Ibn 'AshurAl‑Jathiyah · 45:18–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Jathiyah 45:18–22

45:18–19Page 500

ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨

Then We put you, [O Muḥammad], on an ordained way concerning the matter [of religion]; so follow it and do not follow the inclinations of those who do not know.

إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩

Indeed, they will never avail you against Allāh at all. And indeed, the wrongdoers are allies of one another; but Allāh is the protector of the righteous.

﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، ولَوْلا إرادَةُ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ لَكانَتِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً بِالواوِ. وهَذا التَّراخِي يُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِحَرْفِ (ثُمَّ) أهَمُّ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أهَمِّيَّةُ الغَرَضِ عَلى المُقَدِّمَةِ والنَّتِيجَةُ عَلى الدَّلِيلِ.

وفِي هَذا التَّراخِي تَنْوِيهٌ بِهَذا الجَعْلِ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن إيتاءِ بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ والبَيِّناتِ مِنَ الأمْرِ، فَنُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وكِتابُهُ وحُكْمُهُ وبَيِّناتُهُ أفْضَلُ وأهْدى مِمّا أُوتِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ.

و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيِ التَّمَكُّنِ والثَّباتِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .

وتَنْوِينُ شَرِيعَةٍ لِلتَّعْظِيمِ بِقَرِينَةِ حَرْفِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ.

صفحة ٣٤٨

والشَّرِيعَةُ: الدِّينُ والمِلَّةُ المُتَّبَعَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَّرْعِ وهو: جَعْلُ طَرِيقٍ لِلسَّيْرِ، وسُمِّيَ النَّهْجُ شَرْعًا تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ. وسُمِّيَتْ شَرِيعَةُ الماءِ الَّذِي يَرِدُهُ النّاسُ شَرِيعَةً لِذَلِكَ، قالَ الرّاغِبُ: اسْتُعِيرَ اسْمُ الشَّرِيعَةِ لِلطَّرِيقَةِ الإلَهِيَّةِ تَشْبِيهًا بِشَرِيعَةِ الماءِ قُلْتُ: ووَجْهُ الشَّبَهِ ما في الماءِ مِنَ المَنافِعِ وهي الرَّيُّ والتَّطْهِيرُ.

والأمْرُ: الشَّأْنُ، وهو شَأْنُ الدِّينِ وهو شَأْنٌ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، فَتَكُونُ (مِن) تَبْعِيضِيِّةٌ ولَيْسَتْ كالَّتِي في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ [الجاثية: ١٧] لِأنَّ إضافَةَ شَرِيعَةٍ إلى الأمْرِ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ.

وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ الإيجازِ مَبْلَغًا عَظِيمًا إذْ أفادَتْ أنَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ أفْضَلُ مِن شَرِيعَةِ مُوسى، وأنَّها شَرِيعَةٌ عَظِيمَةٌ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ مُتَمَكِّنٌ مِنها لا يُزَعْزِعُهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّأبِ في بَيانِها والدَّعْوَةِ إلَيْها.

ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَهُ بِاتِّباعِها بِقَوْلِهِ: ”فاتَّبِعْها“ أيْ دُمْ عَلى اتِّباعِها، فالأمْرُ لِطَلَبِ الدَّوامِ مِثْلُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .

وبَيْنَ قَوْلِهِ: ”فاتَّبِعْها“ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُحَسِّنُ المُطابَقَةِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِاتِّباعِ والنَّهْيِ عَنِ اتِّباعٍ آخَرَ.

و”الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ“ هُمُ المُشْرِكُونَ وأهْواؤُهم دِينُ الشِّرْكِ قالَ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] .

والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى، وهو المَحَبَّةُ والمَيْلُ. والمَعْنى: أنَّ دِينَهم أعْمالٌ أحَبُّوها لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِها ولا اقْتَضَتْها البَراهِينُ.

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والمَقْصُودُ مِنهُ: إسْماعُ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَطْمَعُوا بِصانِعَةِ الرَّسُولِ ﷺ إيّاهم حِينَ يَرَوْنَ مِنهُ الإغْضاءَ عَنْ هَفَواتِهِمْ وأذاهم وحِينَ يَسْمَعُونَ في القُرْآنِ بِالصَّفْحِ عَنْهم كَما في الآيَةِ السّالِفَةِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] .

وفِيهِ أيْضًا تَعْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَحْذَرُوا مِن أهْواءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. وعَنِ ابْنِ

صفحة ٣٤٩

عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ لَمّا دَعَتْهُ قُرَيْشٌ إلى دِينِ آبائِهِ قالَ البَغَوِيُّ: كانُوا يَقُولُونَ لَهُ: ارْجِعْ إلى دِينِ آبائِكَ فَإنَّهم أفْضَلُ مِنكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، ويَتَضَمَّنُ تَعْلِيلَ الأمْرِ بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ اللَّهِ فَإنَّ كَوْنَهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَسْتَلْزِمُ أنَّ في مُخالَفَةِ ما أمَرَ اللَّهُ مِنِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ ما يُوقِعُ في غَضَبِ اللَّهِ وعِقابِهِ فَلا يُغْنِي عَنْهُ اتِّباعُ أهْوائِهِمْ مِن عِقابِهِ.

والإغْناءُ: جَعْلُ الغَيْرِ غَنِيًّا، أيْ غَيْرَ مُحْتاجٍ، فالآثِمُ المُهَدَّدُ مِن قَدِيرٍ غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ الَّذِي يُعاقِبُهُ ولَوْ حَماهُ مَن هو كُفْءٌ لِمُهَدِّدِهِ أوْ أقْدَرُ مِنهُ لَأغْناهُ عَنْهُ، وضُمِّنَ فِعْلُ الإغْناءِ مَعْنى الدَّفْعِ فَعُدِّيَ بِـ (عَنْ) . وانْتَصَبَ ”شَيْئًا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ و”مِنَ اللَّهِ“ صِفَةٌ لِـ ”شَيْئًا“ . و(مِن) بِمَعْنى بَدَلِ، أيْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ بَدَلًا مِن عَذابِ اللَّهِ، أيْ قَلِيلًا مِنَ الإغْناءِ البَدِيلِ مِن عِقابِ اللَّهِ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] في آلِ عِمْرانَ.

وعُطِفَ عَلى هَذا التَّعْلِيلِ تَعْلِيلٌ آخَرُ وهو ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ إنَّهم ظالِمُونَ وأنْتَ لَسْتَ مِنَ الظّالِمِينَ في شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَّبِعَهم في شَيْءٍ وإنَّما يَتَّبِعُهم مَن هم أوْلِياؤُهم. وذَيَّلَ ذَلِكَ بِقَولِهِ ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ وهو يُفِيدُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ اللَّهُ ولَيُّهُ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ أوَّلُ المُتَّقِينَ.

45:20Page 500

هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٢٠

This [Qur’ān] is enlightenment for mankind and guidance and mercy for a people who are certain [in faith].

﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾

إنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ وما فِيهِ مِن ضَرْبِ المَثَلِ بِمُوسى وقَوْمِهِ ومِن تَفْضِيلِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ والأمْرُ بِمُلازَمَةِ اتِّباعِها والتَّحْذِيرِ مِنِ اتِّباعِ رَغائِبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها والتَّهْيِئَةِ لِأغْراضِها تَنْبِيهًا لِما في طَيِّها مِن عَواصِمَ عَنِ الشَّكِّ والباطِلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ عِدَّةِ آياتٍ في آخِرِ سُورَةِ الأحْقافِ ”بِلاغٌ“، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ

صفحة ٣٥٠

﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] .

وإنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ إذْ هو حاضِرٌ في الأذْهانِ كانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا أُعِيدَ بِها التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ ومُتَّبِعِيهِ والتَّعْرِيضُ بِتَحْمِيقِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ، وتَكُونُ مُفِيدَةً تَأْكِيدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١]، وتَكُونُ الجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ صَرِيحَةً في وعِيدِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِهِ، وهَذِهِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَمْ يَحْظَوْا بِهَذِهِ البَصائِرِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ رَشِيقٌ، وكُلٌّ بِأنْ يَكُونَ مَقْصُودًا حَقِيقٌ.

و”بَصائِرُ“: جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي إدْراكُ العَقْلِ الأُمُورَ عَلى حَقائِقِها، شُبِّهَتْ بِبَصَرِ العَيْنِ، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِصِيغَةٍ فِعْلِيَّةٍ لِلْمُبالَغَةِ قالَ تَعالى ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وقالَ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] في سُورَةِ الإسْراءِ وقَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] في سُورَةِ القَصَصِ.

ووَصْفُ الآياتِ السّابِقَةِ أوِ القُرْآنِ بِالبَصائِرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ البَصائِرِ. وجَمْعُ البَصائِرِ: إنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ المُتَبَصِّرِينَ بِسَبَبِهِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ لِلنّاسِ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ بَصِيرَتُهُ الخاصَّةُ فَهي أمْرٌ جُزْئِيٌّ بِالتَّبَعِ لِكَوْنِ صاحِبِ كُلِّ بَصِيرَةٍ جُزْئِيًّا مُشَخِّصًا فَناسَبَ أنْ تُورَدَ جَمْعًا، فالبَصِيرَةُ: الحاسَّةُ مِنَ الحَواسِّ الباطِنَةِ، وهَذا بِخِلافِ إفْرادِ ”هُدًى ورَحْمَةً“ لِأنَّ الهُدى والرَّحْمَةَ مَعْنَيانِ كُلِّيّانِ يَصْلُحانِ لِلْعَدَدِ الكَثِيرِ قالَ تَعالى: ”هُدًى لِلنّاسِ“ وقالَ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .

وإنَّما كانَ هُدًى لِأنَّهُ طَرِيقُ نَفْعٍ لِمَنِ اتَّبَعَ إرْشادَهُ فاتِّباعُهُ كالِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقْصُودِ. وإنَّما كانَ رَحْمَةً لِأنَّ في اتِّباعِ هَدْيِهِ نَجاحُ النّاسِ أفْرادًا وجَماعاتٍ في الدُّنْيا لِأنَّهُ نِظامُ مُجْتَمَعِهِمْ ومَناطُ أمْنِهِمْ، وفي الآخِرَةِ لِأنَّهُ سَبَبُ نَوالِهِمْ دَرَجاتِ النَّعِيمِ الأبَدِيِّ. وكانَ بَصائِرَ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ الخَيْرَ والشَّرَّ ويُحَرِّضُهم عَلى الخَيْرِ ويُحَذِّرُهم مِنَ الشَّرِّ ويَعِدُهم عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ويُوعِدُهم عَلى فِعْلِ الشُّرُورِ فَعَمَلُهُ عَمَلُ البَصِيرَةِ.

صفحة ٣٥١

وجَعَلَ البَصائِرَ لِلنّاسِ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلنّاسِ عامَّةً وجَعَلَ الهُدى والرَّحْمَةَ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ لِأنَّهُ لا يَهْتَدِي بِبَيانِهِ إلّا المُوقِنُ بِحَقِيقَتِهِ ولا يُرْحَمُ بِهِ إلّا مَنِ اتَّبَعَهُ المُؤْمِنُ بِحَقِّيَّتِهِ.

وذِكْرُ لَفْظِ ”قَوْمٍ“ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الإيقانَ مُتَمَكِّنٌ مِن نُفُوسِهِمْ كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمُ الَّتِي تُمَيِّزُهم عَنْ أقْوامٍ آخَرِينَ.

والإيقانُ: العِلْمُ الَّذِي لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ صاحِبُهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ بِما جاءَتْ بِهِ آياتُ اللَّهِ.

45:21Page 500

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٢١

Or do those who commit evils think We will make them like those who have believed and done righteous deeds - [make them] equal in their life and their death?1 Evil is that which they judge [i.e., assume].

﴿أمْ ”حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءٌ مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾“

انْتِقالٌ مِن وصْفِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ واسْتِهْزائِهِمْ بِها، ثُمَّ مِن أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالصَّفْحِ عَنْهم وإيكالِ جَزاءِ صَنائِعِهِمْ إلى اللَّهِ ثُمَّ مِنَ التَّثْبِيتِ عَلى مُلازَمَةِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ إلى وصْفِ صِنْفٍ آخَرَ مِن ضَلالِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ وإحالَتِهِمُ الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ وتَخْيِيلِهِمْ لِلنّاسِ أنَّهم يَصِيرُونَ في الآخِرَةِ، عَلى الحالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، عَظِيمُهم في الدُّنْيا عَظِيمُهم في الآخِرَةِ، وضَعِيفُهم في الدُّنْيا ضَعِيفُهم في الآخِرَةِ، وهَذا الِانْتِقالُ رُجُوعٌ إلى بَيانِ قَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٥] .

فَحَرْفُ (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي يَلْزَمُ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ (أمْ) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: لا يَحْسَبُ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنَّهم كالَّذِينِ آمَنُوا لا في الحَياةِ ولا في المَماتِ.

و﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ في نَقْلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الِانْتِقالُ مِنَ الغَرَضِ السّابِقِ إلى هَذا الغَرَضِ وإنَّما عَبَّرَ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِما في الصِّلَةِ مِن تَعْلِيلِ إنْكارِ المُشابَهَةِ والمُساواةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عِنْدَ اللَّهِ في عالَمِ الخُلْدِ ولِأنَّ اكْتِسابَ السَّيِّئاتِ مِن شِعارِ أهْلِ الشِّرْكِ إذْ لَيْسَ لَهم

صفحة ٣٥٢

دِينٌ وازِعٌ يَزَعُهم عَنِ السَّيِّئاتِ ولا هم مُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَيَكُونُ إيمانُهم بِهِ مُرَغِّبًا في الجَزاءِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ الكِنايَةُ عَنِ المُشْرِكِينَ بِالتَّلَبُّسِ بِالسَّيِّئاتِ كَقَوْلِهِ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤] وكَقَوْلِهِ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] وقَوْلُهُ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١] ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ونَظِيرُهُ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]، فَإنَّ ذَلِكَ حالُ الكُفّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ العاصِي فَلا تَبْلُغُ بِهِ حالُهُ أنْ يَحْسَبَ أنَّهُ مُفْلِتٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. قالَ البَغَوِيُّ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: لَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا لَنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم في الآخِرَةِ كَما فُضِّلْنا عَلَيْكم في الدُّنْيا.

وعَنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ قالُوا لِعَلِيٍّ وحَمْزَةَ وبَعْضِ المُسْلِمِينَ: واللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ ولَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا (أيْ إنْ كانَ البَعْثُ حَقًّا) لَحالُنا أفْضَلُ مِن حالِكم في الآخِرَةِ كَما أنّا أفْضَلُ حالًا مِنكم في الدُّنْيا. وتَأْوِيلُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا السَّبَبِ أنَّ حُدُوثَ قَوْلِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ صادَفَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ السُّورَةِ أوْ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُتَكَرِّرٌ فَناسَبَ تَعَرُّضَ الآيَةِ لَهُ حَقُّهُ.

ونُزُولُ الآيَةِ عَلى هَذا السَّبَبِ لِإبْطالِ كَلامِهِمْ في ظاهِرِ حالِهِ وإنْ كانُوا لَمْ يَقُولُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ وإنَّما قالُوهُ اسْتِهْزاءً، لِئَلّا يَرُوجَ كَلامُهم عَلى دَهْمائِهِمْ والحَدِيثِينَ في الإسْلامِ لِأنَّ شَأْنَ التَّصَدِّي لِلْإرْشادِ أنْ لا يُغادِرَ مَغْمَزًا لِرَواجِ الباطِلِ إلّا سَدَّهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ.

وزادَ القُرْطُبِيُّ في حِكايَةِ كَلامِ الكَلْبِيِّ أنَّهم قالُوهُ حِينَ بَرَزُوا لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ اسْتِثْناءُ هَذِهِ الآيَةِ مِنها.

والِاجْتِراحُ: الِاكْتِسابُ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجُرْحِ

صفحة ٣٥٣

فَأُطْلِقَ عَلى اكْتِسابِ السِّباعِ ونَحْوِها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ كِلابُ الصَّيْدِ جَوارِحَ وسُمِّي بِهِ اكْتِسابُ النّاسِ لِأنَّ غالِبَ كَسْبِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ كانَ مِنَ الإغارَةِ عَلى إبِلِ القَوْمِ وهي بِالرِّماحِ، قالَتْ أمُّ زَرْعٍ: فَنَكَحَتْ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وأخَذَ خَطِيًّا وأراحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، ولِذَلِكَ غَلَبَ إطْلاقُ الِاجْتِراحِ عَلى اكْتِسابِ الإثْمِ والخَبِيثِ.

وظاهِرُ تَرْكِيبِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في الحُسْبانِ المَنكُورِ فَيَكُونُ المَعْنى: إنْكارُ أنْ يَسْتَوِيَ المُشْرِكُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا في الحَياةِ ولا بَعْدَ المَماتِ، فَكَما خالَفَ اللَّهُ بَيْنَ حالَيْهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا فَجَعَلَ فَرِيقًا كَفَرَةً مُسِيئِينَ وفَرِيقًا مُؤْمِنِينَ مُحْسِنِينَ، فَكَذَلِكَ سَيُخالِفُ بَيْنَ حالَيْهِمْ في المَماتِ فَيَمُوتُ المُشْرِكُونَ عَلى اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إذْ لا يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ ويُلاقُونَ بَعْدَ المَماتِ هَوْلَ ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ، ويَمُوتُ المُؤْمِنُونَ رَجاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ والبُشْرى بِما وُعِدُوا بِهِ ويُلاقُونَ بَعْدَ المَماتِ ثَوابَ اللَّهِ ورِضْوانَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”سَواءً“ مَرْفُوعًا فَيَكُونُ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿سَواءً مَحْياهُمْ﴾ مَوْقِعَ البَدَلِ مِن كافِ التَّشْبِيهِ الَّتِي هي بِمَعْنى مِثْلِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ يُرِيدُ أنَّهُ بَدَلٌ مُطابِقٌ لِأنَّ الجُمْلَةَ تُبْدَلُ مِنَ المُفْرَدِ عَلى الأصَحِّ، والبَدَلُ المُطابِقُ هو عَطْفُ البَيانِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَيَكُونُ جُمْلَةُ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ بَيانُ ما حَسِبَهُ المُشْرِكُونَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفُ مَنصُوبًا، فَلَفْظُ سَواءً وحْدَهُ بَدَلٌ مِن كافِ المُماثِلَةِ، بَدَلٌ مُفْرَدٌ مِن مُفْرَدٍ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في نَجْعَلُهم.

وهَذا لِأنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: سَنَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ خَيْرًا مِنكم كَما كُنّا في الحَياةِ خَيْرًا مِنكم.

فَضَمِيرُ مَحْياهم وضَمِيرُ مَماتِهِمْ عائِدانِ لِكُلٍّ مِنَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ والَّذِينَ آمَنُوا عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ مَحْيا كُلٍّ مُساوٍ لِمَماتِهِ، أيْ لا يَتَبَدَّلُ حالُ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ المَماتِ بَلْ يَكُونُونَ بَعْدَ المَماتِ كَما كانُوا في الحَياةِ غَيْرَ أنَ مَوْقِعَ كافِ التَّمْثِيلِ في قَوْلِهِ: ”كالَّذِينِ آمَنُوا“ لَيْسَ واضِحَ المُلاقاةِ لِحُسْبانِ المُشْرِكِينَ المُسَلَّطِ عَلَيْهِ الإنْكارُ لِأنَّهم إنَّما حَسِبُوا أنْ يَكُونُوا بَعْدَ المَماتِ (عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ البَعْثِ)

صفحة ٣٥٤

أحْسَنَ حالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا أنْ يَكُونُوا مِثْلَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ في مَقامِ التَّطاوُلِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإرادَةِ إفْحامِهِمْ بِسَفْسَطَتِهِمْ. فَبِنا أنَّ نُبَيِّنَ مُوقِعَ هَذا الكافِ في الآيَةِ.

والَّذِي أرى: أنَّ مَوْقِعَهُ الإيماءُ إلى أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِلْمُؤْمِنِينَ حُسْنَ الحالِ بَعْدَ المَماتِ حَتّى صارَ ذَلِكَ المُقَدَّرُ مَضْرِبَ الأمْثالِ ومَناطَ التَّشْبِيهِ، وإلى أنَّ حُسْبانَ المُشْرِكِينَ أنْفُسَهم في الآخِرَةِ عَلى حالَةٍ حَسَنَةٍ باطِلٌ، فَعَبَّرَ عَنْ حُسْبانِهِمُ الباطِلِ بِأنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ في الآخِرَةِ الحالَ الَّتِي هي حالُ المُؤْمِنِينَ، أيْ حَسِبَ المُشْرِكُونَ بِزَعْمِهِمْ أنْ يَكُونُوا بَعْدَ المَوْتِ في حالَةٍ إذا أرادَ الواصِفُ أنْ يَصِفَها وصَفَها بِمُشابَهَةِ حالِ المُؤْمِنِينَ في عِنْدِ اللَّهِ وفي نَفْسِ الأمْرِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ مَثَّلُوا حالَهم بِحالِ المُؤْمِنِينَ فَيُؤَوَّلُ قَوْلُهُ: ”كالَّذِينِ آمَنُوا“ إلى حِكايَةِ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِعِبارَةٍ تُساوِيهِ لا بِعِبارَةِ قائِلِهِ، وذَلِكَ مِمّا يُتَوَسَّعُ فِيهِ في حِكايَةِ الأقْوالِ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فَإنَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ: أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكَ ورَبَّهم، وذَلِكَ مِن خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ دَعا اللَّهُ هُنا قَصْدَ التَّنْوِيهِ بِالمُؤْمِنِينَ والعِنايَةِ بِزُلْفاهم عِنْدَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحَسِبُوا أنْ نَجْعَلَهم في حالَةٍ حَسَنَةٍ ولَكِنَّ هَذا المَأْمُولَ في حُسْبانِهِمْ هو في نَفْسِ الأمْرِ حالُ المُؤْمِنِينَ لا حالُهم. فَأوْجَزَ الكَلامَ، وفَهْمُ السّامِعِ يَبْسُطُهُ.

والمُواجَهُ بِهَذا الكَلامِ هُمُ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ تَكْمِلَةً لِلْغَرَضِ المُبْدَأِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] .

عَلى أنَّ لَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ”كالَّذِينِ آمَنُوا“ مُعْتَرِضًا بَيْنَ مَفْعُولَيْ نَجْعَلُ وهُما ضَمِيرا الغائِبِينَ، وجُمْلَةُ ”سَواءً مَحْياهم أوْ ولَفْظُ (سَواءً) في قِراءَةِ نَصْبِهِ فَلا يَكُونُ مُرادًا إدْخالُهُ في حُسْبانِ المُشْرِكِينَ.

ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ:“ كالَّذِينِ آمَنُوا " تَهَكُّمًا عَلى المُشْرِكِينَ في حُسْبانِهِمْ تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ.

ومِن خِلافِ ظاهِرِ التَّرْكِيبِ ما قِيلَ: إنَّ مَدْلُولَ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ لَيْسَ مِن حُسْبانِ المُشْرِكِينَ المَنكُورِ ولَكِنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ

صفحة ٣٥٥

حُسْبانَ اسْتِواءِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ خَطَرَ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ كَيْفَ واقِعُ حالِ الفَرِيقَيْنِ فَأُجِيبَ بِأنَّ حالَ مَحْياهم وهو مِقْياسُ حالِ مَماتِهِمْ، أيْ حالُهم في الآخِرَةِ مُخْتَلِفٌ كَما هو في الدُّنْيا مُخْتَلِفٌ، فالمُؤْمِنُونَ يَحْيَوْنَ في الإقْبالِ عَلى رَبِّهِمْ ورَجاءِ فَضْلِهِ، والكافِرُونَ يَعِيشُونَ مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِمْ آيِسِينَ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ. وهَذا لَيْسَ عَيْنَ الجَوابِ ولَكِنَّهُ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِعِلَّةِ الجَوابِ عَنْ ذِكْرِهِ. والتَّقْدِيرُ: حالُ الفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفٌ في الآخِرَةِ كَما كانَ مُخْتَلِفًا في الحَياةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مِن إنْكارِ حُسْبانِهِمْ وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ الإنْكارِ مِنَ المَعانِي.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ كانَ مَوْرِدُها في تَخالُفِ حالَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ فَإنَّ نَوْطَ الحُكْمِ فِيها بِصِلَةِ ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ يَجْعَلُ مِنها إيماءً إلى تَفاوُتِ حالَيِ المُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ مَن أهْلِ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَحْسَبْ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ وعَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ أنَّهُ باتَ لَيْلَةً يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ويَرْكَعُ ويَسْجُدُ ويَبْكِي إلى الصَّباحِ. ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ: أنَّهُ كانَ كَثِيرًا ما يُرَدِّدُ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ يَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ. يُخاطِبُ نَفْسَهُ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مَبْكاةُ العابِدِينَ.

والمَحْيا والمَماتُ: مَصْدَرانِ مِيمِيّانِ أوِ اسْما زَمانٍ، أيْ حَياتُهم ومَوْتُهم، وهو عَلى كِلا الِاعْتَبارَيْنِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حالَةُ مَحْياهم وحالاتُ مَماتِهِمْ.

45:22Page 500

وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢

And Allāh created the heavens and earth in truth and so that every soul may be recompensed for what it has earned, and they will not be wronged.

﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ وبَيْنَ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] هو كالدَّلِيلِ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ الَّذِينَ هم في بُحْبُوحَةِ عَيْشٍ مُدَّةَ حَياتِهِمْ أنْ يَكُونُوا في نَعِيمٍ بَعْدَ مَماتِهِمْ كالَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ فَكانَ جَزاؤُهُمُ النَّعِيمَ بَعْدَ

صفحة ٣٥٦

مَماتِهِمْ، أيْ بَعْدَ حَياتِهِمُ الثّانِيَةِ بِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالعَدْلِ يَسْتَدْعِي التَّفاوُتَ بَيْنَ المُسِيءِ والمُحْسِنِ، والِانْتِصافَ لِلْمُعْتَدى عَلَيْهِ مِنَ المُعْتَدِي.

ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ تُبَيِّنُ كَوْنَهُ في تَمامِ الإتْقانِ والنِّظامِ بِحَيْثُ إنَّ دَلائِلَ إرادَةِ العَدْلِ في تَصارِيفِها قائِمَةٌ، وما أوْدَعَهُ الخالِقُ في المَخْلُوقاتِ مِنَ القُوى مُناسِبٌ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ النِّظامِ الَّذِي فِيهِ صَلاحُهم فَإذا اسْتَعْمَلُوها في الإفْسادِ والإساءَةِ كانَ مِن إتْمامِ إقامَةِ النِّظامِ أنْ يُعاقَبُوا عَلى تِلْكَ الإساءَةِ، والمُشاهَدُ أنَّ المُسِيءَ كَثِيرٌ ما عَكَفَ عَلى إساءَتِهِ حَتّى المَماتِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الجَزاءُ بَعْدَ المَوْتِ حَصَلَ اخْتِلالٌ في نِظامِ خَلْقِ المَخْلُوقاتِ وخَلْقِ القُوى الصّادِرِ عَنْها الإحْسانُ والإساءَةُ، وهَذا المَعْنى تَكَرَّرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ وكُلَّما ذُكِرَ شَيْءٌ مِنهُ أُتْبِعَ بِذِكْرِ الجَزاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ما ﴿خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] .

والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ خَلْقًا لِلسَّبَبِ الحَقِّ أوْ مُلابِسًا لِلْحَقِّ لا يَتَخَلَّفُ الحَقُّ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِ.

والحَقُّ: اسْمٌ جامِعٌ لِما شَأْنُهُ أنْ يُحَقَّ ويُثْبَتَ، ومِن شَأْنِ الحِكْمَةِ والحَكِيمِ أنْ يُقِيمَهُ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ ”وخَلَقَ اللَّهُ“ فَإنَّ اسْمَ الجَلالَةِ جامِعٌ لِصِفاتِ الكَمالِ وتَصَرُّفاتِ الحِكْمَةِ.

وعُطِفُ ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ عَلى ”بِالحَقِّ“ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ المَجْرُورَ بِالياءِ فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وهَذا تَفْصِيلٌ بَعْدَ إجْمالٍ فَإنَّ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ بِما يُناسِبُهُ هو مِنَ الحَقِّ، ولِأنَّ تَعْلِيلَ الخَلْقِ بِعِلَّةِ الجَزاءِ مِن تَفْصِيلِ مَعْنى الحَقِّ وآثارِ كَوْنِ الحَقِّ سَبَبًا لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ أوْ مُلابِسًا لِأحْوالِ خَلْقِهِما، فَظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ الباءِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ واللّامِ في المَعْطُوفِ.

والباءُ في بِما كَسَبَتْ لِلتَّعْوِيضِ. وما كَسَبَتْهُ النَّفْسُ لا تُجْزى بِهِ بَلْ تُجازى بِمِثْلِهِ وما يُناسِبُهُ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِمِثْلِ ما كَسَبَتْهُ. وهَذِهِ المُماثَلَةُ

صفحة ٣٥٧

مُماثَلَةٌ في النَّوْعِ، وأمّا تَقْدِيرُ تِلْكَ المُماثَلَةِ فَذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ تَعالى ومُراعًى فِيهِ عَظَمَةُ عالَمِ الجَزاءِ في الخَيْرِ والشَّرِّ ومِقْدارُ تَمَرُّدِ المُسِيءِ وامْتِثالِ المُحْسِنِ، بِخِلافِ الحُدُودِ والزَّواجِرِ فَإنَّها مُقَدَّرَةٌ بِما يُناسِبُ عالَمَ الدُّنْيا مِنَ الضَّعْفِ.

ولِهَذا أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ”ولا هم يُظْلَمُونَ“ فَضَمِيرُ ”هم“ عائِدٌ إلى كُلِّ نَفْسٍ، فَإنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ مِمّا اقْتَضاهُ العَدْلُ الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا أوْ مُلابِسًا لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما، فَهو عَدْلٌ، فَلَيْسَ مِنَ الظُّلْمِ في شَيْءٍ فالمُجازى غَيْرُ مَظْلُومٍ، وبِالجَزاءِ أيْضًا يَنْتَفِي أثَرُ ظُلْمِ الظّالِمِ عَنِ المَظْلُومِ إذْ لَوْ تُرِكَ الجَزاءُ لاسْتَمَرَّ المَظْلُومُ مَظْلُومًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском