Ibn 'AshurAsh‑Shuraa · 42:30–35

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:30–35

42:30Page 486

وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠

And whatever strikes you of disaster - it is for what your hands have earned; but He pardons much.

﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

لَمّا تَضَمَّنَتِ المِنَّةُ بِإنْزالِ الغَيْثِ بَعْدَ القُنُوطِ أنَّ القَوْمَ أصابَهم جُهْدٌ مِنَ القَحْطِ بَلَغَ بِهِمْ مَبْلَغَ القُنُوطِ مِنَ الغَيْثِ أعْقَبَتْ ذَلِكَ بِتَنْبِيهِهِمْ إلى أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ البُؤْسِ هو جَزاءٌ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ تَنْبِيهًا يَبْعَثُهم ويَبْعَثُ الأُمَّةَ عَلى أنْ

صفحة ٩٩

يُلاحِظُوا أحْوالَهم نَحْوَ امْتِثالِ رِضا خالِقِهِمْ ومُحاسِبَةِ أنْفُسِهِمْ حَتّى لا يَحْسَبُوا أنَّ الجَزاءَ الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ مَقْصُورٌ عَلى الجَزاءِ في الآخِرَةِ بَلْ يَعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ يُصِيبُهُمُ اللَّهُ بِما هو جَزاءٌ لَهم في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ ما أصابَ قُرَيْشًا مِنَ القَحْطِ والجُوعِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلَيْهِمْ كَما تَقَدَّمَ، وكانَتْ تِلْكَ الدَّعْوَةُ ناشِئَةً عَلى ما لا قُوَّةَ بِهِ مِنَ الأذى - لا جَرَمَ كانَ ما أصابَهم مُسَبَّبًا عَلى ما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ.

فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، وأُطْلِقَ كَسْبُ الأيْدِي عَلى الأفْعالِ والأقْوالِ المُنْكَرَةِ عَلى وجْهِ المَجازِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ بِما صَدَرَ مِنكم مِن أقْوالِ الشِّرْكِ ولِأذى لِلنَّبِيءِ ﷺ وفِعْلِ المُنْكَراتِ النّاشِئَةِ عَنْ دِينِ الشِّرْكِ.

والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِداءٌ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن سِياقِ الآياتِ كُلِّها وهم أوْلى بِهَذِهِ المَوْعِظَةِ لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ ويَشْمَلُ المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ القِياسِ وبِما دَلَّ عَلى شُمُولِ هَذا الحُكْمِ لَهم مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ومِن آياتٍ أُخْرى.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ سَبَبُ ما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ هو أعْمالُكم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ. و﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ كُتِبَتْ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ وقَرَأ الباقُونَ (﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾) بِفاءٍ قَبْلَ الباءِ وكَذَلِكَ كُتِبَتْ في مُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ، عَلى أنَّ (ما) مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ فاقْتَرَنَ خَبَرُها بِالفاءِ لِذَلِكَ، أوْ هي شَرْطِيَّةٌ والفاءُ رابِطَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ. ويَكُونُ وُقُوعُ فِعْلِ الشَّرْطِ ماضِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ.

و(مِن) بَيانِيَّةٌ عَلى القِراءَتَيْنِ لِما في المَوْصُولِ واسْمِ الشَّرْطِ مِنَ الإبْهامِ.

والمُصِيبَةُ: اسْمٌ لِلْحادِثَةِ الَّتِي تُصِيبُ بِضُرٍّ ومَكْرُوهٍ، وقَدْ لَزِمَتْها هاءُ التَّأْنِيثِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحادِثَةِ فَلِذَلِكَ تُنُوسِيَتْ مِنها الوَصْفِيَّةُ وصارَتِ اسْمًا لِلْحادِثَةِ المَكْرُوهَةِ.

فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ تُعَيِّنُ مَعْنى عُمُومِ التَّسَبُّبِ لِأفْعالِهِمْ فِيما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ لِأنَّ (ما) في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ دالٌّ عَلى التَّسَبُّبِ وإمّا مَوْصُولَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِالشَّرْطِيَّةِ، فالمَوْصُولِيَّةُ تُفِيدُ الإيماءَ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، وتَشْبِيهُها بِالشَّرْطِيَّةِ يُفِيدُ التَّسَبُّبَ.

صفحة ١٠٠

وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ لا تُعَيِّنُ التَّسَبُّبَ بَلْ تُجَوِّزُهُ لِأنَّ المَوْصُولَ قَدْ يُرادُ بِهِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ بِالوَصْفِ بِالصِّلَةِ، فَتُحَمَلُ عَلى العُمُومِ بِالقَرِينَةِ وبِتَأْيِيدِ القِراءَةِ الأُخْرى لِأنَّ الأصْلَ في اخْتِلافِ القِراءاتِ الصَّحِيحَةِ اتِّحادُ المَعانِي.

وكِلْتا القِراءَتَيْنِ سَواءٌ في احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ فَرِيقًا مُعَيَّنًا وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ جَمِيعَ النّاسِ، وكَذَلِكَ في أنْ يَكُونَ المُرادُ مَصائِبَ مُعَيَّنَةً حَصَلَتْ في الماضِي، وأنْ يُرادَ جَمِيعُ المَصائِبِ الَّتِي حَصَلَتْ والَّتِي تَحْصُلُ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُفِيدُ: أنَّ مِمّا يُصِيبُ النّاسَ مِن مَصائِبِ الدُّنْيا ما هو جَزاءٌ لَهم عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى كَمَثَلِ المُصِيبَةِ أوِ المَصائِبِ الَّتِي أصابَتِ المُشْرِكِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ وأذاهم لِلرَّسُولِ ﷺ .

ثُمَّ إنْ كانَتْ (ما) شَرْطِيَّةً كانَتْ دَلالَتُها عَلى عُمُومِ مَفْهُومِها المُبَيَّنِ بِحَرْفِ (مِن) البَيانِيَّةِ أظْهَرَ؛ لِأنَّ شَرْطَها الماضِيَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ كَما هو كَثِيرٌ في الشُّرُوطِ المَصُوغَةِ بِفِعْلِ المُضِيِّ، والتَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ يُمَحِّضُها لِلْمُسْتَقْبَلِ، وإنْ كانَتْ (ما) مَوْصُولَةً كانَتْ دَلالَتُها مُحْتَمِلَةً لِلْعُمُومِ ولِلْخُصُوصِ لِأنَّ المَوْصُولَ يَكُونُ لِلْعَهْدِ ويَكُونُ لِلْجِنْسِ.

وأيًّا ما كانَ فَهو دالٌّ عَلى أنَّ مِنَ المَصائِبِ الَّتِي تُصِيبُ النّاسَ في الدُّنْيا ما سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ وإذا كانَ ذَلِكَ ثابِتًا بِالنِّسْبَةِ لِأُناسٍ مُعَيَّنِينَ كانَ فِيهِ نِذارَةٌ وتَحْذِيرٌ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِن جِنْسِ أفْعالِهِمْ أنْ تَحِلَّ بِهِمْ مَصائِبُ في الدُّنْيا جَزاءً عَلى أعْمالِهِمْ زِيادَةً في التَّنْكِيلِ بِهِمْ إلّا أنَّ هَذا الجَزاءَ لا يَطَّرِدُ فَقَدْ يُجازِي اللَّهُ قُومًا عَلى أعْمالِهِمْ جَزاءً في الدُّنْيا مَعَ جَزاءِ الآخِرَةِ، وقَدْ يَتْرُكُ قَوْمًا إلى جَزاءِ الآخِرَةِ، فَجَزاءُ الآخِرَةِ في الخَيْرِ والشَّرِّ هو المُطَّرِدُ المَوْعُودُ بِهِ، والجَزاءُ في الدُّنْيا قَدْ يَحْصُلُ وقَدْ لا يَحْصُلُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ كَما سَنُبَيِّنُهُ.

وهَذا المَعْنى قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ في آياتٍ وأحادِيثَ كَثِيرَةٍ بِوَجْهِ الكُلِّيَّةِ وبِوَجْهِ الجُزْئِيَّةِ، فَمِمّا جاءَ بِطَرِيقِ الكُلِّيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمْنَ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿كَلّا بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمّا﴾ [الفجر: ١٩] الآيَةَ،

صفحة ١٠١

فَقَوْلُهُ: ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ (كَلّا) المُرَتَّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي﴾ [الفجر: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِي﴾ [الفجر: ١٦]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الكَرامَةَ والإهانَةَ إنَّما تَسَبَّبا عَلى عَدَمِ إكْرامِ اليَتِيمِ والحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، وقالَ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] .

وفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا تُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ» . وهو يَنْظُرُ إلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا جاءَ عَلى وجْهِ الجُزْئِيَّةِ فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢] ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٢] وقَوْلُهُ حِكايَةً عَنْهُ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣] ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] في سُورَةِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] وقالَ حِكايَةً عَنْ مُوسى ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] في الأعْرافِ، وقالَ في فِرْعَوْنَ ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥]، وقالَ في المُنافِقِينَ ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] في ”بَراءَةٌ“ .

وفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ قالَ النَّبِيءُ: «نَقْلُ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإسْباغُ الوُضُوءِ في المَكْرُوهاتِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، مَن يُحافِظُ عَلَيْهِنَّ عاشَ بِخَيْرٍ وماتَ بِخَيْرٍ»، وفي بابِ العُقُوباتِ مِن آخَرِ سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» .

وفِي البُخارِيِّ «قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ إنّا آمَنّا بِاللَّهِ وجاهَدْنا في سَبِيلِهِ فَوَجَبَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن ذَهَبَ لَمْ يَأْخُذْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، ماتَ وما تَرَكَ إلّا. . . كُنّا إذا غَطَّيْنا بِها رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاهُ وإذا غَطَّيْنا رِجْلَيْهِ بَدا رَأْسُهُ فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُغَطِّيَ بِها رَأْسَهُ ونَضَعَ عَلى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخِرِ

صفحة ١٠٢

ومِنهم مَن عُجِّلَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يُهَدِّبُها» .

وإذا كانَتِ المُصِيبَةُ في الدُّنْيا تَكُونُ جَزاءً عَلى فِعْلِ الشَّرِّ فَكَذَلِكَ خَيْراتُ الدُّنْيا قَدْ تَكُونُ جَزاءً عَلى فِعْلِ الخَيْرِ قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، وقالَ حِكايَةً عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] أيْ مُذْنِبِينَ، أيْ وأنْتَ لَمْ تَكُنْ خاطِئًا، وقالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] في آلِ عِمْرانَ وقالَ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] في سُورَةِ النُّورِ.

وهَذا كُلُّهُ لا يَنْقُضُ الجَزاءَ في الآخِرَةِ، فَمَن أنْكَرُوا ذَلِكَ وقالُوا: إنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أيْ يَوْمِ الجَزاءِ وإنَّما الدُّنْيا دارُ تَكْلِيفٍ والآخِرَةُ دارُ الجَزاءِ - فالجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: هو أنَّهُ لَيْسَ كَوْنُ ما يُصِيبُ مِنَ الشَّرِّ والخَيْرِ في الدُّنْيا جَزاءً عَلى عَمَلٍ بِمُطَّرِدٍ، ولا مُتَعَيِّنٍ لَهُ فَإنَّ لِذَلِكَ أسْبابًا كَثِيرَةً وتَدْفَعُهُ أوْ تَدْفَعُ بَعْضًا مِنهُ جَوابِرُ كَثِيرَةٌ واللَّهُ يُقَدِّرُ ذَلِكَ اسْتِحْقاقًا ودَفْعًا ولَكِنَّهُ مِمّا يَزِيدُهُ اللَّهُ بِهِ الجَزاءَ إنْ شاءَ.

وقَدْ تُصِيبُ الصّالِحِينَ نَكَباتٌ ومَصائِبُ وآلامٌ فَتَكُونُ بَلْوى وزِيادَةً في الأجْرِ ولِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وقَدْ تُصِيبُ المُسْرِفِينَ خَيْراتٌ ونِعَمٌ إمْهالًا واسْتِدْراجًا ولِأسْبابٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ وهو أعْلَمُ بِخَفايا خَلْقِهِ ونَواياهم ومَقادِيرِ أعْمالِهِمْ مِن حَسَناتٍ وسَيِّئاتٍ، واسْتِعْدادِ نُفُوسِهِمْ وعُقُولِهِمْ لِمُخْتَلِفِ مَصادِرِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] .

ومِمّا اخْتَبَطَ فِيهِ ضُعَفاءُ المَعْرِفَةِ وقُصّارُ الأنْظارِ أنْ زَعَمَ أهْلُ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ الَّتِي لا نَرى لَها أسْبابًا والخَيْراتِ الَّتِي تَظْهَرُ في مُواطِنَ تَحُفُّ بِها مُقْتَضَياتُ الشُّرُورِ إنَّما هي بِسَبَبِ جَزاءِ الأرْواحِ المُودَعَةِ في الأجْسامِ الَّتِي نُشاهِدُها

صفحة ١٠٣

عَلى ما كانَتْ أصابَتْهُ مِن مُقْتَضَياتِ الأحْوالِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها في مَرْآِنا قَبْلَ أنْ تُوضَعَ في هَذِهِ الأجْسادِ الَّتِي نَراها. وقَدْ عَمُوا عَمّا يَرُدُّ عَلى هَذا الزَّعْمِ مِن سُؤالٍ عَنْ سَبَبِ إيداعِ الأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ في الأجْسادِ المُيَسَّرَةِ لِلصّالِحاتِ والعَكْسِ، فَبِئْسَ ما يَفْتَرُونَ !

فَقَوْلُهُ: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾، وضَمِيرُ يَعْفُو عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ﴾ [الشورى: ٢٩] . وهَذا يُشِيرُ إلى ما يَتَراءى لَنا مِن تَخَلُّفِ إصابَةِ المُصِيبَةِ عَنْ بَعْضِ الَّذِينَ كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ جَرائِمَ، ومِن ضِدِّ ذَلِكَ مِمّا تُصِيبُ المَصائِبُ بَعْضَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وهو إجْمالٌ يُبَيِّنُهُ عَلى الجُمْلَةِ أنَّ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ عِبادَهِ وما تَغَلَّبَ مِن حَسَناتِهِمْ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ مِن إمْهالِ بَعْضِ عِبادِهِ أوْ مِنِ ابْتِلاءِ بَعْضِ المُقَرَّبِينَ، وتِلْكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ تَتَعارَضُ وتَتَساقَطُ والمُوَفَّقُ يَبْحَثُ عَنِ الأسْبابِ فَإنْ أعْجَزَتْهُ فَوَّضَ العِلْمَ إلى اللَّهِ.

والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْفُو، أيْ يَصْفَحُ فَلا يُصِيبُ كَثِيرًا مِن عِبادِهِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا جَزاءَ السُّوءِ بِعُقُوباتٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِهِمْ. فالمُرادُ هُنا: العَفْوُ عَنِ المُؤاخَذَةِ في الدُّنْيا ولا عَلاقَةَ لَها بِجَزاءِ الآخِرَةِ فَإنَّ فِيهِ أدِلَّةً أُخْرى مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

وكَثِيرٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ عَنْ خَلْقٍ أوْ ناسٍ.

42:31Page 486

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٣١

And you will not cause failure [to Allāh]1 upon the earth. And you have not besides Allāh any protector or helper.

﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وهو احْتِراسٌ، أيْ يَعْفُو عَنْ قُدْرَةٍ فَإنَّكم لا تُعْجِزُونَهُ ولا تَغْلِبُونَهُ ولَكِنْ يَعْفُو تَفَضُّلًا.

والمُعْجِزُ: الغالِبُ غَيْرَهُ بِانْفِلاتِهِ مِن قَبْضَتِهِ.

والمَعْنى: ما أنْتُمْ بِفالِتِينَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ. والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ.

صفحة ١٠٤

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أصابَكم بِمُصِيبَةِ القَحْطِ ثُمَّ عَفا عَنْكم بِرَفْعِ القَحْطِ عَنْكم وما أنْتُمْ بِمُفْلِتِينَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يُصِيبَكم، فَهو مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي سُفْيانَ حِينَ دَعا بِرَفْعِ القَحْطِ عَنْهم تَعُودُونَ بَعْدُ وقَدْ عادُوا فَأصابَهُمُ اللَّهُ بِبَطْشَةِ بَدْرٍ قالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] .

وتَقْيِيدُ النَّفْيِ بَقَوْلِهِ: في الأرْضِ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ، أيْ في أيِّ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّهم في مَنَعَةٍ بِحُلُولِهِمْ في مَكَّةَ الَّتِي أمَّنَها اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا خافُوا سَطْوَةَ مَلِكٍ أوْ عَظِيمٍ سَكَنُوا الجِهاتِ الصَّعْبَةَ، كَما قالَ النّابِغَةُ ذاكِرًا تَحْذِيرَهُ قَوْمَهُ مِن تَرَصُّدِ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ لَهم وناصِحًا لَهم:

إمّا عُصِيتُ فَإنِّي غَيْرُ مُنْفَلِـتٍ مِنِّي اللِّصابُ فَجَنْبا حَرَّةِ النَّـارِ

أوْ أضَعِ البَيْتَ في صَمّاءَ مُضْلِمَةٍ ∗∗∗ مِنَ المَظالِمِ تُـدْعَـى أُمَّ صَـبّارِ

تُدافِعُ النّاسَ عَنّا حِينَ نَرْكَبُهَـا ∗∗∗ تَقَيُّدَ العَيْرِ لا يَسْرِي بِها السّارِي

وجِيءَ بِالخَبَرِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ ودَوامِهِ، أيْ نَفْيُ إعْجازِهِمْ ثابِتٌ لا يَتَخَلَّفُ فَهم في مُكْنَةِ خالِقِهِمْ.

ولَمّا أفادَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أنْ يَكُونَ لَهم مَنجًى مِن سُلْطَةِ اللَّهِ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ لِيَنْصُرَهم ويَقِيَهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وما لَكَمَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم ولِيٌّ يَتَوَلّاكم فَيَمْنَعَكم مِن سُلْطانِ اللَّهِ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم عَلى اللَّهِ إنْ أرادَ إصابَتَكم فَتَغْلِبُونَهُ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ نَفْيَ ما هو مُعْتادٌ بَيْنَهم مِن وُجُوهِ الوِقايَةِ.

ومِن دُونِ اللَّهِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (ولِيٍّ ونَصِيرٍ)، والخَبَرُ الأوَّلُ هو لَكم. وتَقْدِيمُ الخِبْرَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِتَعْجِيلِ بَأْسِهِمْ مِن ذَلِكَ.

42:32–34Page 487

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٣٢

And of His signs are the ships in the sea, like mountains.

إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣

If He willed, He could still the wind, and they would remain motionless on its surface. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤

Or He could destroy them1 for what they earned; but He pardons much.

صفحة ١٠٥

﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾

لَمّا جَرى تَذْكِيرُهم بِأنَّ ما أصابَهم مِن مُصِيبَةٍ هو مُسَبَّبٌ عَنِ اقْتِرافِ أعْمالِهِمْ، وتَذْكِيرِهِمْ بِحُلُولِ المَصائِبِ تارَةً وكَشْفِها تارَةً أُخْرى بَقَوْلِهِ: ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وأعْقَبَ بِأنَّهم في الحالَتَيْنِ غَيْرُ خارِجِينَ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ سِيقَ لَهم ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ جامِعَةً مِثالًا لِإصابَةِ المَصائِبِ وظُهُورِ مَخائِلِها المُخِيفَةِ المُذَكِّرَةِ بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ والَّتِي قَدْ تَأْتِي بِما أُنْذِرُوا بِهِ وقَدْ تَنْكَشِفُ عَنْ غَيْرِ ضُرٍّ، ودَلِيلًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ إصابَةِ ما أرادَهُ، وإدْماجًا لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ السَّيْرِ في البَحْرِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لِلنّاسِ فَإنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٩] .

والآياتُ: الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ.

والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ البَحْرِ، أيِ السُّفُنُ الجَوارِي في البَحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] . وعَدَلَ عَنِ: الفُلْكِ إلى الجِوارِ إيماءً إلى مَحَلِّ العِبْرَةِ لِأنَّ العِبْرَةَ في تَسْخِيرِ البَحْرِ لِجَرْيِها وتَفْكِيرِ الإنْسانِ في صُنْعِها.

والأعْلامُ: جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، والمُرادُ: بِالجَوارِي السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَسَعُ ناسًا كَثِيرِينَ، والعِبْرَةُ بِها أظْهَرُ والنِّعْمَةُ بِها أكْثَرُ.

وكُتِبَتْ كَلِمَةُ الجِوارِ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الرّاءِ ولَها نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ في الرَّسْمِ والقِراءَةِ، ولِلْقُرّاءِ في أمْثالِها اخْتِلافٌ وهي الَّتِي تُدْعى عِنْدَ عُلَماءِ القِراءاتِ بِالياءاتِ الزَّوائِدِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (الجَوارِي) في هَذِهِ السُّورَةِ بِإثْباتِ الياءِ في

صفحة ١٠٦

حالَةِ الوَصْلِ وبِحَذْفِها في حالَةِ الوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.

وإسْكانُ الرِّياحِ: قَطْعُ هُبُوبِها، فَإنَّ الرِّيحَ حَرَكَةٌ وتَمَوُّجٌ في الهَواءِ فَإذا سَكَنَ ذَلِكَ التَّمَوُّجُ فَلا رِيحَ.

وقَرَأ نافِعٌ (الرِّياحَ) بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ الرِّيحَ بِلَفْظِ المُفْرَدِ. وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّيحَ قَدْ تُطْلَقُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى رِيحِ الخَيْرِ، وما قِيلَ: إنَّ الرِّياحَ لِلْخَيْرِ والرِّيحَ لِلْعَذابِ في القُرْآنِ هو غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ. وقَدْ قُرِئَ في آياتٍ أُخْرى الرِّياحَ والرِّيحَ في سِياقِ الخَيْرِ دُونَ العَذابِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ يَشَأْ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ مِن طَرِيقِ الأصْفَهانِيِّ بِألَفٍ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ.

والرَّواكِدُ: جَمْعُ راكِدَةٍ، والرُّكُودُ: الِاسْتِقْرارُ والثُّبُوتُ.

والظَّهْرُ: الصُّلْبُ لِلْإنْسانِ والحَيَوانِ، ويُطْلَقُ عَلى أعْلى الشَّيْءِ إطْلاقًا شائِعًا. يُقالُ: ظَهْرُ البَيْتِ، أيْ سَطْحُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] . وأصْلُهُ: اسْتِعارَةٌ فَشاعَتْ حَتّى قارَبَتِ الحَقِيقَةَ، فَظَهْرُ البَحْرِ سَطْحُ مائِهِ البادِي لِلنّاظِرِ، كَما أُطْلِقَ ظَهْرُ الأرْضِ عَلى ما يَبْدُو مِنها، قالَ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] .

وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ لِأنَّ في الحالَتَيْنِ خَوْفًا ونَجاةً، والخَوْفُ يَدْعُو إلى الصَّبْرِ، والنَّجاةُ تَدْعُو إلى الشُّكْرِ. والمُرادُ: أنَّ في ذَلِكَ آياتٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مُتَخَلِّقٍ بِخُلُقِ الصَّبْرِ عَلى الضَّرّاءِ والشُّكْرِ لِلسَّرّاءِ، فَهو يَعْتَبِرُ بِأحْوالِ الفُلْكِ في البَحْرِ اعْتِبارًا يُقارِنُهُ الصَّبْرُ أوِ الشُّكْرُ.

وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآيَةِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّها تَمُرُّ بِأعْيُنِهِمْ فَلا يَعْتَبِرُونَ بِها.

وقَوْلُهُ أوْ يُوبِقْهُنَّ عَطْفٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ.

ويُوبِقْهُنَّ: يُهْلِكُهُنَّ. والإيباقُ: الإهْلاكُ، وفِعْلُهُ وبَقَ كَوَعَدَ. والمُرادُ بِهِ

صفحة ١٠٧

هُنا الغَرَقُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ جَماعَةِ الإناثِ عائِدًا إلى الجَوارِ عَلى أنْ يُسْتَعارَ الإيباقِ لِلْإغْراقِ لِأنَّ الإغْراقَ إتْلافٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الرّاكِبِينَ عَلى تَأْوِيلِ مُعادِ الضَّمِيرِ بِالجَماعاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بِما كَسَبُوا فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .

ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ عَطْفٌ عَلى يُوبِقْهُنَّ فَهو في مَعْنى جَزاءٍ لِلشَّرْطِ المُقَدَّرِ، أيْ وإنْ يَشَأْ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ فَلا يُوبِقُهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ أنْ يُوبَقُوا. وهَذا العَطْفُ اعْتِراضٌ.

42:35Page 487

وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥

And [that is so] those who dispute concerning Our signs may know that for them there is no place of escape.

﴿ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾

قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِرَفْعِ (ويَعْلَمُ) عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.

فَأمّا الِاسْتِئْنافُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ فَمَعْناهُ أنَّهُ كَلامٌ آنِفٌ لا ارْتِباطَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وذَلِكَ تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا مَحِيصَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ﴾ [الشورى: ٣٢] صارَ المَعْنى: ومِن آياتِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ الجَوارِي في البَحْرِ. والمُشْرِكُونَ يُجادِلُونَ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ بِالإعْراضِ والِانْصِرافِ عَنْ سَماعِها فَهَدَّدَهُمُ اللَّهُ بِأنْ أعْلَمَهم أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم، أيْ مِن عَذابِهِ فَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ المَحِيصِ إبْهامًا لَهُ تَهْوِيلًا لِلتَّهْدِيدِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ خَبَرًا مُرادًا بِهِ الإنْشاءُ والطَّلَبُ فَهو في قُوَّةِ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾، أوِ اعْلَمُوا يا مَن يُجادِلُونَ، ولَيْسَ خَبَرًا عَنْهم لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ حَتّى يَعْلَمُوهُ.

وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى العَطْفِ عَلى فِعْلٍ

صفحة ١٠٨

مَدْخُولٍ لِلامِ التَّعْلِيلِ، وتَضَمَّنَ (أنْ) بَعْدَهُ. والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخَ. وسَمَّوْا هَذِهِ الواوَ واوَ الصَّرْفِ، لِأنَّها تَصْرِفُ ما بَعْدَها عَنْ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها، إلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى فِعْلٍ مُتَصَيَّدٍ مِنَ الكَلامِ وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَرْتَفِعُ بَيْنَ الجَزْمَيْنِ ويَنْجَزِمُ بَيْنَهُما، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ الواوَ واوُ المَعِيَّةِ الَّتِي يُنْصَبُ الفِعْلُ المُضارِعُ بَعْدَها بِـ (أنْ) مُضْمَرَةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في مُقارَبَةِ المُخْبَرِ بِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، فَلَمّا كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ يُوشِكُ أنْ يَحْصُلَ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الحاصِلِ فَأُخْبِرَ عَنْهم بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ إنْذارًا بِعِقابٍ يَحْصُلُ لَهم قَرِيبٍ وهو عَذابُ السَّيْفِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وذُكِرَ فِعْلُ (يَعْلَمُ) لِلتَّنْوِيهِ والِاعْتِناءِ بِالخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] في سُورَةِ الأنْفالِ «، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ رَأى أبا مَسْعُودٍ الأنْصارِيَّ يَضْرِبُ غُلامًا لَهُ فَناداهُ: اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، قالَ أبُو مَسْعُودٍ: فالتَفَتُّ فَإذا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو يَقُولُ: اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ فَألْقَيْتُ السَّوْطَ مِن يَدِي، فَقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا الغُلامِ» رَواهُ مُسْلِمٌ أواخِرَ كِتابِ الإيمانِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.

و(ما) نافِيَةٌ، وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ (يَعْلَمُ) عَنْ نَصْبِ المَفْعُولَيْنِ.

والمَحِيصُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَن حاصَ، إذا أخَذَ في الفِرارِ ومالَ في سَيْرِهِ، وفي حَدِيثِ أبِي سُفْيانَ في وصْفِ مَجْلِسِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ وأُغْلِقَتِ الأبْوابُ. والمَعْنى: ما لَهم مِن فِرارٍ ومَهْرَبٍ مِن لِقاءِ اللَّهِ. والمُرادُ: ما لَهم مِن مَحِيدٍ ولا مَلْجَأٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١] في سُورَةِ النِّساءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском