Ibn 'AshurAd‑Dukhan · 44:30–42

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ad-Dukhan 44:30–42

44:30–31Page 497

وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠

And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -

مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.

﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى الكَلامِ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] الَّذِي تَقْدِيرُهُ: فَأغْرَقْناهم ونَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] .

والمَعْنى: ونَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ وقَساوَتِهِ، أيْ فَكانَتْ آيَةُ البَحْرِ هَلاكًا لِقَوْمٍ وإنْجاءً لِآخَرِينَ.

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْجِي الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن عَذابِ أهْلِ الشِّرْكِ بِمَكَّةَ، كَما نَجّى الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُوسى مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ.

وجُعِلَ طُغْيانُ فِرْعَوْنَ وإسْرافُهُ في الشَّرِّ مَثَلًا لِطُغْيانِ أبِي جَهْلٍ ومَلَئِهِ ولِأجْلِ هَذِهِ الإشارَةِ أُكِّدَ الخَبَرُ بِاللّامِ. وقَدْ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ المُقَدَّرِ لِلْمُشْرِكِينَ إجابَةً لِدَعْوَةِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .

والعَذابُ المُهِينُ: هو ما كانَ يُعامِلُهم بِهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الِاسْتِعْبادِ والإشْقاقِ عَلَيْهِمْ في السُّخْرَةِ، وكانَ يُكَلِّفُهم أنْ يَصْنَعُوا لَهُ اللَّبِنَ كُلَّ يَوْمٍ لِبِناءِ مَدِينَتَيِ (فَيْثُومَ) و(رَعْمَسِيسَ) وكانَ اللَّبِنُ يُصْنَعُ مِنَ الطُّوبِ والتِّبْنِ فَكانَ يُكَلِّفُهُمُ اسْتِحْضارَ التِّبْنِ اللّازِمِ لِصُنْعِ اللَّبِنِ ويَلْتَقِطُونَ مُتَناثِرَهُ ويُذِلُّونَهم ولا يَتْرُكُونَ لَهم راحَةً، فَذَلِكَ العَذابُ المُهِينُ لِأنَّهُ عَذابٌ فِيهِ إذْلالٌ.

صفحة ٣٠٥

وقَوْلُهُ ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مُطابِقًا لِلْعَذابِ المُهِينِ فَتَكُونَ (مِن) مُؤَكِّدَةً لِـ (مِن) الأُولى المُعَدِّيَةِ لِـ ”نَجَّيْنا“ لِأنَّ الحَرْفَ الدّاخِلَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ عَلى البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ. ويَحْسُنُ ذَلِكَ في نُكَتٍ يَقْتَضِيها المَقامُ وحُسْنُهُ هُنا، فَأُظْهِرَتْ (مِن) لِخَفاءِ كَوْنِ اسْمِ فِرْعَوْنَ بَدَلًا مِنَ العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ التَّهْوِيلِ لِأمْرِ فِرْعَوْنَ في جَعْلِ اسْمِهِ نَفْسَ العَذابِ المُهِينِ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ صادِرًا مِن فِرْعَوْنَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ التَّهْوِيلِ الَّذِي أفادَهُ جَعْلُ اسْمِ فِرْعَوْنَ بَدَلًا مِنَ العَذابِ المُهِينِ. والعالِي: المُتَكَبِّرُ العَظِيمُ في النَّسا، قالَ تَعالى ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] .

و﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ فِرْعَوْنَ، والإسْرافُ: الإفْراطُ والإكْثارُ. والمُرادُ هُنا الإكْثارُ في التَّعالِي، يُرادُ الإكْثارُ في أعْمالِ الشَّرِّ بِقَرِينَةِ مَقامِ الذَّمِّ.

و﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً في اتِّصافِهِ بِالإسْرافِ مِن أنْ يُقالَ: مُسْرِفًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

44:32Page 497

وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢

And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.

﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾

إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اخْتارَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى أُمَمِ عَصْرِهِمْ كَما اخْتارَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أُمَمِ عَصْرِهِمْ وأنَّهُ عالِمٌ بِأنَّ أمْثالَهم أهْلٌ لِأنْ يَخْتارَهُمُ اللَّهُ. والمَقْصُودُ: التَّنْوِيهُ بِالمُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ وأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلى أعْدائِهِمْ ولِأجْلِ هَذِهِ الإشارَةِ أُكِّدَ الخَبَرُ بِاللّامِ و(قَدْ)، كَما أُكِّدَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الدخان: ٣٠] . و(عَلى) في قَوْلِهِ عَلى عِلْمٍ بِمَعْنى (مَعَ)، كَقَوْلِ الأحْوَصِ:

إنِّي عَلى ما قَدْ عَلِمْتُ مُحَسَّدٌ أُنْمِي عَلى البَغْضاءِ والشَّنَآنِ

ومَوْضِعُ المَجْرُورِ بِها مَوْضِعُ الحالِ.

والمُرادُ بِـ ”العالَمِينَ“ الأُمَمُ المُعاصِرَةُ لَهم. ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ

صفحة ٣٠٦

الذِّلَّةُ، وقَدِ اخْتارَ اللَّهُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الأُمَمِ فَقالَ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] أيْ أخْرَجَها اللَّهُ لِلنّاسِ.

واخْتارَ المُسْلِمِينَ بَعْدَهُمُ اخْتِيارًا نِسْبِيًّا عَلى حَسَبِ اسْتِقامَتِهِمْ واسْتِقامَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ.

44:33–34Page 497

وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣

And We gave them of signs that in which there was a clear trial.

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤

Indeed, these [disbelievers] are saying,

”﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾“

إيتاءُ الآياتِ مِن آثارِ الِاخْتِيارِ لِأنَّهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِالأُمَّةِ لِأنَّهُ يَزِيدُهم يَقِينًا بِإيمانِهِمْ.

والمُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في مَواقِعِ حُرُوبِهِمْ بِنَصْرِ الفِئَةِ القَلِيلَةِ مِنهم عَلى الجُيُوشِ الكَثِيرَةِ مَن عَدُوِّهِمْ.

وهَذا تَعْرِيضٌ بِالإنْذارِ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ المُسْلِمِينَ سَيَغْلِبُونَ جَمْعَهم مَعَ قِلَّتِهِمْ في بَدْرٍ وغَيْرِها.

والبَلاءُ: الِاخْتِبارُ يَكُونُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ. فالأوَّلُ اخْتِبارٌ لِمُقابَلَةِ النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ أوْ غَيْرِهِ، والثّانِي اخْتِبارٌ لِمِقْدارِ الصَّبْرِ، قالَ تَعالى ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] أيْ ما فِيهِ اخْتِبارٌ لَهم في نَظَرِ النّاسِ لِيَعْلَمَ بَعْضُهم أنَّهم قابَلُوا نِعْمَةَ إيتاءِ الآياتِ بِالشُّكْرِ، ويُحَذِّرُوا قَوْمَهم مِن مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ.

44:35–36Page 497

إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥

"There is not but our first death, and we will not be resurrected.

فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦

Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."

﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأوْلى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ وجُمْلَةِ ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] فَإنَّهُ لَمّا هَدَّدَهم بِعَذابِ الدُّخانِ ثُمَّ بِالبَطْشَةِ الكُبْرى وضَرَبَ لَهُمُ

صفحة ٣٠٧

المَثَلَ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ إنْكارَ البَعْثِ هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ تَوَقُّعِ جَزاءِ السُّوءِ عَلى إعْراضِهِمْ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّذِي لَيْسَ هو لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إلى المُشْرِكِينَ لا تَرَدُّدَ فِيهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّأْكِيدِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُ حَرْفِ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، وهو إذا وقَعَ مِثْلُ هَذا المَوْقِعِ أفادَ التَّسَبُّبُ وأغْنى عَنِ الفاءِ. فالمَعْنى: إنّا مُنْتَقِمُونَ مِنهم بِالبَطْشَةِ الكُبْرى لِأنَّهم لا يَرْتَدِعُونَ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ الحَياةَ الآخِرَةَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلّا لِما هم عَلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ النِّعْمَةِ والقُوَّةِ فَلِذَلِكَ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى سُوءِ كُفْرِهِمْ جَزاءً في الحَياةِ الدُّنْيا.

وضَمِيرُ (هي) ضَمِيرُ الشَّأْنِ ويُقالُ لَهُ: ضَمِيرُ القِصَّةِ لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِصِيغَةِ المُؤَنَّثِ بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ، أيْ لا قِصَّةَ في هَذا الغَرَضِ إلّا المَوْتَةُ المَعْرُوفَةُ فَهي مَوْتَةٌ دائِمَةٌ لا نُشُورَ لَنا بَعْدَها.

وهَذا كَلامٌ مِن كَلِماتِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فَإنَّ لَهم كَلِماتٌ في ذَلِكَ، فَتارَةً يَنْفُونَ أنْ تَكُونَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ كَما حَكى عَنْهم في آياتٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتارَةً يَنْفُونَ أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِمْ بَعْدَ المَوْتَةِ المَعْرُوفَةِ شَيْءٌ غَيْرُها يَعْنُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا ضِدَّ المَوْتَةِ وهو الحَياةُ بَعْدَ المَوْتَةِ.

فَلَهم في نَفْيِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ أفانِينُ مِن أقْوالِ الجُحُودِ، وهَذا القَصْرُ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِراءِ أحْوالٍ لَهم بَعْدَ المَوْتِ.

وكَلِمَةُ ”هَؤُلاءِ“ حَيْثُما ذُكِرَ في القُرْآنِ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِما يَصْلُحُ أنْ يُشارَ إلَيْهِ: مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما اسْتَنْبَطْناهُ، وقَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ووَصْفُ الأُولى مُرادٌ بِهِ السّابِقَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] . ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] .

وأعْقَبُوا قَصْرَ ما يَنْتابُهم بَعْدَ الحَياةِ عَلى المَوْتَةِ الَّتِي يَمُوتُونَها، بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾

صفحة ٣٠٨

تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ. وجِيءَ بِهِ مَعْطُوفًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ غَرَضٌ مَقْصُودٌ مَعَ إفادَتِهِ تَأْكِيدُ القَصْرِ وجَعَلُوا قَوْلَهم ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ حُجَّةً عَلى نَفْيِ البَعْثِ بِأنَّ الأمْواتِ السّابِقِينَ لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلى الحَياةِ وهو سَفْسَطَةٌ لِأنَّ البَعْثَ المَوْعُودَ بِهِ لا يَحْصُلُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وهَذا مِن تَوَرُّكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ.

وضَمِيرُ جَمْعِ المُخاطَبِينَ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ لَهم ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ [هود: ٧] كَما جاءَ في حَدِيثِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ الَّذِي نَزَلَ بِسَبَبِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

44:37Page 497

أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧

Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.

﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] فَضَمِيرُ ”هم“ راجِعٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] فَبَعْدَ أنْ ضُرِبَ لَهُمُ المَثَلُ بِمَهْلِكِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ زادَهم مَثَلًا آخَرَ هو أقْرَبُ إلى اعْتِبارِهِمْ بِهِ وهو مَهْلِكُ قَوْمٍ أقْرَبُ إلى بِلادِهِمْ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأُولَئِكَ قَوْمُ تُبَّعٍ فَإنَّ العَرَبَ يَتَسامَعُونَ بِعَظَمَةِ مَلِكِ تُبَّعٍ وقَوْمِهِ أهْلِ اليَمَنِ وكَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ شاهَدُوا آثارَ قُوَّتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ في مَراحِلِ أسْفارِهِمْ وتَحادَثُوا بِما أصابَهم مِنَ الهُلْكِ بِسَيْلِ العَرِمِ.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ لِمَضْمُونِهِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ تُبَّعًا ومَن قَبْلَهُ مِنَ المُلُوكِ خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ.

والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا خَيْرًا مِن قَوْمِ تُبَّعٍ ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ لِأجْلِ إجْرامِهِمْ فَلَمّا ماثَلُوهم في الإجْرامِ فَلا مَزِيَّةَ لَهم تَدْفَعُ عَنْهُمُ اسْتِئْصالَ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ بِهِ أُمَمًا قَبْلَهم.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ تَقْرِيرِيٌّ إذْ لا يَسَعُهم إلّا أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ قَوْمَ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ خَيْرٌ مِنهم لِأنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ بِهِمُ الأمْثالَ في القُوَّةِ

صفحة ٣٠٩

والمَنَعَةِ. والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ التَّفْضِيلُ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ، كَما قالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] في سُورَةِ القَمَرِ.

وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ وهم سُكّانُ اليَمَنِ وحَضْرَمَوْتَ مِن حِمْيَرَ وسَبَأٍ وقَدْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ ق.

وتُبَّعٌ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ لَقَبٌ لِمَن يَمْلِكُ جَمِيعَ بِلادِ اليَمَنِ حِمْيَرًا وسَبَأً وحَضْرَمَوْتَ، فَلا يُطْلَقُ عَلى المَلِكِ لَقَبُ تُبَّعٍ إلّا إذا مَلَكَ هَذِهِ المَواطِنَ الثَّلاثَةَ. قِيلَ سَمَّوْهُ تُبَّعًا بِاسْمِ الظِّلِّ لِأنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ كَما يَتْبَعُ الظِّلُّ الشَّمْسَ، ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يَسِيرُ بِغَزَواتِهِ إلى كُلِّ مَكانٍ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، كَما قالَ تَعالى في ذِي القَرْنَيْنِ ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠]، وقِيلَ لِأنَّهُ تَتَبَّعَهُ مُلُوكُ مَخالِيفِ اليَمَنِ، وتَخْضَعُ لَهُ جَمِيعُ الأقْيالِ والأذْواءِ مِن مُلُوكِ مَخالِيفِ اليَمَنِ وأذْوائِهِ، فَلِذَلِكَ لُقِّبَ تُبَّعًا لِأنَّهُ تَتَبَّعَهُ المُلُوكُ.

وتُبَّعٌ المُرادُ هُنا المُسَمّى أسْعَدُ والمُكَنّى أبا كَرِبٍ، كانَ قَدْ عَظُمَ سُلْطانُهُ وغَزا بِلادَ العَرَبِ ودَخَلَ مَكَّةَ ويَثْرِبَ وبَلَغَ العِراقَ. ويُقالُ: إنَّهُ الَّذِي بَنى مَدِينَةَ الحِيرَةِ في العِراقِ، وكانَتْ دَوْلَةُ تُبَّعٍ في سَنَةِ ألْفٍ قَبْلَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وقِيلَ كانَ في حُدُودِ السَّبْعِمِائَةِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيءِ ﷺ .

وتَعْلِيقُ الإهْلاكِ بِقَوْمِ تُبَّعٍ دُونَهُ يَقْتَضِي أنَّ تُبَّعًا نَجا مِن هَذا الإهْلاكِ وأنَّ الإهْلاكَ سُلِّطَ عَلى قَوْمِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: ألا تَرى أنَّ اللَّهَ ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ.

والمَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ» وفي رِوايَةٍ: كانَ مُؤْمِنًا، وفَسَّرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّهُ كانَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ اهْتَدى إلى ذَلِكَ بِصُحْبَةِ حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ لَقِيَهُما بِيَثْرِبَ حِينَ غَزاها وذَلِكَ يَقْتَضِي نَجاتَهُ مِنِ الإهْلاكِ. ولَعَلَّ اللَّهَ أهْلَكَ قَوْمَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أوْ في مَغِيبِهِ.

وجُمْلَةُ أهْلَكْناهم مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما أثارَهُ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ مِنَ السُّؤالِ عَنْ إبْهامِهِ ماذا أُرِيدَ بِهِ.

صفحة ٣١٠

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ أهْلَكْناهم، أيْ أهْلَكْناهم عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ بِسَبَبِ إجْرامِهِمْ، أيْ شِرْكِهِمْ.

44:38–39Page 497

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨

And We did not create the heavens and earth and that between them in play.

مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩

We did not create them except in truth, but most of them do not know.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا. والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وجَزاءٌ لَكانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما عَبَثًا، ونَحْنُ خَلَقْنا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالحَقِّ، أيْ بِالحِكْمَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ إتْقانُ نِظامِ المَوْجُوداتِ، فَلا جَرَمَ اقْتَضى خَلْقَ ذَلِكَ أنْ يُجازى كُلُّ فاعِلٍ عَلى فِعْلِهِ وأنْ لا يُضاعُ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ المُشاهَدُ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَقْضِي حَياتَهُ ولا يَرى لِنَفْسِهِ جَزاءً عَلى أعْمالِهِ تَعَيَّنَ أنَّ اللَّهَ أخَّرَ جَزاءَهم إلى حَياةٍ أُخْرى وإلّا لَكانَ خَلْقُهم في بَعْضِ أحْوالِهِ مِن قَبِيلِ اللَّعِبِ.

وذِكْرُ اللَّعِبِ تَوْبِيخٌ لِلَّذِينِ أحالُوا البَعْثَ والجَزاءَ بِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ما يُفْضِي بِهِمْ إلى جَعْلِ أفْعالِ الحَكِيمِ لَعِبًا، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ المُلازَمَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] في سُورَةِ ص.

و”لاعِبِينَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”خَلَقْنا“، والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى هَذا الحالِ فاقْتَضى نَفْيَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن خَلْقِ ذَلِكَ في حالَةِ عَبَثٍ فَمِن ذَلِكَ حالَةُ إهْمالِ الجَزاءِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ .

والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ خَلَقْنا ذَلِكَ مُلابِسًا ومُقارِنًا لِلْحَقِّ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ الحَقِّ، أيْ لِإيجادِ الحَقِّ مِن خَلْقِهِما.

والحَقُّ: ما يَحِقُّ وُقُوعُهُ مِن عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ، أيْ يَجِبُ ويَتَعَيَّنُ لِسَبَبِيَّةٍ أوْ تَفَرُّعٍ أوْ

صفحة ٣١١

مُجازاةٍ، فَمِنَ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما لِأجْلِهِ مُكافَأةُ كُلِّ عامِلٍ بِما يُناسِبُ عَمَلَهُ ويُجازِيهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] في سُورَةِ الرُّومِ.

والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ناشِئٌ عَمّا أفادَهُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ المَخْلُوقاتِ لَعِبًا وإثْباتُ أنَّهُ لِلْحَقِّ لا غَيْرَ مِن كَوْنِ شَأْنِ ذَلِكَ أنْ لا يَخْفى ولَكِنَّ جَهْلَ المُشْرِكِينَ هو الَّذِي سَوَّلَ لَهم أنْ يَقُولُوا " ما نَحْنُ بِمَنشَرِينَ.

وجُمْلَةُ الِاسْتِدْراكِ تَذْيِيلٌ، وقَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ.

44:40–42Page 498

إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠

Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -

يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١

The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -

إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢

Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصُرُونَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ، والمَعْنى: فَيَوْمُ الفَصْلِ مِيقاتُهم إعْلامًا لَهم بِأنَّ يَوْمَ القَضاءِ هو أجَلُ الجَزاءِ، فَهَذا وعِيدٌ لَهم وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ.

ويَوْمَ الفَصْلِ: هو يَوْمُ الحُكْمِ، لِأنَّهُ يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ قالَ تَعالى ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] .

والمِيقاتُ: اسْمُ زَمانِ التَّوْقِيتِ، أيِ التَّأْجِيلِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ المِيقاتِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ مِيقاتُ جَزائِهِمْ.

وأُضِيفَ المِيقاتُ إلى ضَمِيرِ المُخْبَرِ عَنْهم لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ وإلّا فَإنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُ جَمِيعِ الخَلْقِ مُؤْمِنِيهِمْ وكُفّارِهِمْ.

والتَّأْكِيدُ بِـ ”أجْمَعِينَ“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ، أيْ مِيقاتٌ

صفحة ٣١٢

لِجَزائِهِمْ كُلِّهِمْ لا يُفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ مِنهم تَقْوِيَةً في الوَعِيدِ وتَأْيِيسًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ.

و﴿يَوْمَ لا يُغْنِى مَوْلًى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وفَتْحَةُ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ فَتْحَةُ إعْرابٍ لِأنَّ (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ ذاتِ فِعْلٍ مُعْرَبٍ.

والمَوْلى: القَرِيبُ والحَلِيفُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وتَنْكِيرُ مَوْلًى في سِياقِ النَّفْيِ لِإفادَةِ العُمُومِ، أيْ لا يُغْنِي أحَدٌ مِنَ المَوالِي كائِنًا مَن كانَ عَنْ أحَدٍ مِن مَوالِيهِ كائِنًا مَن كانَ.

و”شَيْئًا“ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأنَّ المُرادَ شَيْئًا مِن إغْناءٍ. وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّقْلِيلِ وهو الغالِبُ في تَنْكِيرِ لَفْظِ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبإ: ١٦] . ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ أيْضًا، يَعْنِي أيَّ إغْناءٍ كانَ في القِلَّةِ بَلْهَ الإغْناءِ الكَثِيرِ. والمَعْنى: يَوْمَ لا تُغْنِي عَنْهم مَوالِيهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى التَّعْمِيمِ لِأنَّهُ أوْسَعُ فائِدَةً إذْ هو بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.

والإغْناءُ: الإفادَةُ والنَّفْعُ بِالكَثِيرِ أوِ القَلِيلِ، وضَمِيرًا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ راجِعانِ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ أهم خَيْرٌ، وهو اسْمُ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] . والمَعْنى: أنَّهم لا يُغْنِي عَنْهم أوْلِياؤُهُمُ المَظْنُونُ بِهِمْ ذَلِكَ ولا يَنْصُرُهم مُقَيَّضُونَ آخَرُونَ لَيْسُوا مِن مَوالِيهِمْ تَأْخُذُهُمُ الحَمِيَّةُ أوِ الغَيْرَةُ أوِ الشَّفَقَةُ فَيَنْصُرُونَهم.

والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى العَدْوِّ وعَلى الغالِبِ، وهو أشَدُّ الإغْناءِ.

فَعُطِفَ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ زِيادَةً في نَفْيِ عَدَمِ الإغْناءِ.

فَمُحَصَّلُ المَعْنى أنَّهُ لا يُغْنِي مُوالٍ عَنْ مُوالِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الإغْناءِ حَسَبَ مُسْتَطاعِهِ ولا يَنْصُرُهم ناصِرٌ شَدِيدُ الِاسْتِطاعَةِ هو أقْوى مِنهم يَدْفَعُ عَنْهم غَلَبَ القَوِيِّ عَلَيْهِمْ، فاللَّهُ هو الغالِبُ لا يَدْفَعُهُ غالِبٌ.

وبُنِيَ فِعْلُ ”يُنْصَرُونَ“ إلى المَجْهُولِ لِيَعُمَّ نَفْيَ كُلِّ ناصِرٍ مَعَ إيجازِ العِبارَةِ.

صفحة ٣١٣

والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ وقَعَ عَقِبَ جُمْلَتَيْ ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَحُقَّ بِأنْ يَرْجِعَ إلى ما يَصْلُحُ لِلِاسْتِثْناءِ مِنهُ في تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ. ولَنا في الجُمْلَتَيْنِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَثْنى مِنها وهي مَوْلى الأوَّلِ المَرْفُوعِ بِفِعْلِ يُغْنِي، ومَوْلى الثّانِي المَجْرُورِ بِحَرْفِ (عَنْ)، وضَمِيرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، فالِاسْتِثْناءُ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّلاثَةِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المَوالِي، أيْ فَإنَّهُ يَأْذَنُ أنْ يُشَفَّعَ فِيهِ، ويَأْذَنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقالَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ أنَّهُ يُقالُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «سَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» . والشَّفاعَةُ: إغْناءٌ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِ. والشُّفَعاءُ يَوْمَئِذٍ أوْلِياءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ مِنَ الشُّفَعاءِ المَلائِكَةُ وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١] .

وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ داخِلًا في شَيْءٍ قَبْلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى أهْلِ المَحْشَرِ، والمَعْنى: لَكِنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَن يُغْنِي عَنْهُ أوْ يَنْصُرُهُ وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ.

وأسْبابُ رَحْمَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى رِضاهُ عَنْ عَبْدِهِ وذَلِكَ سِرٌّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ هو جَوابٌ مُجْمَلٌ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ تَعْيِينِ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، أيْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُكْرِهُهُ أحَدٌ عَلى العُدُولِ عَنْ مُرادِهِ، فَهو يَرْحَمُ مَن يَرْحَمُهُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ وهو رَحِيمٌ، أيْ واسِعُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَلى وفْقِ ما جَرى بِهِ عَلِمُهُ وحِكْمَتُهُ ووَعْدُهُ. وفي الحَدِيثِ: «ارْحَمُوا مَن في الأرْضِ يَرْحَمُكم مَن في السَّماءِ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском