Ibn 'AshurAz‑Zukhruf · 43:28–32

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:28–32

43:28Page 491

وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٨

And he made it1 a word remaining among his descendants that they might return [to it].

﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَطَفَ عَلى إذْ قالَ إبْراهِيمُ أيْ أعْلَنَ تِلْكَ المَقالَةَ في قَوْمِهِ مُعاصِرِيهِ وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَنْقُلُونَها إلى مُعاصِرِيهِمْ مِنَ الأُمَمِ. إذْ أوْصى بِها بَنِيهِ وأنْ يُوصُوا بَنِيهِمْ بِها، قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ”﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]“، فَبِتِلْكَ الوَصِيَّةِ أبْقى إبْراهِيمُ تَوْحِيدَ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والعِبادَةِ في عَقِبِهِ يَبُثُّونَهُ في النّاسِ. ولِذَلِكَ قالَ يُوسُفُ لِصاحِبَيْهِ في السَّجْنِ ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وقالَ لَهُما ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] .

فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في جَعَلَها عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وهو الظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ والمُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ولِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ اسْمُ الجَلالَةِ لِيَعُودَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ جَعَلَها.

وحَكى في الكَشّافِ أنَّهُ قِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اللَّهِ وجَزَمَ بِهِ القُرْطُبِيُّ وهو ظاهِرُ كَلامِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ وجَعَلَها عائِدٌ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. وأُنِّثَ الضَّمِيرُ لِتَأْوِيلِ الكَلامِ بِالكَلِمَةِ نَظَرًا لِوُقُوعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي لَفْظَ كَلِمَةٍ لِأنَّ الكَلامَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، أيْ

صفحة ١٩٤

قَوْلُ الكافِرِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . وقالَ تَعالى ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] وهي قَوْلُهُمُ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا وقَدْ قالَ تَعالى (﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢])، أيْ بِقَوْلِهِ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فَأعادَ عَلَيْها ضَمِيرَ التَّأْنِيثِ عَلى تَأْوِيلِ (الكَلِمَةِ) .

واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما يُقالُ لِلْكَلامِ كَلِمَةٌ إذا كانَ كَلامًا سائِرًا عَلى الألْسِنَةِ مُتَمَثَّلًا بِهِ، كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»، أوْ كانَ الكَلامُ مَجْعُولًا شِعارًا كَقَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةُ الإسْلامِ وقالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] .

فالمَعْنى: جَعَلَ إبْراهِيمُ قَوْلَهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] شِعارًا لِعَقِبِهِ، أيْ جَعَلَها هي وما يُرادِفُها قَوْلًا باقِيًا في عَقِبِهِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ فَلا يَخْلُو عَقِبُ إبْراهِيمَ مِن مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ نابِذِينَ لِلْأصْنامِ.

وأشْعَرَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ بِأنَّ هاتِهِ الكَلِمَةَ لَمْ تَنْقَطِعْ بَيْنَ عَقِبِ إبْراهِيمَ دُونَ أنْ تَعُمَّ العَقِبَ، فَإنْ أُرِيدَ بِالعَقِبِ مَجْمُوعُ أعْقابِهِ فَإنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لَمْ تَنْقَطِعْ مِنَ اليَهُودِ وانْقَطَعَتْ مِنَ العَرَبِ بَعْدَ أنْ تَقَلَّدُوا عِبادَةَ الأصْنامِ إلّا مَن تَهَوَّدَ مِنهم أوْ تَنَصَّرَ، وإنْ أُرِيدَ مِن كُلِّ عَقِبٍ فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَخْلُوا مِن قائِمٍ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مِثْلَ المُتَنَصِّرِينَ مِنهم كالقَبائِلِ المُتَنَصِّرَةِ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، ومِثْلَ المُتَحَنِّفِينَ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وذَلِكَ أنَّ (في) تَرِدُ لِلتَّبْعِيضِ كَما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ وقالَ سَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو الفَقْعَسِيُّ مِنَ الحَماسَةِ:

ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ

والعَقِبُ: الذُّرِّيَّةُ الَّذِينَ لا يَنْفَصِلُونَ مِن أصْلِهِمْ بِأُنْثى، أيْ جَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِهِ بِالوِصايَةِ عَلَيْها راجِيًا أنَّهم يَرْجِعُونَ، أيْ يَتَذَكَّرُونَ بِها التَّوْحِيدَ إذا رانَ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوِ اسْتَحْسَنُوا عِبادَةَ الأصْنامِ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَيَهْتَدُونَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ حِينَ يَضِيقُ الزَّمانُ عَنْ بَسْطِ الحُجَّةِ. وهَذا شَأْنُ الكَلامِ الَّذِي يُجْعَلُ شِعارًا لِشَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ أصْلًا مَوْضُوعًا قَدْ تَبَيَّنَ

صفحة ١٩٥

صِدْقُهُ وإصابَتُهُ، فاسْتِحْضارُهُ يُغْنِي عَنْ إعادَةِ بَسْطِ الحُجَّةِ لَهُ.

وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾“ لِأنَّ جَعْلَهُ كَلِمَةَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] باقِيَةً في عَقِبِهِ، أرادَ مِنها مَصالِحَ لِعَقِبِهِ مِنها أنَّهُ رَجا بِذَلِكَ أنْ يَرْجِعُوا إلى نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ إنْ فُتِنُوا بِعِبادَتِها أوْ يَتَذَكَّرُوا بِها الإقْلاعَ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ إنْ عَبَدُوها، فَمَعْنى الرُّجُوعِ، العَوْدُ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الكَلِمَةُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨]، أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنْ كُفْرِهِمْ.

فَحَرْفُ (لَعَلَّ) لِإنْشاءِ الرَّجاءِ، والرَّجاءُ هَنا رَجاءُ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى قَوْلٍ صادِرٍ مِن إبْراهِيمَ بِإنْشاءِ رَجائِهِ، بِأنْ يُقَدَّرَ: قالَ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، أوْ قائِلًا: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ.

والرُّجُوعُ مُسْتَعارٌ إلى تَغْيِيرِ اعْتِقادٍ طارِئٍ بِاعْتِقادٍ سابِقٍ، شَبَّهَ تَرْكَ الِاعْتِقادِ الطّارِئِ والأخْذَ بِالِاعْتِقادِ السّابِقِ بِرُجُوعِ المُسافِرِ إلى وطَنِهِ أوْ رُجُوعِ السّاعِي إلى بَيْتِهِ.

والمَعْنى: يَرْجِعُ كُلُّ مَن حادَ عَنْها إلَيْها، وهَذا رَجاؤُهُ قَدْ تَحَقَّقَ في بَعْضِ عَقِبِهِ ولَمْ يَتَحَقَّقْ في بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيِ المُشْرِكِينَ. ولَعَلَّ مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِيهِ رَجاءُ إبْراهِيمَ عَمُودُ نَسَبِ النَّبِيءِ ﷺ وإنَّما كانُوا يَكْتُمُونَ دِينَهم تَقِيَّةً مِن قَوْمِهِمْ، وقَدْ بَسَطْتُ القَوْلَ في هَذا المَعْنى وفي أحْوالِ أهْلِ الفَتْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ في رِسالَةِ طَهارَةِ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ مِنَ النَّقائِصِ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ كانَتْ غَيْرَ مَجْهُولَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَيَتَّجِهُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى العِلْمِ بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ كانَتْ بالِغَةً لِأكْثَرِ الأُمَمِ بِما تَناقَلُوهُ مِن أقْوالِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ، ومِن تِلْكَ الأُمَمِ العَرَبُ، فَيَتَّجِهُ مُؤاخَذَةُ المُشْرِكِينَ عَلى الإشْراكِ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهم أهْمَلُوا النَّظَرَ فِيما هو شائِعٌ بَيْنَهم أوْ تَغافَلُوا عَنْهُ أوْ أعْرَضُوا. فَيَكُونُ أهْلُ الفَتْرَةِ مُؤاخَذِينَ عَلى نَبْذِ

صفحة ١٩٦

التَّوْحِيدِ في الدُّنْيا ومُعاقَبِينَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما ورَدَ في صِحاحِ الآثارِ مِن تَعْذِيبِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الَّذِي سَنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ وما رُوِيَ أنَّ امْرَأ القَيْسِ حامِلُ لِواءِ الشُّعَراءِ إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذا الَّذِي يُناسِبُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالشَّرْعِ لا بِالعَقْلِ وهو المَشْهُورُ عَنِ الأشْعَرِيِّ، والَّذِينَ يَقُولُونَ مِنهم إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ مُخَلَّدُونَ في النّارِ عَلى الشِّرْكِ.

وأمّا الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ عَقْلًا وهو قَوْلُ جَمِيعِ الماتُرِيدِيَّةِ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ فَلا إشْكالَ عَلى قَوْلِهِمْ.

43:29Page 491

بَلۡ مَتَّعۡتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٞ مُّبِينٞ ٢٩

However, I gave enjoyment to these [people of Makkah] and their fathers1 until there came to them the truth and a clear Messenger.2

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨]“، وهو إضْرابُ إبْطالٍ، أيْ لَمْ يَحْصُلْ ما رَجاهُ إبْراهِيمُ مِن رُجُوعِ بَعْضِ عَقِبِهِ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي أوْصاهم بِرَعْيِها. فَإنَّ أقْدَمَ أُمَّةٍ مِن عَقِبِهِ لَمْ يَرْجِعُوا إلى كَلِمَتِهِ، وهَؤُلاءِ هُمُ العَرَبُ الَّذِينَ أشْرَكُوا وعَبَدُوا الأصْنامَ.

وبَعْدَ (بَلْ) كَلامٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الإبْطالُ وما بَعْدَ الإبْطالِ، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: بَلْ لَمْ يَرْجِعْ هَؤُلاءِ وآباؤُهُمُ الأوَّلُونَ إلى التَّوْحِيدِ ولَمْ يَتَبَرَّأُوا مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ولا أخَذُوا بِوِصايَةِ إبْراهِيمَ.

وجُمْلَةُ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ يَسْألُ عَمّا عامَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ جَزاءً عَلى تَفْرِيطِهِمْ في وِصايَةِ إبْراهِيمَ وهَلّا اسْتَأْصَلَهم. كَما قالَ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٥]، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ مَتَّعَهم بِالبَقاءِ إلى أنْ يَجِيئَهم رَسُولٌ بِالحَقِّ وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّهُ يَرْتَبِطُ بِها وُجُودُ العَرَبِ زَمَنًا طَوِيلًا بِدُونِ رَسُولٍ، وتَأخُّرُ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلى الإبّانِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ.

وبِهَذا الِاسْتِئْنافِ حَصَلَ التَّخَلُّصُ إلى ما بَدا مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ

صفحة ١٩٧

ﷺ مِن فَظِيعِ تَوَغُّلِهِمْ في الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أبُوهم فَكانَ مُوقِعُ (بَلْ) في هَذِهِ الآيَةِ أبْلَغَ مِن مَوْقِعِها في قَوْلِ لَبِيدٍ:

بَلْ ما تَذَكَّرُ مِن نَوارَ وقَدْ نَأتْ وتَقَطَّعَتْ أسْبابُها ورِمامُها

إذْ كانَ انْتِقالُهُ اقْتِضابًا وكانَ هُنا تَخَلُّصًا حَسَنًا.

وهَؤُلاءِ إشارَةٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ أنَّ مُصْطَلَحَ القُرْآنِ أنْ يُرِيدَ بِمِثْلِهِ مُشْرِكِي العَرَبِ، ولَمْ أرَ مَنِ اهْتَدى لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ وفي مَواضِعَ أُخْرى.

والمُرادُ بِآبائِهِمْ آباؤُهُمُ الَّذِينَ سَنُّوا عِبادَةَ الأصْنامِ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ والَّذِينَ عَبَدُوها مِن بَعْدِهِ. وتَمْتِيعُ آبائِهِمْ تَمْهِيدٌ لِتَمْتِيعِ هَؤُلاءِ، ولِذَلِكَ كانَتْ غايَةُ التَّمْتِيعِ مَجِيءَ الرَّسُولِ فَإنَّ مَجِيئَهُ لِهَؤُلاءِ.

والتَّمْتِيعُ هُنا التَّمْتِيعُ بِالإمْهالِ وعَدَمِ الِاسْتِئْصالِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ .

والمُرادُ بِـ ”الحَقِّ“ القُرْآنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠] وقَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وهَذِهِ الآيَةُ ثَناءٌ راجِعٌ عَلى القُرْآنِ مُتَّصِلٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ.

فَإنَّهُ لَمّا جاءَ القُرْآنُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ انْتَهى التَّمْتِيعُ وأُخِذُوا بِالعَذابِ تَدْرِيجًا إلى أنْ كانَ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ حُنَيْنٍ، وهَدى اللَّهِ لِلْإسْلامِ مَن بَقِيَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وأيّامَ الوُفُودِ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ.

والحَقُّ الَّذِي جاءَهم هو: القُرْآنُ، والرَّسُولُ المُبِينُ: مُحَمَّدٌ ﷺ . ووَصْفُهُ بِـ ”مُبِينٍ“ لِأنَّهُ أوْضَحَ الهُدى ونَصَبَ الأدِلَّةَ وجاءَ بِأفْصَحِ كَلامٍ. فالإبانَةُ راجِعَةٌ إلى مَعانِي دِينِهِ وألْفاظِ كِتابِهِ.

والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُشَرِّفَ هَذا الفَرِيقَ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ بِالِانْتِشالِ

صفحة ١٩٨

مِن أوْحالِ الشِّرْكِ والضَّلالِ إلى مَناهِجِ الإيمانِ والإسْلامِ واتِّباعِ أفْضَلِ الرُّسُلِ وأفْضَلِ الشَّرائِعِ، فَيَجْبُرَ لِأُمَّةٍ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ ما فَرَّطُوا فِيهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِأبِيهِمْ حَتّى يَكْمُلَ لِدَعْوَتِهِ شَرَفُ الِاسْتِجابَةِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا زِيادَةُ الإمْهالِ لَهم لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ كَما قالَ تَعالى ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧] .

ويَسْتَرْوِحُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] إلى قَوْلِهِ وآباءَهم أنَّ آباءَ النَّبِيءِ ﷺ في عَمُودِ نَسَبِهِ لَمْ يَكُونُوا مُضْمِرِينَ الشِّرْكَ وأنَّهم بَعْضٌ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ الَّذِينَ بَقِيَتْ كَلِمَتُهُ فِيهِمْ ولَمْ يَجْهَرُوا بِمُخالَفَةِ قَوْمِهِمُ اتِّقاءَ الفِتْنَةِ. ولا عَجَبَ في ذَلِكَ فَإنَّ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ إنَّما وجَبَ بِالشَّرْعِ ولَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ شَرْعٌ.

43:30Page 491

وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٠

But when the truth came to them, they said, "This is magic, and indeed we are, concerning it, disbelievers."

﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾

تَعْجِيبٌ مِن حالِ تَغافُلِهِمْ، أيْ قَدْ كانَ لَهم بَعْضُ العُذْرِ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ؛ لِأنَّ لِلْغَفَلاتِ المُتَقادِمَةِ غِشاوَةً تُصَيِّرُ الغَفْلَةُ جَهالَةً، فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يَسْتَيْقِظُوا لَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ فَيَتَذَكَّرُوا كَلِمَةَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهم لَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا: هَذا سِحْرٌ، أيْ قالُوا لِلرَّسُولِ: هَذا ساحِرٌ، فازْدادُوا رَيْنًا عَلى رَيْنٍ.

فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لا في إفادَةِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ مِنهم لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ.

صفحة ١٩٩

وفِي تَعْقِيبِ الغايَةِ بِهَذا الكَلامِ إيذانٌ بِأنَّ تَمْتِيعَهم أصْبَحَ عَلى وشْكِ الِانْتِهاءِ.

فَجُمْلَةُ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ [الزخرف: ٢٩] فَإنَّ (لَمّا) تَوْقِيتِيَّةٌ فَهي في قُوَّةِ (حَتّى) الغائِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم، فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ عَقِبَ ذَلِكَ التَّمْتِيعِ لَمْ يَسْتَفِيقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، أيْ كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ الحَقِّ مُشْرِكِينَ عَنْ غَفْلَةٍ وتَساهُلٍ، فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ صارُوا مُشْرِكِينَ عَنْ عِنادٍ ومُكابَرَةٍ.

وجُمْلَةُ وإنّا بِهِ كافِرُونَ مَقُولٌ ثانٍ، أيْ قالُوا: هَذا سِحْرٌ فَلا نَلْتَفِتُ إلَيْهِ وقالُوا إنّا بِهِ، أيْ بِالقُرْآنِ، كافِرُونَ، أيْ سَواءَ كانَ سِحْرًا أمْ غَيْرَهُ، أيْ فَرَضُوا أنَّهُ سِحْرٌ ثُمَّ ارْتَقَوْا فَقالُوا إنّا بِهِ كافِرُونَ، أيْ كافِرُونَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سَواءً كانَ سِحْرًا، أمْ شِعْرًا، أمْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ. ولِهَذا المَعْنى أكَّدُوا الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِيُؤْيِسُوا الرَّسُولَ ﷺ مِن إيمانِهِمْ بِهِ.

43:31Page 491

وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١

And they said, "Why was this Qur’ān not sent down upon a great man from [one of] the two cities?"1

﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠]“ فَهو في حَيِّزِ جَوابِ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةِ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْجِيبِ أيْضًا، أيْ بَعْدَ أنْ أخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ بِالعِلَلِ لِإنْكارِ الحَقِّ إذْ قالُوا لِلْقُرْآنِ: هَذا سِحْرٌ، وإذْ كانَ قَوْلُهم ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الَّذِي جاءَ بِالقُرْآنِ ساحِرٌ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ طَعْنٍ آخَرَ مِنهم في الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن عُظَماءِ أهْلِ القَرْيَتَيْنِ.

و(لَوْلا) أصْلُهُ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، اسْتُعْمِلَ هُنا في مَعْنى إبْطالِ كَوْنِهِ رَسُولًا عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ المُلازِمَةِ لِأنَّ التَّحْضِيضَ عَلى تَحْصِيلٍ ما هو مَقْطُوعٌ بِانْتِفاءِ حُصُولِهِ يَسْتَلْزِمُ الجَزْمَ بِانْتِفائِهِ.

والقَرْيَتانِ هُما: مَكَّةُ والطّائِفُ لِأنَّهُما أكْبَرُ قُرى تِهامَةَ بَلَدِ القائِلِينَ وأمّا يَثْرِبُ وتَيْماءُ ونَحْوَهُما فَهي مِن بَلَدِ الحِجازِ.

صفحة ٢٠٠

فالتَّعْرِيفُ في القَرْيَتَيْنِ لِلْعَهْدِ، جَعَلُوا عِمادَ التَّأهُّلِ لِسِيادَةِ الأقْوامِ أمْرَيْنِ: عَظَمَةُ المُسَوَّدِ، وعَظَمَةُ قَرْيَتِهِ، فَهم لا يَدِينُونَ إلّا مَن هو مِن أشْهَرِ القَبائِلِ في أشْهَرِ القُرى لِأنَّ القُرى هي مَأْوى شُئُونِ القَبائِلِ وتَمْوِينِهِمْ وتِجارَتِهِمْ، والعَظِيمُ: مُسْتَعارٌ لِصاحِبِ السُّؤُودِ في قَوْمِهِ، فَكَأنَّهُ عَظِيمُ الذّاتِ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم عَنَوْا بِعَظِيمِ مَكَّةَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ، وبِعَظِيمِ الطّائِفِ حَبِيبَ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم عَنَوْا بِعَظِيمِ مَكَّةَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وبِعَظِيمِ الطّائِفِ كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلٍ. وعَنْ قَتادَةَ عَنَوُا الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ.

ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم قالُوا هَذا اللَّفْظُ المَحْكِيُّ عَنْهم في القُرْآنِ ولَمْ يَسْمَعُوا شَخْصَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم سَمَّوْا شَخْصَيْنِ ووَصَفُوهُما بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فاقْتَصَرَ القُرْآنُ عَلى ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ إيجازًا مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى ما كانُوا يُؤَهِّلُونَ بِهِ الِاخْتِيارَ لِلرِّسالَةِ تَحْمِيقًا لِرَأْيِهِمْ.

وكانَ الرَّجُلانِ اللَّذانِ عَنَوْهُما ذَوَيْ مالٍ لِأنَّ سَعَةَ المالِ كانَتْ مِن مُقَوِّماتِ وصْفِ السُّؤْدَدِ كَما حُكِيَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهم ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ.

43:32Page 491

أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢

Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.

﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾

إنْكارٌ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، فَإنَّهم لَمّا نَصَّبُوا أنْفُسَهم مَنصِبَ مَن يَتَخَيَّرُ أصْنافَ النّاسِ لِلرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ذَلِكَ لا لِلَّهِ، فَكانَ مِن مُقْتَضى قَوْلِهِمْ أنَّ الِاصْطِفاءَ لِلرِّسالَةِ بِيَدِهِمْ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ضَمِيرُ (هم) المَجْعُولُ مُسْنَدًا إلَيْهِ، عَلى مُسْنَدٍ فِعْلِيٍّ لِيُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ فَسَلَّطَ الإنْكارَ. عَلى هَذا الحَصْرِ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ وتَخْطِئَةً لَهم في تَحَكُّمِهِمْ.

صفحة ٢٠١

ولَمّا كانَ الِاصْطِفاءُ لِلرِّسالَةِ رَحْمَةً لِمَن يُصْطَفى لَها، ورَحْمَةً لِلنّاسِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، جَعَلَ تَحَكُّمَهم في ذَلِكَ قِسْمَةً مِنهم لِرَحْمَةِ اللَّهِ بِاخْتِيارِهِمْ مَن يَخْتارُ لَها وتَعْيِينِ المُتَأهِّلِ لِإبْلاغِها إلى المَرْحُومِينِ.

ووُجِّهَ الخِطابُ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأُضِيفَ لِفَظُ (الرَّبِّ) إلى ضَمِيرِهِ إيماءً إلى أنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُهُ تَأْنِيسًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْءانُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] قَصَدُوا مِنهُ الِاسْتِخْفافَ بِهِ، فَرَفَعَ اللَّهُ شَأْنَهُ بِإبْلاغِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ وبِإظْهارِ أنَّ اللَّهَ رَبَّهُ، أيْ مُتَوَلِّي أمْرَهُ وتَدْبِيرَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنهُ، واسْتِدْلالٌ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا قَسَمْنا بَيْنَ النّاسِ مَعِيشَتَهم فَكانُوا مُسَيَّرِينَ في أُمُورِهِمْ عَلى نَحْوِ ما هَيَّأْنا لَهم مِن نِظامِ الحَياةِ وكانَ تَدْبِيرُ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى بِبالِغِ حِكْمَتِهِ، فَجَعَلَ مِنهم أقْوِياءَ وضُعَفاءَ، وأغْنِياءَ ومَحاوِيجَ، فَسَخَّرَ بَعْضَهم لِبَعْضٍ في أشْغالِهِمْ عَلى حِسابِ دَواعِي حاجَةِ الحَياةِ، ورَفَعَ بِذَلِكَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ، وجَعَلَ بَعْضَهم مُحْتاجًا إلى بَعْضٍ ومُسَخَّرًا لَهُ.

فَإذا كانُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ في تَدْبِيرِ المَعِيشَةِ الدُّنْيا، فَكَذَلِكَ الحالُ في إقامَةِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ لِلتَّبْلِيغِ فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ شُئُونِ البَشَرِ. فَهَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ.

والسُّخْرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ ولَمْ يُقْرَأْ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ إلّا بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ في الشّاذِّ بِكَسْرِ السِّينِ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُسَخَّرِ، أيِ المَجْبُورِ عَلى عَمَلٍ بِدُونِ اخْتِيارِهِ، واسْمٌ لِمَن يُسْخَرُ بِهِ، أيْ يُسْتَهْزَأُ بِهِ كَما في مُفْرَداتِ الرّاغِبِ والأساسِ والقامُوسِ. وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِالمَعْنَيَيْنِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُما لُغَتانِ في مَعْنى التَّسْخِيرِ ولا تَدَخُّلَ لِمَعْنى الهُزْءِ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ غَيْرُهُ وكَلامُ الرّاغِبِ مُحْتَمَلٌ. واقْتَصَرَ الطَّبَرِيُّ عَلى مَعْنى التَّسْخِيرِ. فالوَجْهُ في ذَلِكَ أنَّ المَعْنِيَّيْنِ مُعْتَبَرانِ في هَذِهِ الآيَةِ. وإيثارُ لَفْظِ ”سُخْرِيًّا“ في الآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ لِتَحَمُّلِهِ لِلْمَعْنَيَيْنِ وهو اخْتِيارٌ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِيَتَعَمَّلَ بَعْضُهم بَعْضًا في شُئُونِ حَياتِهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ، أيْ مُحْتاجٌ إلى إعانَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وقالَهُ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ والضَّحاكُ وابْنُ زَيْدٍ،

صفحة ٢٠٢

فَلامَ ”لِيَتَّخِذَ“ لامُ التَّعْلِيلِ تَعْلِيلًا لِفِعْلِ قَسَمْنا، أيْ ”قَسَمْنا“ بَيْنَهم مَعِيشَتَهم، أيْ أسْبابَ مَعِيشَتِهِمْ لِيَسْتَعِينَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَيَتَعارَفُوا ويَتَجَمَّعُوا لِأجْلِ حاجَةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ فَتَتَكَوَّنَ مِن ذَلِكَ القَبائِلُ والمُدُنُ.

وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ بَعْضُهم بَعْضًا عامًّا في كُلِّ بَعْضٍ مِنَ النّاسِ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُسْتَعْمِلٌ لِغَيْرِهِ وهو مُسْتَعْمَلٌ لِغَيْرٍ آخَرَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمًا مِنَ السُّخْرِيَةِ وهي الِاسْتِهْزاءُ. وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ ولَمْ يُعَيِّنْ قائِلَهُ وبِذَلِكَ تَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ مِثْلُ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهو عَلى هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتُهْزَءُوا بِالمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى ”فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا“ في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَدْ جاءَ لَفْظُ السُّخْرِيِّ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ في آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] وقَوْلُهُ ”﴿أتَّخَذْناهم سُخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ [ص: ٦٣]“ . ولَعَلَّ الَّذِي عَدَلَ بِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ بِهَذا المَعْنى اسْتِنْكارُهم أنْ يَكُونَ اتِّخاذُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مَسْخَرَةً عِلَّةً لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى في رَفْعِهِ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، ولَكِنَّ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ واسِعٌ في نَظائِرِهِ وأشْباهِهِ. وتَأْوِيلُ مَعْنى اللّامِ ظاهِرٌ.

وجُمْلَةُ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وفي هَذا التَّذْيِيلِ رَدٌّ ثانٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّ المالَ الَّذِي جَعَلُوهُ عِمادَ الِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ هو أقَلُّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ فَهي خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ المالِ الَّذِي جَعَلُوهُ سَبَبَ التَّفْضِيلِ حِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَإنَّ المالَ شَيْءٌ جَمَعَهُ صاحِبُهُ لِنَفْسِهِ فَلا يَكُونُ مِثْلَ اصْطِفاءِ اللَّهِ العَبْدَ لِيُرْسِلَهُ إلى النّاسِ.

ورَحْمَةُ اللَّهِ: هي اصْطِفاؤُهُ عَبْدَهُ لِلرِّسالَةِ عَنْهُ إلى النّاسِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾، والمَعْنى: إذا كانُوا غَيْرَ قاسِمِينَ أقَلَّ أحْوالِهِمْ؛ فَكَيْفَ يَقْسِمُونَ ما هو خَيْرٌ مِن أهَمِّ أُمُورِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском