Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:15–18

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:15–18

42:15Page 484

فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So to that [religion of Allāh] invite, [O Muḥammad],1 and remain on a right course as you are commanded and do not follow their inclinations but say, "I have believed in what Allāh has revealed of scripture [i.e., the Qur’ān], and I have been commanded to do justice among you. Allāh is our Lord and your Lord. For us are our deeds, and for you your deeds.2 There is no [need for] argument between us and you.3 Allāh will bring us together, and to Him is the [final] destination."

صفحة ٦٠

﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى آخِرِهِ، المُفَسَّرِ بَقَوْلِهِ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] المُخَلَّلِ بَعْضُهُ بِجُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ مِن قَوْلِهِ: كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ إلى (مَن يُنِيبُ) .

واللّامُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى المَذْكُورِ، أيْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِإقامَةِ الدِّينِ والنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ وتَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِلدَّعْوَةِ بِالتَّجَهُّمِ وتَلَقِّي المُؤْمِنِينَ لَها بِالقَبُولِ والإنابَةِ، وتَلَقِّي أهْلِ الكِتابِ لَها بِالشَّكِّ، أيْ فَلِأجَلِ جَمِيعِ ما ذُكِرَ فادْعُ واسْتَقِمْ، أيْ لِأجْلِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن حُصُولِ الِاهْتِداءِ لِمَن هَداهُمُ اللَّهُ ومِن تَبَرُّمِ المُشْرِكِينَ ومِن شَكِّ أهْلِ الكِتابِ فادْعُ.

ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (ادْعُ) لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أيِ ادْعُ المُشْرِكِينَ والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والَّذِينَ اهْتَدَوْا وأنابُوا.

وتَقْدِيمُ (لِذَلِكَ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو فِعْلُ (ادْعُ) لِلِاهْتِمامِ بِما احْتَوى عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ إذْ هو مَجْمُوعُ أسْبابٍ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في قَوْلِهِ فَلِذَلِكَ لامَ التَّقْوِيَةِ وتَكُونَ مَعَ مَجْرُورِها مَفْعُولَ (ادْعُ) والإشارَةُ إلى الدِّينِ مِن قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣] أيْ فادْعُ لِذَلِكَ الدِّينِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالدِّينِ.

وفِعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ (فادْعُ) مُسْتَعْمَلٌ في الدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ، وفي هَذا إبْطالٌ

صفحة ٦١

لِشُبْهَتِهِمْ في الجِهَةِ الثّالِثَةِ المُتَقَدِّمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ (فادْعُ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِفاءِ التَّفْرِيعِ الَّتِي قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الجَزاءِ لِما في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ مِن مُشابَهَةِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا.

والِاسْتِقامَةُ: الِاعْتِدالُ، والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: أجابَ واسْتَجابَ. والمُرادُ هُنا الِاعْتِدالُ المَجازِيُّ وهو اعْتِدالُ الأُمُورِ النَّفْسانِيَّةِ مِنَ التَّقْوى ومَكارِمِ الأخْلاقِ، وإنَّما أُمِرَ بِالِاسْتِقامَةِ، أيِ الدَّوامِ عَلَيْها، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كَمالَ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ الدّاعِي مُسْتَقِيمًا في نَفْسِهِ.

والكافُ في كَما أُمِرْتَ لِتَشْبِيهِ مَعْنى المُماثَلَةِ، أيْ دَعْوَةٌ واسْتِقامَةٌ مِثْلَ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، أيْ عَلى وِفاقِهِ، أيْ وافِيَةٌ بِما أُمِرْتَ بِهِ. وهَذِهِ الكافُ مِمّا يُسَمّى كافَ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ولَيْسَ التَّعْلِيلُ مِن مَعانِي الكافِ في التَّحْقِيقِ ولَكِنَّهُ حاصِلُ مَعْنًى يَعْرِضُ في اسْتِعْمالِ الكافِ إذا أُرِيدَ تَشْبِيهُ عامِلِها بِمَدْخُولِها عَلى مَعْنى المُطابَقَةِ والمُوافَقَةِ.

والِاتِّباعُ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى المُجاراةِ والمُوافَقَةِ، وعَلى المُحاكاةِ والمُماثَلَةِ في العَمَلِ، والمُرادُ هُنا كِلا الإطْلاقَيْنِ لِيَرْجِعَ النَّهْيُ إلى النَّهْيِ عَنْ مُخالَفَةِ الأمْرَيْنِ المَأْمُورِ بِهِما في قَوْلِهِ: فادْعُ واسْتَقِمْ.

وضَمِيرُ (أهْواءَهم) لِلَّذِينِ ذُكِرُوا مِن قَبْلُ مِنَ المُشْرِكِينَ والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، والمَقْصُودُ: نَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ مِن بابِ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] في سُورَةِ هُودٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم تُجارِهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ، أيْ لا يَحْمِلْكَ طَعْنُهم في دَعْوَتِكَ عَلى عَدَمِ ذِكْرِ فَضائِلِ رُسُلِهِمْ وهَدْيِ كُتُبِهِمْ عَدا ما بَدَّلُوهُ مِنها فَأعْلِنْ بِأنَّكَ مُؤْمِنٌ بِكُتُبِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ، فَمَوْقِعُ واوِ العَطْفِ

صفحة ٦٢

فِيهِ بِمَنزِلَةِ مَوْقِعِ فاءِ التَّفْرِيعِ. ويَكُونُ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] في سُورَةِ المائِدَةِ.

والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى وهو المَحَبَّةُ، وغَلَبَ عَلى مَحَبَّةِ ما لا نَفْعَ فِيهِ، أيِ ادْعُهم إلى الحَقِّ وإنْ كَرِهُوهُ، واسْتَقِمْ أنْتَ ومَن مَعَكَ وإنْ عاداكم أهْلُ الكِتابِ فَهم يُحِبُّونَ أنْ تَتَّبِعُوا مِلَّتَهم، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .

وقَوْلُهُ: وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: (فادْعُ) أمْرٌ بِمُخالَفَةِ اليَهُودِ؛ إذْ قالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ يَعْنُونَ التَّوْراةَ، ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ يَعْنُونَ الإنْجِيلَ والقُرْآنَ، فَأُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ والمُسْلِمُونَ بِالإيمانِ بِالكُتُبِ الثَّلاثَةِ المُوحى بِها مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] . فالمَعْنى: وقُلْ لِمَن يُهِمُّهُ هَذا القَوْلُ وهُمُ اليَهُودُ. وإنَّما أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ إعْلانًا بِهِ وإبْلاغًا لِأسْماعِ اليَهُودِ، فَلا يُقابِلُ إنْكارَهم حَقِّيَّةَ كِتابِهِ بِإنْكارِهِ حَقِّيَّةَ كِتابِهِمْ وفي هَذا إظْهارٌ لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ مِنَ الإنْصافِ.

و(مِن كِتابٍ) بَيانٌ لِما أنْزَلَ اللَّهُ، فالتَّنْكِيرُ في (كِتابٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ بِأيِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ ولَيْسَ يَوْمَئِذٍ كِتابٌ مَعْرُوفٌ غَيْرَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ.

وضَمِيرُ (بَيْنَكم) خِطابٌ لِلَّذِينِ أُمِرَ بِأنْ يُوَجِّهَ هَذا القَوْلَ إلَيْهِمْ وهُمُ اليَهُودُ، أيْ أُمِرْتُ أنْ أُقِيمَ بَيْنَكُمُ العَدْلَ بِأنْ أدْعُوَكم إلى الحَقِّ ولا أظْلِمَكم لِأجْلِ عَداواتِكم ولَكِنِّي أُنَفِّذُ أمْرَ اللَّهِ فِيكم ولا أنْتَمِي إلى اليَهُودِ ولا إلى النَّصارى.

ومَعْنى (بَيْنَكم) أنَّنِي أُقِيمُ العَدْلَ بَيْنَكم فَلا تَرَوْنَ بَيْنَكم جَوْرًا مِنِّي، فَـ (بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ مُتَّحِدٌ غَيْرُ مُوَزَّعٍ فَهو بِمَعْنى وسَطَ الجَمْعِ وخِلالَهُ، بِخِلافِ (بَيْنَ) في قَوْلِ القائِلِ: قَضى بَيْنَ الخَصْمَيْنِ أوْ قَسَّمَ المالَ بَيْنَ العُفاةِ. فَلَيْسَ المَعْنى: لِأعْدِلَ بَيْنَ فِرَقِكم؛ إذْ لا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَعَ كَوْنِها نازِلَةً في مَكَّةَ في زَمَنِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ إعْجازٌ بِالغَيْبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ سَيَكُونُ لَهُ الحُكْمُ عَلى يَهُودِ بِلادِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ خَيْبَرَ

صفحة ٦٣

٧٢ وتَيْماءَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ، وقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ وأقَرَّهم عَلى أمْرِهِمْ حَتّى ظاهَرُوا عَلَيْهِ الأحْزابَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْزابِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ (لِأعْدِلَ) لامٌ يَكْثُرُ وُقُوعُها بَعْدَ أفْعالِ مادَّتَيِ الأمْرِ والإرادَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها. وبَعْضُهم يَجْعَلُها زائِدَةً.

وجُمْلَةُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم مِنَ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ. فَهي كُلُّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَنْ جُمْلَةِ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جُمْلَةِ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم بِحَذافِرِها هو قَوْلُهُ: لا ﴿حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ فَهي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وإنَّما ابْتُدِئَتْ بِجُمْلَتَيِ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم تَمْهِيدًا لِلْغَرَضِ المَقْصُودِ؛ وهو: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم، فَلِذَلِكَ كانَتِ الجُمَلُ كُلُّها مَفْصُولَةً عَنْ جُمْلَةِ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ.

والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم أنَّنا مُتَّفِقُونَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم أنْ لا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا الآيَةَ، أيْ فاللَّهُ الشَّهِيدُ عَلَيْنا وعَلَيْكم إذْ كَذَّبْتُمْ كِتابًا أُنْزِلَ مِن عِنْدِهِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْجِيلِ والإلْزامِ.

وجُمْلَةُ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم دَعْوَةُ إنْصافٍ، أيْ أنَّ اللَّهَ يُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ. وهَذا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ.

وجُمْلَةُ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ هي الغَرَضُ المَقْصُودُ بَعْدَ قَوْلِهِ: وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكم أيْ أعْدِلَ بَيْنَكم ولا أُخاصِمَكم عَلى إنْكارِكم صِدْقِي.

والحُجَّةُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَدُلُّ المَسُوقَ إلَيْهِ عَلى صِدْقِ دَعْوى القائِمِ بِهِ وإنَّما تَكُونُ الحُجَّةُ بَيْنَ مُخْتَلِفِينَ في دَعْوى. ونَفْيُ الحُجَّةِ نَفْيُ جِنْسٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المُجادَلَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها وُقُوعُ الِاحْتِجاجِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّصَدِّي لِخُصُومَتِهِمْ فَيَكُونَ المَعْنى الإمْساكَ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ لِأنَّ الحَقَّ ظَهَرَ وهم مُكابِرُونَ فِيهِ وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الجِدالَ مَعَهم لَيْسَ بِذِي جَدْوى.

صفحة ٦٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ جِنْسَ الحُجَّةِ المُفِيدَةِ، بِمَعُونَةِ القَرِينَةِ مِثْلَ: «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» . والمَعْنى: أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ما أظْهَرَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ يَكُونُ مِنَ العَبَثِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُكابِرُونَ.

وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ هَذا النَّفْيُ مُسْتَعْمَلًا في النَّهْيِ عَنِ التَّصَدِّي لِلِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ حاجَّهُمُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ وحاجَّهُمُ النَّبِيءُ ﷺ في قَضِيَّةِ الرَّجْمِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ فالِاسْتِثْناءُ صَرِيحٌ في مَشْرُوعِيَّةِ مُجادَلَتِهِمْ.

و(بَيْنَ) المُكَرَّرَةُ في قَوْلِهِ: بَيْنَنا وبَيْنَكم ظَرْفٌ مُوَزَّعٌ عَلى جَماعاتِ أوْ أفْرادِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، كَما يُقالُ: قَسَّمَ بَيْنَهم، وهَذا مُخالَفٌ بِـ (بَيْنَ) المُتَقَدِّمِ آنِفًا.

والمُرادُ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا الحَشْرُ لِفَصْلِ القَضاءِ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهَذا كَلامٌ مُنْصِفٌ. ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا الكَلامِ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ الواثِقِ بِحَقِّهِ كانَ خِطابُهم بِهِ مُسْتَعْمَلًا في المُتارَكَةِ والمُحاجَزَةِ، أيْ سَأتْرُكُ جِدالَكم ومُحاجَّتَكم لِقِلَّةِ جَدْواها فِيكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ يَقْضِي بَيْنَنا يَوْمَ يَجْمَعُنا، فَهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ القَضاءَ سَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِمْ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا لِلتَّقَوِّي، أيْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ هَذا الجَمْعِ وإلّا فَإنَّ المُخاطَبِينَ وهُمُ اليَهُودُ يُثْبِتُونَ البَعْثَ. و(بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ مُوَزَّعٌ مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ.

وجُمْلَةُ وإلَيْهِ المَصِيرُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَجْمَعُ بَيْنَنا. والتَّعْرِيفُ في المَصِيرِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ مَصِيرُ النّاسِ كُلِّهِمْ، فَبِذَلِكَ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا بِما فِيها مِنَ العُمُومِ، أيْ مَصِيرُنا ومَصِيرُكم ومَصِيرُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ.

وهَذِهِ الجُمَلُ الأرْبَعُ تَقْتَضِي المُحاجَزَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ اليَهُودِ وهي مُحاجَزَةٌ في المُقاوَلَةِ ومُتارَكَةٌ في المُقاتَلَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ في قِتالِهِمْ لَمّا ظاهَرُوا الأحْزابَ.

صفحة ٦٥

ولَيْسَ في صِيَغِ هَذِهِ الجُمَلِ ما يَقْتَضِي دَوامَ المُتارَكَةِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها ما يَقْتَضِي عُمُومَ الأزْمِنَةِ فَلَيْسَ الأمْرُ بِقِتالِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ يَوْمِ الأحْزابِ ناسِخًا لِهَذِهِ الآيَةِ.

42:16Page 485

وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ ١٦

And those who argue concerning Allāh after He has been responded to1 - their argument is invalid with their Lord, and upon them is [His] wrath, and for them is a severe punishment.

﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الشورى: ١٥] إلَخْ، وهو يَقْتَضِي انْتِقالَ الكَلامِ، فَلَمّا اسْتَوْفى حَظَّ أهْلِ الكِتابِ فِيِ شَأْنِ المُحاجَّةِ مَعَهم، رَجَعَ إلى المُشْرِكِينَ في هَذا الشَّأْنِ بَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ الآيَةَ.

وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالإتْيانِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ المَوْصُولِ وكَوْنِ صِلَتِهِ مادَّةَ الِاحْتِجاجِ مُؤْذِنٌ بِتَغْيِيرِ الغَرَضِ في المُتَحَدِّثِ عَنْهم مَعَ مُناسَبَةِ ما أُلْحِقَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فالمَقْصُودُ بِـ ﴿الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: المُشْرِكُونَ لِأنَّهم يُحاجُّونَ في شَأْنِ اللَّهِ وهو الوَحْدانِيَّةُ دُونَ اليَهُودِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّهم لا يُحاجُّونَ في تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ رِجالٌ طَمِعُوا أنْ تَعُودَ الجاهِلِيَّةُ بَعْدَ ما دَخَلَ النّاسُ في الإسْلامِ. ووَقَعَ في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ الطَبَرِيِّ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

فَمَعْنى مُحاجَّتِهِمْ في اللَّهِ مُحاجَّتُهم في دِينِ اللَّهِ، أيْ إدْخالُهم عَلى النّاسِ الشَّكَّ في صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ أوْ في كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. ومُحاجَّتُهم هي ما يُلْبِسُوهُ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ لِإدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ في اتِّباعِ الإسْلامِ كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] وقَوْلِهِمْ في الأصْنامِ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾ [ق: ٣] وقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧]

صفحة ٦٦

وكَقَوْلِ أهْلِ الكِتابِ: نَحْنُ الَّذِينَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِمْ: كِتابُنا أسْبَقُ مِن كِتابِ المُسْلِمِينَ.

وإطْلاقُ اسْمِ الحُجَّةِ عَلى شُبُهاتِهِمْ مُجاراةٌ لَهم بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: ﴿داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .

ومَفْعُولُ يُحاجُّونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: يُحاجُّونَ المُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابُوا لَهُ، أيِ اسْتَجابُوا لِدَعْوَتِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ .

وحَذَفَ فاعِلَ اسْتُجِيبَ إيجازًا لِأنَّ المَقْصُودَ مِن بَعْدِ حُصُولِ الِاسْتِجابَةِ المَعْرُوفَةِ.

والدّاحِضَةُ: الَّتِي دَحَضَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ تَدْحَضُ: بِفَتْحِ الحاءِ دُحُوضًا، أيْ زَلَّتِ. اسْتُعِيرَ الدَّحْضُ لِلْبُطْلانِ بِجامِعِ عَدَمِ الثُّبُوتِ كَما لا تَثْبُتُ القَدَمُ في المَكانِ الدَّحْضِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ دَحْضِها اكْتِفاءً بِما بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى فَسادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، وعَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَلى إمْكانِ البَعْثِ، وبِما ظَهَرَ لِلْعِيانِ مَن تَزايُدِ المُسْلِمِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا، وأمْنِهِمْ مِن أنْ يُعْتَدى عَلَيْهِمْ.

والغَضَبُ: غَضَبُ اللَّهِ، وإنَّما نُكِّرَ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِ. ولَمْ يُحْتَجْ إلى إضافَتِهِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ أوْ ضَمِيرِهِ لِظُهُورِ المَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: وعَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ.

وإنَّما قَدَّمَ المُسْنَدَ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ بَقَوْلِهِ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ لِلِاهْتِمامِ بِوُقُوعِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ كَما هو مُقْتَضى حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ.

وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ . ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ السَّيْفِ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.

42:17Page 485

ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧

It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.

صفحة ٦٧

﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾

قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مِن جُمْلَةِ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في اللَّهِ ومِن أشَدِّها تَشْغِيبًا في زَعْمِهِمْ مُحاجَّتَهم بِإنْكارِ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٧]، وقالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ:

يُخَبِّرُنا الرَّسُولُ بِأنْ سَنَحْيا وكَيْفَ حَياةُ أصْداءٍ وهامِ

وقَدْ دَحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهم في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ بِنَفْيِ اسْتِحالَتِهِ، وبِدَلِيلِ إمْكانِهِ، وأوْمَأ هُنا إلى مُقْتَضِي إيجابِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ حَقٌّ وعَدْلٌ فَكَيْفَ لا يُقَدِّرُهُ مُدَبِّرُ الكَوْنِ ومُنَزِّلُ الكِتابِ والمِيزانِ. وقَدْ أشارَتْ إلى هَذا المَعْنى آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] .

وأكْثَرُها جاءَ نَظْمُها عَلى نَحْوِ التَّرْتِيبِ الَّذِي في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ مِن الِابْتِداءِ بِما يُذَكِّرُ بِحِكْمَةِ الإيجادِ وأنَّ تَمامَ الحِكْمَةِ بِالجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ يُؤْذِنُ بِمُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَجَعَلَ الجَزاءَ لِلسّائِرِينَ عَلى الحَقِّ والنّاكِبِينَ عَنْهُ في يَوْمِ السّاعَةِ فَلا مَحِيصَ لِلْعِبادِ عَنْ لِقاءِ الجَزاءِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ، فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعُها مِن جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٦] مَوْقِعُ الدَّلِيلِ، والدَّلِيلُ مِن ضُرُوبِ البَيانِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِشِدَّةِ اتِّصالِ مَعْناها بِمَعْنى الأُخْرى.

والإخْبارُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي مَضْمُونُ صِلَتِهِ إنْزالُهُ الكِتابَ

صفحة ٦٨

والمِيزانَ، لِأجْلِ ما في المَوْصُولِيَّةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ الآتِي، وأنَّهُ مِن جِنْسِ الحَقِّ والعَدْلِ، مِثْلَ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .

ولامُ التَّعْرِيفِ في (الكِتابِ) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، أيْ إنْزالُ الكُتُبِ وهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥] .

والباءُ في (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أنْزَلَ الكُتُبَ مُقْتَرِنَةً بِالحَقِّ بَعِيدَةً عَنِ الباطِلِ.

والحَقُّ: كُلُّ ما يَحِقُّ، أيْ يَجِبُ في بابِ الصَّلاحِ عَمَلُهُ ويَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ بِالأغْراضِ الصَّحِيحَةِ النّافِعَةِ.

والمِيزانُ حَقِيقَتُهُ: آلَةُ الوَزْنِ، والوَزْنُ: تَقْدِيرُ ثِقَلِ جِسْمٍ، والمِيزانُ آلَةٌ ذاتُ كِفَّتَيْنِ مُعْتَدِلَتَيْنِ مُعَلَّقَتَيْنِ في طَرَفَيْ قَضِيبٍ مُسْتَوٍ مُعْتَدِلٍ، لَهُ عُرْوَةٌ في وسَطِهِ، بِحَيْثُ لا تَتَدَلّى إحْدى الكِفَّتَيْنِ عَلى الأُخْرى إذا أُمْسِكَ القَضِيبُ مِن عُرْوَتِهِ.

والمِيزانُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ والهَدْيِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (أنْزَلَ) فَإنَّ الدِّينَ هو المُنَزَّلُ والدِّينُ يَدْعُو إلى العَدْلِ والإنْصافِ في المُجادَلَةِ في الدِّينِ وفي إعْطاءِ الحُقُوقِ، فَشُبِّهَ بِالمِيزانِ في تَساوِي رُجْحانِ كِفَّتَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .

وجُمْلَةُ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾، والمُناسَبَةُ هي ما ذَكَرْناهُ مِن إيذانِ تِلْكَ الجُمْلَةِ بِمُقَدَّرٍ.

وكَلِمَةُ وما يُدْرِيكَ جارِيَةٌ مَجْرى المَثَلِ، والكافُ مِنها خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِمَعْنى: قَدْ تَدْرِي، أيْ قَدْ يَدْرِي الدّارِي، فَـ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ والتَّهْيِئَةِ. و(يُدْرِيكَ) مِنَ الدِّرايَةِ بِمَعْنى العِلْمِ وقَدْ عُلِّقَ فِعْلُ (يَدْرِي) عَنِ العَمَلِ بِحَرْفِ التَّرَجِّي.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كُلُّ ما جاءَ فِعْلُ ما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ (أيْ بَيَّنَهُ لَهُ) عَقِبَ كَلِمَةِ (ما أدْراكَ) فَقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ (أيْ بَيَّنَهُ لَهُ) عَقِبَ كَلِمَةِ (ما أدْراكَ) نَحْوَ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠] وكُلُّ ما جاءَ فِيهِ وما يُدْرِيكَ

صفحة ٦٩

لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِ أيْ لَمْ يُعْقِبْهُ بِما يُبَيِّنُ إبْهامَهُ نَحْوَ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] . ولَعَلَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ أنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّ كُلَّ صِيغَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ بِهَذا الِاسْتِعْمالِ فَتَأمَّلْ.

والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أيُّها السّامِعُ السّاعَةَ قَرِيبًا، أيْ مُقْتَضِي عِلْمِكَ مُتَوَفِّرٌ، فالخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والإخْبارُ عَنِ السّاعَةِ بِـ (قَرِيبٌ) وهو غَيْرُ مُؤَنَّثٍ لِأنَّهُ غَلَبَ لُزُومُ كَلِمَةِ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ لِلتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

42:18Page 485

يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨

Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.

﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ يَسْتَعْجِلُ بِها إلى آخِرِها حالًا مِنَ السّاعَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّهْيِئَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ بِالسّاعَةِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، فَذَكَرَ فِيها حالَ كِلا الفَرِيقَيْنِ تُجاهَ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ. فَأمّا المُشْرِكُونَ فَيَتَلَقَّوْنَهُ بِالِاسْتِهْزاءِ والتَّصْمِيمِ عَلى الجَحْدِ بِها، وهو المُرادُ بَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾، والَّذِينَ آمَنُوا بِها يَعْمَلُونَ لِما بِهِ الفَوْزُ عِنْدَها، ولِذَلِكَ جِيءَ عَقِبَها بِجُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ كَما سَيَأْتِي.

والِاسْتِعْجالُ: طَلَبُ التَّعْجِيلِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] في سُورَةِ يُونُسَ، أيْ يَطْلُبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ بِحُلُولِ السّاعَةِ لِيَبِينَ صِدْقُهُ، تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً وكِنايَةً عَنِ اتِّخاذِهِمْ تَأخُّرَها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ وُقُوعِها، وهم آيِسُونَ مِنها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ . وقَدْ تَكَرَّرَ مِنهم هَذا المَعْنى بِأسالِيبَ ذُكِرَتْ في تَضاعِيفِ آيِ القُرْآنِ

صفحة ٧٠

كَقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] .

والإشْفاقُ: رَجاءُ وُقُوعِ ما يُكْرَهُ، أيْ مُشْفِقُونَ مِن أهْوالِها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] . وإنَّما جَعَلَ الإشْفاقَ مِن ذاتِ السّاعَةِ لِإفادَةِ تَعْظِيمِ أهْوالِها حَتّى كَأنَّ أحْوالَها هي ذاتُها، عَلى طَرِيقَةِ إسْنادِ الحُكْمِ ونَحْوِهِ إلى الأعْيانِ نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فَهم يَتَوَخَّوْنَ النَّجاةَ مِنها بِالطّاعَةِ والتَّقْوى، أيْ فَهم لا يَسْتَعْجِلُونَ بِها وإنَّما يَغْتَنِمُونَ بَقاءَهم في الدُّنْيا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ والتَّوْبَةِ.

والمُرادُ بِـ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: المُشْرِكُونَ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِأنَّ الصِّلَةَ تَدُلُّ عَلى عِلَّةِ اسْتِعْجالِهِمْ بِها، والمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا: المُسْلِمُونَ فَإنَّ هَذا لَقَبٌ لَهم، فَفي الكَلامِ احْتِباكٌ، تَقْدِيرُهُ: يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها فَلا يُشْفِقُونَ مِنها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها فَلا يَسْتَعْجِلُونَ بِها.

وعُطِفَتْ عَلى ﴿مُشْفِقُونَ مِنها﴾ جُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ لِإفادَةِ أنَّ إشْفاقَهم مِنها إشْفاقٌ عَنْ يَقِينٍ وجَزْمٍ لا إشْفاقٌ عَنْ تَرَدُّدٍ وخَشْيَةِ أنْ يَكْشِفَ الواقِعُ عَلى صِدْقِ الإخْبارِ بِها وأنَّهُ احْتِمالٌ مُساوٍ عِنْدَهم.

وتَعْرِيفُ الحَقِّ في قَوْلِهِ (إنَّها الحَقُّ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ قَصْرَ مُبالَغَةٍ لِكَمالِ الجِنْسِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ: عَنْتَرَةُ الشُّجاعُ، أيْ يُوقِنُونَ بِأنَّها الحَقُّ كُلَّ الحَقِّ، وذَلِكَ لِظُهُورِ دَلائِلِ وُقُوعِها حَتّى كَأنَّهُ لا حَقَّ غَيْرُهُ.

* * *

﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾

الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها بِصَرِيحِها وكِنايَتِها لِأنَّ صَرِيحَها إثْباتُ الضَّلالِ لِلَّذِينِ يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ وكِنايَتَها إثْباتُ الهُدى لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ. وهَذا التَّذْيِيلُ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

صفحة ٧١

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ (ألا) الَّذِي هو لِلتَّنْبِيهِ لِقَصْدِ العِنايَةِ بِالكَلامِ.

والمُماراةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ المِرْيَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي الشَّكُّ. والمُماراةُ: المُلاحَّةُ لِإدْخالِ الشَّكِّ عَلى المُجادِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.

وجَعَلَ الضَّلالَ كالظَّرْفِ لَهم تَشْبِيهًا لِتَلَبُّسِهِمْ بِالضَّلالِ بِوُقُوعِ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، فَحَرْفُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ.

ووَصْفُ الضَّلالَ بِالبَعِيدِ وصْفٌ مَجازِيٌّ؛ شَبَّهَ الكُفْرَ بِضَلالِ السّائِرِ في طَرِيقٍ وهو يَكُونُ أشَدَّ إذا كانَ الطَّرِيقُ بَعِيدًا، وذَلِكَ كِنايَةً عَنْ عُسْرِ إرْجاعِهِ إلى المَقْصُودِ.

والمَعْنى: لَفي ضَلالٍ شَدِيدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском