Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:44–48
41:44Page 481
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٤٤
And if We had made it a foreign [i.e., non-Arabic] Qur’ān, they would have said, "Why are its verses not explained in detail [in our language]? Is it a foreign [recitation] and an Arab [messenger]?" Say, "It is, for those who believe, a guidance and cure." And those who do not believe - in their ears is deafness, and it is upon them blindness. Those are being called from a distant place.1
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ .
اتِّصالُ نَظْمِ الكَلامِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا وتَناسُبُ تَنَقُّلاتِهِ بِالتَّفْرِيعِ والبَيانِ والِاعْتِراضِ والِاسْتِطْرادِ يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا﴾ إلى آخِرِهِ تَنَقُّلٌ في دَرَجِ إثْباتِ أنَّ قَصْدَهُمُ العِنادُ فِيما يَتَعَلَّلُونَ بِهِ لِيُوَجِّهُوا إعْراضَهم عَنِ القُرْآنِ والِانْتِفاعِ بِهَدْيِهِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ والتَّكْذِيبِ بِهِ، وتَكَلُّفُ الأعْذارِ الباطِلَةِ لِيَتَسَتَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ في مَظْهَرِ المُنْهَزِمِ المَحْجُوجِ، فَأخَذَ يَنْقُضُ دَعاوِيهِمْ عُرْوَةً عُرْوَةً، إذِ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِتَحَدِّيهِمْ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ
صفحة ٣١٢
﴿حم﴾ [فصلت: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] فَهَذا تَحَدٍّ لَهم ووَصْفٌ لِلْقُرْآنِ بِصِفَةِ الإعْجازِ.
ثُمَّ أخَذَ في إبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ ومَطاعِنِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]، فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ قَصَدُوا بِهِ أنَّ حُجَّةَ القُرْآنِ غَيْرُ مُقْنِعَةٍ لَهم إغاظَةً مِنهم لِلنَّبِيءِ ﷺ، ثُمَّ تَمالُؤَهم عَلى الإعْراضِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وهو عَجْزٌ مَكْشُوفٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] الآياتِ. فَأعْقَبَها بِأوْصافِ كَمالِ القُرْآنِ الَّتِي لا يَجِدُونَ مَطْعَنًا فِيها بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] الآيَةَ.
وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ المُجادَلاتُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا إبْطالًا لِتَعَلُّلاتِهِمْ، وكانَ عِمادُهُ عَلى أنَّ القُرْآنَ عَرَبِيٌّ مُفَصَّلُ الدَّلالَةِ المَعْرُوفَةِ في لُغَتِهِمْ حَسَبَما ابْتُدِئِ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]، وانْتُهِيَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤١]، فَقَدْ نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِدَلالَتِهِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ مِن هَذِهِ الجِهَةِ فانْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى عِمادُها الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ أنْ يَكُونَ قَدْ جاءَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِقُرْآنٍ مِن لُغَةٍ أُخْرى غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ.
ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] عَلى الِاعْتِبارَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا في مَوْقِعِ تِلْكَ الجُمْلَةِ.
ومَعْنى الآيَةِ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [فصلت: ٦] مِنَ التَّحَدِّي بِصِفَةِ الأُمِّيَّةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، أيْ لَوْ جِئْناهم بِلَوْنٍ آخَرَ مِن مُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ فَأنْزَلْنا عَلى الرَّسُولِ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا، ولَيْسَ لِلرَّسُولِ ﷺ عِلْمٌ بِتِلْكَ اللُّغَةِ مِن قَبْلُ، لَقَلَبُوا مَعاذِيرَهم، فَقالُوا: لَوْلا بُيِّنَتْ آياتُهُ بِلُغَةٍ نَفْهَمُها وكَيْفَ يُخاطِبُنا بِكَلامٍ أعْجَمِيٍّ. فالكَلامُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الفَرْضِ كَما هو مُقْتَضى حِرَفِ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ. وهَذا إبانَةٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ لا تُجْدِي مَعَهُمُ الحُجَّةُ ولا يَنْقَطِعُونَ عَنِ المَعاذِيرِ؛ لِأنَّ جِدالَهم لا يُرِيدُونَ بِهِ تَطَلُّبَ الحَقِّ وما هو إلّا تَعَنُّتٌ لِتَرْوِيجِ هَواهم.
صفحة ٣١٣
ومِن هَذا النَّوْعِ في الِاحْتِجاجِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨]، أيْ لَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ بِالعَرَبِيَّةِ، لِاشْتِراكِ الحُجَّتَيْنِ في صِفَةِ الأُمِّيَّةِ في اللُّغَةِ المَفْرُوضِ إنْزالُ الكِتابِ بِها، إلّا أنَّ تِلْكَ الآيَةَ بُنِيَتْ عَلى فَرْضِ أنْ يَنْزِلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَسُولٍ لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، وهَذِهِ الآيَةُ بُنِيَتْ عَلى فَرْضِ أنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ عَلى الرَّسُولِ العَرَبِيِّ ﷺ بِلُغَةٍ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عُمُومِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْعَرَبِ والعَجَمِ فَلَمْ يَكُنْ عَجَبًا أنْ يَكُونَ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ بِلُغَةِ غَيْرِ العَرَبِ لَوْلا أنَّ في إنْزالِهِ بِالعَرَبِيَّةِ حِكْمَةً عَلِمَها اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا اصْطَفى الرَّسُولَ ﷺ عَرَبِيًّا وبَعَثَهُ بَيْنَ أُمَّةٍ عَرَبِيَّةٍ كانَ أحَقُّ اللُّغاتِ بِأنْ يُنْزِلَ بِها كِتابَهُ إلَيْهِ العَرَبِيَّةَ، إذْ لَوْ نَزَلَ كِتابُهُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لاسْتَوَتْ لُغاتُ الأُمَمِ كُلُّها في اسْتِحْقاقِ نُزُولِ الكِتابِ بِها فَأوْقَعَ ذَلِكَ تَحاسُدًا بَيْنَها بِخِلافِ العَرَبِ إذْ كانُوا في عُزْلَةٍ عَنِ الأُمَمِ، فَلا جَرَمَ رُجِّحَتِ العَرَبِيَّةُ لِأنَّها لُغَةُ الرَّسُولِ ﷺ ولُغَةُ القَوْمِ المُرْسَلِ بَيْنَهم فَلا يَسْتَقِيمُ أنْ يَبْقى القَوْمُ الَّذِينَ يَدْعُوهم لا يَفْقَهُونَ الكِتابَ المُنَزَّلَ إلَيْهِمْ.
ولَوْ تَعَدَّدَتِ الكُتُبُ بِعَدَدِ اللُّغاتِ لَفاتَتْ مُعْجِزَةُ البَلاغَةِ الخاصَّةِ بِالعَرَبِيَّةِ لِأنَّ العَرَبِيَّةَ أشْرَفُ اللُّغاتِ وأعْلاها خَصائِصَ وفَصاحَةً وحُسْنَ أداءٍ لِلْمَعانِي الكَثِيرَةِ بِالألْفاظِ الوَجِيزَةِ. ثُمَّ العَرَبُ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ نَشْرَ هَذا الدِّينِ بَيْنَ الأُمَمِ وتَبْيِينَ مَعانِي القُرْآنِ لَهم.
ووَقَعَ في تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْلا أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ أعْجَمِيًّا وعَرَبِيًّا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ”﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ الِاسْتِفْهامِ اهـ. ولا أحْسَبُ هَذا تَأْوِيلًا لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إلى راوٍ، ولَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِهِ فَرَأى أنَّ الآيَةَ تُنْبِئُ عَنْ جَوابِ كَلامٍ صَدَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ المُعَبَّرِ عَنْهم بِضَمِيرِ لَقالُوا.
وسِياقُ الآيَةِ ولَفْظُها يَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى، وكَيْفَ ولَوِ الِامْتِناعِيَّةُ تَمْتَنِعُ مَن تَحَمُّلِ هَذا التَّأْوِيلِ وتَدْفَعُهُ.
صفحة ٣١٤
وأمّا ما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ ”أنَّهم كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَقُولُونَ: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ ؟ فَقِيلَ: لَوْ كانَ كَما يَقْتَرِحُونَ لَمْ يَتْرُكُوا الِاعْتِراضَ والتَّعَنُّتَ، وقالُوا:
﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ إلَخْ. فَلَمْ نَقِفْ عَلى مَن ذَكَرَ مِثْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأصْحابِ أسْبابِ النُّزُولِ وما هو إلّا مِن صِنْفِ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ. ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ نَظْمُ الآيَةِ: وقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ولَمْ يَكُنْ عَلى طَرِيقَةِ لَوْ وجَوابِها. ولا يُظَنُّ بِقُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا إذا كانَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ.
وضَمِيرُ جَعَلْناهُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] .
وقَوْلُهُ“ ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ " بَقِيَّةُ ما يَقُولُونَهُ عَلى فَرْضِ أنْ يُجْعَلَ القُرْآنُ أعْجَمِيًّا، أيْ أنَّهم لا يَخْلُونَ مِنَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ.
ومَعْنى فُصِّلَتْ هُنا: بُيِّنَتْ ووُضِّحَتْ، أيْ لَوْلا جُعِلَتْ آياتُهُ عَرَبِيَّةً نَفْهَمُها.
والواوُ في قَوْلِهِ (وعَرَبِيٌّ) لِلْعَطْفِ بِمَعْنى المَعِيَّةِ. والمَعْنى: وكَيْفَ يَلْتَقِي أعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ أعْجَمِيًّا والمُخاطَبُ بِهِ عَرَبِيًّا كَأنَّهم يَقُولُونَ: أيُلْقى لَفْظٌ أعْجَمِيٌّ إلى مُخاطَبٍ عَرَبِيٍّ.
ومَعْنى قُرْآنًا كِتابًا مَقْرُوءًا. ووَرَدَ في الحَدِيثِ تَسْمِيَةُ كِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُرْآنًا، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ داوُدَ يُسِّرَ لَهُ القُرْآنُ فَكانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كُلَّهُ في حِينِ يُسْرَجُ لَهُ فَرَسُهُ» أوْ كَما قالَ.
والأعْجَمِيُّ: المَنسُوبُ إلى أعْجَمَ، والأعْجَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ العُجْمَةِ وهي الإفْصاحُ، فالأعْجَمُ: الَّذِي لا يُفْصِحُ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وزِيادَةُ الياءِ فِيهِ لِلْوَصْفِ نَحْوَ: أحَمِرَيٌّ ودَوّارِيٌّ. فالأعْجَمِيُّ مِن صِفاتِ الكَلامِ.
وأفْرَدَ (وعَرَبِيٌّ) عَلى تَأْوِيلِهِ بِجِنْسِ السّامِعِ، والمَعْنى: أكِتابٌ عَرَبِيٌّ لِسامِعِينَ عَرَبٍ فَكانَ حَقُّ (عَرَبِيٌّ) أنْ يُجْمَعَ ولَكِنَّهُ أُفْرِدَ لِأنَّ مَبْنى الإنْكارِ عَلى تَنافُرِ حالَتَيِ الكِتابِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فاعْتُبِرَ فِيهِ الجِنْسُ دُونَ أنْ يُنْظَرَ إلى إفْرادٍ، أوْ جَمْعٍ.
صفحة ٣١٥
وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّها تُؤْذِنُ بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ داخِلٍ في صِفاتِ الذِّكْرِ، وهو أنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ بِلُغَتِكم إتْمامًا لِهَدْيِكم فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وكَفَرْتُمْ وتَعَلَّلْتُمْ بِالتَّعَلُّلاتِ الباطِلَةِ فَلَوْ جَعَلْناهُ أعْجَمِيًّا لَقُلْتُمْ: هَلّا بُيِّنَتْ لَنا حَتّى نَفْهَمَهُ.
* * *
﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهْوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
هَذا جَوابٌ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، أيْ ما يُقالُ مِنَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ الذِّكْرَ أوِ الكِتابَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ، أيْ أنَّ تِلْكَ الخِصالَ العَظِيمَةَ لِلْقُرْآنِ حَرَمَهم كُفْرُهُمُ الِانْتِفاعَ بِها وانْتَفَعَ بِها المُؤْمِنُونَ فَكانَ لَهم هَدْيًا وشِفاءً. وهَذا ناظِرٌ إلى ما حَكاهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، فَهو إلْزامٌ لَهم بِحُكْمٍ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وحَقِيقَةُ الشِّفاءِ: زَوالُ المَرَضِ وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْبَصارَةِ بِالحَقائِقِ وانْكِشافِ الِالتِباسِ مِنَ النَّفْسِ كَما يَزُولُ المَرَضُ عِنْدَ حُصُولِ الشِّفاءِ، يُقالُ: شُفِيَتْ نَفْسُهُ، إذا زالَ حَرَجُهُ، قالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شَفَيْتُ النَّفْسَ مِن حَمَلِ بْنِ بَدْرٍ وسَيْفِي مِن حُذَيْفَةَ قَدْ شَفانِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: شُفِيَ غَلِيلُهُ، وبُرِدَ غَلِيلُهُ، فَإنَّ الكُفْرَ كالدّاءِ في النَّفْسِ لِأنَّهُ يُوقِعُ في العَذابِ ويَبْعَثُ عَلى السَّيِّئاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، أيْ وأمّا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَلا تَتَخَلَّلُ آياتُهُ نُفُوسَهم؛ لِأنَّهم كَمَن في آذانِهِمْ وقْرٌ دُونَ سَماعِهِ، وهو ما تَقَدَّمَ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، ولِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ مَعْنى الجُمْلَةِ مُتَعَلِّقًا بِأحْوالِ القُرْآنِ مَعَ الفَرِيقِ غَيْرِ المُؤْمِنِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ لِتَقْدِيرِ جَعْلِ الجُمْلَةِ خَبَرًا عَنِ القُرْآنِ.
صفحة ٣١٦
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا عَنْ ضَمِيرِ الذِّكْرِ، أيِ القُرْآنِ، فَتَكُونُ مِن مَقُولِ القَوْلِ وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (وقْرٌ، وعَمًى) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ووَجْهُ الشَّبَهِ هو عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِهِ مَعَ سَماعِ ألْفاظِهِ، والوَقْرُ: داءٌ فَمُقابَلَتُهُ بِالشِّفاءِ مِن مُحَسِّنِ الطِّباقِ.
وضَمِيرُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ يَتَبادَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ أوِ الكِتابِ كَما عادَ ضَمِيرُ ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾، والعَمى: عَدَمُ البَصَرِ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِضِدِّ الِاهْتِداءِ فَمُقابَلَتُهُ بِالهُدى فِيها مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
والإسْنادُ إلى القُرْآنِ عَلى هَذا الوَجْهِ في مُعادِ الضَّمِيرِ بِأنَّهُ عَلَيْهِمْ عَمًى مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ عِنادَهم في قَبُولِهِ كانَ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ فَكانَ القُرْآنُ سَبَبَ سَبَبٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (وهو) ضَمِيرَ شَأْنٍ تَنْبِيهًا عَلى فَظاعَةِ ضَلالِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ خَبَرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، أيْ وأعْظَمُ مِنَ الوَقْرِ أنَّ عَلَيْهِمْ عَمًى، أيْ عَلى أبْصارِهِمْ عَمًى كَقَوْلِهِ ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] .
وإنَّما عَلَّقَ العَمى بِالكَوْنِ عَلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ عَمًى مُجازِيًا تَعَيَّنَ أنَّ مُصِيبَتَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ كُلِّها لا عَلى أبْصارِهِمْ خاصَّةً فَإنَّ عَمى البَصائِرِ أشَدُّ ضُرًّا مِن عَمى الأبْصارِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ عِنْدَ سَماعِها بِحالِ مَن يُنادى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا يَبْلُغُ إلَيْهِ في مِثْلِهِ صَوْتُ المُنادِي عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن لا يَفْهَمُ: أنْتَ تُنادى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.
والإشارَةُ بِـ (أُولَئِكَ) إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ
صفحة ٣١٧
إلَيْهِمْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْصافِ أحْرِياءُ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَها مِنَ الحِكَمِ مِن أجْلِها نَظِيرُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
ويَتَعَلَّقُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ بِـ (يُنادَوْنَ)، وإذا كانَ النِّداءُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ كانَ المُنادى بِالفَتْحِ في مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَحالَةَ كَما تَقَدَّمَ في تَعَلُّقِ مِنَ الأرْضِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] أيْ دَعاكم مِن مَكانِكم في الأرْضِ، وبِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يُنادَوْنَ) وذَلِكَ غَيْرُ مُتَأتٍّ في قَوْلِهِ ﴿إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] .
41:45Page 481
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ٤٥
And We had already given Moses the Scripture, but it came under disagreement.1 And if not for a word [i.e., decree]2 that preceded from your Lord, it would have been concluded between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ .
اعْتِراضٌ بِتَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ وكُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِأوْحَدَ في ذَلِكَ فَقَدْ أُوتِيَ مُوسى التَّوْراةَ فاخْتَلَفَ الَّذِينَ دَعاهم في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ.
والمَقْصُودُ الِاعْتِبارُ بِالِاخْتِلافِ في التَّوْراةِ فَإنَّهُ أشَدُّ مِنَ الِاخْتِلافِ في القُرْآنِ فالِاخْتِلافُ في التَّوْراةِ كانَ عَلى نَوْعَيْنِ: اخْتِلافٌ فِيها بَيْنَ مُؤْمِنٍ بِها وكافِرٍ، فَقَدْ كَفَرَ بِدَعْوَةِ مُوسى فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وبَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلُ قارُونَ ومِثْلُ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ في مَغِيبِ مُوسى لِلْمُناجاةِ، واخْتِلافٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِها اخْتِلافًا عَطَّلُوا بِهِ بَعْضَ أحْكامِها كَما قالَ تَعالى ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وكِلا الِاخْتِلافَيْنِ مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأُسْوَةٍ لِاخْتِلافِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ. وهَذا ما عَصَمَ اللَّهُ القُرْآنَ مِن مِثْلِهِ إذْ قالَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ فالتَّسْلِيَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِهَذا أوْقَعُ، وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آنِفًا ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن مَعْنَيَيْهِ بِذِكْرِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العُمُومِ وهو الأعْظَمُ الأهَمُّ.
* * *
﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ .
هَذا مُتَعَلِّقٌ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مِنَ العَرَبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾) يَقْتَضِي
صفحة ٣١٨
أنَّ اللَّهَ أخَّرَ القَضاءَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، فَأمّا قَوْمُ مُوسى فَقَدْ قَضى بَيْنَهم بِاسْتِئْصالِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وبِتَمْثِيلِ الآشُورِيِّينَ بِاليَهُودِ بَعْدَ مُوسى، وبِخَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وزَوالِ مُلْكِ إسْرائِيلَ آخِرًا. وهَذا الكَلامُ داخِلٌ في إتْمامِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ في اسْتِبْطاءِ النَّصْرِ.
والكَلِمَةُ هي كَلِمَةُ الإمْهالِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ المُكَذِّبِينَ، والإمْهالُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَن صُرِعُوا بِبَدْرٍ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِلَفْظِ رَبِّكَ لِما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ الرَّأْفَةِ بِهِ والِانْتِصارِ لَهُ، ولِما في الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ التَّشْرِيفِ. وكِلا الأمْرَيْنِ تَعْزِيزٌ لِلتَّسْلِيَةِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ كَلِمَةَ بَيْنَ دالَّةً عَلى أُخْرى مُقَدَّرَةً عَلى سَبِيلِ إيجازِ الحَذْفِ. والتَّقْدِيرُ: بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ بِما يُظْهِرُ بِهِ انْتِصارَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يَكْثُرُ أنْ يُقالَ: بَيْنَ كَذا وبَيْنَ كَذا، قالَ تَعالى ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ [سبإ: ٥٤] .
ومَعْنى سَبَقَتْ أيْ تَقَدَّمَتْ في عِلْمِهِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ وإرادَتِهِ.
والأجَلُ المُسَمّى: جِنْسٌ يَصْدُقُ بِكُلِّ ما أُجِّلَ بِهِ عِقابُهم في عِلْمِ اللَّهِ. وأمّا ضَمِيرُ ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ فَهو خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في البَعْثِ والشّاكِّينَ في أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.
والرَّيْبُ: الشَّكُّ، فَوَصْفُ (شَكٍّ) بِـ (مُرِيبٍ) مِن قَبِيلِ الإسْنادِ المَجازِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِأنِ اشْتُقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ وصْفٌ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ وشِعْرٌ شاعِرٌ.
41:46Page 481
مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦
Whoever does righteousness - it is for his [own] soul; and whoever does evil [does so] against it. And your Lord is not ever unjust to [His] servants.
﴿مَن عَمِلَ صالِحا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
هَذا مِن مُكَمِّلاتِ التَّسْلِيَةِ ومِن مُناسَباتِ ذِكْرِ الأجَلِ المُسَمّى. وفِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِأنَّ (مَن) في المَوْضِعَيْنِ مُفِيدَةٌ لِلْعُمُومِ سَواءٌ اعْتُبِرَتْ شَرْطِيَّةً أوْ
صفحة ٣١٩
مَوْصُولَةً. ووُجُودُ الفاءِ في المَوْضِعَيْنِ: إمّا لِأنَّهُما جَوابانِ لِلشَّرْطِ، وإمّا لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ.
والمَعْنى: أنَّ الإمْهالَ إعْذارٌ لَهم لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم.
وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الزُّمَرِ، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لَفْظًا في سُورَةِ غافِرٍ.
وحَرْفُ عَلى مُؤْذِنٌ بِمُؤاخَذَةِ وتَحَمُّلِ أعْباءٍ كَما أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ فَلِنَفْسِهِ مُؤْذِنٌ بِالعَطاءِ.
والخِطابُ في رَبِّكَ لِلرَّسُولِ ﷺ، وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مِن تَعْزِيزِ تَسْلِيَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٤٥] مِنَ العُدُولِ إلى لَفْظِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ.
والمُرادُ بِنَفْيِ الظُّلْمِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ: أنَّهُ لا يُعاقِبُ مَن لَيْسَ مِنهم بِمُجْرِمٍ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا وضَعَ لِلنّاسِ شَرائِعَ وبَيَّنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ووَعَدَ وأوْعَدَ فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ قانُونًا، فَصارَ العُدُولُ عَنْهُ إلى عِقابِ مَن لَيْسَ بِمُجْرِمٍ ظُلْمًا إذا الظُّلْمُ هو الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ في القَوانِينِ المُتَلَقّاةِ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ أوِ القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنَ العُقُولِ الحَكِيمَةِ.
وأمّا صِيغَةُ ظَلّامٍ المُقْتَضِيَةُ المُبالَغَةَ في الظُّلْمِ فَهي مُعْتَبَرَةٌ قَبْلَ دُخُولِ النَّفْيِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي وقَعَتْ هي فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُسِيءَ لَكانَ ظَلّامًا لَهُ وما هو بِظَلّامٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ المَعانِي: إنَّ النَّفْيَ إذا تَوَجَّهَ إلى كَلامٍ مُقَيَّدٍ قَدْ يَكُونُ النَّفْيُ نَفْيًا لِلْقَيْدِ وقَدْ يَكُونُ القَيْدُ قَيْدًا في النَّفْيِ ومَثَّلُوهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وهَذا اسْتِعْمالٌ دَقِيقٌ في الكَلامِ البَلِيغِ في نَفْيِ الوَصْفِ المَصُوغِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ مِن إتْمامِ عَدْلِ اللَّهِ تَعالى أنْ جَعَلَ كُلَّ دَرَجاتِ الظُّلْمِ في رُتْبَةِ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ.
41:47–48Page 482
۞ إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٰتٖ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ أَيۡنَ شُرَكَآءِي قَالُوٓاْ ءَاذَنَّٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٖ ٤٧
To Him [alone] is attributed knowledge of the Hour. And fruits emerge not from their coverings nor does a female conceive or give birth except with His knowledge. And the Day He will call to them, "Where are My 'partners'?" they will say, "We announce to You that there is [no longer] among us any witness [to that]."
وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَدۡعُونَ مِن قَبۡلُۖ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٤٨
And lost from them will be those they were invoking before, and they will be certain that they have no place of escape.
صفحة ٥
﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ .
كانُوا إذا أُنْذِرُوا بِالبَعْثِ وساعَتِهِ اسْتَهْزَءُوا فَسَألُوا عَنْ وقْتِها، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَتَكَرَّرُ مِنهم، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ دَلِيلِ إحْياءِ المَوْتى وذِكْرُ إلْحادِ المُشْرِكِينَ في دَلالَتِهِ بِسُؤالِهِمْ عَنْها اسْتِهْزاءً انْتَقَلَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ سُؤالِهِمْ تَمْهِيدًا لِلْجَوابِ عَنْ ظاهِرِهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ إلى اللَّهِ يُفَوَّضُ عِلْمُ السّاعَةِ لا إلَيَّ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أيِ الأجْدَرُ أنْ تَعْلَمُوا أنْ لا يَعْلَمَ أحَدٌ مَتى السّاعَةُ وأنْ تُؤْمِنُوا بِها وتَسْتَعِدُّوا لَها. ومِثْلُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ وسَألَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ لَهُ: ماذا أعْدَدْتَ لَها»، أيِ اسْتِعْدادُكَ لَها أوْلى بِالِاعْتِناءِ مِن أنْ تَسْألَ عَنْ وقْتِها.
والرَّدُّ: الإرْجاعُ وهو مُسْتَعْمَلٌ لِتَفْوِيضِ عِلْمِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ والتَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونَ لِلْمَسْئُولِ عِلْمٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ جِيءَ بِالسُّؤالِ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فَرَدَّهُ إلى اللَّهِ. وفي حَدِيثِ مُوسى مَعَ الخَضِرِ في الصَّحِيحِ: ”«فَعاتَبَ اللَّهُ مُوسى أنْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ» “، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٨٣] الآيَةَ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ وما بَعْدَها، تَوْجِيهٌ لِصَرْفِ العِلْمِ بِوَقْتِ السّاعَةِ إلى اللَّهِ بِذِكْرِ نَظائِرَ لا يَعْلَمُها النّاسُ، ولَيْسَ عِلْمُ السّاعَةِ
صفحة ٦
بِأقْرَبَ مِنها فَإنَّها أُمُورٌ مُشاهَدَةٌ ولا يَعْلَمُ تَفْصِيلَ حالِها إلّا اللَّهُ، أيْ فَلَيْسَ في عَدَمِ العِلْمِ بِوَقْتِ السّاعَةِ حُجَّةٌ عَلى تَكْذِيبِ مَن أنْذَرَ بِها، لِأنَّهم قالُوا ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، أيْ إنْ لَمْ تُبَيِّنْ لَنا وقْتَهُ فَلَسْتَ بِصادِقٍ. فَهَذا وجْهُ ذِكْرِ تِلْكَ النَّظائِرِ، وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ:
أوَّلُها: عِلْمُ ما تُخْرِجُهُ أكْمامُ النَّخِيلِ مِنَ الثَّمَرِ بِقَدْرِهِ، وجَوْدَتِهِ، وثَباتِهِ أوْ سُقُوطِهِ، وضَمِيرُ (أكْمامِها) راجِعٌ إلى الثَّمَراتِ. والأكْمامُ: جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وهو وِعاءُ الثَّمَرِ وهو الجُفُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلَةِ مُحْتَوِيًا عَلى طَلْعِ الثَّمَرِ.
ثانِيها: حَمْلُ الأُنْثى مِنَ النّاسِ والحَيَوانِ، ولا يَعْلَمُ الَّتِي تُلَقَّحُ مِنَ الَّتِي لا تُلَقَّحُ إلّا اللَّهُ.
ثالِثُها: وقْتُ وضْعِ الأجِنَّةِ؛ فَإنَّ الإناثَ تَكُونُ حَوامِلَ مُثْقَلَةً ولا يَعْلَمُ وقْتَ وضْعِها بِاليَوْمِ والسّاعَةِ إلّا اللَّهُ.
وعُدِلَ عَنْ إعادَةِ حَرْفِ (ما) مَرَّةً أُخْرى لِلتَّفادِي مِن ذِكْرِ حَرْفٍ واحِدٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ تَساوِيَ هَذِهِ المَنفِيّاتِ الثَّلاثَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي كَوْنِ أزْمانِ حُصُولِها سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ يَسُدُّ عَلَيْنا بابَ ادِّعاءِ الجُمْهُورِ الفَرْقَ بَيْنَ (ما) و(لا) في تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِزَمانِ الحالِ مَعَ حَرْفِ (ما) وتَخْلِيصِهِ لِلِاسْتِقْبالِ مَعَ حَرْفِ (لا) . ويُؤَيِّدُ رَدَّ ابْنِ مالِكٍ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ الحَقَّ في جانِبِ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ:
وحَرْفُ (مِن) بَعْدَ مَدْخُولَيْ (ما) في المَوْضِعَيْنِ لِإفادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ ويُسَمّى حَرْفًا زائِدًا.
والباءُ في (بِعِلْمِهِ) لِلْمُلابَسَةِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (ثَمَراتٍ) بِالجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (ثَمَرَةٍ) واحِدَةِ الثَّمَراتِ.
* * *
صفحة ٧
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ .
عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها فَإنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ بِأنَّ عَدَمَ بَيانِ وقْتِها يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ حُصُولِها، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِنَظائِرَ لِوَقْتِ السّاعَةِ مِمّا هو جارٍ في الدُّنْيا دَوْمًا - عادَ الكَلامُ إلى شَأْنِ السّاعَةِ عَلى وجْهِ الإنْذارِ مُقْتَضِيًا إثْباتَ وُقُوعِ السّاعَةِ بِذِكْرِ بَعْضِ ما يَلْقَوْنَهُ في يَوْمِها.
و(يَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ شائِعٍ حَذْفُهُ في القُرْآنِ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ.
والضَّمِيرُ في (يُنادِي) عائِدٌ إلى رَبِّكَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، والنِّداءُ كِنايَةٌ عَنِ الخِطابِ العَلَنِيِّ كَقَوْلِهِ: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ (أيْنَ شُرَكائِي) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] . وحَذْفُ القَوْلِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ.
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِما تَضَمَّنَهُ (يُنادِيهِمْ) مِن مَعْنى الكَلامِ المُعْلَنِ بِهِ. وجاءَتْ جُمْلَةُ (﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾) غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ لِأنَّها جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ. إلى قَوْلِهِ: ما لا تَعْلَمُونَ.
و(﴿آذَنّاكَ﴾): أخْبَرْناكَ وأعْلَمْناكَ. وأصْلُ هَذا الفِعْلِ مُشْتَقٌّ مِن الِاسْمِ الجامِدِ وهو الأُذْنُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الذّالِ. قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
صفحة ٨
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ
وصِيغَةُ الماضِي في (﴿آذَنّاكَ﴾) إنْشاءٌ، فَهو بِمَعْنى الحالِ مِثْلَ: بِعْتُ وطَلَّقْتُ، أيْ نَأْذَنُكَ ونُقِرُّ بِأنَّهُ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ.
والشَّهِيدُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُشاهِدُ، أيِ المُبْصِرُ، أيْ ما أحَدٌ مِنّا يَرى الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوهم شُرَكاءَكَ الآنَ، أيْ لا نَرى واحِدًا مِنَ الأصْنامِ الَّتِي كُنّا نَعْبُدُها، فَتَكُونُ جُمْلَةُ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوَ الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ بِمَعْنى الشّاهِدِ، أيْ ما مِنّا أحَدٌ يَشْهَدُ أنَّهم شُرَكاؤُكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِكَذِبِهِمْ فِيما مَضى، وتَكُونُ جُمْلَةُ (وضَلَّ عَنْهم) مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ (﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾) أيْ قالُوا ذَلِكَ ولَمْ يَجِدُوا واحِدًا مِن أصْنامِهِمْ.
وفِعْلُ (﴿آذَنّاكَ﴾) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُرُودِ النَّفْيِ بَعْدَهُ.
و(ضَلَّ): حَقِيقَتُهُ غابَ عَنْهم، أيْ لَمْ يَجِدُوا ما كانُوا يَدْعُونَهم مِن قَبْلُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: بَلْ ضَلُّوا عَنْهم. فالمُرادُ هُنا: غَيْبَةُ أصْنامِهِمْ عَنْهم وعَدَمُ وُجُودِها في تِلْكَ الحَضْرَةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِها مُلْقاةً في جَهَنَّمَ أوْ بَقِيَتْ في العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ حِينَ فَنائِهِ.
وإذْ لَمْ يَجِدُوا ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم، أيْ لا مَلْجَأ لَهم مِنَ العَذابِ الَّذِي شاهَدُوا إعْدادَهُ، فالظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ.
والمَحِيصُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ مِن: حاصَ يَحِيصُ: إذا هَرَبَ، أيْ ما لَهم مَفَرٌّ مِنَ النّارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences