاسُ الهَلاكَ بِهِ، فَإنَّ النّاسَ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يُؤْبَهُ بِهِ: هو رِيحٌ، لِيُرِيَهم أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ القُوَّةِ وأنَّهُ يَضَعُ القُوَّةَ في الشَّيْءِ الهَيِّنِ مِثْلِ الرِّيحِ لِيَكُونَ عَذابًا وخِزْيًا، أيْ تَحْقِيرًا كَما قالَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأيُّ خِزْيٍ أشَدُّ مِن أنْ تَتَراماهُمُ الرِّيحُ في الجَوِّ كالرِّيشِ، وأنْ تُلْقِيَهم هَلْكى عَلى التُّرابِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ فَيُشاهِدُهُمُ المارُّونَ

صفحة ٢٥٩

بِدِيارِهِمْ جُثَثًا صَرْعى قَدْ تَقَلَّصَتْ جُلُودُهم وبَلِيَتْ أجْسامُهم كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٌ.

والرِّيحُ: تَمَوُّجٌ في الهَواءِ يَحْدُثُ مِن تَعاكُسِ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ، وتَنْتَقِلُ مَوْجاتُهُ كَما تَنْتَقِلُ أمْواجُ البَحْرِ، والرِّيحُ الَّذِي أصابَ عادًا هو الرِّيحُ الدَّبُورُ، وهو الَّذِي يَهُبُّ مِن جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، سُمِّيَتْ دَبُورًا بِفَتْحِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الباءِ لِأنَّها تَهُبُّ مِن جِهَةِ دُبُرِ الكَعْبَةِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» .

وإنَّما كانَتِ الرِّيحُ الَّتِي أصابَتْ عادًا بِهَذِهِ القُوَّةِ بِسَبَبِ قُوَّةِ انْضِغاطٍ في الهَواءِ غَيْرِ مُعْتادٍ فَإنَّ الِانْضِغاطَ يُصَيِّرُ الشَّيْءَ الضَّعِيفَ قَوِيًّا، كَما شُوهِدَ في عَصْرِنا أنَّ الأجْسامَ الدَّقِيقَةَ مِن أجْزاءٍ كِيمْياوِيَّةٍ تُسَمّى الذَّرَّةَ تَصِيرُ بِالِانْضِغاطِ قادِرَةً عَلى نَسْفِ مَدِينَةٍ كامِلَةٍ، وتُسَمّى الطّاقَةَ الذَّرِّيَّةَ، وقَدْ نُسِفَ بِها جُزْءٌ عَظِيمٌ مِن بِلادِ اليابانِ في الحَرْبِ العامَّةِ.

والصَّرْصَرُ: الرِّيحُ العاصِفَةُ الَّتِي يَكُونُ لَها صَرْصَرَةٌ، أيْ دَوِيٌّ في هُبُوبِها مِن شِدَّةِ سُرْعَةِ تَنَقُّلِها. وتَضْعِيفُ عَيْنِهِ لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِها بَيْنَ أفْرادِ نَوْعِها كَتَضْعِيفِ كُبْكِبَ لِلْمُبالَغَةِ في كَبَّ. وأصْلُهُ صَرَّ، أيْ صاحَ، وهو وصْفٌ لا يُؤَنَّثُ لَفْظُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَجْرِي إلّا عَلى الرِّيحِ وهي مُقَدَّرَةُ التَّأْنِيثِ.

والنَّحِساتُ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ: جَمْعُ نَحِسٍ بِدُونِ تَأْنِيثٍ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلِ نَحِسَ كَعَلِمَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] .

وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِسِكُونِ الحاءِ. ويَجُوزُ كَسْرُ الحاءِ وبِهِ قَرَأ البَقِيَّةُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن ”نَحْسٍ“ إذا أصابَهُ النَّحْسُ إصابَةَ سُوءٍ أوْ ضُرٍّ شَدِيدٍ.

وضِدُّهُ البَخْتُ في أوْهامِ العامَّةِ. ولا حَقِيقَةَ لِلنَّحْسِ ولا لِلْبَخْتِ ولَكِنَّهُما عارِضانِ لِلْإنْسانِ، فالنَّحْسُ يَعْرِضُ لَهُ مِن سُوءِ خُلُقِهِ ومِزاجِهِ أوْ مِن تَفْرِيطِهِ أوْ مِن فَسادِ بِيئَتِهِ أوْ قَوْمِهِ، والبَخْتُ يَعْرِضُ مِن جَرّاءِ عَكْسِ ذَلِكَ. وبَعْضُ النَّوْعَيْنِ أُمُورٌ اتِّفاقِيَّةٌ ورُبَّما كانَ بَعْضُها جَزاءً مِنَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِن عِبادِهِ أوْ في دِينِهِ

صفحة ٢٦٠

كَما حَلَّ بِعادٍ وأهْلِ الجاهِلِيَّةِ. وعامَّةُ الأُمَمِ يَتَوَهَّمُونَ النَّحْسَ والبَخْتَ مِن نَوْعِ الطِّيَرَةِ ومِنَ التَّشاؤُمِ والتَّيَمُّنِ، ومِنهُ الزَّجْرُ والعِيافَةُ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ ومِنهُ تَطَلُّعُ الحَدَثانِ مِن طَوالِعِ الكَواكِبِ والأيّامِ عِنْدَ مُعْظَمِ الأُمَمِ الجاهِلَةِ أوِ المُخْتَلَّةِ العَقِيدَةِ. وكُلُّ ذَلِكَ أبْطَلَهُ الإسْلامُ، أيْ كَشَفَ بُطْلانَهُ، بِما لَمْ يَسْبِقْهُ تَعْلِيمٌ مِنَ الأدْيانِ الَّتِي ظَهَرَتْ قَبْلَ الإسْلامِ.

فَمَعْنى وصْفِ الأيّامِ بِالنَّحِساتِ: أنَّها أيّامُ سُوءٍ شَدِيدٍ أصابَهم وهو عَذابُ الرِّيحِ، وهي ثَمانِيَةُ أيّامٍ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فالمُرادُ: أنَّ تِلْكَ الأيّامَ بِخُصُوصِها كانَتْ نَحْسًا وأنَّ نَحْسَها عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الأرْضِ لِأنَّ عادًا هُمُ المَقْصُودُونَ بِالعَذابِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأيّامَ مِن كُلِّ عامٍ هي أيّامُ نَحْسٍ عَلى البَشَرِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ لِاقْتِضائِهِ أنْ تَكُونَ جَمِيعُ الأُمَمِ حَلَّ بِها سُوءٌ في تِلْكَ الأيّامِ.

ووُصِفَتْ تِلْكَ الأيّامُ بِأنَّها نَحِساتٌ لِأنَّها لَمْ يَحْدُثْ فِيها إلّا السُّوءُ لَهم مِن إصابَةِ آلامِ الهَشْمِ المُحَقَّقِ إفْضاؤُهُ إلى المَوْتِ، ومُشاهَدَةِ الأمْواتِ مِن ذَوِيِهِمْ، ومَوْتِ أنْعامِهِمْ، واقْتِلاعِ نَخِيلِهِمْ.

وقَدِ اخْتَرَعَ أهْلُ القِصَصِ تَسْمِيَةَ أيّامٍ ثَمانِيَةٍ نِصْفُها آخِرُ شَهْرِ شَباطَ ونِصْفُها شَهْرُ آذارَ تَكْثُرُ فِيها الرِّياحُ غالِبًا دَعَوْها أيّامَ الحُسُومِ، ثُمَّ رَكَّبُوا عَلى ذَلِكَ أنَّها المَوْصُوفَةُ بِحُسُومٍ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فَزَعَمُوا أنَّها الأيّامُ المُوافِقَةُ لِأيّامِ الرِّيحِ الَّتِي أصابَتْ عادًا، ثُمَّ رَكَّبُوا عَلى ذَلِكَ أنَّها أيّامُ نَحْسٍ مِن كُلِّ عامٍ وكَذَبُوا عَلى بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أكاذِيبَ في ذَلِكَ، وذَلِكَ ضِغْثٌ عَلى إبالَةٍ، وتَفَنُّنٌ في أوْهامِ الضَّلالَةِ.

وجُمِعَ نَحِساتٍ بِالألِفِ والتّاءِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِجَمْعِ غَيْرِ العاقِلِ وهو أيّامٌ.

واللّامُ في لِنُذِيقَهم لِلتَّعْلِيلِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أرْسَلْنا)، والإذاقَةُ تَخْيِيلٌ لِمَكْنِيَّةٍ، شُبِّهَ العَذابُ بِطَعامٍ هُيِّئَ لَهم عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَما سَمّى عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ الغارَةَ قِرًى في قَوْلِهِ:

صفحة ٢٦١

قَرِيناكم فَعَجَّلْنا قِراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا

والإذاقَةُ: تَخْيِيلٌ مِن مُلائِماتِ الطَّعامِ المُشَبَّهِ بِهِ.

والخِزْيُ: الذُّلُّ. وإضافَةُ (عَذابَ) إلى (الخِزْيِ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى، أيْ أشَدُّ إخْزاءً مِن إخْزاءِ عَذابِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ الخِزْيَ وصْفٌ لِلْعَذابِ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ أوِ اسْمِ المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَوْنِ ذَلِكَ العَذابِ مُخْزِيًا لِلَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ.

ومَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُخْزِيًا: أنَّهُ سَبَبُ خِزْيٍ فَوَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ خِزْيٌ بِمَعْنى مُخْزٍ مِن بابِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ويُقَدَّرُ قَبْلَ الإضافَةِ: لِنُذِيقَهم عَذابًا خِزْيًا، أيْ مُخْزِيًا، فَلَمّا أُرِيدَتْ إضافَةُ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ قِيلَ: عَذابُ الخِزْيِ، لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا لِأنَّ إضافَةَ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مُبالَغَةٌ في الِاتِّصافِ حَتّى جُعِلَتِ الصِّفَةُ بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ آخَرَ يُضافُ إلَيْهِ المَوْصُوفُ وهو قَرِيبٌ مِن مُحَسِّنِ التَّجْرِيدِ فَحَصَلَتْ مُبالَغَتانِ في قَوْلِهِ (﴿عَذابَ الخِزْيِ﴾) مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ومُبالَغَةُ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ.

وجُمْلَةُ (﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾) احْتِراسٌ لِئَلّا يَحْسَبَ السّامِعُونَ أنَّ حَظَّ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ هو عَذابُ الإهْلاكِ بِالرِّيحِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ الإخْبارَ بِأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أخْزى، أيْ لَهم ولِكُلِّ مَن عُذِّبَ عَذابًا في الدُّنْيا لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وأخْزى: اسْمُ تَفْضِيلٍ جَرى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِياسُهُ أنْ يُقالَ: أشَدُّ إخْزاءً، لِأنَّهُ لا يُقالُ: خَزاهُ، بِمَعْنى أخْزاهُ، أيْ أهانَهُ، ومِثْلُ هَذا في صَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ.

وجُمْلَةُ وهم لا يُنْصَرُونَ تَذْيِيلٌ، أيْ لا يَنْصُرُهم مَن يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم، ولا مَن يَشْفَعُ لَهم، ولا مَن يُخْرِجُهم مِنهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ.

41:17Page 478

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧

And as for Thamūd, We guided them, but they preferred blindness over guidance, so the thunderbolt of humiliating punishment seized them for what they used to earn.

صفحة ٢٦٢

﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

بَقِيَّةُ التَّفْصِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا.

ولَمّا كانَ حالُ الأُمَّتَيْنِ واحِدًا في عَدَمِ قَبُولِ الإرْشادِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً كانَ الإخْبارُ عَنْ ثَمُودَ بِأنَّ اللَّهَ هَداهم مُقْتَضِيًا أنَّهُ هَدى عادًا مِثْلَ ما هَدى ثَمُودَ وأنَّ عادًا اسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى مِثْلَ ما اسْتَحَبَّتْ ثَمُودُ.

والمَعْنى: وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم هِدايَةَ إرْشادٍ بِرَسُولِنا إلَيْهِمْ وتَأْيِيدِهِ بِآيَةِ النّاقَةِ الَّتِي أخْرَجَها لَهم مِنَ الأرْضِ.

فالمُرادُ بِالهِدايَةِ هُنا: الإرْشادُ التَّكْلِيفِيُّ، وهي غَيْرُ ما في قَوْلِهِ ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ فَإنَّ تِلْكَ الهِدايَةَ التَّكْوِينِيَّةَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ.

واسْتَحَبُّوا العَمى مَعْناها: أحَبُّوا، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُهُما في قَوْلِهِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، أيْ كانَ العَمى مَحْبُوبًا لَهم.

والعَمى: هُنا مُسْتَعارٌ لِلضَّلالِ في الرَّأْيِ، أيِ اخْتارُوا الضَّلالَ بِكَسْبِهِمْ. وضُمِّنَ اسْتَحَبُّوا مَعْنى: فَضَلُّوا، وهَيَّأ لِهَذا التَّضْمِينِ اقْتِرانُهُ بِالسِّينِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ المُبالَغَةَ في المَحَبَّةِ تَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ عَلى بَقِيَّةِ المَحْبُوباتِ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ اسْتَحَبُّوا بِحَرْفِ عَلى، أيْ رَجَّحُوا بِاخْتِيارِهِمْ. وتَعْلِيقُ عَلى الهُدى بِفِعْلِ اسْتَحَبُّوا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾، وكانَ العِقابُ مُناسِبًا لِلْجُرْمِ لِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الضَّلالَ الَّذِي هو مِثْلُ العَمى، فَمَن يَسْتَحِبُّهُ فَشَأْنُهُ أنْ يُحِبَّ العَمى، فَكانَ جَزاؤُهم بِالصّاعِقَةِ لِأنَّها تُعْمِي أبْصارَهم في حِينِ تُهْلِكُهم قالَ تَعالى يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم.

صفحة ٢٦٣

والأخْذُ: مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ المُهْلِكَةِ لِأنَّها اتِّصالٌ بِالمُهْلَكِ يُزِيلُهُ مِنَ الحَياةِ فَكَأنَّهُ أخْذٌ بِاليَدِ.

والصّاعِقَةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَنْشَأُ في كَهْرَبائِيَّةِ السَّحابِ الحامِلِ لِلْماءِ فَتَنْقَدِحُ مِنها نارٌ تُهْلِكُ ما تُصِيبُهُ. وإضافَةُ (صاعِقَةُ) إلى (العَذابِ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها صاعِقَةٌ تُعَرَّفُ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إذْ لا يُعَرَّفُ بِها إلّا ما تُضافُ إلَيْهِ، أيْ صاعِقَةٌ خارِقَةٌ لِمُعْتادِ الصَّواعِقِ، فَهي صاعِقَةٌ مُسَخَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعَذابِ ثَمُودَ، فَإنَّ أصْلَ مَعْنى الإضافَةِ أنَّها بِتَقْدِيرِ لامِ الِاخْتِصاصِ فَتَعْرِيفُ المُضافِ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا بَيانَ اخْتِصاصِهِ بِالمُضافِ إلَيْهِ.

والعَذابُ هو: الإهْلاكُ بِالصَّعْقِ، ووُصِفَ بِـ (الهُونِ) كَما وُصِفَ العَذابُ بِالخِزْيِ في قَوْلِهِ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ، أيِ العَذابَ الَّذِي هو سَبَبُ الهُونِ. والهُونُ: الهَوانُ وهو الذُّلُّ، ووَجْهُ كَوْنِهِ هَوانًا أنَّهُ إهْلاكٌ فِيهِ مَذَلَّةٌ إذِ اسْتُؤْصِلُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ وتُرِكُوا صَرْعى عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما بَيَّنّاهُ في مَهْلِكِ عادٍ.

أيْ أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ في اخْتِيارِهِمُ البَقاءَ عَلى الضَّلالِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ وعَنْ دَلالَةِ آياتِهِ.

ويُعْلَمُ مِن قَوْلِهِ في شَأْنِ عادٍ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى أنَّ لِثَمُودَ عَذابًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الأُمَّتَيْنِ تَماثَلَتا في الكُفْرِ فَلَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هُنا اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ فِيما تَقَدَّمَ. وهَذا مُحَسِّنُ الِاكْتِفاءِ، وهو مُحَسِّنٌ يَرْجِعُ إلى الإيجازِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском