Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Jathiyah 45:23–26
45:23Page 501
أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣
Have you seen he who has taken as his god his [own] desire, and Allāh has sent him astray due to knowledge1 and has set a seal upon his hearing and his heart and put over his vision a veil? So who will guide him after Allāh? Then will you not be reminded?
﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾
لَمّا كانَ الَّذِينَ حَسِبُوا أنْ يَكُونُوا في الآخِرَةِ في نِعْمَةٍ وعِزَّةٍ كَما كانُوا في الدُّنْيا قالُوا ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ولا نَظَرٍ ولَكِنْ عَنِ اتِّباعِ ما يَشْتَهُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِن دَوامِ الحالِ الحَسَنِ تَفَرَّعَ عَلى حُسْبانِهِمُ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ، فَعُطِفَ بِالفاءِ الِاسْتِفْهامُ المُسْتَعْمَلُ في التَّعْجِيبِ، وجُعِلَ اسْتِفْهامًا عَنْ رُؤْيَةِ حالِهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى بُلُوغِ حالِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَدِّ أنْ تَكُونَ مَرْئِيَّةً.
وأصْلُ التَّرْكِيبِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ إلَخْ، فَقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمَقْصُودُ مَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، أوِ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ تَناهَتْ حالُهم في الظُّهُورِ فَلا يَخْتَصُّ بِها مُخاطَبٌ.
و”مَنِ“ المَوْصُولَةُ صادِقَةٌ عَلى فَرِيقِ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ حَسِبُوا أنْ يَكُونَ مَحْياهم ومَماتُهم سَواءً بِقَرِينَةِ ضَمِيرِ الجَمْعِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] إلَخْ.
والمَعْنى: أنَّ حِجاجَهُمُ المُسْلِمِينَ مُرَكَّزٌ عَلى اتِّباعِ الهَوى والمُغالَطَةِ، فَلا نُهُوضَ
صفحة ٣٥٨
لِحُجَّتِهِمْ لا في نَفْسِ الأمْرِ ولا فِيما أرادُوهُ، عَلى فَرْضِ وُقُوعِ البَعْثِ مِن أنْ يَكُونُوا آمِنِينَ مِن أهْوالِ البَعْثِ، وأنَّهم لا يُرْجى لَهُمُ اهْتِداءٌ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم غَيْرَ قابِلِينَ لِلْهُدى فَلا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ هُداهم.
و”إلَهَهُ“ يَجُوزُ أنَّ يَكُونَ أُطْلِقُ عَلى ما يُلازَمُ طاعَتُهُ حَتّى كَأنَّهُ مَعْبُودٌ فَيَكُونُ هَذا الإطْلاقُ بِطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيِ اتَّخَذَ هَواهُ كَإلَهٍ لَهُ لا يُخالِفُ لَهُ أمْرًا.
ويَجُوزُ أنْ يَبْقى ”إلَهَهُ“ عَلى الحَقِيقَةِ ويَكُونَ ”هَواهُ“ بِمَعْنى مَهْوِيِّهِ، أيْ عَبَدَ إلَهًا لِأنَّهُ يُحِبُّ أنْ يَعْبُدَهُ، يَعْنِي الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً لا يُقْلِعُونَ عَنْ عِبادَتِهِمْ لِأنَّهم أحَبُّوها، أيْ ألِفُوها وتَعَلَّقَتْ قُلُوبُهم بِعِبادَتِها، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] .
ومَعْنى ”أضَلَّهُ اللَّهُ“ أنَّهُ حَفَّهم بِأسْبابِ الضَّلالَةِ مِن عُقُولٍ مُكابِرَةٍ ونُفُوسٍ ضَعِيفَةٍ، اعْتادَتِ اتِّباعَ ما تَشْتَهِيهِ لا تَسْتَطِيعُ حَمْلَ المُصابَرَةِ والرِّضا بِما فِيهِ كَراهِيَةٌ لَها. فَصارَتْ أسْماعُهم كالمَخْتُومِ عَلَيْها في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالمَواعِظِ والبَراهِينِ، وقُلُوبُهم كالمَخْتُومِ عَلَيْها في عَدَمِ نُفُوذِ النَّصائِحِ ودَلائِلِ الأدِلَّةِ إلَيْها، وأبْصارُهم كالمُغَطّاةِ بِغِشاواتٍ فَلا تَنْتَفِعُ بِمُشاهَدَةِ المَصْنُوعاتِ الإلَهِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ وعَلى أنَّ بَعْدَ هَذا العالَمِ بَعْثًا وجَزاءً.
ومَعْنى ”عَلى عِلْمٍ“ أنَّهم أحاطَتْ بِهِمْ أسْبابُ الضَّلالَةِ مَعَ أنَّهم أهْلُ عِلْمٍ، أيْ عُقُولٍ سَلِيمَةٍ أوْ مَعَ أنَّهم بَلَغَهُمُ العِلْمُ بِما يَهْدِيهِمْ وذَلِكَ بِالقُرْآنِ ودَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى الإسْلامِ.
فَحَرْفُ (عَلى) هُنا مَعْناهُ المُصاحَبَةُ بِمَعْنى (مَعَ) وأصْلُ هَذا المَعْنى اسْتِعارَةُ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ بَيْنَ الوَصْفِ والمَوْصُوفِ. وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ مَعْنًى مِن مَعانِي (عَلى) كَما في قَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
فَيَقِينًا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِينا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ
والمَعْنى: أنَّهُ ضالٌّ مَعَ ما لَهُ مِن صِفَةِ العِلْمِ، فالعِلْمُ هُنا مِن وصْفِ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وهو مُتَمَكِّنٌ مِنَ العِلْمِ لَوْ خَلَعَ عَنْ نَفْسِهِ المُكابَرَةَ والمَيْلَ إلى الهَوى.
صفحة ٣٥٩
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”غِشاوَةً“ بِكَسْرِ الغَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ بَعْدَها ألِفٌ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (غِشْوَةً) بِفَتْحِ الغَيْنِ وسُكُونِ الشِّينِ وهو مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ وهي لُغَةٌ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى الخَتْمِ والغِشاوَةِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الصِّلَةِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ أنْ يَكُونَ غَيْرَ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَهْدِيَهم، والمُرادُ بِهِ تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ لِشِدَّةِ أسَفِهِ لِأغْراضِهِمْ وبَقائِهِمْ في الضَّلالَةِ.
و”مِن بَعْدِ اللَّهِ“ بِمَعْنى: دُونَ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] آخَرَ سُورَةِ الأعْرافِ.
وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِ المُخاطَبِينَ لِهَذِهِ الحَقِيقَةِ، أيْ كَيْفَ نَسَوْها حَتّى ألَحُّوا في الطَّمَعِ بِهِدايَةِ أُولَئِكَ الضّالِّينَ وأسِفُوا لِعَدَمِ جَدْوى الحُجَّةِ لَدَيْهِمْ وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ (مَنِ) المَوْصُولَةَ في قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ عَلى مُعَيَّنٍ فَقالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو جَهْلٍ بِسَبَبِ حَدِيثٍ جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كانا يَطُوفانِ لَيْلَةً فَتَحَدَّثا في شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ إنَّهُ لِصادِقٌ فَقالَ لَهُ المُغِيرَةُ: مَهْ، وما دَلَّكَ عَلى ذَلِكَ، قالَ: كُنّا نُسَمِّيهِ في صِباهُ الصّادِقَ الأمِينَ فَلَمّا تَمَّ عَقْلُهُ وكَمُلَ رُشْدُهُ نُسَمِّيهِ الكَذّابَ الخائِنَ ؟ ! قالَ: فَما يَمْنَعُكَ أنْ تُؤْمِنَ بِهِ ؟ قالَ: تَتَحَدَّثُ عَنِّي بَناتُ قُرَيْشٍ أنِّي قَدْ اتَّبَعْتُ يَتِيمَ أبِي طالِبٍ مِن أجْلِ كِسْرَةٍ، واللّاتِ والعُزّى إنِ اتَّبَعْتُهُ أبَدًا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وإذا صَحَّ هَذا فَإنَّ مُطابَقَةَ القِصَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ ظاهِرَةٌ. وعَنْ مُقاتِلٍ أيْضًا: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ أحَدِ المُسْتَهْزِئِينَ كانَ يَعْبُدُ مِنَ الأصْنامِ ما تَهْواهُ نَفْسُهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في التَّحْذِيرِ مِن أنْ يَكُونَ الهَوى الباعِثَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَتْرُكُوا اتِّباعَ أدِلَّةِ الحَقِّ، فَإذا كانَ الحَقُّ مَحْبُوبًا لِأحَدٍ فَذَلِكَ مِنَ التَّخَلُّقِ بِمَحَبَّةِ الحَقِّ تَبَعًا لِلدَّلِيلِ مِثْلَ ما يَهْوى المُؤْمِنُ الصَّلاةَ والجَماعَةَ وقِيامَ رَمَضانَ وتِلاوَةَ القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ: «أرِحْنا بِها يا بِلالُ» يَعْنِي الإقامَةَ لِلصَّلاةِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
صفحة ٣٦٠
العاصِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: لا «يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُ بِهِ» وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إذا أصْبَحَ الرَّجُلُ اجْتَمَعَ هَواهُ وعَمَلُهُ وعِلْمُهُ فَإنْ كانَ عَمَلُهُ تَبَعًا لِهَواهُ فَيَوْمُهُ يَوْمُ سُوءٍ وإنْ كانَ عَمَلُهُ تَبَعًا لِعِلْمِهِ فَيَوْمُهُ يَوْمٌ صالِحٌ.
وأمّا اتِّباعُ الأمْرِ المَحْبُوبِ لِإرْضاءِ النَّفْسِ دُونَ نَظَرٍ في صَلاحِهِ أوْ فَسادِهِ فَذَلِكَ سَبَبُ الضَّلالِ وسُوءِ السِّيرَةِ.
قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ:
إذا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعامًا يُحِبُّهُ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَ قَلْبًا غاوِيًا حَيْثُ يَمَّما
فَيُوشِكُ أنْ تَلْقى لَهُ الدَّهْرَ سُبَّةً ∗∗∗ إذا ذُكِرَتْ أمْثالُها تَمْلَأُ الفَما
ومِنَ الكَلِماتِ المَأْثُورَةِ «ثَلاثٌ مِنَ المُهْلِكاتِ: شُحٌّ مُطاعٌ، وهَوىً مُتَّبَعٌ، وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ» ويُرْوى حَدِيثًا ضَعِيفَ السَّنَدِ.
وقُدِّمَ السَّمْعُ عَلى القَلْبِ هُنا بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] لِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهم هُنا لَمّا أُخْبِرَ عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا إلَهَهم هَواهم، فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّهم عَقَدُوا قُلُوبَهم عَلى الهَوى فَكانَ ذَلِكَ العَقْدُ صارِفًا السَّمْعَ عَنْ تَلَقِّي الآياتِ فَقُدِّمَ لِإفادَةِ أنَّهم كالمَخْتُومِ عَلى سَمْعِهِمْ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ و”قَلْبِهِ“ تَكْمِيلًا وتَذْكِيرًا بِذَلِكَ العَقْدِ الصّارِفِ لِلسَّمْعِ ثُمَّ ذُكِرَ ما (عَلى بَصَرِهِ) مِن شِبْهِ الغِشاوَةِ لِأنَّ ما عُقِدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ بَصَّرَهُ عَنِ النَّظَرِ في أدِلَّةِ الكائِناتِ.
وأمّا آيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهم هم هَؤُلاءِ أنْفُسُهم ولَكِنَّ الحَدِيثَ عَنْهُمُ ابْتُدِئَ بِتَساوِي الإنْذارِ وعَدَمِهِ في جانِبِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] فَلَمّا أُرِيدَ تَفْصِيلُهُ قُدِّمَ الخَتْمُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهُ الأصْلُ كَما كانَ اتِّخاذُ الهَوى كالإلَهِ أصْلًا في وصْفِ حالِهِمْ في آيَةِ سُورَةِ الجاثِيَةِ. فَحالَةُ القُلُوبِ هي الأصْلُ في الِانْصِرافِ عَنِ التَّلَقِّي والنَّظَرِ في الآيَتَيْنِ ولَكِنَّ نَظْمَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الذِّكْرُ مِنَ التَّرْتِيبِ، ونَظْمُ آيَةِ البَقَرَةِ كانَ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِتَشْدِيدِ الذّالِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ
صفحة ٣٦١
وأصْلُهُ عِنْدَ الجَمِيعِ ”تَتَذَكَّرُونَ“ . فَأمّا الجُمْهُورُ فَقِراءَتُهم بِقَلْبِ التّاءِ الثّانِيَةِ ذالًا لِتُقارُبِ مَخْرَجَيْهِما قَصْدًا لِلتَّخْفِيفِ، وأمّا عاصِمٌ فَقِراءَتُهُ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
45:24Page 501
وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤
And they say, "There is not but our worldly life; we die and live,1 and nothing destroys us except time." And they have of that no knowledge; they are only assuming.
﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾
هَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] أيْ بَعْدَ أنْ جادَلُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّهُ إنْ كانَ يُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ فَسَتَكُونُ عُقْباهم خَيْرًا مِن عُقْبى المُسْلِمِينَ، يَقُولُونَ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّوَرُّكِ وهم لا يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ بَلْ ضَرَبُوهُ جَدَلًا وإنَّما يَقِينُهم قَوْلُهم ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ .
وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] وضَمِيرُ هي ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، أيْ قِصَّةِ الخَوْضِ في البَعْثِ تَنْحَصِرُ في أنْ لا حَياةَ بَعْدَ المَماتِ، أيِ القِصَّةِ هي انْتِفاءُ البَعْثِ كَما أفادَهُ حَصْرُ الأمْرِ في الحَياةِ الدُّنْيا، أيِ الحاضِرَةِ القَرِيبَةِ مِنّا، أيْ فَلا تُطِيلُوا الجِدالَ مَعَنا في إثْباتِ البَعْثِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هي“ ضَمِيرَ الحَياةِ بِاعْتِبارِ دِلالَةِ الِاسْتِثْناءِ عَلى تَقْدِيرِ لَفْظِ الحَياةِ فَيَكُونُ حَصْرًا لِجِنْسِ الحَياةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وجُمْلَةُ ”نَمُوتُ ونَحْيا“ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾“ أيْ لَيْسَ بَعْدَ هَذا العالَمِ عالَمٌ آخَرُ، فالحَياةُ هي حَياةُ هَذا العالَمِ لا غَيْرَ، فَإذا ماتَ مَن كانَ حَيًّا خَلْفَهُ مَن يُوجَدُ بَعْدَهُ. فَمَعْنى ”﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾“ يَمُوتُ بَعْضُنا ويَحْيا بَعْضٌ؛ أيْ يَبْقى حَيًّا إلى أمَدٍ أوْ يُولَدُ بَعْدَ مَن ماتُوا. ولِلدَّلالَةِ عَلى هَذا التَّطَوُّرِ عُبِّرَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ، أيْ تَتَجَدَّدُ فِينا الحَياةُ والمَوْتُ. فالمَعْنى: نَمُوتُ ونَحْيا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ ثَمَّةَ حَياةٌ أُخْرى.
ثُمَّ إنْ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَحْكِيَّةً بِلَفْظِ كَلامِهِمْ فَلَعَلَّها مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ بَيْنَهم، وإنْ كانَتْ حِكايَةً لِمَعْنى كَلامِهِمْ فَهي مِن إيجازِ القُرْآنِ وهم إنَّما قالُوا: يَمُوتُ بَعْضُنا ويَحْيا بَعْضُنا ثُمَّ يَمُوتُ فَصارَ كالمَثَلِ.
صفحة ٣٦٢
ولا يَخْطِرُ بِالبالِ أنَّ حِكايَةَ قَوْلِهِمْ ”نَمُوتُ ونَحْيا“ تَقْتَضِي إرادَةَ نَحْيا بَعْدَ أنْ نَمُوتَ لِأنَّ قَوْلَهم ”ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا“ يَصْرِفُ عَنْ خُطُورِ هَذا بِالبالِ. والعَطْفُ بِالواوِ لا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ في الحُصُولِ.
وإنَّما قُدِّمَ ”نَمُوتُ“ في الذِّكْرِ عَلى ”ونَحْيا“ في البَيانِ مَعَ أنَّ المُبَيَّنَ قَوْلُهم ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا فَكانَ الظّاهِرُ أنْ يُبْدَأ في البَيانِ بِذِكْرِ اللَّفْظِ المُبَيَّنِ فَيُقالَ: نَحْيا ونَمُوتُ، فَقِيلَ قُدِّمَ نَمُوتُ لِتَتَأتّى الفاصِلَةُ بِلَفْظِ نَحْيا مَعَ لَفْظِ الدُّنْيا. وعِنْدِي أنَّ تَقْدِيمَ فِعْلِ نَمُوتُ عَلى نَحْيا لِلِاهْتِمامِ بِالمَوْتِ في هَذا المَقامِ لِأنَّهم بِصَدَدِ تَقْرِيرِ أنَّ المَوْتَ لا حَياةَ بَعْدَهُ ويَتْبَعُ ذَلِكَ الِاهْتِمامَ تَأتِّي طِباقَيْنِ بَيْنَ حَياتِنا الدُّنْيا ونَمُوتُ ثُمَّ بَيْنَ نَمُوتُ ونَحْيا. وحَصَلَتِ الفاصِلَةُ تَبَعًا، وذَلِكَ أدْخَلُ في بَلاغَةِ الإعْجازِ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ فالإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾، أيْ لا عِلْمَ لَهم بِأنَّ الدَّهْرَ هو المُمِيتُ إذْ لا دَلِيلَ.
وأمّا زِيادَةُ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ فَقَصَدُوا تَأْكِيدَ مَعْنى انْحِصارِ الحَياةِ والمَوْتِ في هَذا العالَمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ عِنْدَهم بِالدَّهْرِ. فالحَياةُ بِتَكْوِينِ الخِلْقَةِ والمَماتِ بِفِعْلِ الدَّهْرِ. فَكَيْفَ يُرْجى لِمَن أهْلَكَهُ الدَّهْرُ أنْ يَعُودَ حَيًّا فالدَّهْرُ هو الزَّمانُ المُسْتَمِرُّ المُتَعاقِبُ لَيْلُهُ ونَهارُهُ.
والمَعْنى: أحْياؤُنا يَصِيرُونَ إلى المَوْتِ بِتَأْثِيرِ الزَّمانِ، أيْ حِدْثانِهِ مِن طُولِ مُدَّةٍ يَعْقُبُها المَوْتُ بِالشَّيْخُوخَةِ، أوْ مِن أسْبابٍ تُفْضِي إلى الهَلاكِ، وأقْوالُهم في هَذا كَثِيرَةٌ ومِنَ الشِّعْرِ القَدِيمِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ قَمِيئَةَ:
رَمَتْنِي بَناتُ الدَّهْرِ مِن حَيْثُ لا أرى فَما بالُ مَن يُرْمى ولَيْسَ بِرامِ
ولَعَلَّهم يُرِيدُونَ أنَّهُ لَوْ تَأثَّرَ الزَّمانُ لَبَقِيَ النّاسُ أحْياءً كَما قالَ أُسْقُفُ نَجْرانَ:
مَنَعَ البَقاءَ تَقَلُّبُ الشَّمْسِ ∗∗∗ وطُلُوعُها مِن حَيْثُ لا تُمْسِي
فَلَمّا كانَ المَوْتُ بِفِعْلِ الدَّهْرِ فَكَيْفَ يُرْجى أنْ يَعُودُوا أحْياءً.
وهَذِهِ كَلِماتٌ كانَتْ تَجْرِي عَلى ألْسِنَتِهِمْ لِقِلَّةِ التَّدَبُّرِ في الأُمُورِ وإنْ كانُوا
صفحة ٣٦٣
يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ لِلْعَوالِمِ، وأمّا ما يَجْرِي في العالَمِ مِنَ التَّصَرُّفاتِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم فِيهِ رَأْيٌ وكَيْفَ وحالَتُهُمُ الأُمِّيَّةُ لا تُساعِدُ عَلى ذَلِكَ، وكانُوا يُخْطِئُونَ في التَّفاصِيلِ حَتّى يَأْتُوا بِما يُناقِضُ ما يَعْتَقِدُونَهُ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ فَإشارَةٌ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ أيْ لا عِلْمَ لَهم بِأنَّ الدَّهْرَ هو المُمِيتُ إذْ لا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ فَإنَّ الدَّلِيلَ النَّظَرِيَّ بَيَّنَ أنَّ الدَّهْرَ وهو الزَّمانُ لَيْسَ بِمُمِيتٍ مُباشَرَةً وهو ظاهِرٌ ولا بِواسِطَةٍ في الإماتَةِ إذِ الزَّمانُ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا يَفْعَلُ ولا يُؤَثِّرُ وإنَّما هو مَقادِيرُ يُقَدِّرُ بِها النّاسُ الأبْعادَ بَيْنَ الحَوادِثِ مَرْجِعُهُ إلى تَقْدِيرِ حِصَّةِ النَّهارِ واللَّيْلِ وحِصَصِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وإنَّما تَوَهَّمَ عامَّةُ النّاسِ أنَّ الزَّمانَ مُتَصَرِّفٌ، وهي تَوَهُّماتٌ شاعَتْ حَتّى اسْتَقَرَّتْ في الأذْهانِ السّاذِجَةِ.
والمُرادُ بِالظَّنِّ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ما لَيْسَ بِعِلْمٍ فَهو هُنا التَّخَيُّلُ والتَّوَهُّمُ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ مُبَيَّنَةُ بِجُمْلَةِ ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا حِينَ سَمِعَ قَوْلَهُ ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ سَألَ عَنْ مُسْتَنَدِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ الظَّنُّ المَبْنِيُّ عَلى التَّخَيُّلِ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في ”يَظُنُّونَ“ لِأنَّهم يُحَدِّدُونَ هَذا الظَّنَّ ويَتَلَقّاهُ صَغِيرُهم عَنْ كَبِيرِهِمْ في أجْيالِهِمْ وما هم بِمُقْلِعِينَ عَنْهُ.
45:25Page 501
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥
And when Our verses are recited to them as clear evidences, their argument is only that they say, "Bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، أيْ عَقَدُوا عَلى عَقِيدَةِ أنْ لا حَياةَ بَعْدَ المَماتِ اسْتِنادًا لِلْأوْهامِ والأقْيِسَةِ الخَيالِيَّةِ. وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُ القُرْآنِ الواضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وعَلى لُزُومِهِ لَمْ يُعارِضُوها بِما يُبْطِلُها بَلْ يُهْرَعُونَ إلى المُباهَتَةِ فَيَقُولُونَ إنْ كانَ البَعْثُ حَقًّا فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ صَدَقْتُمْ. فالمُرادُ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ المُتَعَلِّقَةُ بِالبَعْثِ بِدَلِيلِ ما قَبْلَ الكَلامِ وما بَعْدَهُ.
صفحة ٣٦٤
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالتَّلَجْلُجِ عَنِ الحُجَّةِ البَيِّنَةِ، والمَصِيرِ إلى سِلاحِ العاجِزِ مِنَ المُكابَرَةِ والخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ البَحْثِ.
والخِطابُ بِفِعْلِ ائْتُوا مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِدُخُولِ الرَّسُولِ ﷺ . و”إلّا أنْ قالُوا“ اسْتِثْناءٌ مِن حُجَّتِهِمْ وهو يَقْتَضِي تَسْمِيَةَ كَلامِهِمْ هَذا حُجَّةً وهو لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذْ هو بِالبُهْتانِ أشْبَهُ فَإمّا أنْ يَكُونَ إطْلاقُ اسْمِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكم قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا
فَسَمّى القَتْلَ قِرًى، وعَلى هَذا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا تَهَكُّمًا، وإمّا أنْ يَكُونَ إطْلاقُ اسْمِ الحُجَّةِ عَلى كَلامِهِمْ جَرى عَلى اعْتِقادِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ دُونَ قَصْدِ تَهَكُّمٍ بِهِمْ، أيْ أتَوْا بِما تَوَهَّمُوهُ حُجَّةً فَيَكُونُ الإطْلاقُ اسْتِعارَةً صُورِيَّةً والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ أيْضًا.
وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْلاقُ اسْتِعارَةً بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا بِتَنْزِيلِ التَّضادِّ مَنزِلَةَ التَّناسُبِ عَلى قَصْدِ التَّهَكُّمِ فَيَكُونُ المَعْنى أنْ لا حُجَّةَ لَهم ألْبَتَّةَ إذْ لا حُجَّةَ لَهم إلّا هَذِهِ، وهَذِهِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ بَلْ هي عِنادٌ فَيَحْصُلُ أنْ لا حُجَّةَ لَهم بِطَرِيقِ التَّلْمِيحِ والكِنايَةِ كَقَوْلِ جِرانِ العَوْدِ:
وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
أيْ لا أُنْسَ بِها ألْبَتَّةَ.
ويُقَدَّرُ قَوْلُهُ ﴿أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ عَلى الِاعْتِباراتِ الثَّلاثَةِ فَهو اسْمُ كانَ و”حُجَّتُهم“ خَبَرُها لِأنَّ حُجَّتَهم مَنصُوبٌ في قِراءَةِ جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ.
وتَقْدِيمُ خَبَرِ كانَ عَلى اسْمِها لِأنَّ اسْمَها مَحْصُورٌ بِـ (إلّا) فَحَقُّهُ التَّأْخِيرُ عَنِ الخَبَرِ.
45:26Page 501
قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٦
Say, "Allāh causes you to live, then causes you to die; then He will assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt, but most of the people do not know."
صفحة ٣٦٥
﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
تَلْقِينٌ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] يَتَضَمَّنُ إبْطالَ قَوْلِهِمْ ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] .
والمَقْصُودُ مِنهُ قَوْلُهُ ثُمَّ يُمِيتُكم وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ يُحْيِيكم تَوْطِئَةً لَهُ، أيْ كَما هو أوْجَدَكم هو يُمِيتُكم لا الدَّهْرُ، فَتَقْدِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَلى المَسْنَدِ الفِعْلِيِّ وهو ”﴿يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾“ يُفِيدُ تَخْصِيصَ الإحْياءِ والإماتَةِ بِهِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ، إنَّ الدَّهْرَ هو الَّذِي يُمِيتُهم.
وقَوْلُهُ ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا ولَيْسَ هو إبْطالًا بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لِأنَّ أدِلَّةَ هَذا تَكَرَّرَتْ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فاسْتُغْنِيَ عَنْ تَفْصِيلِها ولَكِنَّهُ إبْطالٌ بِطَرِيقِ الإجْمالِ والمُعارَضَةِ.
وقَوْلُهُ ”لا رَيْبَ فِيهِ“ حالٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ لا رَيْبَ في وُجُودِهِ بِما يَقْتَضِيهِ مِن إحْياءِ الأمْواتِ، ومَعْنى نَفْيِ الرَّيْبِ فِيهِ أنَّهُ حَقِيقَةُ الرَّيْبِ وهي الَّتِي تَتَقَوَّمُ مِن دَلائِلَ تُفْضِي إلى الشَّكِّ مُنْتَفِيَةً عَنْ قَضِيَّةِ وُقُوعِ يَوْمِ القِيامَةِ بِكَثْرَةِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى إمْكانِهِ وعَلى أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ أعْجَبَ مِن بَدْءِ الخَلْقِ، وأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِوُقُوعِهِ. فَكانَ الشَّكُّ فِيهِ جَدِيرًا بِالِاقْتِلاعِ فَكَأنَّهُ مَعْدُومٌ. وهَذا كَما «قالَ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» مَعَ أنَّهم مَوْجُودُونَ فَأرادَ أنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ حَقِيقٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعُطِفَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ ولَكِنَّ ارْتِيابَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِيهِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ دَلائِلَ وُقُوعِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences