Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:23–26

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:23–26

42:23Page 486

ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ ٢٣

It is that of which Allāh gives good tidings to His servants who believe and do righteous deeds. Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., this message] any payment [but] only good will through [i.e., due to] kinship." And whoever commits a good deed - We will increase for him good therein. Indeed, Allāh is Forgiving and Appreciative.1

﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾

اسْمُ الإشارَةِ مُؤَكِّدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي قَبْلَهُ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ الَّذِي هو فَضْلٌ يَحْصُلُ لَهم في الجَنَّةِ هو أيْضًا بُشْرى لَهم مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا.

والعائِدُ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ. وحَذْفُهُ هُنا لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِاعْتِبارِ حَذْفِ الجارِّ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: واخْتارَ مُوسى لِقَوْمِهِ بِتَقْدِيرِ: مِن قَوْمِهِ، فَلَمّا عُومِلَ مُعامَلَةَ المَنصُوبِ حُذِفَ كَما يُحْذَفُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ.

صفحة ٨١

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (يُبَشِّرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ المُوَحِّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ، وهو مِن بَشَّرَهُ: إذا أخْبَرَهُ بِحادِثٍ يَسُرُّهُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَبْشُرُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحِّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ مُخَفَّفَةً، يُقالُ: بَشَرْتُ الرَّجُلَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ أبْشُرُهُ مِن بابِ نَصَرَ: إذا أغْبَطَهُ بِحادِثٍ يَسُرُّهُ.

وجَمْعُ العِبادِ المُضافُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ أوْ ضَمِيرِهِ غَلَبَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ التَّقْرِيبِ وتَرْفِيعِ الشَّأْنِ، ولِذَلِكَ يَكُونُ مَوْقِعُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [فصلت: ٨] هُنا مَوْقِعَ عَطْفِ البَيانِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢] إذْ وقَعَ (الَّذِينَ آمَنُوا) مَوْقِعَ عَطْفِ البَيانِ مِن (أوْلِياءَ اللَّهِ) .

* * *

﴿قُلْ لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ ما أُعِدَّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن عَذابٍ وما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن خَيْرٍ، وضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ لا مَحالَةَ ولَيْسَ في الكَلامِ السّابِقِ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ: قُلْ لا أسْألُكم. جَوابًا عَنْهُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.

ويَظْهَرُ مِمّا رَواهُ الواحِدِيٌّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهم فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (يَعْنُونَ: إنْ كانَ ذَلِكَ جَمَعْنا لَهُ مالًا كَما قالُوهُ لَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ) أنَّها لا اتِّصالَ لَها بِما قَبْلَها وأنَّها لَمّا عَرَضَ سَبَبُ نُزُولِها نَزَلَتْ في أثْناءِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها فَتَكُونُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً. وكانَ مَوْقِعُها هُنا لِمُناسَبَةِ ما سَبَقَ مِن ذِكْرِ حِجاجِ المُشْرِكِينَ وعِنادِهِمْ فَإنَّ مُناسَبَتَها لِما مَعَها مِنَ الآياتِ مَوْجُودَةٌ إذْ هي مِن جُمْلَةِ ما واجَهَ بِهِ القُرْآنُ مُحاجَّةَ المُشْرِكِينَ، ونَفى بِهِ أوْهامَهم، واسْتَفْتَحَ بَصائِرَهم إلى النَّظَرِ في عَلاماتِ صِدْقِ الرَّسُولِ؛ فَهي جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشورى: ٢٢] وجُمْلَةِ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ .

صفحة ٨٢

وابْتُدِئَتْ بِـ (قُلْ) إمّا لِأنَّها جَوابٌ عَنْ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم، وإمّا لِأنَّها مِمّا يَهْتَمُّ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِمْ كَما أنَّ نَظائِرَها افْتُتِحَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سبإ: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] ﴿إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ.

والأجْرُ: الجَزاءُ الَّذِي يُعْطاهُ أحَدٌ عَلى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٢] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

والمَوَدَّةُ: المَحَبَّةُ والمُعامَلَةُ الحَسَنَةُ المُشْبِهَةُ مُعامَلَةَ المُتَحابِّينَ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٥] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ. والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ مُعامَلَةَ المَوَدَّةِ، أيِ المُجامَلَةِ؛ بِقَرِينَةِ أنَّ المَحَبَّةَ لا تُسْألُ لِأنَّها انْبِعاثٌ وانْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ لِأنَّ مَجْرُورَها وهو (القُرْبى) لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَظْرُوفًا فِيهِ.

ومَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ هُنا: التَّعْلِيلُ، وهو مَعْنًى كَثِيرُ العُرُوضِ لِحَرْفِ (في) كَقَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨] .

والقُرْبى: اسْمُ مَصْدَرٍ كالرُّجْعى والبُشْرى، وهي قَرابَةُ النَّسَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقالَ زُهَيْرٌ:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مُضاضَةً

. . . . البَيْتَ

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (ولِذِي القُرْبى) في سُورَةِ الأنْفالِ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ نَظْمُها: لا أسْألُكم عَلى القُرْآنِ جَزاءً إلّا أنْ تَوَدُّونِي، أيْ أنْ تُعامِلُونِي مُعامَلَةَ الوُدِّ، أيْ غَيْرَ مُعامَلَةِ العَداوَةِ، لِأجْلِ القَرابَةِ الَّتِي بَيْنَنا في النَّسَبِ القُرَشِيِّ.

صفحة ٨٣

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ بِحَضْرَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فابْتَدَرَ سَعِيدٌ فَقالَ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَجِلْتَ؛ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ.

وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ فَلَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ فَقالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، أيْ تُراعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم فَتَصُدِّقُونِي، فالقُرْبى هاهُنا قَرابَةُ الرَّحِمِ كَأنَّهُ قالَ: اتَّبَعُونِي لِلْقَرابَةِ إنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لِلنُّبُوَّةِ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

وما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي تَلْفِيقُ مَعْنًى عَنْ فَهْمٍ غَيْرِ مَنظُورٍ فِيهِ إلى الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ، ولا تَصِحُّ فِيهِ رِوايَةٌ عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِفَهْمِهِ.

أمّا كَوْنُ مَحَبَّةِ آلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأجْلِ مَحَبَّةِ ما لَهُ اتِّصالٌ بِهِ خُلُقًا مِن أخْلاقِ المُسْلِمِينَ فَحاصِلٌ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى، وتَحْدِيدُ حُدُودِها مُفَصَّلٌ في الشِّفاءِ لِعِياضٍ.

والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ المَوَدَّةَ لِأجْلِ القَرابَةِ لَيْسَتْ مِنَ الجَزاءِ عَلى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ بِالقُرْآنِ ولَكِنَّها مِمّا تَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ فَلَيْسَ اسْتِثْناؤُها مِن عُمُومِ الأجْرِ المَنفِيِّ اسْتِثْناءً حَقِيقِيًّا. والمَعْنى: لا أسْألُكم عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا وأسْألُكُمُ المَوَدَّةَ لِأجْلِ القُرْبى.

وإنَّما سَألَهُمُ المَوَدَّةَ لِأنَّ مُعامَلَتَهم إيّاهُ مُعامَلَةَ المَوَدَّةِ مُعِينَةٌ عَلى نَشْرِ دَعْوَةِ الإسْلامِ، إذْ تَلِينُ بِتِلْكَ المُعامَلَةِ شَكِيمَتُهم فَيَتْرُكُونَ مُقاوَمَتَهُ فَيَتَمَكَّنُ مِن تَبْلِيغِ دَعْوَةِ الإسْلامِ عَلى وجْهٍ أكْمَلَ. فَصارَتْ هَذِهِ المَوَدَّةُ غَرَضًا دِينِيًّا لا نَفْعَ فِيهِ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ .

وفِي بَعْضِ الأخْبارِ المَوْضُوعَةِ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَما قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ لا يَسَعُها ما في يَدَيْهِ. فَقالَتِ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ فَنَجْمَعُ لَهُ مالًا، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ.

صفحة ٨٤

وفِي رِوايَةٍ: أنَّ الأنْصارَ قالُوا لَهُ يَوْمًا: أنْفُسُنا وأمْوالُنا لَكَ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ نَزَلَ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] . ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ فَرِيقٌ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي أخْبارٌ واهِيَةٌ.

وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَتَطَلَّبَ مِنَ النّاسِ جَزاءً عَلى تَبْلِيغِ الهُدى إلَيْهِمْ فَإنَّ النُّبُوءَةَ أعْظَمُ مَرْتَبَةٍ في تَعْلِيمِ الحَقِّ. وهي فَوْقَ مَرْتَبَةِ الحِكْمَةِ، والحُكَماءُ تَنَزَّهُوا عَنْ أخْذِ الأجْرِ عَلى تَعْلِيمِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ الحِكْمَةَ خَيْرٌ كَثِيرٌ والخَيْرُ الكَثِيرُ لا تُقابِلُهُ أعْراضُ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ أمَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ طَلَبِ جَزاءٍ عَلى التَّبْلِيغِ، فَقالَ حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] . وكَذَلِكَ حَكى عَنْ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ.

* * *

﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾

تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والمَعْنى: وكُلَّما عَمِلَ مُؤْمِنٌ حَسَنَةً زِدْناهُ حُسْنًا مِن ذَلِكَ الفَضْلِ الكَبِيرِ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

والِاقْتِرافُ: افْتِعالٌ مِنَ القَرْفِ، وهو الِاكْتِسابُ، فالِاقْتِرافُ مُبالَغَةٌ في الكَسْبِ نَظِيرَ الِاكْتِسابِ، ولَيْسَ خاصًّا بِاكْتِسابِ السُّوءِ وإنْ كانَ قَدْ غَلَبَ فِيهِ، وأصْلُهُ مِن قَرَفَ الشَّجَرَةَ: إذا قَشَّرَ قِرْفَها، بِكَسْرِ القافِ، وهو لِحاؤُها، أيْ قِشْرُ عُودِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] في سُورَةِ الأنْعامِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ [التوبة: ٢٤] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

والحَسَنَةُ: الفَعْلَةُ ذاتُ الحُسْنِ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ غَلَبَتْ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى الطّاعَةِ والقُرْبَةِ فَصارَتْ بِمَنزِلَةِ الجَوامِدِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُسْنِ وهو جَمالُ الصُّورَةِ. والحُسْنُ: ضِدُّ القُبْحِ وهو صِفَةٌ في الذّاتِ تَقْتَضِي قَبُولَ مَنظَرِها في نُفُوسِ الرّائِينَ ومَيْلَهم إلى مُداوَمَةِ مُشاهَدَتِها. وتُوصَفُ المَعْنَوِيّاتُ بِالحُسْنِ فَيُرادُ بِهِ كَوْنُ الفِعْلِ أوِ الصِّفَةِ مَحْمُودَةً عِنْدَ العُقُولِ مَرْغُوبًا في الِاتِّصافِ بِها.

صفحة ٨٥

ولَمّا كانَتِ الحَسَنَةُ مَأْخُوذَةً مِنَ الحُسْنِ جُعِلَتِ الزِّيادَةُ فِيها مِنَ الزِّيادَةِ في الحُسْنِ مُراعاةً لِأصْلِ الِاشْتِقاقِ فَكانَ ذِكْرُ الحُسْنِ مِنَ الجِناسِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِجِناسِ الِاشْتِقاقِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣]، وصارَ المَعْنى: نَزِدْ لَهُ فِيها مُماثِلًا لَها.

ويَتَعَيَّنُ أنَّ الزِّيادَةَ فِيها زِيادَةٌ مِن غَيْرِ عَمَلِهِ ولا تَكُونُ الزِّيادَةُ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ لِأنَّها تَصِيرُ عَمَلًا يَسْتَحِقُّ الزِّيادَةَ أيْضًا فَلا تَنْتَهِي الزِّيادَةُ فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ الزِّيادَةُ في جَزاءِ أمْثالِها عِنْدَ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِلزِّيادَةِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِها بِأنَّ اللَّهَ كَثِيرَةٌ مَغْفِرَتِهِ لِمَن يَسْتَحِقُّها، كَثِيرٌ شُكْرُهُ لِلْمُتَقَرِّبِينَ إلَيْهِ. والمَقْصُودُ بِالتَّعْلِيلِ هو وصْفُ الشَّكُورِ، وأمّا وصْفُ الغَفُورِ فَقَدْ ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى تَرْغِيبِ المُقْتَرِفِينَ السَّيِّئاتِ في الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ لِيُغْفَرَ لَهم فَلا يَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

42:24Page 486

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤

Or do they say, "He has invented about Allāh a lie"? But if Allāh willed, He could seal over your heart.1 And Allāh eliminates falsehood and establishes the truth by His words. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وهو الكَلامُ المُضْرَبُ عَنْهُ والمُنْتَقَلُ مِنهُ، والمُرادُ الِانْتِقالُ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، فالهَمْزَةُ المُقَدِّرَةُ بَعْدَ (أمْ) لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ، فَإنَّهم قالُوا ذَلِكَ فاسْتَحَقُّوا التَّوْبِيخَ عَلَيْهِ. والمَعْنى: أمْ قالُوا افْتَرى ويَقُولُونَهُ.

وجِيءَ بِفِعْلِ (يَقُولُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِيَتَوَجَّهَ التَّوْبِيخُ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ بُطْلانِهِ. فَإذا كانَ قَوْلُهم هَذا شَنَعًا مِنَ القَوْلِ فاسْتِمْرارُهم عَلَيْهِ أشْنَعُ.

صفحة ٨٦

وفَرَّعَ عَلى تَوْبِيخِهِمْ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وهو تَفْرِيعٌ فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ التَّفْرِيعِ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ إبْطالٌ لِما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ وتَوْكِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ فَكَيْفَ يُسْتَفادُ هَذا الإبْطالُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ المُفَرَّعَيْنِ عَلى التَّوْبِيخِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في بَيانِ هَذا التَّفْرِيعِ وتَرَتُّبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أفْهامٌ عَدِيدَةٌ لا يَخْلُو مُعْظَمُها عَنْ تَكَلُّفٍ وضَعْفِ اقْتِناعٍ.

والوَجْهُ في بَيانِهِ: أنَّ هَذا الشَّرْطَ وجَوابَهُ المُفَرَّعَيْنِ في ظاهِرِ اللَّفْظِ عَلى التَّوْبِيخِ والإبْطالِ هُما دَلِيلٌ عَلى المَقْصُودِ بِالتَّفْرِيعِ المُناسِبِ لِتَوْبِيخِهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ، وتَقْدِيرُ المُفَرَّعِ هَكَذا: فَكَيْفَ يَكُونُ الِافْتِراءُ مِنكَ عَلى اللَّهِ واللَّهُ لا يُقِرُّ أحَدًا أنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ فَلَوْ شاءَ لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ، أيْ سَلَبَكَ العَقْلَ الَّذِي يُفَكِّرُ في الكَذِبِ فَتُفْحَمُ عَنِ الكَلامِ فَلا تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ، أيْ ولَيْسَ ثَمَّةَ حائِلٌ يَحُولُ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ ذَلِكَ لَوِ افْتَرَيْتَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ الِافْتِراءِ لَأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ كَلامًا، فَحَصَلَ بِهَذا النَّظْمِ إيجازٌ بَدِيعٌ، وتَكُونُ الآيَةُ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] .

ولِابْنِ عَطِيَّةَ كَلِماتٌ قَلِيلَةٌ يُؤَيِّدُ مَغْزاها هَذا التَّقْرِيرَ مُسْتَنِدَةٌ لِقَوْلِ قَتادَةَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ مِن كَوْنِ ما بَعْدَ الفاءِ هو المُفَرَّعُ، ويَكُونُ الكَلامُ كِنايَةً عَنِ الإعْراضِ عَنْ قَوْلِهِمُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُ رَسُولَهُ بِهَذا تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّ افْتِراءَهُ عَلى اللَّهِ لا يُهِمُّكم حَتّى تُناصِبُوامُحَمَّدًا ﷺ العَداءَ، فاللَّهُ أوْلى مِنكم بِأنْ يُغارَ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ رِسالَتِهِ وبِأنْ يَذُبَّ عَنْ جَلالِهِ فَلا تَجْعَلُوا هَذِهِ الدَّعْوى هَمَّكم فَإنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ فَسَلَبَكَ القُدْرَةَ عَلى أنْ تَنْسُبَ إلَيْهِ كَلامًا.

وهَذانَ الوَجْهانِ هُما المُناسِبانِ لِمَوْقِعِ الآيَةِ، ولِفاءِ التَّفْرِيعِ، ولِما في الشَّرْطِ مِن الِاسْتِقْبالِ، ولِوُقُوعِ فِعْلِ الشَّرْطِ مُضارِعًا، فالوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ (عَلى قَلْبِكَ) وهو انْتِهاءُ كَلامٍ.

وجُمْلَةُ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى التَّفْرِيعِ، وهي كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ، مُرادٌ

صفحة ٨٧

مِنهُ أنَّ اللَّهَ يَمْحُو باطِلَ المُشْرِكِينَ وبُهْتانَهم ويُحَقِّقُ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .

وعَلى مُراعاةِ هَذا المَعْنى جَرى جَمْعٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ مِثْلَ الكِسائِيِّ وابْنِ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ ولَمْ يَجْعَلُوا (ويَمْحُ) عَطْفًا عَلى فِعْلِ الجَزاءِ لِأنَّ المُتَبادِرَ أنَّ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِإظْهارِ الإسْلامِ، ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ دِينَهم زائِلٌ. وهَذا هو المُتَبادِرُ مِن رَفْعِ (ويُحِقُّ) بِاتِّفاقِ القُرّاءِ عَلى رَفْعِهِ، والمُرادُ بِالمَحْوِ عَلى هَذا: الإزالَةُ. والمُرادُ بِالباطِلِ: الباطِلُ المَعْهُودُ وهو دِينُ الشِّرْكِ. وبِالحَقِّ: الحَقُّ المَعْهُودُ، وهو الإسْلامُ.

أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ مِن شَأْنِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُزِيلَ الباطِلَ ويَفْضَحَهُ بِإيجادِ أسْبابِ زَوالِهِ وأنْ يُوَضِّحَ الحَقَّ بِإيجادِ أسْبابِ ظُهُورِهِ، حَتّى يَكُونَ ظُهُورُهُ فاضِحًا لِبُطْلانِ الباطِلِ فَلَوْ كانَ القُرْآنُ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ لَفَضَحَ اللَّهُ بُطْلانَهُ وأظْهَرَ الحَقَّ، فالمُرادُ بِالباطِلِ: جِنْسُ الباطِلِ، وبِالحَقِّ جِنْسُ الحَقِّ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ كالتَّذْيِيلِ لِلتَّفْرِيعِ. والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِالِاسْتِئْنافِ، ولِإفادَتِهِ الوَعِيدَ بِإزالَةِ ما هم عَلَيْهِ ونَصْرِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.

وعَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى: إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَمْحُ الباطِلَ، بَلْ هو تَحْقِيقٌ لِمَحْوِهِ لِلْباطِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، كَما دَلَّ عَلَيْهِ رَفْعُ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾، فَفِعْلُ يَمْحُ مَرْفُوعٌ وحَقُّهُ ظُهُورُ الواوِ في آخِرِهِ، ولَكِنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا في النُّطْقِ، وتَبِعَ حَذْفَها في النُّطْقِ حَذْفُها في الرَّسْمِ اعْتِبارًا بِحالِ النُّطْقِ كَما حُذِفَ واوُ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وواوُ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] . وذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّ الواوَ ثَبَتَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ ولَمْ يُعَيِّنْهُ ولا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِيما رَأيْتُ.

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: ويَمْحُ الباطِلَ، لِتَقْوِيَةِ تَمَكُّنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ الذِّهْنِ ولِإظْهارِ عِنايَةِ اللَّهِ بِمَحْوِ الباطِلِ.

وإنَّما عَدَلَ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في صَوْغِ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ فَلَمْ يَقُلْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ، لِأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ ما في إفادَةِ المُضارِعِ مِنَ التَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا شَأْنُ اللَّهِ وعادَتُهُ لا تَتَخَلَّفُ ولَمْ يَقْصِدْ تَحْقِيقَ ذَلِكَ وتَثْبِيتَهُ لِأنَّ إفادَةَ

صفحة ٨٨

التَّكْرِيرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ فَحَصَلَ الغَرَضانِ.

والباءُ في (بِكَلِماتِهِ) لِلسَّبَبِيَّةِ والكَلِماتُ هي: كَلِماتُ القُرْآنِ والوَحْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، أوِ المُرادُ: كَلِماتُ التَّكْوِينِ المُتَعَلِّقَةُ بِالإيجادِ عَلى وفْقَ عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] .

وإنَّما جاءَ هَذا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأُسْلُوبِ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في الِاعْتِناءِ بِتَلْقِينِهِ جَوابَ تَكْذِيبِهِمْ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْظِيعٍ لِبُهْتانِهِمْ، وهَذا وجْهُ التَّخالُفِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذِهِ الآيَةِ وأُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] لَأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَسُوقًا لِإبْطالِ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] تَعْلِيلٌ لِمَجْمُوعِ جُمْلَتَيْ: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ افْتِراءُ مُفْتَرٍ ولا صِدْقُ مُحِقٍّ. و(ذاتِ الصُّدُورِ): النَّوايا والمَقاصِدُ الَّتِي يُضْمِرُها النّاسُ في عُقُولِهِمْ. والصُّدُورُ: العُقُولُ، أُطْلِقَ عَلَيْها الصُّدُورُ عَلى الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.

42:25–26Page 486

وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥

And it is He who accepts repentance from His servants and pardons misdeeds, and He knows what you do.

وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦

And He answers [the supplication of] those who have believed and done righteous deeds and increases [for] them from His bounty. But the disbelievers will have a severe punishment.

﴿وهْوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾

لَمّا جَرى وعِيدُ الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ لِتَأْيِيدِ باطِلِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] . ثُمَّ أُتْبِعَ بِوَصْفِ سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَ الجَزاءِ بَقَوْلِهِ: ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢]، وقُوبِلَ بِوَصْفِ نَعِيمِ الَّذِينَ آمَنُوا بَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ [الشورى: ٢٢]، وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يَكْسِرَ نُفُوسَ أهْلِ

صفحة ٨٩

العِنادِ والضَّلالَةِ - أُعْقِبَ بِإعْلامِهِمْ أنَّ اللَّهَ مِن شَأْنِهِ قَبُولُ تَوْبَةِ مَن يَتُوبُ مِن عِبادِهِ، وعَفْوُهُ بِذَلِكَ عَمّا سَلَفَ مِن سَيِّئاتِهِمْ.

وهَذا الإخْبارُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى مُبادَرَةِ التَّوْبَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ الصّالِحِ لِلِاسْتِقْبالِ. وهو أيْضًا بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والجاهِلِيَّةِ فَإنَّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ في المُسْتَقْبَلِ يَكُونُ قَدْ قَبِلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِن قَبْلُ، بِدَلالَةِ لَحْنِ الخِطابِ أوْ فَحْواهُ، وأنَّ مِن شَأْنِهِ الِاسْتِجابَةَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن عِبادِهِ. وكُلُّ ذَلِكَ جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ وعَكْسِهِ. وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ إيمانِهِمْ ولِلْعُصاةِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.

فَجُمْلَةُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] وما اتَّصَلَ بِها مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وخاصَّةً جُمْلَةَ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] .

وابْتِناءُ الإخْبارِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى أُسْلُوبِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَتِها ثَباتَ حُكْمِها ودَوامَهُ.

ومَجِيءُ المُسْنَدِ اسْمَ مَوْصُولٍ لِإفادَةِ اتِّصافِ اللَّهِ تَعالى بِمَضْمُونِ صِلَتِهِ وأنَّها شَأْنٌ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى عُرِفَ بِهِ ثابِتٌ لَهُ لا يَتَخَلَّفُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِحِكْمَتِهِ وعَظْمَةِ شَأْنِهِ وغِناهُ عَنْ خَلْقِهِ.

وإيثارُ جُمْلَةِ الصِّلَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تُجَدُّدِ مَضْمُونِهِ وتَكَرُّرِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ وعْدٌ لا يَتَخَلَّفُ ولا يَخْتَلِفُ.

وفِعْلُ (قَبِلَ) يَتَعَدّى بِـ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ تارَةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١]، فَيُفِيدُ مَعْنى الأخْذِ لِلشَّيْءِ المَقْبُولِ صادِرًا مِنَ المَأْخُوذِ مِنهُ، ويُعَدّى بِـ (عَنْ) فَيُفِيدُ مَعْنى مُجاوَزَةِ الشَّيْءِ المَقْبُولِ أوِ انْفِصالَهُ عَنْ مُعْطِيهِ وباذِلِهِ، وهو أشَدُّ مُبالَغَةً في مَعْنى الفِعْلِ مَن تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (مِن) لَأنَّ فِيهِ كِنايَةً عَنِ احْتِباسِ الشَّيْءِ المَبْذُولِ عِنْدَ المَبْذُولِ إلَيْهِ بِحَيْثُ لا يُرَدُّ عَلى باذِلِهِ.

صفحة ٩٠

فَحَصَلَتْ في جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أرْبَعُ مُبالَغاتٍ: بِناءُ الجُمْلَةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وعَلى المَوْصُولِيَّةِ، وعَلى المُضارِعِيَّةِ، وعَلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ الصِّلَةِ بِـ (عَنْ) دُونَ (مِن) .

والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنْ فِعْلِ المَعْصِيَةِ امْتِثالًا لِطاعَةِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَما رَضِيَ عَنِ الَّذِي اقْتَرَفَ الجَرِيمَةَ ولَكِنَّهُ جَعَلَها مَقْبُولَةً لِحِكْمَتِهِ وفَضْلِهِ.

وفِي ذِكْرِ اسْمِ العِبادِ دُونَ نَحْوِ: النّاسِ أوِ التّائِبِينَ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إيماءً إلى أنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ بِعِبادِهِ لِمَقامِ العُبُودِيَّةِ فَإنَّ الخالِقَ والصّانِعَ يُحِبُّ صَلاحَ مَصْنُوعِهِ.

والعَفْوُ: عَدَمُ مُؤاخَذَةِ الجانِي بِجِنايَتِهِ. والسَّيِّئاتُ: الجَرائِمُ لِأنَّها سَيِّئَةٌ عِنْدَ الشَّرْعِ. والعَفْوُ عَنِ السَّيِّئاتِ يَكُونُ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ بِأنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّيِّئاتِ الَّتِي اقْتَرَفَها العاصِي قَبْلَ تَوْبَتِهِ، ويَكُونُ بِدُونِ ذَلِكَ مِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ عَقِبَ الحَجِّ المَبْرُورِ، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ لِكَثْرَةِ الحَسَناتِ بِأنْ يُمْحى عَنِ العاصِي مِن سَيِّئاتِهِ ما يُقابِلُ مِقْدارًا مِن حَسَناتِهِ عَلى وجْهٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.

والتَّعْرِيفُ في (السَّيِّئاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِغْراقُ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشِّرْكِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ سَيِّئاتِ عِبادِهِ فَيَعُمَّ جَمِيعَ العِبادِ عُمُومًا مَخْصُوصًا بِالأدِلَّةِ لِهَذا الحُكْمِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ.

وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَقْصُودُ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ عِبادِهِ خَيْرِها وشَرِّها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ ما يَفْعَلُ عِبادُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

والِاسْتِجابَةُ: مُبالَغَةٌ في الإجابَةِ، وخُصَّتِ الِاسْتِجابَةُ في الِاسْتِعْمالِ بِامْتِثالِ الدَّعْوَةِ أوِ الأمْرِ.

صفحة ٩١

وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ فاعِلَ (يَسْتَجِيبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَفْعُولُ (يَسْتَجِيبُ) وأنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ .

والغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ: اسْتَجابَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقَدْ يَحْذِفُونَ اللّامَ فَيُعَدُّونَهُ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ:

وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِـيبُ

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ لَهم ما يَرْجُونَهُ مِنهُ مِن ثَوابٍ، وما يَدْعُونَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ آمَنُوا فاعِلَ (يَسْتَجِيبُ) أيْ يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ فَيُطِيعُونَهُ وتَكُونَ جُمْلَةُ (ويَسْتَجِيبُ) عَطْفًا عَلى مَجْمُوعِ جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، أيْ ذَلِكَ شَأْنُهُ وهَذا شَأْنُ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ.

ومَعْنى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ أنَّهُ يُعْطِيهِمْ ما أمَّلَوْا مِن دُعائِهِمْ وعَمَلِهِمْ وأعْظَمَ مِمّا أمَّلَوْا حِينَ اسْتَجابُوا لَهُ ولِرَسُولِهِ، وأنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِنَ الثَّوابِ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ إذْ جَعَلَ لَهُمُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ كَما في الحَدِيثِ، وأنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِن خَيْرِ الدُّنْيا ما لَمْ يَسْألُوهُ إيّاهُ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَطِيفٌ بِهِمْ ومُدَبِّرٌ لِمَصالِحِهِمْ.

ولَمّا كانَتِ الِاسْتِجابَةُ والزِّيادَةُ كَرامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أُظْهِرَ اسْمُ الَّذِينَ آمَنُوا وجِيءَ بِهِ مَوْصُولًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو وجْهُ الِاسْتِجابَةِ لَهم والزِّيادَةِ لَهم.

وجُمْلَةُ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ اعْتِراضٌ عائِدٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] تَوْكِيدًا لِلْوَعِيدِ وتَحْذِيرًا مِنَ الدَّوامِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ فَتْحِ بابِ التَّوْبَةِ لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском