Ibn 'AshurAl‑Ahqaf · 46:1–8

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الأحقاف

Al-Ahqaf

The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs

46:1–2Page 502

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

﴿حم﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في أوَّلِ سُورَةِ غافِرٍ.

وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِثْلُ نَظائِرِها مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ مِن سُوَرِ القُرْآنِ.

* * *

﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في أوَّلِ الجاثِيَةِ.

46:3Page 502

مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣

We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.

﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾

لَمّا كانَ مِن أهَمِّ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ إثْباتُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وإثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ - لِتَوَقُّفِ حُصُولِ فائِدَةِ الإنْذارِ عَلى إثْباتِهِما - جُعِلَ قَوْلُهُ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] تَمْهِيدًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ والجَزاءِ، فَجُعِلَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ مَحَلَّ اتِّفاقٍ، ورُتِّبَ عَلَيْهِ أنَّهُ ما كانَ ذَلِكَ الخَلْقُ إلّا مُلابِسًا لِلْحَقِّ، وتَقْتَضِي مُلابَسَتُهُ لِلْحَقِّ أنَّهُ لا يَكُونُ خَلْقًا عَبَثًا، بَلْ هو دالٌّ عَلى أنَّهُ يَعْقُبُهُ جَزاءٌ عَلى ما يَفْعَلُهُ المَخْلُوقُونَ.

واسْتِثْناءُ ”بِالحَقِّ“ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ، أيْ ما خَلَقْناهُما إلّا في حالَةِ المُصاحَبَةِ لِلْحَقِّ.

وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ بِالحَقِّ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الحالِ

صفحة ٨

التَّعْجِيبُ مِنهم ولَيْسَ ذَلِكَ عَطْفًا لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالإعْراضِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ إذْ هو مَعْلُومٌ، والتَّقْدِيرُ: إلّا خَلْقًا كائِنًا بِمُلابَسَةِ الحَقِّ في حالِ إعْراضِ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا بِهِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الخَلْقُ بِالحَقِّ.

وصاحِبُ الحالِ هو ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾، والمَعْنى: ما خَلَقْناهُما إلّا في حالَةِ مُلابَسَةِ الحَقِّ لَهُما وتَعْيِينِ أجْلٍ لَهُما. وإعْراضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا بِهِ مِن آياتِ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُهم بِما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن مُلابَسَةِ الحَقِّ.

وعَطْفُ ”وأجَلٍ مُسَمًّى“ عَلى ”بِالحَقِّ“ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى مَلائِكَتِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ومَلائِكَتِهِ وجِبْرِيلِ ومِيكائِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ، لِأنَّ دَلالَةَ الحُدُوثِ عَلى قَبُولِ الفَناءِ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ فَهي مِمّا يَقْتَضِيهِ الحَقُّ، وأنَّ تَعَرُّضَ السَّماواتِ والأرْضِ لِلْفَناءِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ لِأنَّ انْعِدامَ هَذا العالَمِ يَقْتَضِي بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ يَخْلُفَهُ عالَمٌ آخَرُ أعْظَمُ مِنهُ، عَلى سُنَّةِ تُدَرُّجِ المَخْلُوقاتِ في الكَمالِ، وقَدْ كانَ ظَنُّ الدَّهْرِيِّينَ قِدَمَ هَذا العالَمِ وبَقاءَهُ أكْبَرَ شُبْهَةٍ لَهم في إنْكارِهِمُ البَعْثَ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] . فالدَّهْرُ عِنْدَهم مُتَصَرِّفٌ وهو باقٍ غَيْرُ فانٍ، فَلَوْ جَوَّزُوا فَناءَ هَذا العالَمِ لَأمْكَنَ نُزُولُهم إلى النَّظَرِ في الأدِلَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي حَياةً ثانِيَةً. فَجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ مُرْتَبِطَةٌ بِالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ”إلّا بِالحَقِّ“ أيْ هم مُعْرِضُونَ عَمّا أُنْذِرُوا بِهِ مِن وعِيدِ يَوْمِ البَعْثِ.

وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ بِـ ”أُنْذِرُوا“ . والتَّقْدِيرُ: عَمّا أُنْذِرُوهُ مُعْرِضُونَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً فَلا يُقَدَّرُ بَعْدَها ضَمِيرٌ. والتَّقْدِيرُ عَنْ إنْذارِهِمْ مُعْرِضُونَ فَشَمِلَ كُلَّ إنْذارٍ أُنْذِرُوهُ.

وتَقْدِيمُ ”عَمّا أُنْذِرُوا“ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو ”مُعْرِضُونَ“ لِلِاهْتِمامِ بِما أُنْذِرُوا، ويَتْبَعُ ذَلِكَ رِعايَةُ الفاصِلَةِ.

صفحة ٩

46:4Page 502

قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤

Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

انْتَقَلَ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ عَنْ أصْنامِهِمْ.

فَجُمْلَةُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾ أمْرٌ بِإلْقاءِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِ الإشْراكِ، وهو أصْلُ ضَلالِهِمْ.

وجاءَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِأُسْلُوبِ المُناظَرَةِ فَجُعِلَ النَّبِيُّ ﷺ مُواجِهًا لَهم بِالِاحْتِجاجِ لِيَكُونَ إلْجاءً لَهم إلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ حُجَّتِهِ، وكَذَلِكَ جَرى الِاحْتِجاجُ بَعْدَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِطَرِيقَةِ أمْرِ التَّعْجِيزِ بِقَوْلِهِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ﴾ الآيَةَ. و”أرَأيْتُمُ“ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ فَهو كِنايَةٌ عَنْ مَعْنى: أخْبِرُونِي، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] .

وقَوْلُهُ ”أرُونِي“ تَصْرِيحٌ بِما كَنّى عَنْهُ طَرِيقُ التَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ ﴿أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾، ومُوقِعُ جُمْلَةِ ”أرُونِي“ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ أرَأيْتُمْ.

والأمْرُ في ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْخِيرِ والتَّعْجِيزِ، كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ إنْ لَمْ يَخْلُقُوا مِنَ الأرْضِ شَيْئًا فَلا تَسْتَطِيعُوا أنْ تُرُونِي شَيْئًا خَلَقُوهُ في الأرْضِ، وهَذا مِن رُءُوسِ مَسائِلِ المُناظَرَةِ، وهو مُطالَبَةُ المُدَّعِي بِالدَّلِيلِ عَلى إثْباتِ دَعْواهُ.

و”ماذا“ بِمَعْنى ما الَّذِي خَلَقُوهُ، فَـ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي. وأصْلُهُ اسْمُ إشارَةٍ نابَ عَنِ المَوْصُولِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: ما ذا الَّذِي خَلَقُوا، فاقْتَصَرَ عَلى اسْمِ الإشارَةِ. وحَذْفُ اسْمِ المَوْصُولِ غالِبٌ في الكَلامِ وقَدْ يَظْهَرُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . ولِهَذا قالَ النُّحاةُ: إنَّ (ذا) بَعْدَ (ما) أوَ (مَن) الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ بِمَنزِلَةِ (ما) المَوْصُولَةِ.

والِاسْتِفْهامُ في ماذا خَلَقُوا إنْكارِيٌّ. وجُمْلَةُ ”ماذا خَلَقُوا“ بَدَلٌ مِن

صفحة ١٠

جُمْلَةِ ”أرُونِي“ وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِوُرُودِ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ بَعْدَهُ، وإذا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الأرْضِ مَخْلُوقًا لَهم بَطَلَ أنْ يَكُونُوا آلِهَةً لِخُرُوجِ المَخْلُوقاتِ عَنْ خَلْقِهِمْ، وإذا بَطَلَ أنْ يَكُونَ لَها خَلْقٌ بَطَلَ أنْ يَكُونَ لَها تَصَرُّفٌ في المَخْلُوقاتِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] في سُورَةِ الأعْرافِ.

و(أمْ) حَرْفُ إضْرابٍ انْتِقالِيٍّ. والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) المُنْقَطِعَةِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ أيْ: لَيْسَ لَهم شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ في السَّماواتِ.

وإنَّما أُوثِرَ انْتِفاءُ الشَّرِكَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّرِكَةِ في السَّماواتِ دُونَ انْتِفاءِ الخَلْقِ كَما أُوثِرَ انْتِفاءُ الخَلْقِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ لِأنَّ مَخْلُوقاتِ الأرْضِ مُشاهَدَةٌ لِلنّاسِ، ظاهِرٌ تَطَوُّرُها وحُدُوثُها، وأنْ لَيْسَ لِما يَدْعُونَهم دُونَ اللَّهِ أدْنى عَمَلٍ في إيجادِها، وأمّا المَوْجُوداتُ السَّماوِيَّةُ فَهي مَحْجُوبَةٌ عَنِ العُيُونِ لا عَهْدَ لِلنّاسِ بِظُهُورِ وجُودِها ولا تَطَوُّرِها، فَلا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلالُ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ الأصْنامِ في إيجادِ شَيْءٍ مِنها، ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَدَعِ المُشْرِكُونَ تَصَرُّفًا لِلْأصْنامِ إلّا في أحْوالِ النّاسِ في الأرْضِ مِن جَلْبِ نَفَّعٍ أوْ دَفَعِ ضُرٍّ اقْتَصَرَ في نَفْيِ تَصَرُّفِهِمْ في السَّماواتِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لِلْأصْنامِ شَرِكَةٌ في أُمُورِ السَّماواتِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ ذَلِكَ لا يُنازِعُونَ فِيهِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فاطِرٍ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٤٠] الآيَةَ، فانْظُرْ ذَلِكَ.

ثُمَّ انْتَقَلَ مِن الِاسْتِدْلالِ بِالمُشاهَدَةِ وبِالإقْرارِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالأخْبارِ الصّادِقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ إلَخْ.

فَجُمْلَةُ ”ائْتُونِيِ بِكِتابٍ“ في مَوْقِعِ مَفْعُولٍ ثانٍ لِفِعْلِ ”أرَأيْتُمْ“، كُرِّرَ كَما يَتَعَدَّدُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ومَناطُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ اسْتِدْلالٌ عَلى إبْطالِ دَعْوى المُدَّعِي بِانْعِدامِ الحُجَّةِ عَلى دَعْواهُ، ويُسَمّى الإفْحامَ كَما تَقَدَّمَ. والمَعْنى: نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ عَلى إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لا بِتَأْثِيرِها في المَخْلُوقاتِ، ولا بِأقْوالِ الكُتُبِ، فَهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] .

والمُرادُ بِـ ”كِتابٍ“ أيْ كِتابٌ مِنَ الكُتُبِ المَقْرُوءَةِ. وهَذا قاطِعٌ لَهم فَإنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ ادِّعاءَ أنَّ لِأصْنامِهِمْ في الكُتُبِ السّابِقَةِ ذِكْرًا غَيْرَ الإبْطالِ والتَّحْذِيرِ مِن عِبادَتِها، فَلا يُوجَدُ في الكُتُبِ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا إبْطالُ عِبادَةِ الأصْنامِ كَما في

صفحة ١١

الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وإمّا عَدَمُ ذِكْرِها البَتَّةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ .

والإتْيانُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْضارِ ولَوْ كانَ في مَجْلِسِهِمْ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فائْتُوا بِسُورَةٍ مِن مَثَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”مِن قَبْلِ هَذا“ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ حاضِرٌ في أذْهانِ أصْحابِ المُحاجَّةِ فَإنَّهُ يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ مُعاوَدَةً.

ووَجْهُ تَخْصِيصِ الكِتابِ بِوَصْفِ أنْ يَكُونَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ؛ لِيَسُدَّ عَلَيْهِمْ بابَ المُعارَضَةِ بِأنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ يُصْنَعُ لَهم، كَما قالُوا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] .

و”أثارَةٍ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ. والمَعْنى: أوْ بَقِيَّةٌ بَقِيَتْ عِنْدَكم تَرْوُونَها عَنْ أهْلِ العِلْمِ السّابِقِينَ غَيْرُ مَسْطُورَةٍ في الكُتُبِ. وهَذا تَوْسِيعٌ عَلَيْهِمْ في أنْواعِ الحُجَّةِ لِيَكُونَ عَجْزُهم عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أقْطَعَ لِدَعْواهم.

وفِي قَوْلِهِ ”إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ“ إلْهابٌ وإفْحامٌ لَهم بِأنَّهم غَيْرُ آتِينَ بِحُجَّةٍ لا مِن جانِبِ العَقْلِ، ولا مِن جانِبِ النَّقْلِ المَسْطُورِ أوِ المَأْثُورِ، وقَدْ قالَ - تَعالى - في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] .

46:5–6Page 502

وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥

And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.

وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦

And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.

﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ في أثْناءِ تَلْقِينِ الِاحْتِجاجِ، فَلَمّا أمَرِ اللَّهُ - تَعالى - رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُحاجَّهم بِالدَّلِيلِ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ وضَلالِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ إلَخْ. لا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ مِن جانِبِ اللَّهِ.

و”مَنِ“ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.

والمَعْنى: لا أحَدًَا أشَدُّ ضَلالًا وأعْجَبُ حالًا مِمَّنْ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ دُعاءَهُ فَهو أقْصى حَدٍّ مِنَ الضَّلالَةِ.

صفحة ١٢

ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم ضَلُّوا عَنْ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وادَّعُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ بِلا دَلِيلٍ، واخْتارُوا الشُّرَكاءَ مِن حِجارَةٍ، وهي أبْعَدُ المَوْجُوداتِ عَنْ قَبُولِ صِفاتِ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ والتَّصَرُّفِ، ثُمَّ يَدْعُونَها في نَوائِبِهِمْ، وهم يُشاهِدُونَ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تُجِيبُ، ثُمَّ سَمِعُوا آياتِ القُرْآنِ تُوَضِّحُ لَهُمُ الذِّكْرى بِنَقائِصِ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِها وزَعَمُوا أنَّها سِحْرٌ ظاهِرٌ، فَكانَ ضَلالُهم أقْصى حَدٍّ في الضَّلالِ.

و(﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾) الأصْنامُ عُبِّرَ عَنِ الأصْنامِ بِاسْمِ المَوْصُولِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ مُعامَلَةً لِلْجَمادِ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ؛ إذْ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى أُولِي العِلْمِ مِنَ الغَفْلَةِ، ولِأنَّهُ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إجْراؤُها مَجْرى العُقَلاءِ فَكَثُرَتْ في القُرْآنِ مُجاراةُ اسْتِعْمالِهِمْ في ذَلِكَ، ومِثْلُ هَذا جَعْلُ ضَمائِرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ ”وهم“ وقَوْلِهِ ”غافِلُونَ“ وهي عائِدَةٌ إلى مَن لا يَسْتَجِيبُ.

وجَعْلُ يَوْمِ القِيامَةِ غايَةً لِانْتِفاءِ الِاسْتِجابَةِ - كِنايَةٌ عَنِ اسْتِغْراقِ مُدَّةِ بَقاءِ الدُّنْيا. وعُبِّرَ عَنْ نِهايَةِ الحَياةِ الدُّنْيا بِـ ”يَوْمِ القِيامَةِ“ لِأنَّ المُواجَهَ بِالخَبَرِ هو الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ كَما عَلِمَتْ وهم يَثْبُتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

وضَمِيرا ”أكانُوا“ في المَوْضِعَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَعُودا إلى مَن يَدْعُو مَن دُونِ اللَّهِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يُعادُونَ أصْنامَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَجِدُونَها مِن أسْبابِ شَقائِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودا إلى مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ فَإنَّ الأصْنامَ يَجُوزُ أنْ تُعْطى حَياةً يَوْمَئِذٍ فَتَنْطِقُ بِالتَّبَرِّي مِن عُبّادِها ومِن عِبادَتِهِمْ إيّاها، قالَ - تَعالى - ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ جارِيًا عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ لِمُشابَهَتِها لِلْأعْداءِ والمُنْكِرِينَ لِلْعِبادَةِ في دَلالَتِها عَلى ما يُفْضِي إلى شَقائِهِمْ وكَذِبِهِمْ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] .

وعَطْفُ جُمْلَةِ وإذا حُشِرَ النّاسُ إلَخْ عَلى ما قَبْلَها لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ.

صفحة ١٣

ومِن بَدِيعِ تَفَنُّنِ القُرْآنِ تَوْزِيعُ مُعادِ الضَّمائِرِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ تَماثُلِها في اللَّفْظِ وهَذا يَتَدَرَّجُ في مُحَسِّنِ الجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ وأدَقُّ.

46:7Page 503

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥]، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذا مَسُوقٌ مَساقَ العَدِّ لِوُجُوهِ فَرْطِ ضَلالِهِمْ فَإنَّ آياتِ القُرْآنِ تُتْلى عَلَيْهِمْ صَباحَ مَساءَ تُبَيِّنُ لَهم دَلائِلَ خُلُوِّ الأصْنامِ عَنْ مُقَوِّماتِ الإلَهِيَّةِ فَلا يَتَدَبَّرُونَها وتَحْدُو بِهِمْ إلى الحَقِّ فَيُغالِطُونَ أنْفُسَهم بِأنَّ ما فَهِمُوهُ مِنها تَأثُّرٌ سِحْرِيٌّ، وأنَّها سِحْرٌ، ولَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ بَلْ زادُوا بُهْتانًا فَزَعَمُوا أنَّهُ مُبِينٌ، أيْ واضِحٌ كَوْنُهُ سِحْرًَا.

وهَذا انْتِقالٌ إلى إبْطالِ ضَلالٍ آخَرَ مِن ضَلالِهِمْ وهو ضَلالُ التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١] إلَخْ.

وقَوْلُهُ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ وبِأنَّهُ سَبَبُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلْحَقِّ“ لامُ العِلَّةِ ولَيْسَتْ لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ إلى المَقُولِ لَهُ أيْ قالَ بَعْضُ الكافِرِينَ لِبَعْضٍ في شَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا ومَن أُجِّلَ إيمانُهم.

والحَقُّ: هو الآياتُ، فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الآياتِ إلى إظْهارِ لَفْظِ الحَقِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها حَقٌّ، وأنَّ رَمْيَها بِالسِّحْرِ بُهْتانٌ عَظِيمٌ. ”ولِما جاءَهم“ تَوْقِيتٌ لِمَقالَتِهِمْ، أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِفَوْرِ سَماعِ الآياتِ وكُلَّما جاءَتْهم، أيْ دُونَ تَدَبُّرٍ ولا إجالَةِ فِكْرٍ.

46:8Page 503

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨

Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهْوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

إضْرابُ انْتِقالٍ إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن ضَلالِ أقْوالِهِمْ.

صفحة ١٤

وسَلَكَ في الِانْتِقالِ مَسْلَكَ الإضْرابِ دُونَ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ بِالواوِ؛ لِأنَّ الإضْرابَ يُفِيدُ أنَّ الغَرَضَ الَّذِي سَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِما قَبْلَهُ، وأنَّ المَعْنى: دَعْ قَوْلَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، واسْتَمِعْ لِما هو أعْجَبُ وهو قَوْلُهُمُ افْتَراهُ، أيِ افْتَرى نِسْبَتَهُ إلى اللَّهِ ولَمْ يُرِدْ بِهِ السِّحْرَ.

والِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) لِلْإنْكارِ عَلى مَقالَتِهِمْ.

والنَّفْيُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ يَتَسَلَّطُ عَلى سَبَبِ الإنْكارِ، أيْ كَوْنُ القُرْآنِ مُفْتَرًى ولَيْسَ مُتَسَلِّطًا عَلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ صادِرٌ مِنهم وإنَّما المَنفِيُّ الِافْتِراءُ المَزْعُومُ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ في قَوْلِهِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٧]، أوْ إلى القُرْآنِ لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ، أيِ افْتَرى القُرْآنَ فَزَعَمَ أنَّهُ وحْيٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وقَدْ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِجَوابِ مَقالَتِهِمْ بِما يَقْلَعُها مِن جَذْرِها، فَكانَ قَوْلُهُ - تَعالى - ”قُلْ“ جُمْلَةً جارِيَةً مَجْرى جَوابِ المُقاوَلَةِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُعِلَ الِافْتِراءُ مَفْرُوضًا بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ شَرْطُهُ نادِرَ الوُقُوعِ إشارَةً إلى أنَّهُ مَفْرُوضٌ في مَقامٍ مُشْتَمِلٍ عَلى دَلائِلَ تَقْلَعُ الشَّرْطَ مِن أصْلِهِ.

وانْتَصَبَ ”شَيْئًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”تَمْلِكُونَ“، أيْ شَيْئًا يُمْلَكُ، أيْ يُسْتَطاعُ، والمُرادُ: شَيْءٌ مِنَ الدَّفْعِ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي شَيْئًا يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لا ”أمْلِكُ شَيْئًا“ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ.

والتَّقْدِيرُ: إنِ افْتَرَيْتُهُ عاقَبَنِي اللَّهُ مُعاقَبَةً لا تَمْلِكُونَ رَدَّها. فَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ دَلِيلٌ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ في الكَلامِ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ، لِأنَّ مَعْنى لا تَمْلِكُونَ لِي لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ ضُرِّ اللَّهِ عَنِّي، فاقْتَضى أنَّ المَعْنى: إنِ افْتَرَيْتُهُ عاقَبَنِي اللَّهُ ولا تَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ عِقابِهِ.

واعْلَمْ أنَّ الشّائِعَ في اسْتِعْمالِ لا أمْلِكُ لَهُ شَيْئًا ونَحْوِهِ أنْ يُسْنِدَ فِعْلُ

صفحة ١٥

المِلْكِ إلى الَّذِي هو مَظِنَّةٌ لِلدَّفْعِ عَنْ مَدْخُولِ اللّامِ المُتَعَلِّقَةِ بِفِعْلِ المِلْكِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨] وقَوْلِهِ ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤]، أوْ أنْ يُسْنَدَ إلى عامٍّ، نَحْوُ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، فَإسْنادُ فَعْلِ المِلْكِ في هَذِهِ الآيَةِ إلى المُخاطِبِينَ وهم أعْداءُ النَّبِيءِ ﷺ ولَيْسُوا بِمَظِنَّةِ أنْ يَدْفَعُوا عَنْهُ، لِأنَّهم نَصَّبُوا أنْفُسَهم في مَنصِبِ الحَكَمِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَجَزَمُوا بِأنَّهُ افْتَرى القُرْآنَ فَحالُهم حالُ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَرُدَّ مُرادَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

واعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُلازِمَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ أحَدًا عَلى أنْ يُبَلِّغَ إلى النّاسِ شَيْئًا عَنِ اللَّهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَبْلِيغِهِ، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤] . ولَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أنَّ التَّقَوُّلَ عَلى اللَّهِ يُفْضِي إلى فَسادٍ عَظِيمٍ يَخْتَلُّ بِهِ نِظامُ الخَلْقِ، واللَّهُ يَغارُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَجْلِبُها المَظالِمُ والعَبَثُ في الأرْضِ لِأنَّ ذَلِكَ إقْدامٌ عَلى ما هو مَعْلُومُ الفَسادِ لا يَخْفى عَلى النّاسِ فَهم يَدْفَعُونَهُ بِما يَسْتَطِيعُونَ مِن حَوْلٍ وقُوَّةٍ، أوْ حِيلَةٍ ومُصانَعَةٍ. وأمّا التَّقَوُّلُ عَلى اللَّهِ فَيُوقِعُ النّاسَ في حَيْرَةٍ بِماذا يَتَلَقَّوْنَهُ فَلِذَلِكَ لا يُقِرُّهُ اللَّهُ ويُزِيلُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي﴾ تَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى أنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ أحَدٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِحالِ مَن يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ وما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ. وذَلِكَ هو ما يَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ والقَدْحِ والوَصْفِ بِالسِّحْرِ أوْ بِالِافْتِراءِ أوْ بِالجُنُونِ، فَماصَدَقُ (ما) المَوْصُولَةِ القُرْآنُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ الظّاهِرُ في افْتَراهُ أوِ الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في افْتَراهُ، أوْ مَجْمُوعُ أحْوالِ الرَّسُولِ ﷺ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها مُخْتَلَفُ خَوْضِهِمْ. ومُتَعَلِّقُ اسْمِ التَّفْضِيلِ مَحْذُوفٌ، أيْ هو أعْلَمُ مِنكم. والإفاضَةُ في الحَدِيثِ: الخَوْضُ فِيهِ والإكْثارُ مِنهُ وهي مَنقُولَةٌ مِن: فاضَ الماءُ؛ إذا سالَ. ومِنهُ حَدِيثٌ مُسْتَفِيضٌ مُشْتَهِرٌ شائِعٌ، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِحالِ ما تُفِيضُونَ فِيهِ.

صفحة ١٦

وجُمْلَةُ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ لِأنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِهِ أعْلَمَ مِنهم بِكُنْهِ ما يُفِيضُونَ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى تَفْوِيضِ الحُكْمِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم إلى اللَّهِ - تَعالى - . وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم وتَحْذِيرٌ مِنَ الخَوْضِ في الباطِلِ ووَعِيدٌ.

والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، أيِ المُخْبِرُ بِالواقِعِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الحاكِمُ بِما يَعْلَمُهُ مِن حالِنا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكم“ لِأنَّ الحُكْمَ يَكُونُ بَيْنَ خَصْمَيْنِ ولا تَكُونُ الشَّهادَةُ بَيْنَهُما بَلْ لِأحَدِهِما قالَ - تَعالى - ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .

وإجْراءُ وصْفَيِ ”الغَفُورِ الرَّحِيمِ“ عَلَيْهِ - تَعالى - اقْتَضاهُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وهو تَعْرِيضٌ بِطَلَبِ الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ مِنَ الخَوْضِ بِالباطِلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском