Ibn 'AshurFussilat · 41:49–52

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:49–52

41:49Page 482

لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ ٤٩

Man is not weary of supplication for good [things], but if evil touches him, he is hopeless and despairing.

صفحة ٩

﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] .

اعْتِراضٌ بَيْنَ أجْزاءِ الوَعِيدِ. والمَعْنى: وعَلِمُوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ. وقَدْ كانُوا إذا أصابَتْهم نَعْماءُ كَذَّبُوا بِقِيامِ السّاعَةِ. فَجُمْلَةُ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (﴿قَنُوطٌ﴾) تَمْهِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا﴾ [فصلت: ٥٠] إلَخْ. . .

ومَوْقِعُ هَذِهِ الآياتِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ﴾ [فصلت: ٤٧] إلَخْ يَقْتَضِي مُناسَبَةً في النَظْمِ داعِيَةً إلى هَذا الِاعْتِراضِ فَتِلْكَ قاضِيَةٌ بِأنَّ الإنْسانَ المُخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَسْأمُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ هو مِن صِنْفِ النّاسِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُ قَصَصِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرِيقًا مِن نَوْعِ الإنْسانِ، فَيَكُونَ تَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ العامِّ لَكِنَّ عُمُومَهُ عُرْفِيٌّ بِالقَرِينَةِ وهو المُمَثَّلُ لَهُ في عِلْمِ المَعانِي بِقَوْلِكَ: جَمَعَ الأمِيرُ الصّاغَةَ. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْسانًا مُعَيَّنًا مِن هَذا الصِّنْفِ فَيَكُونَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ العَهْدِ. كَما أنَّ الإخْبارَ عَنِ الإنْسانِ بِأنَّهُ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠]، صَرِيحٌ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مُعَيَّنًا كانَ أوْ عامًّا عُمُومًا عُرْفِيًّا. فَقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ: المُشْرِكُونَ كُلُّهم، وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ مُشْرِكٌ مُعَيَّنٌ، قِيلَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وأيًّا ما كانَ فالإخْبارُ عَنِ إنْسانٍ كافِرٍ.

ومَحْمَلُ الكَلامِ البَلِيغِ يُرْشِدُ إلى أنَّ إناطَةَ هَذِهِ الأخْبارِ بِصِنْفٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ بِمُشْرِكٍ مُعَيَّنٍ بِعُنْوانِ إنْسانٍ يُومِئُ بِأنَّ لِلْجِبِلَّةِ الإنْسانِيَّةِ أثَرًا قَوِيًّا في الخُلُقِ الَّذِي مِنهُ هَذِهِ العَقِيدَةُ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ بِوازِعِ الإيمانِ. فَأصْلُ هَذا الخُلُقِ أمْرٌ مُرْتَكِزٌ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهو التَّوَجُّهُ إلى طَلَبِ المُلائِمِ والنّافِعِ، ونِسْيانُ ما عَسى أنْ يَحِلَّ بِهِ مِنَ المُؤْلِمِ والضّارِّ، فَبِذَلِكَ يَأْنَسُ بِالخَيْرِ إذا حَصَلَ لَهُ فَيَزْدادُ مِنَ السَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِ ويَحْسَبُهُ كالمُلازِمِ الذّاتِيِّ فَلا يَتَدَبَّرُ في مُعْطِيهِ حَتّى يَشْكُرَهُ ويَسْألَهُ المَزِيدَ تَخَضُّعًا،

صفحة ١٠

ويَنْسى ما عَسى أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِ مِنَ الضُّرِّ فَلا يَسْتَعِدُّ لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِسُؤالِ الفاعِلِ المُخْتارِ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ ويُعِيذَهُ مِنهُ.

فَأمّا أنَّ الإنْسانَ لا يَسْأمُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ فَمَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكْتَفِي، فَأطْلَقَ عَلى الِاكْتِفاءِ والِاقْتِناعِ السَّآمَةَ. وهي المَلَلُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ اسْتِرْسالِ الإنْسانِ في طَلَبِ الخَيْرِ عَلى الدَّوامِ بِالعَمَلِ الدّائِمِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَسْأمَ مِنهُ عامِلُهُ فَنَفْيُ السَّآمَةِ عَنْهُ رَمْزٌ لِلِاسْتِعارَةِ.

وفِي الحَدِيثِ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مَن ذَهَبٍ لَأحَبَّ لَهُما ثالِثًا، ولَوْ أنَّ لَهُ ثَلاثَةً لَأحَبَّ لَهُما رابِعًا، ولا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ»، وقالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] .

والدُّعاءُ: أصْلُهُ الطَّلَبُ بِالقَوْلِ، وهو هُنا مَجازٌ في الطَّلَبِ مُطْلَقًا فَتَكُونُ إضافَتُهُ إلى الخَيْرِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى ما في مَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الدُّعاءُ بِالخَيْرِ أوْ طَلَبُ الخَيْرِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً، شَبَّهَ الخَيْرَ بِعاقِلٍ يَسْألُهُ الإنْسانُ أنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ، فَإضافَةُ الدُّعاءِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.

وأمّا أنَّ الإنْسانَ يَئُوسٌ قُنُوطٌ إنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَذَلِكَ مِن خُلُقِ قِلَّةِ صَبْرِ الإنْسانِ عَلى ما يُتْعِبُهُ ويَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَضْجَرُ إنْ لَحِقَهُ شَرٌّ ولا يُوازِي بَيْنَ ما كانَ فِيهِ مِن خَيْرٍ فَيَقُولُ: لَئِنْ مَسَّنِيَ الشَّرُّ زَمَنًا لَقَدْ حَلَّ بِيَ الخَيْرُ أزْمانًا، فَمِنَ الحَقِّ أنْ أتَحَمَّلَ ما أصابَنِي كَما نَعِمْتُ بِما كانَ لِي مِن خَيْرٍ، ثُمَّ لا يَنْتَظِرُ إلى حِينِ انْفِراجِ الشَّرِّ عَنْهُ ويَنْسى الإقْبالَ عَلى سُؤالِ اللَّهِ أنْ يَكْشِفَ عَنْهُ الضُّرَّ بَلْ يَيْأسُ ويَقْنَطُ غَضَبًا وكِبْرًا ولا يَنْتَظِرُ مُعاوَدَةَ الخَيْرِ ظاهِرًا عَلَيْهِ أثَرُ اليَأْسِ بِانْكِسارٍ وحُزْنٍ.

واليَأْسُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ هو: اعْتِقادُ عَدَمِ حُصُولِ المَأْيُوسِ مِنهُ.

والقُنُوطُ: انْفِعالٌ يُدْنِي مِن أثَرِ اليَأْسِ وهو انْكِسارٌ وتَضاؤُلٌ. ولَمْ يَذْكُرْ هُنا أنَّهُ ذُو دُعاءٍ لِلَّهِ كَما ذَكَرَ في قَوْلِهِ الآتِي: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] لِأنَّ المَقْصُودَ أهْلُ الشِّرْكِ وهم إنَّما يَنْصَرِفُونَ إلى أصْنامِهِمْ.

صفحة ١١

وقَدْ جاءَتْ تَرْبِيَةُ الشَّرِيعَةِ لِلْأُمَّةِ عَلى ذَمِّ القُنُوطِ؛ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وفي الحَدِيثِ: «انْتِظارُ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ عِبادَةٌ» .

فالآيَةُ وصَفَتْ خُلُقَيْنِ ذَمِيمَيْنِ: أحَدُهُما خُلُقُ البَطَرِ بِالنِّعْمَةِ والغَفْلَةِ عَنْ شُكْرِ اللَّهِ عَلَيْها. وثانِيهِما اليَأْسُ مِن رُجُوعِ النِّعْمَةِ عِنْدَ فَقْدِها.

وفِي نَظْمِ الآيَةِ لَطائِفُ مِنَ البَلاغَةِ:

الأُولى: التَّعْبِيرُ عَنْ دَوامِ طَلَبِ النِّعْمَةِ بِعَدَمِ السَّآمَةِ كَما عَلِمْتَهُ.

الثّانِيَةُ: التَّعْبِيرُ عَنْ مَحَبَّةِ الخَيْرِ بِدُعاءِ الخَيْرِ.

الثّالِثَةُ: التَّعْبِيرُ عَنْ إضافَةِ الضُّرِّ بِالمَسِّ الَّذِي هو أضْعَفُ إحْساسٍ بِالإصابَةِ؛ قالَ تَعالى لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ.

الرّابِعَةُ: اقْتِرانُ شَرْطِ مَسِّ الشَّرِّ بِـ (إنْ) الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَدْخُلَ عَلى النّادِرِ وُقُوعُهُ فَإنَّ إصابَةَ الشَّرِّ الإنْسانَ نادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِما هو مَغْمُورٌ بِهِ مِنَ النِّعَمِ.

الخامِسَةُ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ في (يَئُوسٌ) .

السّادِسَةُ: إتْباعُ (يَئُوسٌ) بِـ (قَنُوطٌ) الَّذِي هو تَجاوُزُ إحْساسِ اليَأْسِ إلى ظاهِرِ البَدَنِ بِالِانْكِسارِ، وهو مِن شِدَّةِ يَأْسِهِ، فَحَصَلَتْ مُبالَغَتانِ في التَّعْبِيرِ عَنْ يَأْسِهِ بِأنَّهُ اعْتِقادٌ في ضَمِيرِهِ وانْفِعالٌ في سَحَناتِهِ.

فالمُشْرِكُ يَتَأصَّلُ فِيهِ هَذا الخُلُقُ ويَتَزايَدُ بِاسْتِمْرارِ الزَّمانِ، والمُؤْمِنُ لا تَزالُ تَرْبِيَةُ الإيمانِ تَكُفُّهُ عَنْ هَذا الخُلُقِ حَتّى يَزُولَ مِنهُ أوْ يَكادَ.

ثُمَّ بَيَّنَتِ الآيَةُ خُلُقًا آخَرَ في الإنْسانِ وهو أنَّهُ إذا زالَ عَنْهُ كَرْبُهُ وعادَتْ إلَيْهِ النِّعْمَةُ نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ ولَمْ يَتَفَكَّرْ في لُطْفِ اللَّهِ بِهِ فَبَطِرَ النِّعْمَةَ، وقالَ: قَدِ اسْتَرْجَعْتُ خَيْراتِي بِحِيلَتِي وتَدْبِيرِي، وهَذا الخَيْرُ حَقٌّ لِي حَصُلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا كانَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ - وهُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم - تَراهُ إذا سَمِعَ إنْذارَ النَّبِيءِ ﷺ بِقِيامِ السّاعَةِ أوْ هَجَسَ في نَفْسِهِ هاجِسُ عاقِبَةِ هَذِهِ الحَياةِ قالَ لِمَن يَدْعُوهُ إلى العَمَلِ لِيَوْمِ

صفحة ١٢

الحِسابِ أوْ قالَ في نَفْسِهِ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠] ولَئِنْ فَرَضْتُ قِيامَ السّاعَةِ عَلى احْتِمالٍ ضَعِيفٍ فَإنِّي سَأجِدُ عِنْدَ اللَّهِ المُعامَلَةَ بِالحُسْنى لِأنِّي مِن أهْلِ الثَّراءِ والرَّفاهِيَةِ في الدُّنْيا فَكَذَلِكَ سَأكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مِن سُوءِ اعْتِقادِهِمْ أنْ يَحْسَبُوا أحْوالَ الدُّنْيا مُقارِنَةً لَهم في الآخِرَةِ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ العاصِي بْنِ وائِلٍ حِينَ اقْتَضاهُ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ مالًا لَهُ عِنْدَهُ مِن أجْرِ صِناعَةِ سَيْفٍ فَقالَ لَهُ: حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ؟ فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ويَبْعَثَكَ، فَقالَ: أوَإنِّي لَمَيِّتٌ فَمَبْعُوثٌ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ: لَئِنْ بَعَثَنِي اللَّهُ فَسَيَكُونُ لِي مالِي فَأقْضِيكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآياتِ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

ولَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما في مَقالَةِ العاصِي بْنِ وائِلٍ.

وذِكْرُ إنْكارِ البَعْثِ هُنا إدْماجٌ بِذِكْرِ أحْوالِ الإنْسانِ المُشْرِكِ في عُمُومِ أحْوالِ الإنْسانِ.

وجِيءَ في حِكايَةِ قَوْلِهِ (﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ﴾ [فصلت: ٥٠]) بِحَرْفِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي يَغْلِبُ وُقُوعُها في الشَّرْطِ المَشْكُوكِ وُقُوعُهُ لِأنَّهُ جَعَلَ رُجُوعَهُ إلى اللَّهِ أمْرًا مَفْرُوضًا ضَعِيفَ الِاحْتِمالِ.

وأمّا دُخُولُ اللّامِ المُوطِئَةِ لِلْقَسَمِ عَلَيْهِ فَمَوْرِدُ التَّحْقِيقِ بِالقِسَمِ هو حُصُولُ الجَوابِ لَوْ حَصَلَ الشَّرْطُ.

وكَذَلِكَ التَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ مَوْرِدُهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ (لِي) و(عِنْدَهُ) عَلى اسْمِ (إنَّ) هو لِتَقَوِّي تَرَتُّبِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ.

والحُسْنى: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الحالَةُ الحُسْنى، أوِ المُعامَلَةُ الحُسْنى. والأظْهَرُ أنَّ الحُسْنى صارَتِ اسْمًا لِلْإحْسانِ الكَثِيرِ أخْذًا مِن صِيغَةِ التَّفْضِيلِ.

واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مُتَفاوِتَةٌ أفْرادُهُ في هَذا الخُلُقِ المَعْزُوِّ إلَيْهِ هُنا عَلى تَفاوُتِ أفْرادِهِ في الغُرُورِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ المُشْرِكِينَ كانَ هَذا الخُلُقُ فاشِيًا فِيهِمْ

صفحة ١٣

يَقْتَضِيهِ دِينُ الشِّرْكِ. ولا نَظَرَ في الآيَةِ لِمَن كانَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُمُ النّادِرُ، عَلى أنَّ المُسْلِمَ قَدْ يُخامِرُهُ بَعْضُ هَذا الخُلُقِ وتَرْتَسِمُ فِيهِ شِياتٌ مِنهُ ولَكِنَّ إيمانَهُ يَصْرِفُهُ عَنْهُ انْصِرافًا بِقَدْرِ قُوَّةِ إيمانِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَبْلُغُ بِهِ إلى الحَدِّ الَّذِي يَقُولُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠] ولَكِنَّهُ قَدْ تَجْرِي أعْمالُ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَلى صُورَةِ أعْمالِ مَن لا يَظُنُّ أنَّ السّاعَةَ قائِمَةٌ مِثْلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَأْتُونَ السَّيِّئاتِ ثُمَّ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ عَذابِنا، وإذا ذُكِرَ لَهم يَوْمُ الجَزاءِ قالُوا: ما ثَمَّ إلّا الخَيْرُ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَذَمَّةً لِلْمُشْرِكِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ كَمَدًا لِلْأوَّلِينَ وانْتِشالًا لِلْآخِرِينَ.

41:50Page 482

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنَّا مِنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّجِعۡتُ إِلَىٰ رَبِّيٓ إِنَّ لِي عِندَهُۥ لَلۡحُسۡنَىٰۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٠

And if We let him taste mercy from Us after an adversity which has touched him, he will surely say, "This is [due] to me,1 and I do not think the Hour will occur; and [even] if I should be returned to my Lord, indeed, for me there will be with Him the best." But We will surely inform those who disbelieved about what they did, and We will surely make them taste a massive punishment.

﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ [فصلت: ٤٧] وما اتَّصَلَ بِها؛ أيْ فَلَنُعْلِمَنَّهم بِما عَمِلُوا عَلَنًا يَعْلَمُونَ بِهِ أنّا لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا عَمِلُوهُ وتَقْرِيعًا لَهم.

وقَوْلُ الَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ولَنُنَبِّئَنَّهم بِما عَمِلُوا، فَعَدَلَ إلى المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن عِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمُ الإذاقَةَ بِما عَمِلُوا وإذاقَةَ العَذابِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ هو المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ.

والغَلِيظُ حَقِيقَتُهُ: الصُّلْبُ، قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقَوِيِّ في نَوْعِهِ، أيْ عَذابٍ شَدِيدِ الإيلامِ والتَّعْذِيبِ، كَما اسْتُعِيرَ لِلْقَساوَةِ في المُعامَلَةِ في قَوْلِهِ: واغْلُظْ عَلَيْهِمْ وقَوْلِهِ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] .

الإذاقَةُ: مَجازٌ في مُطْلَقِ الإصابَةِ في الحِسِّ لِإطْماعِهِمْ أنَّها إصابَةٌ خَفِيفَةٌ كَإصابَةِ الذَّوْقِ بِاللِّسانِ. وهَذا تَجْرِيدٌ لِلْمَجازِ كَما أنَّ وصْفَهُ بِالغَلِيظِ تَجْرِيدٌ ثانٍ فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ ابْتِداءٌ مُطْمِعٌ وانْتِهاءٌ مُؤْيِسٌ.

41:51Page 482

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ ٥١

And when We bestow favor upon man, he turns away and distances himself; but when evil touches him, then he is full of extensive supplication.

صفحة ١٤

﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ .

هَذا وصْفٌ وتَذْكِيرٌ بِضَرْبٍ آخَرَ مِن طُغْيانِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ غَيْرِ خاصٍّ بِأهْلِ الشِّرْكِ بَلْ هو مُنْبَثٌّ في جَمِيعِ النّاسِ عَلى تَفاوُتٍ، إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ. وهو تَوْصِيفٌ لِنَزَقِ النَّفْسِ الإنْسانِيِّ وقِلَّةِ ثَباتِهِ فَإذا أصابَتْهُ السَّرّاءُ طَغا وتَكَبَّرَ ونَسِيَ شُكْرَ رَبِّهِ نِسْيانًا قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا وشُغِلَ بِلَذّاتِهِ، وإذا أصابَتْهُ الضَّرّاءُ لَمْ يَصْبِرْ وجَزِعَ ولَجَأ إلى رَبِّهِ يُلِحُّ بِسُؤالِ كَشْفِ الضَّرّاءِ عَنْهُ سَرِيعًا. وفي ذِكْرِ هَذا الضَّرْبِ تَعَرُّضٌ لِفِعْلِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ الخَلَّتَيْنِ: السَّرّاءِ والضَّرّاءِ.

وهُوَ نَقْدٌ لِسُلُوكِ الإنْسانِ في الحالَتَيْنِ وتَعْجِيبٌ مِن شَأْنِهِ. ومَحَلُّ النَّقْدِ والتَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِ ونَأْيِهِ بِجانِبِهِ واضِحٌ، وأمّا مَحَلُّ الِانْتِقادِ والتَّعْجِيبِ مِن أنَّهُ ذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ عِنْدَما يَمَسُّهُ الشَّرُّ فَهو مِن حَيْثُ لَمْ يَتَذَكَّرِ الإقْبالَ عَلى دُعاءِ رَبِّهِ إلّا عِنْدَما يَمَسُّهُ الشَّرُّ وكانَ الشَّأْنُ أنْ لا يَغْفُلَ عَنْ ذَلِكَ في حالِ النِّعْمَةِ فَيَدْعُوَ بِدَوامِها ويَشْكُرَ رَبَّهُ عَلَيْها وقَبُولِ شُكْرِهِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ أوْلى بِالعِنايَةِ مِن حالَةِ مَسِّ الضُّرِّ.

وأمّا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] إلى قَوْلِهِ (﴿لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]) فَهو وصْفٌ لِضَرْبٍ آخَرَ أشَدَّ، وهو خاصٌّ بِأهْلِ الشِّرْكِ لِما وقَعَ فِيهِ مِن قَوْلِهِ: وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً، فَلَيْسَ قَوْلُهُ: وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ إلَخْ تَكْرِيرًا مَعَ قَوْلِهِ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ [فصلت: ٤٩] الآيَةَ.

فَهَذا التَّفَنُّنُ في وصْفِ أحْوالِ الإنْسانِ مَعَ رَبِّهِ هو الَّذِي دَعا إلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وإذا أنْعَمْنا) مِن بَعْضِ التَّكْرِيرِ لِما ذَكَرَ في الضَّرْبِ المُتَقَدِّمِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ الحالَتَيْنِ بِاعْتِبارِ الشِّرْكِ وعَدَمِهِ مَعَ اتِّحادِهِما في مَثارِ الجِبِلَّةِ الإنْسانِيَّةِ، وبِاعْتِبارِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لِلْإنْسانِ.

والإعْراضُ: الِانْصِرافُ عَنْ شَيْءٍ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْغَفْلَةِ عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ أوِ التَّعَمُّدِ لِتَرْكِ الشُّكْرِ.

صفحة ١٥

ومُتَعَلِّقُ فِعْلِ (أعْرَضَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أعْرَضَ عَنْ دُعائِنا.

والنَّأْيُ: البُعْدُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في المُنْعِمِ عَلَيْهِ، فَشَبَّهَ عَدَمَ اشْتِغالِهِ بِذَلِكَ بِالبُعْدِ.

والجانِبُ لِلْإنْسانِ: مُنْتَهى جِسْمِهِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَيْسَتا قُبالَةَ وجْهِهِ وظَهْرِهِ، ويُسَمّى الشِّقَّ، والعِطْفَ بِكَسْرِ العَيْنِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى: أبْعَدَ جانِبَهُ، كِنايَةً عَنْ إبْعادِ نَفْسِهِ، أيْ ولّى مُعْرِضًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ بِوَجْهِهِ إلى الشَّيْءِ الَّذِي ابْتَعَدَ هو عَنْهُ.

ومَعْنى (مَسَّهُ الشَّرُّ): أصابَهُ شَرٌّ بِسَبَبٍ عادِيٍّ. وعَدَلَ عَنْ إسْنادِ إصابَةِ الشَّرِّ إلى اللَّهِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ مَعَ اللَّهِ كَما قالَ إبْراهِيمُ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ إلَخْ. ثُمَّ قالَ: وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ فَلَمْ يَقُلْ: وإذا أمْرَضَنِي، وفي ذَلِكَ سِرٌّ؛ وهو أنَّ النِّعَمَ والخَيْرَ مُسَخَّرانِ لِلْإنْسانِ في أصْلِ وضْعِ خِلْقَتِهِ فَهُما الغالِبانِ عَلَيْهِ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ نامُوسِ بَقاءِ النَّوْعِ. وأمّا الشُّرُورُ والأضْرارُ فَإنَّ مُعْظَمَها يَنْجَرُّ إلى الإنْسانِ بِسُوءِ تَصَرُّفِهِ وبِتَعَرُّضِهِ إلى ما حَذَّرَتْهُ مِنهُ الشَّرائِعُ والحُكَماءُ المُلْهَمُونَ فَقَلَّما يَقَعُ فِيهِما الإنْسانُ إلّا بِعَمَلِهِ وجُرْأتِهِ.

والدُّعاءُ: الدُّعاءُ لِلَّهِ بِكَشْفِ الشَّرِّ عَنْهُ. ووَصْفُهُ بِالعَرِيضِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ العَرْضَ بِفَتْحِ العَيْنِ (ضِدُّ الطُّولِ)، والشَّيْءُ العَرِيضُ هو المُتَّسِعُ مِساحَةَ العَرْضِ، فَشَبَّهَ الدُّعاءَ المُتَكَرِّرَ المُلِحَّ فِيهِ بِالثَّوْبِ أوِ المَكانِ العَرِيضِ.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: فَداعٍ، إلى (ذُو دُعاءٍ) لِما تُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ (ذُو) مِن مُلازَمَةِ الدُّعاءِ لَهُ وتَمَلُّكِهِ مِنهُ.

والدُّعاءُ إلى اللَّهِ مِن شِيَمِ المُؤْمِنِينَ وهم مُتَفاوِتُونَ في الإكْثارِ مِنهُ والإقْلالِ عَلى تَفاوُتِ مُلاحَظَةِ الحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ.

وتَوَجُّهُ المُشْرِكِينَ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ هو أقْوالٌ تَجْرِي عَلى ألْسِنَتِهِمْ تَوارَثُوها مِن عاداتٍ سالِفَةٍ مِن أزْمانِ تَدَيُّنِهِمْ بِالحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ عِبادَةُ الأصْنامِ وتَتَأصَّلَ فِيهِمْ؛ فَإذا دَعَوُا اللَّهَ غَفَلُوا عَنْ مُنافاةِ أقْوالِهِمْ لِعَقائِدِ شِرْكِهِمْ.

41:52Page 482

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٢

Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] is from Allāh and you disbelieved in it, who would be more astray than one who is in extreme dissension?"

صفحة ١٦

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] إلى قَوْلِهِ: لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ فَهَذا انْتِقالٌ إلى المُجادَلَةِ في شَأْنِ القُرْآنِ رَجَعَ بِهِ إلى الغَرَضِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وهو بَيانُ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وصِدْقِهِ وصِدْقِ مَن جاءَ بِهِ.

وهَذا اسْتِدْعاءٌ لِيُعْمِلُوا النَّظَرَ في دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ مِثْلَ إعْجازِهِ وانْتِساقِهِ وتَأْيِيدِ بَعْضِهِ بَعْضًا وكَوْنِهِ مُؤَيِّدًا لِلْكُتُبِ قَبْلَهُ، وكَوْنِ تِلْكَ الكُتُبِ مُؤَيِّدَةً لَهُ.

والمَعْنى: ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن إنْكارِ صِدْقِ القُرْآنِ لَيْسَ صادِرًا عَنْ نَظَرٍ وتَمْحِيصٍ يُحَصِّلُ اليَقِينَ وإنَّما جازَفْتُمْ بِهِ قَبْلَ النَّظَرِ فَلَوْ تَأمَّلْتُمْ لاحْتَمَلَ أنْ يُنْتِجَ لَكُمُ التَّأمُّلُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنْ لا يَكُونَ مِن عِنْدِهِ، فَإذا فُرِضَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَقَدْ أقْحَمْتُمْ أنْفُسَكم في شِقاقٍ قَوِيٍّ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ واقْتَصَرَ فِيهِ عَلى ذِكْرِ الحالَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى صِفاتِهِمْ تَعْرِيضًا بِأنَّ ذَلِكَ هو الطَّرَفُ الرّاجِحُ في هَذا الإجْمالِ كَأنَّهُ يَقُولُ: كَما أنَّكم قَضَيْتُمْ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَتَعالَوْا فَتَأمَّلُوا في الدَّلائِلِ، فَهم لَمّا أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وعامَّتَهم عَنْ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ فَقَدْ أعْمَلُوا شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ وأهْمَلُوا الأخْذَ بِالحِيطَةِ لَهم بِأنْ يَتَدَبَّرُوهُ حَتّى يَكُونُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن أمْرِهِمْ في شَأْنِهِ، وهو إذا تَدَبَّرُوهُ لا يَلْبَثُونَ أنْ يَعْلَمُوا صِدْقَهُ، فاسْتَدْعاهُمُ اللَّهُ إلى النَّظَرِ بِطَرِيقِ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ إذا جازَ ذَلِكَ وكانُوا قَدْ كَفَرُوا بِهِ دُونَ تَأمُّلٍ كانُوا قَدْ قَضَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالضَّلالِ الشَّدِيدِ، وإذا كانُوا كَذَلِكَ فَقَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ الوَعِيدِ.

و(إنْ) الشَّرْطِيَّةُ شَأْنُها أنْ تَدْخُلَ عَلى الشَّرْطِ المَشْكُوكِ فِيهِ، فالإتْيانُ بِها إرْخاءٌ لِلْعِنانِ مَعَهم لِاسْتِنْزالِ طائِرِ إنْكارِهِمْ حَتّى يُقْبِلُوا عَلى التَّأمُّلِ في دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ.

ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهَذا الخِطابِ والتَّشْكِيكِ أوَّلًا دَهْماءَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ

صفحة ١٧

يَنْظُرُوا في دَلالَةِ القُرْآنِ أوْ لَمْ يُطِيلُوا النَّظَرَ ولَمْ يَبْلُغُوا بِهِ حَدَّ الِاسْتِدْلالِ.

وأمّا قادَتُهم وكُبَراؤُهم وأهْلُ العُقُولِ مِنهم فَهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَكِنَّهم غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ الرِّئاسَةِ عَلى أنَّهم مُتَفاوِتُونَ في هَذا العِلْمِ إلى أنْ يَبْلُغَ بَعْضُهم إلى حَدٍّ قَرِيبٍ مِن حالَةِ الدَّهْماءِ ولَكِنَّ القُرْآنَ ألْقى بَيْنَهم هَذا التَّشْكِيكَ تَغْلِيبًا ومُراعاةً لِاخْتِلافِ دَرَجاتِ المُعانِدِينَ ومُجاراةً لَهُمُ ادِّعاءَهم أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا نَظَرًا لِقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] .

و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ (﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ﴾) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ أمْرُهُ أخْطَرُ مِن كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

و(مَن) الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أضَلَّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ إذا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ.

و(مَن) الثّانِيَةِ مَوْصُولَةٌ وماصَدَقُها المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ (﴿كَفَرْتُمْ بِهِ﴾) فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى طَرِيقِ المَوْصُولِ لِما تَأْذَنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَعْلِيلِ أنَّهم أضَلُّ الضّالِّينَ بِكَوْنِهِمْ شَدِيدِي الشِّقاقِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ أشَدَّ الخَلْقِ عُقُوبَةً لِما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ الضَّلالَ سَبَبٌ لِلْخُسْرانِ.

والشِّقاقُ: العِصْيانُ. والمُرادُ: عِصْيانُ أمْرِ اللَّهِ لِظُهُورِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ عَلى هَذا الفَرْضِ بَيْنَنا.

والبَعِيدُ: الواسِعُ المَسافَةِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلتَّشْدِيدِ في جِنْسِهِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ لِلضَّلالِ لِأنَّ الضَّلالَ أصْلُهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ، وأنَّ البُعْدَ مُناسِبٌ لِلشِّقاقِ لِأنَّ المُنْشَقَّ قَدْ فارَقَ المُنْشَقَّ عَنْهُ فَكانَ فِراقُهُ بَعِيدًا لا رَجاءَ مَعَهُ لِلدُّنُوِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفِعْلُ (أرَأيْتُمْ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ؛ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском