Ibn 'AshurFussilat · 41:53–54

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:53–54

41:53Page 482

سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣

We will show them Our signs in the horizons and within themselves until it becomes clear to them that it is the truth.1 But is it not sufficient concerning your Lord that He is, over all things, a Witness?2

صفحة ١٨

﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ .

أعْقَبَ اللَّهُ أمْرَ رَسُولِهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ما فِيهِ تَخْوِيفُهم مِن عَواقِبِ الشِّقاقِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ إلى آخِرِ ما قُرِّرَ آنِفًا، بِأنْ وعَدَ رَسُولَهُ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ والبِشارَةِ بِأنَّ اللَّهَ سَيَغْمُرُ المُشْرِكِينَ بِطائِفَةٍ مِن آياتِهِ ما يَتَبَيَّنُونَ بِهِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقًّا فَلا يَسَعُهم إلّا الإيمانُ بِهِ، أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ بَيِّنٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى اعْتِرافِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، وسَتَظْهَرُ دَلائِلُ حَقِّيَّتِهِ في الآفاقِ البَعِيدَةِ عَنْهم وفي قَبِيلَتِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَتَتَظاهَرُ الدَّلائِلُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ فَلا يَجِدُوا إلى إنْكارِها سَبِيلًا، والمُرادُ: أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مَعَ جَمِيعِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ.

وفِي هَذا الوَعْدِ لِلرَّسُولِ ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ يَسْمَعُونَهُ عَلى طَرِيقَةِ: فاسْمَعِي يا جارَةُ.

فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِصَرِيحِها وتَعْرِيضِها مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِأمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما أُمِرَ بِهِ، والتَّعْلِيلُ راجِعٌ إلى إحالَتِهِمْ عَلى تَشْكِيكِهِمْ في مَوْقِفِهِمْ لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ.

وقَدْ سَكَتَ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ظُهُورِ الآياتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمُ المُبَيِّنَةِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] يُنْبِئُ عَنْ تَقْدِيرِهِ، أيْ لا يَسَعُهم إلّا الإيمانُ بِأنَّهُ حَقٌّ فَمَن كانَ مِنهم شاكًّا مِن قَبْلُ عَنْ قِلَّةِ تَبَصُّرٍ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بَعْدَ ذَلِكَ، ومَن كانَ إنَّما يَكْفُرُ عِنادًا واحْتِفاظًا بِالسِّيادَةِ افْتَضَحَ بُهْتانُهُ وسَفَّهَهُ جِيرانُهُ. وكِلاهُما قَدْ أفاتَ بِتَأْخِيرِ الإيمانِ خَيْرًا عَظِيمًا مِن خَيْرِ الآخِرَةِ بِما أضاعَهُ مِن تَزَوُّدِ ثَوابٍ في مُدَّةِ كُفْرِهِ ومِن خَيْرِ الدُّنْيا بِما فاتَهُ مِن شَرَفِ السَّبْقِ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ كَما قالَ تَعالى: لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَرَفٌ مِنَ الإعْجازِ بِالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ إذْ أخْبَرَتْ بِالوَعْدِ

صفحة ١٩

بِحُصُولِ النَّصْرِ لَهُ ولِدِينِهِ وذَلِكَ بِما يَسَّرَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ولِخُلَفائِهِ مِن بَعْدِهِ في آفاقِ الدُّنْيا والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ عامَّةً وفي باحَةِ العَرَبِ خاصَّةً مِنَ الفُتُوحِ وثَباتِها وانْطِباعِ الأُمَمِ بِها ما لَمْ تَتَيَسَّرْ أمْثالُها لِأحَدٍ مِن مُلُوكِ الأرْضِ والقَياصِرَةِ والأكاسِرَةِ عَلى قِلَّةِ المُسْلِمِينَ إنْ نُسِبَ عَدَدُهم إلى عَدَدِ الأُمَمِ الَّتِي فَتَحُوا آفاقَها بِنَشْرِ دَعْوَةِ الإسْلامِ في أقْطارِ الأرْضِ، والتّارِيخُ شاهِدٌ بِأنَّ ما تَهَيَّأ لِلْمُسْلِمِينَ مِن عَجائِبِ الِانْتِشارِ والسُّلْطانِ عَلى الأُمَمِ أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَتَبَيَّنُ أنَّ دِينَ الإسْلامِ هو الحَقُّ وأنَّ المُسْلِمِينَ كُلَّما تَمَسَّكُوا بِعُرى الإسْلامِ لَقُوا مِن نَصْرِ اللَّهِ أمْرًا عَجِيبًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ السّابِقُ واللّاحِقُ، وقَدْ تَحَدّاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [الرعد: ٤١] ثُمَّ قالَ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد: ٤٣] .

ولَمْ يَقِفْ ظُهُورُ الإسْلامِ عِنْدَ فَتْحِ المَمالِكِ والغَلَبِ عَلى المُلُوكِ والجَبابِرَةِ، بَلْ تَجاوَزَ ذَلِكَ إلى التَّغَلْغُلِ في نُفُوسِ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ فَتَقَلَّدُوهُ دِينًا وانْبَثَّتْ آدابُهُ وأخْلاقُهُ فِيهِمْ فَأصْلَحَتْ عَوائِدَهم ونُظُمَهُمُ المَدَنِيَّةَ المُخْتَلِفَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها فَأصْبَحُوا عَلى حَضارَةٍ مُتَماثِلَةٍ مُتَناسِقَةٍ وأوْجَدُوا حَضارَةً جَدِيدَةً سالِمَةً مِنَ الرُّعُونَةِ وتَفَشَّتْ لُغَةُ القُرْآنِ فَتَخاطَبَتْ بِها الأُمَمُ المُخْتَلِفَةُ الألْسُنِ وتَعارَفَتْ بِواسِطَتِها. ونَبَغَتْ فِيهِمْ فَطاحِلُ مِن عُلَماءِ الدِّينِ وعُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وأيِمَّةِ الأدَبِ العَرَبِيِّ وفُحُولِ الشُّعَراءِ ومَشاهِيرِ المُلُوكِ الَّذِينَ نَشَرُوا الإسْلامَ في المَمالِكِ بِفُتُوحِهِمْ.

فالمُرادُ بِالآياتِ في قَوْلِهِ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ ما يَشْمَلُ الدَّلائِلَ الخارِجَةَ عَنِ القُرْآنِ وما يَشْمَلُ آياتِ القُرْآنِ فَإنَّ مِن جُمْلَةِ مَعْنى رُؤْيَتِها رُؤْيَةَ ما يُصَدِّقُ أخْبارَها ويُبَيِّنُ نُصْحَها إيّاهم بِدَعْوَتِها إلى خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والآفاقُ: جَمْعُ أُفُقٍ بِضَمَّتَيْنِ وتُسَكَّنُ فاؤُهُ أيْضًا هو: النّاحِيَةُ مِنَ الأرْضِ المُتَمَيِّزَةُ عَنْ غَيْرِها، والنّاحِيَةُ مِن قُبَّةِ السَّماءِ.

وعَطْفُ (﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، أيْ وفي أُفُقِ أنْفُسِهِمْ، أيْ مَكَّةَ وما حَوْلَها عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

صفحة ٢٠

والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ (﴿فِي الآفاقِ﴾) عَلى عُمُومِهِ الشّامِلِ لِأُفُقِهِمْ، ويَكُونَ مَعْنى (﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾) أنَّهم يَرَوْنَ آياتِ صِدْقِهِ في أحْوالٍ تُصِيبُ أنْفُسَهم، أيْ ذَواتِهِمْ؛ مِثْلَ الجُوعِ الَّذِي دَعا عَلَيْهِمْ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ونَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، ومِثْلَ ما شاهَدُوهُ مِن مَصارِعِ كُبَرائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وقَدْ تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] . وأيَّةُ عِبْرَةٍ أعْظَمُ مِن مَقْتَلِ أبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ رَماهُ غُلامانِ مِنَ الأنْصارِ وتَوَلّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ذَبْحَهُ وثَلاثَتُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ وهو ذَلِكَ الجَبّارُ العَنِيدُ. وقَدْ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: لَوْ غَيْرَ أكّارٍ قَتَلَنِي، ومِن مَقْتَلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَئِذٍ بِيَدِ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ كانَ قالَ لَهُ بِمَكَّةَ: أنا أقْتُلُكَ وقَدْ أيْقَنَ بِذَلِكَ فَقالَ لِزَوْجِهِ لَيْلَةَ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ: واللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي.

* * *

﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .

عَطْفٌ عَلى إعْلامِ الرَّسُولِ بِما سَيَظْهَرُ مِن دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ زِيادَةً لِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ وشَرْحِ صَدْرِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لَهُ بِظُهُورِ دِينِهِ ووُضُوحِ صِدْقِهِ في سائِرِ أقْطارِ الأرْضِ وفي أرْضِ قَوْمِهِ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ تَحْقِيقًا لِتَيَقُّنِ النَّبِيءِ ﷺ بِكَفالَةِ رَبِّهِ بِحَيْثُ كانَتْ مِمّا يُقَرَّرُ عَلَيْها كِنايَةً عَنِ اليَقِينِ بِها، فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.

والمَعْنى: تَكْفِيكَ شَهادَةُ رَبِّكَ بِصِدْقِكَ فَلا تَلْتَفِتْ لِتَكْذِيبِهِمْ، وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] فَهَذا وجْهٌ في مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ.

وهُنالِكَ وجْهٌ آخَرُ أنْ يَكُونَ مَساقُها مَساقَ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَسْتَشْهِدَ بِاللَّهِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ مَوْقِعُها مَوْقِعَ القَسَمِ بِإشْهادِ اللَّهِ، وهو قَسَمٌ غَلِيظٌ فِيهِ مَعْنى نِسْبَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ إلى أنَّهُ مِمّا يَشْهَدُ اللَّهُ بِهِ فَيَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، إنْكارًا لِعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالقَسَمِ بِاللَّهِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ القَسَمِ، وعَنْ عَدَمِ

صفحة ٢١

تَصْدِيقِهِمْ بِالقَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ قَرِيبًا مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] .

ولَيْسَ مَعْنى الآيَةِ إنْكارًا عَلى المُشْرِكِينَ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِشَهادَةِ اللَّهِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ ولا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهم غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ شَهِدَ بِذَلِكَ فَلا يَظْهَرُ تَوَجُّهُ الإنْكارِ إلَيْهِمْ.

ولَقَدْ دَلَّتْ كَلِماتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرَدُّدٍ في اسْتِخْراجِ مَعْناها مِن لَفْظِها.

وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن بِرَبِّكَ والتَّقْدِيرُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ رَبُّكَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، أيْ فَهو يُحَقِّقُ ما وعَدَكَ مِن دَمْغِهِمْ بِالحُجَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ، أوْ فَمَنِ اسْتَشْهَدَ بِهِ فَقَدْ صَدَقَ لِأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ مَنِ اسْتَشْهَدَ بِهِ كاذِبًا فَلا يَلْبَثُ أنْ يَأْخُذَهُ.

وفِي الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيْ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ لا يُصَدِّقُ مَن كَذَبَ عَلَيْهِ فَلا يَتِمُّ لَهُ أمْرٌ وهو مَعْنى قَوْلِ أئِمَّةِ أُصُولِ الدِّينِ: إنَّ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ أنَّ تَغْيِيرَ اللَّهِ العادَةَ لِأجْلِ تَحَدِّي الرَّسُولِ ﷺ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: صَدَقَ عَبْدِي فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِّي.

41:54Page 482

أَلَآ إِنَّهُمۡ فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمۡۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطُۢ ٥٤

Unquestionably, they are in doubt about the meeting with their Lord. Unquestionably He is, of all things, encompassing.

﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ .

تَذْيِيلانِ لِلسُّورَةِ وفَذْلَكَتانِ افْتُتِحا بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمامًا بِما تَضَمَّناهُ.

فَأمّا التَّذْيِيلُ الأوَّلُ فَهو جِماعُ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ المُعانِدِينَ إذْ كانَتْ أحْوالُهُمُ المَذْكُورَةُ فِيها ناشِئَةً عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ فَكانُوا في مَأْمَنٍ مِنَ التَّفْكِيرِ فِيما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، فانْحَصَرَتْ مَساعِيهم في تَدْبِيرِ الحَياةِ الدُّنْيا وانْكَبُّوا عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْعِ فِيها.

صفحة ٢٢

وضَمِيرُ (إنَّهم) عائِدٌ إلَيْهِمْ كَما عادَ ضَمِيرُ الجَمْعِ في سَنُرِيهِمْ.

وأمّا التَّذْيِيلُ الثّانِي فَهو جامِعٌ لِكُلِّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِن إبْطالٍ لِأقْوالِهِمْ وتَقْوِيمٍ لِاعْوِجاجِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ بِهِما لا يَشُكُّ في ذَلِكَ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهِما واسْتِدْعاءِ النَّظَرِ لِاسْتِخْراجِ ما تَحْوِيانِهِ مِنَ المَعانِي والجُزْئِيّاتِ.

والمِرْيَةُ بِكَسْرِ المِيمِ وهو الأشْهَرُ فِيها واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ القِراءاتُ المُتَواتِرَةُ، وبِكَسْرِ المِيمِ وهو لُغَةٌ مِثْلَ: خِفْيَةٍ وخُفْيَةٍ. والمِرْيَةُ: الشَّكُّ. وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مُسْتَعارٌ لِتَمَكُّنِ الشَّكِّ بِهِمْ حَتّى كَأنَّهم مَظْرُوفُونَ فِيهِ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وتَعَدّى بِها أفْعالُ الشَّكِّ إلى الأمْرِ المَشْكُوكِ فِيهِ بِتَنْزِيلِ مُتَعَلِّقِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ مَثارِ الفِعْلِ بِتَشْبِيهِ المَفْعُولِ بِالمُنْشَأِ كَأنَّ الشَّكَّ جاءَ مِن مَكانٍ هو المَشْكُوكُ فِيهِ.

وفِي تَعْلِيقِهِ بِذاتِ الشَّيْءِ مَعَ أنَّ الشَّكَّ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ مُبالَغَةٌ عَلى طَرِيقَةِ إسْنادِ الأُمُورِ إلى الأعْيانِ والمُرادُ أوْصافُها، فَتَقْدِيرُ في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ: في مِرْيَةٍ مِن وُقُوعِ لِقاءِ رَبِّهِمْ وعَدَمِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ في رَيْبٍ مِن كَوْنِهِ مُنَزَّلًا.

وأطْلَقَ الشَّكَّ عَلى جَزْمِهِمْ بِعَدَمِ وُقُوعِ البَعْثِ لِأنَّ جَزْمَهم خَلِيٌّ عَنِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، فَكانَ إطْلاقُ الشَّكِّ عَلَيْهِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّ الأوْلى بِهِمْ أنْ يَكُونُوا في شَكٍّ عَلى الأقَلِّ.

ووَصْفُ اللَّهِ بِالمُحِيطِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ هو عِلْمُهُ فَأُسْنِدَتِ الإحاطَةُ إلى اسْمِ اللَّهِ لِأنَّ (المُحِيطَ) صِفَةٌ مِن أوْصافِهِ وهو العِلْمُ.

وبِهاتَيْنِ الفَذْلَكَتَيْنِ آذَنَ بِانْتِهاءِ الكَلامِ فَكانَ مِن بَراعَةِ الخِتامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском