Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الزخرف
Az-Zukhruf
The Ornaments of Gold · Meccan · 89 ayahs
﴿حم﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِهِ ومَواقِعِهِ قَبْلَ ذِكْرِ القُرْآنِ وتَنْزِيلِهِ.
43:2–3Page 489
وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
By the clear Book,
إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٣
Indeed, We have made it an Arabic Qur’ān that you might understand.
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أقْسَمَ بِالكِتابِ المُبِينِ وهو القُرْآنُ عَلى أنَّ القُرْآنَ جَعَلَهُ اللَّهُ عَرَبِيًّا واضِحَ الدَّلالَةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُصَدِّقُوا بِهِ لَوْ كانُوا غَيْرَ مُكابِرِينَ، ولَكِنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ كانُوا كَمَن لا يَعْقِلُونَ. فالقَسَمُ بِالقُرْآنِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ وهو تَوْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ جَوابُ القَسَمِ إذْ لَيْسَ القَسَمُ هُنا بِرافِعٍ لِتَكْذِيبِ المُنْكِرِينَ إذْ لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ المُقْسِمَ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّ المُخاطَبَ بِالقَسَمِ هُمُ المُنْكِرُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ) وتَفْرِيعِ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] عَلَيْهِ. وتَوْكِيدُ الجَوابِ بِـ (إنَّ) زِيادَةُ تَوْكِيدٍ لِلْخَبَرِ أنَّ القُرْآنَ مِن جَعْلِ اللَّهِ.
وفِي جَعْلِ المُقْسَمِ بِهِ القُرْآنَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُبِينًا، وجَعْلِ جَوابِ القَسَمِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مُبِينًا، تَنْوِيهٌ خاصٌّ بِالقُرْآنِ إذْ جَعَلَ المُقْسَمَ بِهِ هو المُقَسَمَ عَلَيْهِ، وهَذا ضَرْبٌ عَزِيزٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ يُومِئُ إلى أنَّ المُقْسَمَ عَلى شَأْنِهِ بَلَغَ غايَةَ الشَّرَفِ فَإذا أرادَ المُقْسِمُ أنْ يُقْسِمَ عَلى ثُبُوتِ شَرَفٍ لَهُ لَمْ يَجِدْ ما هو أوْلى بِالقَسَمِ بِهِ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ مِن قَبِيلِهِ قَوْلَ أبِي تَمّامٍ:
صفحة ١٦٠
وثَناياكِ إنَّهَـا إغْـرِيضُ ولَآلٍ تُؤْمٌ وبَرْقٌ ومِيضُ
إذْ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ جُمْلَةَ إنَّها إغْرِيضُ جَوابَ القَسَمِ وهو الَّذِي تَبِعَهُ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ والقَزْوِينِيُّ في شَرْحَيْهِما لِلْكَشّافِ، وهو ما فَسَّرَ بِهِ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِهِ لِدِيوانِ أبِي تَمّامٍ، ولَكِنَّ التَّفْتَزانِيَّ أبْطَلَ ذَلِكَ في شَرْحِ الكَشّافِ وجَعَلَ جُمْلَةَ (إنَّها إغْرِيضُ) اسْتِئْنافًا أيِ اعْتِراضًا لِبَيانِ اسْتِحْقاقِ ثَناياها أنْ يُقْسِمَ بِها، وجَعَلَ جَوابَ القَسَمِ قَوْلَهُ بَعْدَ أبْياتٍ ثَلاثَةٍ:
لَتَكاءَدْنَنِي غِمارٌ مِنَ الأحْ ∗∗∗ داثِ لَمْ أدْرِ أيَّهُنَّ أخُوضُ
والنُّكَتُ والخُصُوصِيّاتُ الأدَبِيَّةُ يَكْفِي فِيها الِاحْتِمالُ المَقْبُولُ فَإنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ:
وارْتِكاضُ الكَرى بِعَيْنَيْكَ في النَّ ∗∗∗ وْمِ فُنُونًا وما بِعَيْنِي غُمُوضُ
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا ثانِيًا فَيَكُونَ البَيْتُ جَوابًا لَهُ.
وإطْلاقُ اسْمِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ لِيُكْتَبَ وأنَّ الأُمَّةَ مَأْمُورُونَ بِكِتابَتِهِ وإنْ كانَ نُزُولُهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا غَيْرَ مَكْتُوبٍ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيُكْتَبُ في المَصاحِفِ، والمُرادُ بِـ (الكِتابِ) ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ وقَدْ كَتَبَهُ كُتّابُ الوَحْيِ.
وضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الكِتابِ، أيْ إنّا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ قُرْآنًا والجَعْلُ: الإيجادُ والتَّكْوِينُ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والمَعْنى: أنَّهُ مَقْرُوءٌ دُونَ حُضُورِ كِتابٍ فَيَقْتَضِي أنَّهُ مَحْفُوظٌ في الصُّدُورِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَتْ فائِدَةٌ لِلْإخْبارِ بِأنَّهُ مَقْرُوءٌ لِأنَّ كُلَّ كِتابٍ صالِحٌ لِأنْ يُقْرَأُ. والإخْبارُ عَنِ الكِتابِ بِأنَّهُ قُرْآنٌ مُبالَغَةٌ في كَوْنِ هَذا الكِتابِ مَقْرُوءًا، أيْ مُيَسَّرًا لِأنْ يُقْرَأُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] . وقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
فَحَصَلَ بِهَذا الوَصْفِ أنَّ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ جامِعٌ لِوَصْفَيْنِ: كَوْنِهِ كِتابًا، وكَوْنِهِ مَقْرُوءًا عَلى ألْسِنَةِ الأُمَّةِ. وهَذا مِمّا اخْتُصَّ بِهِ كِتابُ الإسْلامِ.
صفحة ١٦١
و(عَرَبِيًّا) نِسْبَةً إلى العَرَبِ، وإذْ قَدْ كانَ المَنسُوبُ كِتابًا ومَقْرُوءًا فَقَدِ اقْتَضى أنَّ نِسْبَتَهُ إلى العَرَبِ نِسْبَةُ الكَلامِ واللُّغَةِ إلى أهْلِها، أيْ هو مِمّا يَنْطِقُ العَرَبُ بِمِثْلِ ألْفاظِهِ، وبِأنْواعِ تَراكِيبِهِ.
وانْتَصَبَ قُرْآنًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ جَعَلْناهُ.
ومَعْنى جَعْلِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا تَكْوِينُهُ عَلى ما كُوِّنَتْ عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ، وأنَّ اللَّهَ بِباهِرِ حِكْمَتِهِ جَعَلَ هَذا الكِتابَ قُرْآنًا بِلُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها أشْرَفُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها دَلالَةً عَلى عَدِيدِ المَعانِي، وأنْزَلَهُ بَيْنَ أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ لِأنَّهم أفْهَمُ لِدَقائِقِها، ولِذَلِكَ اصْطَفى رَسُولَهُ مِن أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ لِتَتَظاهَرَ وسائِلُ الدَّلالَةِ والفَهْمِ فَيَكُونُوا المُبَلِّغِينَ مُرادَ اللَّهِ إلى الأُمَمِ. وإذا كانَ هَذا القُرْآنُ بِهاتِهِ المَثابَةِ فَلا يَأْبى مِن قَبُولِهِ إلّا قَوْمٌ مُسْرِفُونَ في الباطِلِ بُعَداءُ عَنِ الإنْصافِ والرُّشْدِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ هَدْيَهم فَلا يُقْطَعُ عَنْهم ذِكْرُهُ حَتّى يَتِمَّ مُرادُهُ ويَكْمُلَ انْتِشارُ دِينِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُراجِعُوا عُقُولَهم ويَتَدَبَّرُوا إخْلاصَهم فَإنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُؤاخِذِهِمْ بِما سَلَفَ مِن إسْرافِهِمْ إنْ هم ثابُوا إلى رُشْدِهِمْ.
والمَقْصُودُ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ غَرَضانِ: أحَدُهُما التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ، ومَدْحُهُ بِأنَّهُ مَنسُوجٌ عَلى مِنوالِ أفْصَحِ لُغَةٍ، وثانِيهِما التَّوَرُّكُ عَلى المُعانِدِينَ مِنَ العَرَبِ حِينَ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِمَعانِيهِ بِأنَّهم كَمَن يَسْمَعُ كَلامًا بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ الحَرْفانِ المُقَطَّعانِ المُفْتَتَحَةُ بِهِما السُّورَةُ مِن مَعْنى التَّحَدِّي بِأنَّ هَذا كِتابٌ بِلُغَتِكم وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.
وحَرْفُ (لَعَلَّ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الإرادَةِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعَقْلُ: الفَهْمُ.
والغَرَضُ: التَّعْرِيضُ بِأنَّهم أهْمَلُوا التَّدَبُّرَ في هَذا الكِتابِ وأنَّ كَمالَهُ في البَيانِ والإفْصاحِ نَسْتَأْهِلُ العِنايَةَ بِهِ لا الإعْراضَ عَنْهُ، فَقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ مُشْعِرٌ بِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا.
والمَعْنى: أنّا يَسَّرْنا فَهْمَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ فَأعْرَضْتُمْ ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَهُ،
صفحة ١٦٢
لِأنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِقْدارٌ عَظِيمٌ لَوْ تَدَبَّرُوهُ لَعَقَلُوا، فَهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ.
43:4Page 489
وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ٤
And indeed it is, in the Mother of the Book1 with Us, exalted and full of wisdom.2
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] فَهو زِيادَةٌ في الثَّناءِ عَلى هَذا الكِتابِ ثَناءً ثانِيًا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ رِفْعَةً وإرْشادًا.
وأُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ. والمُرادُ بِـ (أُمِّ الكِتابِ) عِلْمُ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] في سُورَةِ الرَّعْدِ، لِأنَّ الأُمَّ بِمَعْنى الأصْلِ والكِتابُ هُنا بِمَعْنى المَكْتُوبِ، أيِ المُحَقَّقُ المُوَثَّقُ وهَذا كِنايَةً عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا أنْ يُحَقِّقُوا عَهْدًا عَلى طُولِ مُدَّةٍ كَتَبُوهُ في صَحِيفَةٍ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذِرُ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْ قُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
وعَلِيٌّ أصْلُهُ المُرْتَفِعُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِشَرَفِ الصِّفَةِ وهي اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ.
وحَكِيمٌ: أصْلُهُ الَّذِي الحِكْمَةُ مِن صِفاتِ رَأْيِهِ، فَهو هُنا مَجازٌ لِما يَحْوِي الحِكْمَةَ بِما فِيهِ مِن صَلاحِ أحْوالِ النُّفُوسِ والقَوانِينِ المُقِيمَةِ لِنِظامِ الأُمَّةِ.
ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ: أنَّ اللَّهَ عَلِمَهُ كَذَلِكَ وما عَلِمَهُ اللَّهُ لا يَقْبَلُ الشَّكَّ. ومَعْناهُ: أنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي هو مِن مُرادِ اللَّهِ وصَدَرَ عَنْ عِلْمِهِ.
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُفِيدَ هَذا شَهادَةً بِعُلُوِّ القُرْآنِ وحِكْمَتِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في اليَمِينِ: اللَّهُ يَعْلَمُ، و: عَلِمَ اللَّهُ.
وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ (إنَّ) لِرَدِّ إنْكارِ المُخاطَبِينَ إذْ كَذَّبُوا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ.
ولَدَيْنا ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ إنَّهُ أوْ مِن أُمِّ الكِتابِ
صفحة ١٦٣
والمَقْصُودُ: زِيادَةُ تَحْقِيقِ الخَبَرِ وتَشْرِيفِ المُخْبَرِ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ في أُمِّ الكِتابِ بِضَمِّ هَمْزَةِ أُمِّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمِّ الكِتابِ في الوَصْلِ اتِّباعًا لِكَسْرَةِ (في)، فَلَوْ وقَفَ عَلى (في) لَمْ يَكْسِرِ الهَمْزَةَ.
43:5Page 489
أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ ٥
Then should We turn the message away, disregarding you, because you are a transgressing people?
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾
الفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، أيْ أتَحْسَبُونَ أنَّ إعْراضَكم عَمّا نَزَلَ مِن هَذا الكِتابِ يَبْعَثُنا عَلى أنْ نَقْطَعَ عَنْكم تَجَدُّدَ التَّذْكِيرِ بِإنْزالِ شَيْءٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ. فَلَمّا أُرِيدَتْ إعادَةُ تَذْكِيرِهِمْ وكانُوا قَدْ قَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّذْكِيرِ ما فِيهِ هَدْيُهم لَوْ تَأمَّلُوا وتَدَبَّرُوا، وكانَتْ إعادَةُ التَّذْكِيرِ لَهم مَوْسُومَةً في نَظَرِهِمْ بِقِلَّةِ الجَدْوى بَيَّنَ لَهم أنَّ اسْتِمْرارَ إعْراضِهِمْ لا يَكُونُ سَبَبًا في قَطْعِ الإرْشادِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ بِهِمْ مُرِيدٌ لِصَلاحِهِمْ لا يَصُدُّهُ إسْرافُهم في الإنْكارِ عَنْ زِيادَةِ التَقَدُّمِ إلَيْهِمْ بِالمَواعِظِ والهَدْيِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَجُوزُ أنْ نَضْرِبَ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا مِن جَرّاءِ إسْرافِكم.
والضَّرْبُ حَقِيقَتُهُ قَرْعُ جِسْمٍ بِآخَرَ، ولَهُ إطْلاقاتٌ أشْهَرُها: قَرَعَ البَعِيرَ بِعَصًا، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِمَعْنى القَطْعِ والصَّرْفِ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، أيْ أطْرَدَها وصَرَفَها لِأنَّها لَيْسَتْ لِأهْلِ الماءِ، فاسْتَعارُوا الضَّرْبَ لِلصَّرْفِ والطَّرْدِ، وقالَ طَرَفَةُ:
أضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
صفحة ١٦٤
والذِّكْرُ: التَّذْكِيرُ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ.
والصَّفْحُ: الإعْراضُ بِصَفْحِ الوَجْهِ وهو جانِبُهُ وهو أشَدُّ الإعْراضِ عَنِ الكَلامِ لِأنَّهُ يَجْمَعُ تَرْكَ اسْتِماعِهِ وتَرْكَ النَّظَرِ إلى المُتَكَلِّمِ.
وانْتَصَبَ صَفْحًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ، أيْ في مَكانِ صَفْحٍ، كَما يُقالُ: ضَعْهُ جانِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَفْحًا مَصْدَرَ صَفَحَ عَنْ كَذا، إذا أعْرَضَ، فَيَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِبَيانِ نَوْعِ الضَّرْبِ بِمَعْنى الصَّرْفِ والإعْراضِ.
والإسْرافُ: الإفْراطُ والإكْثارُ، وأغْلَبُ إطْلاقِهِ عَلى الإكْثارِ مِنَ الفِعْلِ الضّائِرِ. ولِذَلِكَ قِيلَ لا سَرَفَ في الخَيْرِ، والمَقامُ دالٌّ عَلى أنَّهم أسْرَفُوا في الإعْراضِ عَنِ القُرْآنِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ إنْ كُنْتُمْ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنْ) فَتَكُونُ (إنْ) شَرْطِيَّةً، ولَمّا كانَ الغالِبُ في اسْتِعْمالِ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ أنْ تَقَعَ في الشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ مُتَوَقَّعًا وُقُوعُهُ بِخِلافِ إذا الَّتِي هي لِلشَّرْطِ المُتَيَقَّنِ وُقُوعُهُ، فالإتْيانُ بِـ (إنْ) في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ لِقَصْدِ تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ المَعْلُومِ إسْرافُهم مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في إسْرافِهِ لِأنَّ تَوَفُّرَ الأدِلَّةِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُزِيلَ إسْرافَهم وفي هَذا ثِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وضَرْبٌ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى إمْعانِهِمْ في الإعْراضِ عَنْهُ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى جَعْلِ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً وتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفًا؛ أيْ لِأجْلِ إسْرافِكم، أيْ لا نَتْرُكُ تَذْكِيرَكم بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ بَلْ لا نَزالُ نُعِيدُ التَّذْكِيرَ رَحْمَةً بِكم.
وإقْحامُ قَوْمًا قَبْلَ مُسْرِفِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الإسْرافَ صارَ طَبْعًا لَهم وبِهِ قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
43:6–8Page 489
وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ ٦
And how many a prophet We sent among the former peoples,
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٧
But there would not come to them a prophet except that they used to ridicule him.
فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشٗا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨
And We destroyed greater than them1 in [striking] power, and the example of the former peoples has preceded.
صفحة ١٦٥
﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيءٍ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيءٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ إسْرافَهم في الإعْراضِ عَنِ الإصْغاءِ لِدَعْوَةِ القُرْآنِ وأعْقَبَهُ بِكَلامٍ مُوَجَّهٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً عَمّا يُلاقِيهِ مِنهم، في خِلالِ الإعْراضِ مِنَ الأذى والِاسْتِهْزاءِ، بِتَذْكِيرِهِ بِأنَّ حالَهُ في ذَلِكَ حالُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ وسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ، ووَعْدٍ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ عَلى قَوْمِهِ بِتَذْكِيرِهِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
وجُعِلَ لِلتَّسْلِيَةِ المَقامُ الأوَّلُ مِن هَذا الكَلامِ بِقَرِينَةِ العَدْلِ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ كَما سَيَأْتِي، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِزَجْرِهِمْ عَنْ إسْرافِهِمْ في الإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في القُرْآنِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وما بَعْدَها إلى هُنا عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ، ومُوقِعُ (كَمْ) نَصْبٌ بِالمَفْعُولِيَّةِ لِـ (أرْسَلْنا) وهو مُلْتَزَمٌ تَقْدِيمُهُ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ فَنُقِلَ مِن الِاسْتِفْهامِ إلى الإخْبارِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ.
وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ حَتّى صارَ الإخْبارُ بِالكَثْرَةِ مَعْنًى مِن مَعانِي (كَمْ) . والدّاعِي إلى اجْتِلابِ اسْمِ العَدَدِ الكَثِيرِ أنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِ هَذا الحُكْمِ أدْخَلُ في زَجْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ وأدْخَلُ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَحْصِيلِ صَبْرِهِ، لِأنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِهِ تُؤْذِنُ بِأنَّهُ سُنَّةٌ لا تَتَخَلَّفُ، وذَلِكَ أزْجَرُ وأسْلى.
و(الأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الماضِينَ السّابِقِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] فَإنَّ الَّذِينَ أُهْلِكُوا قَدِ انْقَرَضُوا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ عَسى أنْ يَكُونَ خَلَفَهم مِنَ الأُمَمِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، أيْ ما يَأْتِيهِمْ
صفحة ١٦٦
نَبِيءٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا يُقارِنُ اسْتِهْزاؤُهم إتْيانَ ذَلِكَ النَّبِيءِ إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأوَّلِينَ، وهَذا الحالُ هو المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ تَفْرِيعٌ وتَسَبُّبٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ .
وضَمِيرُ (أشَدَّ مِنهم) عائِدٌ إلى (قَوْمٍ مُسْرِفِينَ) الَّذِينَ تَقَدَّمَ خِطابُهم فَعَدَلَ عَنِ اسْتِرْسالِ خِطابِهِمْ إلى تَوْجِيهِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا الكَلامِ هو تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ووَعْدُهُ بِالنَّصْرِ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينِ كَذَّبُوهُ فَإنَّهم يَبْلُغُهم هَذا الكَلامُ كَما تَقَدَّمَ.
ويَظْهَرُ أنَّ تَغْيِيرَ أُسْلُوبِ الإضْمارِ تَبَعًا لِتَغْيِيرِ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ لا يُنافِي اعْتِبارَ الِالتِفاتِ في الضَّمِيرِ لِأنَّ مَناطَ الِالتِفاتِ هو اتِّحادُ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ مَعَ تَأتِّي الِاقْتِصارِ عَلى طَرِيقَةِ الإضْمارِ الأُولى، وهَلْ تَغْيِيرُ تَوْجِيهِ الكَلامِ إلّا تَقْوِيَةٌ لِمُقْتَضى نَقْلِ الإضْمارِ، ولا تَفُوتُ النُّكْتَةُ الَّتِي تَحْصُلُ مِن الِالتِفاتِ وهي تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ بَلْ تَزْدادُ قُوَّةً بِازْدِيادِ مُقْتَضَياتِها.
وكَلامُ الكَشّافِ ظاهِرٌ في أنَّ نَقْلَ الضَّمِيرِ هُنا التِفاتٌ وعَلى ذَلِكَ قَرَّرَهُ شارِحُوهُ، ولَكِنَّ العَلّامَةَ التَّفْتَزانِيَّ قالَ ومِثْلُ هَذا لَيْسَ مِن الِالتِفاتِ في شَيْءٍ اهـ. ولَعَلَّهُ يَرى أنَّ اخْتِلافَ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ الواقِعِ فِيهِ الضَّمِيرانِ طَرِيقَةٌ أُخْرى غَيْرُ طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وكَلامُ الكَشّافِ فِيهِ احْتِمالٌ، وخُصُوصِيّاتُ البَلاغَةِ واسِعَةُ الأطْرافِ.
والَّذِينَ هم أشَدُّ بَطْشًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ: هُمُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ (الأوَّلِينَ) ووُصِفُوا بِأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِمَن يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ.
وهَذا تَرْكِيبٌ بَدِيعٌ في الإيجازِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَقْتَضِي كَلامًا مَطْوِيًّا تَقْدِيرُهُ: فَلا نَعْجِزُ عَنْ إهْلاكِ المُسْرِفِينَ وهم أقَلُّ بَطْشًا.
وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] .
صفحة ١٦٧
والبَطْشُ: الإضْرارُ القَوِيُّ.
وانْتَصَبَ (بَطْشًا) عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ الأشُدِّيَّةِ.
و(مَثَلُ الأوَّلِينَ) حالُهُمُ العَجِيبَةُ. ومَعْنى مَضى: انْقَرَضَ، أيْ ذَهَبُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ، فَمُضِيِّ المَثَلِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ لِأنَّ مُضِيَّ الأحْوالِ يَكُونُ بِمُضِيِّ أصْحابِها، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] . وذِكْرُ الأوَّلِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ (في الأوَّلِينَ) .
ووَجْهُ إظْهارِهِ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْهم صَرِيحًا وجارِيًا مَجْرى المَثَلِ.
43:9Page 489
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٩
And if you should ask them, "Who has created the heavens and the earth?" they would surely say, "They were created by the Exalted in Might, the Knowing,"
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَقُولُنَّ خَلْقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾
لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ لِلتَّسْلِيَةِ والوَعْدِ بِالنَّصْرِ، عَطَفَ عَلَيْهِ خِطابَ الرَّسُولِ ﷺ صَرِيحًا بَقَوْلِهِ ولَئِنْ سَألْتَهم الآيَةَ، لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَإنَّهم إنَّما كَذَّبُوهُ لِأنَّهُ دَعاهم إلى عِبادَةِ إلَهٍ واحِدٍ ونَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ، ورَأوْا ذَلِكَ عَجَبًا مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ لِلَّهِ تَعالى بِأنَّهُ خالِقُ العَوالِمِ وما فِيها. وهَلْ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُ خالِقِ العابِدِينَ، ولِأنَّ الأصْنامَ مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَ اللَّهُ في الأرْضِ مِن حِجارَةٍ، فَلَوْ سَألَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ في مُحاجَّتِهِ إيّاهم عَنْ خالِقِ الخَلْقِ لَما اسْتَطاعُوا غَيْرَ الإقْرارِ بِأنَّهُ اللَّهُ تَعالى.
فَجُمْلَةُ ولَئِنْ سَألْتَهم مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] عَطْفَ الغَرَضِ، وهو انْتِقالٌ إلى الِاحْتِجاجِ عَلى بُطْلانِ الإشْراكِ بِإقْرارِهِمُ الضِّمْنِيِّ: أنَّ أصْنامَهم خالِيَةٌ عَنْ صِفَةِ اسْتِحْقاقِ أنْ تُعْبَدَ.
وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ لِلْقَسَمِ ولامِ الجَوابِ ونُونِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِ أنَّهم يُجِيبُونَ بِذَلِكَ تَنْزِيلًا لِغَيْرِ المُتَرَدِّدِ في الخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ، وهَذا التَّنْزِيلُ كِنايَةٌ عَنْ جَدارَةِ حالَتِهِمْ بِالتَّعْجِيبِ مِنِ اخْتِلالِ تَفْكِيرِهِمْ وتَناقُضِ عَقائِدِهِمْ وإنَّما فَرَضَ الكَشْفَ عَنْ عَقِيدَتِهِمْ في صُورَةِ سُؤالِهِمْ عَنْ خالِقِهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ في
صفحة ١٦٨
مَجْرى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ ودُعائِهِمْ حَتّى إذا سَألَهُمُ السّائِلُ عَنْ خالِقِهِمْ لَمْ يَتَرَيَّثُوا أنْ يُجِيبُوا بِأنَّهُ اللَّهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى شِرْكِهِمْ.
وتاءُ الخِطابِ في سَألْتَهم لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو ظاهِرُ سِياقِ التَّسْلِيَةِ، أوْ يَكُونُ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ يَتَصَوَّرُ مِنهُ أنْ يَسْألَهم.
والعَزِيزُ العَلِيمُ هو اللَّهُ تَعالى. ولَيْسَ ذِكْرُ الصِّفَتَيْنِ العَلِيَّتَيْنِ مِن مَقُولِ جَوابِهِمْ وإنَّما حُكِيَ قَوْلُهم بِالمَعْنى، أيْ لَيَقُولُنَّ خَلْقَهُنَّ الَّذِي الصِّفَتانِ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما هم يَقُولُونَ: خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، كَما حُكِيَ عَنْهم في سُورَةِ لُقْمانَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وذَلِكَ هو المُسْتَقْرَئُ مِن كَلامِهِمْ نَثْرًا وشِعْرًا في الجاهِلِيَّةِ.
وإنَّما عَدَلَ عَنِ الِاسْمِ العَلِيِّ إلى الصِّفَتَيْنِ زِيادَةً في إفْحامِهِمْ بِأنَّ الَّذِي انْصَرَفُوا عَنْ تَوْحِيدِهِ بِالعِبادَةِ عَزِيزٌ عَلِيمٌ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يَرْجُوَهُ النّاسُ لِلشَّدائِدِ لِعِزَّتِهِ، وأنْ يُخْلِصُوا لَهُ باطِنَهم لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّهم، بِخِلافِ شُرَكائِهِمْ فَإنَّها أذِلَّةٌ لا تَعْلَمُ، وإنَّهم لا يُنازَعُونَ وصْفَهُ بِـ (العَزِيزُ والعَلِيمُ) .
وتَخْصِيصُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها مُضادَّةٌ لِصِفاتِ الأصْنامِ فَإنَّ الأصْنامَ عاجِزَةٌ عَنْ دَفْعِ الأيْدِي.
والتَّقْدِيرُ: ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَقُولُنَّ اللَّهُ، وإنْ سَألْتَهم: أهْوَ العَزِيزُ العَلِيمُ.
43:10Page 489
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠
[The one] who has made for you the earth a bed and made for you upon it roads that you might be guided
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
هَذا كَلامٌ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، هو تَخَلُّصٌ مِن الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِإسْداءِ النِّعَمِ الَّتِي بِها قِوامُ أوَدِ حَياةِ النّاسِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ، حُذِفَ مِنها المُبْتَدَأُ، والتَّقْدِيرُ: هو
صفحة ١٦٩
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا. وهَذا الِاسْتِئْنافُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الزخرف: ٩] الآيَةَ وجُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] الآيَةَ.
واسْمُ المَوْصُولِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكم، وهو مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الوارِدِ عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في تَسْمِيَةِ السَّكّاكِيِّ حَيْثُ تَقَدَّمَ الحَدِيثُ عَنِ اللَّهِ تَعالى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ. واجْتِلابُ المَوْصُولِ لِلِاشْتِهارِ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ فَساوى الِاسْمَ العَلَمَ في الدَّلالَةِ.
وذُكِرَتْ صِلَتانِ فِيهِما دَلالَةٌ عَلى الِانْفِرادِ بِالقُدْرَةِ العَظِيمَةِ. وعَلى النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ أُقْحِمَ لَفْظُ (لَكم) في المَوْضِعَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ: الَّذِي جَعَلَ الأرْضَ مِهادًا وجَعَلَ فِيها سُبُلًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَسِيقَ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ بِإنْشاءِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تُعَدُّ إعادَةُ خَلْقِ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها شَيْئًا عَجِيبًا.
ولَمْ يُكَرِّرِ اسْمَ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ لِأنَّ الصِّلَتَيْنِ تَجْتَمِعانِ في الجامِعِ الخَيالِيِّ إذْ كِلْتاهُما مِن أحْوالِ الأرْضِ فَجَعْلُهُما كَجَعْلٍ واحِدٍ. وضَمائِرُ الخِطابِ الأحَدَ عَشَرَ الواقِعَةُ في الآياتِ الأرْبَعِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلى قَوْلِهِ مُقْرِنِينَ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ الِالتِفاتِ بَلْ هي جارِيَةٌ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.
والمِهادُ: اسْمٌ لِشَيْءٍ يُمَهَّدُ؛ أيْ يُوَطَّأُ ويُسَهَّلُ لِما يَحِلُّ فِيهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] في سُورَةِ الأعْرافِ. ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ جَعَلَ ظاهِرَ الأرْضِ مُنْبَسِطًا وذَلِكَ الِانْبِساطُ لِنَفْعِ البَشَرِ السّاكِنِينَ عَلَيْها. وهَذا لا يُنافِي أنَّ جِسْمَ الأرْضِ كُرَوِيٌّ كَما هو ظاهِرٌ؛ لِأنَّ كُرَوِيَّتَها لَيْسَتْ مَنفَعَةً لِلنّاسِ.
وقَرَأ عاصِمٌ (مَهْدًا) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهاءِ وهو مُرادٌ بِهِ المِهادُ.
والسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ، وهو الطَّرِيقُ، ويُطْلَقُ السَّبِيلُ عَلى وسِيلَةِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] . ويَصِحُّ إرادَةُ المَعْنَيَيْنِ هُنا؛ لِأنَّ في الأرْضِ طُرُقًا يُمْكِنُ سُلُوكُها، وهي السُّهُولُ وسُفُوحُ الجِبالِ وشِعابُها، أيْ لَمْ يَجْعَلِ الأرْضَ كُلَّها
صفحة ١٧٠
جِبالًا فَيَعْسُرَ عَلى الماشِينَ سُلُوكُها، بَلْ جَعَلَ فِيها سُبُلًا سَهْلَةً وجَعَلَ جِبالًا لِحِكْمَةٍ أُخْرى ولِأنَّ الأرْضَ صالِحَةٌ لِاتِّخاذِ طُرُقٍ مَطْرُوقَةٍ سابِلَةٍ.
ومَعْنى جَعْلِ اللَّهِ تِلْكَ الطُّرُقَ بِهَذا المَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ لِلنّاسِ مَعْرِفَةَ السَّيْرِ في الأرْضِ واتِّباعَ بَعْضِهِمْ آثارَ بَعْضٍ حَتّى تَتَعَبَّدَ الطُّرُقُ لَهم وتَتَسَهَّلَ ويَعْلَمَ السّائِرُ أيَّ تِلْكَ السُّبُلِ يُوصِلُهُ إلى مَقْصِدِهِ.
وفِي تَيْسِيرِ وسائِلِ السَّيْرِ في الأرْضِ لُطْفٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ بِهِ تَيْسِيرَ التَّجَمُّعِ والتَّعارُفِ واجْتِلابَ المَنافِعِ والِاسْتِعانَةَ عَلى دَفْعِ الغَوائِلِ والأضْرارِ، والسَّيْرُ في الأرْضِ قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ المَدَنِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ، ولِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ في الأرْضِ مَعايِشَ النّاسِ مِنَ النَّباتِ والثَّمَرِ ووَرَقِ الشَّجَرِ والكَمْأةِ والفَقْعِ وهي وسائِلُ العَيْشِ فَهي سُبُلٌ مَجازِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ طه.
والِاهْتِداءُ: مُطاوِعُ هَداهُ فاهْتَدى. والهِدايَةُ حَقِيقَتُها: الدَّلالَةُ عَلى المَكانِ المَقْصُودِ، ومِنهُ سُمِّيَ الدّالُّ عَلى الطَّرائِقِ هادِيًا، وتُطْلَقُ عَلى تَعْرِيفِ الحَقائِقِ المَطْلُوبَةِ ومِنهُ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . والمَقْصُودُ هُنا المَعْنى الثّانِي، أيْ رَجاءَ حُصُولِ عِلْمِكم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وبِما يَجِبُ لَهُ، وتَقَدَّمَ في ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .
ومَعْنى الرَّجاءِ المُسْتَفادِ مِن (لَعَلَّ) اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، مَثَّلَ حالَ مَن كانَتْ وسائِلُ الشَّيْءِ حاضِرَةً لَدَيْهِ بِحالِ مَن يُرْجى لِحُصُولِ المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences