Ibn 'AshurMuhammad · 47:12–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:12–15

47:12Page 508

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢

Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانَيٌّ جَوابُ سُؤالٍ يُخْطَرُ بِبالِ سامِعِ قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وعَنْ رِزْقِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ مِن وِلايَتِهِ المُؤْمِنِينَ أنْ يُعْطِيَهُمُ النَّعِيمَ الخالِدَ بَعْدَ النَّصْرِ في الدُّنْيا، وأنَّ ما أعْطاهُ الكافِرِينَ في الدُّنْيا لا عِبْرَةَ بِهِ لِأنَّهم مَسْلُوبُونَ مِن فَهْمِ الإيمانِ فَحَظُّهم مِنَ الدُّنْيا أكْلٌ وتَمَتُّعٌ كَحَظِّ الأنْعامِ، وعاقِبَتُهم في عالَمِ الخُلُودِ العَذابُ، فَقَوْلُهُ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .

وهَذا الِاسْتِئْنافُ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [محمد: ١٠] وجُمْلَةُ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ [محمد: ١٣] الآيَةَ.

والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ﴿كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ في مَحَلِّ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَأْكُلُونَ“، أوْ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ ”يَأْكُلُونَ“ لِبَيانِ نَوْعِهِ.

والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ القَلِيلُ بِالمَتاعِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

صفحة ٩٠

والمَثْوى: مَكانُ الثَّواءِ، والثَّواءُ: الِاسْتِقْرارُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] في الأنْعامِ.

وعُدِلَ عَنِ الإضافَةِ فَقِيلَ مَثْوًى لَهم بِالتَّعْلِيقِ بِاللّامِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُنَوَّنَ في الإضافَةِ لِيُفادَ بِالتَّنْوِينِ مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ القَرارِ في النّارِ، ”مَثْوًى“ أيْ مَثْوًى قَوِيًّا لَهم لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ حَصَلَ قَبْلَ مُشاهَدَتِها، فَلِذَلِكَ أُضِيفَتْ في قَوْلِهِ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْها وهم يُشاهِدُونَها في المَحْشَرِ.

47:13Page 508

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣

And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.

﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ، وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ اتَّصَلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.

وكَلِمَةُ (كَأيِّنْ) تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ.

والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أهْلَكْناهم، وإنَّما أُجْرِيَ الإخْبارُ عَلى القَرْيَةِ وضَمِيرِها لِإفادَةِ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ أهْلِها وجَمِيعِ أحْوالِهِمْ، ولِيَكُونَ لِإسْنادُ إخْراجِ الرَّسُولِ إلى القَرْيَةِ كُلِّها وقَعَ مِنَ التَّبِعَةِ عَلى جَمِيعِ أهْلِها سَواءٌ مِنهم مَن تَوَلّى أسْبابَ الخُرُوجِ، ومَن كانَ يَنْظُرُ ولا يَنْهى قالَ - تَعالى - ﴿وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] .

وهَذا إطْنابٌ في الوَعِيدِ لِأنَّ مَقامَ التَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ يَقْتَضِي الإطْنابَ، فَمَفادُ هَذِهِ الآيَةِ مُؤَكِّدٌ لِمَفادِ قَوْلِهِ ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]، فَحَصَلَ تَوْكِيدُ ذَلِكَ بِما هو مُقارِبٌ لَهُ مِن إهْلاكِ الأُمَمِ ذَواتِ القُرى والمُدُنِ بَعْدَ أنْ شَمِلَ قَوْلُهُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مَن كانَ مِن أهْلِ القُرى، وزادَ هُنا التَّصْرِيحُ بِأنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِنهم لِيَفْهَمُوا أنَّ إهْلاكَ هَؤُلاءِ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ التَّهْدِيدُ السّابِقُ تَهْدِيدًا بِعَذابِ السَّيْفِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] الآياتِ، قَدْ يُلْقِي في نُفُوسِهِمْ غُرُورًا

صفحة ٩١

فَتَعَذَّرَ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ وهم ما هم مِنَ المَنَعَةِ وأنَّهم تَمْنَعُهم قَرْيَتُهم مَكَّةُ وحَرْمَتُها بَيْنَ العَرَبِ فَلا يَقْعُدُونَ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، فَرُبَّما اسْتَخَفُّوا بِهَذا الوَعِيدِ ولَمْ يَسْتَكِينُوا لِهَذا التَّهْدِيدِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ قُرًى كَثِيرَةً كانَتْ أشَدَّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِهِمْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا نَصِيرًا.

وبِهَذا يَظْهَرُ المَوْقِعُ البَدِيعُ لِلتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ . وزادَ أيْضًا إجْراءَ الإضافَةِ في قَوْلِهِ ”قَرْيَتِكَ“، ووَصَفَها بِـ الَّتِي أخْرَجَتْكَ لِما تُفِيدُهُ إضافَةُ القَرْيَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ مِن تَعْبِيرِ أهْلِها بِمَذَمَّةِ القَطِيعَةِ ولِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَعْلِيلِ إهْلاكِهِمْ بِسَبَبِ إخْراجِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ مِن قَرْيَتِهِ قالَ - تَعالى - ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] .

وإطْلاقُ الإخْراجِ عَلى ما عامَلَ بِهِ المُشْرِكُونَ النَّبِيءَ ﷺ مِنَ الجَفاءِ والأذى ومُقاوَمَةِ نَشْرِ الدِّينِ إطْلاقٌ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ سُوءَ مُعامَلَتِهِمْ إيّاهُ كانَ سَبَبًا في خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ وهي قَرْيَتُهُ، فَشَبَّهَ سَبَبَ الخُرُوجِ بِالإخْراجِ ثُمَّ أطْلَقَ عَلَيْهِ فِعْلَ ”أخْرَجَتْكَ“، ولَيْسَ ذَلِكَ بِإخْراجٍ وإنَّما هو خُرُوجٌ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُلْجِئُوا النَّبِيءَ ﷺ بِالإخْراجِ بَلْ كانُوا عَلى العَكْسِ يَرْصُدُونَ أنْ يَمْنَعُوهُ مِنَ الخُرُوجِ خَشْيَةَ اعْتِصامِهِ بِقَبائِلَ تَنْصُرُهُ فَلِذَلِكَ أخْفى عَلى النّاسِ أمْرَ هِجْرَتِهِ إلّا عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَوْلُهُ ”أخْرَجَتْكَ“ مِن بابِ قَوْلِكَ: أقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلى فُلانٍ، وهو اسْتِعارَةٌ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَيْسَ مَجازًا عَقْلِيًّا إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ إخْراجٌ حَتّى يُدَّعى أنَّ سَبَبَهُ بِمَنزِلَةِ فاعِلِ الإخْراجِ، ولا هو مِنَ الكِنايَةِ وإنْ كانَ قَدْ مَثَّلَ بِهِ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ لِلْمَجازِ العَقْلِيِّ، والمِثالُ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والِاحْتِمالُ.

وفَرَّعَ عَلى الإخْبارِ بِإهْلاكِ اللَّهِ إيّاهُمُ الإخْبارَ بِانْتِفاءِ جِنْسِ النّاصِرِ لَهم، أيِ المُنْقِذِ لَهم مِنَ الإهْلاكِ.

والمَقْصُودُ: التَّذْكِيرُ بِأنَّ أمْثالَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لَمْ يَجِدُوا دافِعًا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الإهْلاكَ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِن إلْفاءِ ناصِرٍ يَنْصُرُهم في حَرْبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ قَطْعًا لِما قَدْ يُخالِجُ نُفُوسَ المُشْرِكِينَ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ لِتَظاهُرِ قَبائِلِ العَرَبِ مَعَهم، ولِذَلِكَ حَزَّبُوا الأحْزابَ في وقْعَةِ الخَنْدَقِ.

وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى مِن قَرْيَةٍ لِأنَّ المُرادَ بِالقُرى أهْلُها. والمَعْنى:

صفحة ٩٢

أهْلَكْناهم إهْلاكًا لا بَقاءَ مَعَهُ لِشَيْءٍ مِنهم لِأنَّ بَقاءَ شَيْءٍ مِنهم نَصْرٌ لِذَلِكَ الباقِي بِنَجاتِهِ مِنَ الإهْلاكِ.

واسْمُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ”فَلا ناصِرَ“ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ فَلِذَلِكَ لا يُقْصَدُ تَضَمُّنَهُ لِزَمَنٍ ما لِأنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ مَعْنى الفِعْلِ؛ بَلْ مُجَرَّدُ الِاتِّصافِ بِالمَصْدَرِ فَتَمَحَّضٌ لِلِاسْمِيَّةِ، ولا التِفاتَ فِيهِ إلى زَمَنٍ مِنَ الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، ولِذا فَمَعْنى ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾: فَلَمْ يَنْصُرْهم أحَدٌ فِيما مَضى. ولا حاجَةَ إلى إجْراءِ ما حَصَلَ في الزَّمَنِ الماضِي مَجْرى زَمَنِ الحالِ، وقَوْلُهُمُ اسْمُ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ جَرى عَلى الغالِبِ فِيما إذا أُرِيدَ بِهِ مَعْنى الفِعْلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكَأيِّنْ“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ وبِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِألِفٍ بَعْدَ الكافِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَكْسُورَةً وهي لُغَةٌ.

47:14Page 508

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤

So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] لِتَحْقِيقِ أنَّهم لا ناصِرَ لَهم تَحْقِيقًا يَرْجِعُ إلى ما في الكَلامِ مِنَ المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ فَهو شَبِيهٌ بِالِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ جاءَ بِأُسْلُوبِ التَّفْرِيعِ.

ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [محمد: ١٢] الآيَةَ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الِاعْتِراضِ لِأنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى اعْتِراضٍ.

وهَذا تَفَنُّنٌّ في تَلْوِينِ الكَلامِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِينَ وهو مِنَ الأسالِيبِ الَّتِي ابْتَكَرَها القُرْآنُ في كَلامِ العَرَبِ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُماثَلَةِ الَّتِي يَقْتَضِيها حَرْفُ التَّشْبِيهِ.

والمَقْصُودُ مِن إنْكارِ المُشابَهَةِ بَيْنَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ هو تَفْضِيلُ الفَرِيقِ الأوَّلِ، وإنْكارُ زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّهم خَيْرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ

صفحة ٩٣

كَقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] (فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ) .

والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ فَرِيقانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في أحَدِهِما ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ .

والبَيِّنَةُ: البُرْهانُ والحُجَّةُ، أيْ حُجَّةٍ عَلى أنَّهُ مُحِقٌّ.

و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، وفي التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ الرَّبِّ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الفَرِيقِ تَنْبِيهٌ عَلى زُلْفى الفَرِيقِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِحُجَّةِ اللَّهِ.

ومَعْنى وصْفِ البَيِّنَةِ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ: أنَّ اللَّهَ أرْشَدَهم إلَيْها وحَرَّكَ أذْهانَهم فامْتَثَلُوا وأدْرَكُوا الحَقَّ، فالحُجَّةُ حُجَّةٌ في نَفْسِها وكَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَزْكِيَةٌ لَها وكَشْفٌ لِلتَّرَدُّدِ فِيها وإتْمامٌ لِدَلالَتِها، كَما يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ أخْذِ العِلْمِ عَنْ مُتَضَلِّعٍ فِيهِ وأخْذِهِ عَنْ مُسْتَضْعَفٍ فِيهِ وإنْ كانَ مُصِيبًا.

و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهَذا الفَرِيقُ هُمُ المُؤْمِنُونَ وهم ثابِتُونَ عَلى الدِّينِ واثِقُونَ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ. فَلا جَرَمَ يَكُونُ لَهُمُ الفَوْزُ في الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لَهم أسْبابَهُ فَإنْ قاتَلُوا كانُوا عَلى ثِقَةٍ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ وأنَّهم صائِرُونَ إلى إحْدى الحُسْنَيَيْنِ فَقَوِيَتْ شَجاعَتُهم، وإنْ سالَمُوا عُنُوا بِتَدْبِيرِ شَأْنِهِ وما فِيهِ نَفْعُ الأُمَّةِ والدِّينِ فَلَمْ يَأْلَوْا جُهْدًا في حُسْنِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ مِن آثارِ أنَّ اللَّهَ أصْلَحَ بالَهم وهَداهم.

والفَرِيقُ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ هُمُ المُشْرِكُونَ، فَإنَّهم كانُوا في أحْوالِ السُّوأى مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والظُّلْمِ والعُدْوانِ وارْتِكابِ الفَواحِشِ، فَلَمّا نَبَّهَهُمُ اللَّهُ لِفَسادِ أعْمالِهِمْ بِأنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا بَيَّنَ لَهم صالِحَ الأعْمالِ وسَيِّئاتِها لَمْ يُدْرِكُوا ذَلِكَ، ورَأوْا فَسادَهم صَلاحًا، فَتَزَيَّنَتْ أعْمالُهم في أنْظارِهِمْ ولَمْ يَسْتَطِيعُوا الإقْلاعَ عَنْها وغَلَبَ الفَهْمُ وهَواهم عَلى رَأْيِهِمْ فَلَمْ يَعْبَئُوا بِاتِّباعِ ما هو صَلاحٌ لَهم في العاجِلِ والآجِلِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِإيجازٍ.

وبُنِيَ فِعْلُ ”زُيِّنَ“ لِلْمَجْهُولِ لِيَشْمَلَ المُزَيِّنِينَ لَهم مِن أيِمَّةِ كُفْرِهِمْ، وما سَوَّلَتْهُ لَهم أيْضًا عُقُولُهُمُ الآفِنَةُ مِن أفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ اغْتِرارًا بِالإلْفِ أوِ اتِّباعًا لِلَّذّاتِ العاجِلَةِ

صفحة ٩٤

أوْ لِجَلْبِ الرِّئاسَةِ، أيْ زَيَّنَ لَهُ مُزَيِّنٌ سُوءَ عَمَلِهِ، وفي هَذا البِناءِ إلى المَجْهُولِ تَنْبِيهٌ لَهم أيْضًا لِيَرْجِعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَيَتَأمَّلُوا فِيمَن زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ.

ولَمّا كانَ تَزْيِينُ أعْمالِهِمْ لَهم يَبْعَثُهم عَلى الدَّأْبِ عَلَيْها كانَ يَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ إلْفُهم بِها ووَلَعُهم بِها فَتَصِيرُ لَهم أهْواءً لا يَسْتَطِيعُونَ مُفارَقَتَها أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ .

والفَرْقُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بَيِّنٌ لِلْعاقِلِ المُتَأمِّلِ بِحَيْثُ يَحِقُّ أنْ يَسْألَ عَنْ مُماثَلَةِ الفَرِيقَيْنِ سُؤالَ مَن يَعْلَمُ انْتِفاءَ المُماثَلَةِ ويُنْكِرُ عَلى مَن عَسى أنْ يَزْعُمَها.

والمُرادُ بِانْتِفاءِ المُماثَلَةِ الكِنايَةُ عَنِ التَّفاضُلِ، والمَقْصُودُ بِالفَضْلِ ظاهَرٌ وهو الفَرِيقُ الَّذِي وقَعَ الثَّناءُ عَلَيْهِ.

47:15Page 508

مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥

Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered,1 rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord... [Are its inhabitants] like those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?

﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما جَرى مِن ذِكْرِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [محمد: ١٢] مِمّا يَسْتَشْرِفُ السّامِعُ إلى تَفْصِيلِ بَعْضِ صِفاتِها، وإذْ قَدْ ذُكِرَ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ مُوهِمٌ السّامِعَ أنَّها أنْهارُ المِياهِ لِأنَّ جَرْيَ الأنْهارِ أكْمَلُ مَحاسِنِ الجَنّاتِ المَرْغُوبِ فِيها، فَلَمّا فُرِغَ مِن تَوْصِيفِ حالِ فَرِيقَيِ الإيمانِ والكُفْرِ، ومِمّا أعَدَّ لِكِلَيْهِما، ومِن إعْلانِ تَبايُنِ حالَيْهِما ثُنِيَ العِنانُ إلى بَيانِ ما في الحِنَةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ، وخُصَّ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنْواعِ الأنْهارِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْقِعَ الجُمْلَةِ كانَ قَوْلُهُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ما سَيُوصَفُ أوْ ما سَيُتْلى عَلَيْكم، أوْ مِمّا يُتْلى عَلَيْكم.

وقَوْلُهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَدَّرٌ فِيهِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤]

صفحة ٩٥

والتَّقْدِيرُ: أكَمَن هو خالِدٌ في النّارِ. والإنْكارُ مُتَسَلِّطٌ عَلى التَّشْبِيهِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. والخَبَرُ قَوْلُهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾، أيْ كَحالِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ حالِ النّارِ عَنْ حالِ الجَنَّةِ، فَحَصَلَ نَحْوُ الِاحْتِباكِ إذْ دَلَّ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ عَلى مَثَلِ أصْحابِها ودَلَّ مَثَلُ مَن هو خالِدٌ في النّارِ عَلى مَثَلِ النّارِ.

والمَقْصُودُ: بَيانُ البَوْنِ بَيْنَ حالَيِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ بِذِكْرِ التَّفاوُتِ بَيْنَ حالَيْ مَصِيرِهِما المُقَرَّرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ [محمد: ١٢] إلى آخِرِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ أصْحابِ الجَنَّةِ وأصْحابِ النّارِ في خِلالِ ذِكْرِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقالَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ وقالَ بَعْدَهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ .

ولِقَصْدِ زِيادَةِ تَصْوِيرِ مُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِبَيِّنَةِ رَبِّهِ وبَيْنَ التّابِعِ لِهَواهُ، أيْ هو أيْضًا كالَّذِي يُسَوِّي بَيْنَ الجَنَّةِ ذاتِ تِلْكَ الصِّفاتِ وبَيْنَ النّارِ ذاتِ صِفاتٍ ضِدِّها.

وفِيهِ اطِّرادُ أسالِيبِ السُّورَةِ إذِ افْتُتِحَتْ بِالمُقابَلَةِ بَيْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ آمَنُوا، وأُعْقِبَ بِاتِّباعِ الكافِرِينَ الباطِلَ واتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، وثُلِّثَ بُقُولِهِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] إلَخْ.

والمَثَلُ: الحالُ العَجِيبُ.

وجُمْلَةُ ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ الَّذِي في جُمْلَةِ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾، فَهو اسْتِئْنافٌ، أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ عَلى رَأْيِ مَن يُثْبِتُهُ في أنْواعِ البَدَلِ.

والأنْهارُ: جَمْعُ نَهْرٍ، وهو الماءُ المُسْتَبْحِرُ الجارِي في أُخْدُودٍ عَظِيمٍ مِنَ الأرْضِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٩٦

فَأمّا إطْلاقُ الأنْهارِ عَلى أنْهارِ الماءِ فَهو حَقِيقَةٌ، وأمّا إطْلاقُ الأنْهارِ عَلى ما هو مِن لَبَنٍ وخَمْرٍ وعَسَلٍ فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ مُماثَلَةٌ لِلْأنْهارِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ تامَّةً في أنَّها كالأنْهارِ مُسْتَبْحِرَةٌ في أخادِيدَ مِن أرْضِ الجَنَّةِ فَإنَّ أحْوالَ الآخِرَةِ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ المَعْرُوفَةِ في الدُّنْيا، فَإنَّ مَرْأى أنْهارٍ مِن هَذِهِ الأصْنافِ مَرْأًى مُبْهِجٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُماثَلَةُ هَذِهِ الأصْنافِ لِلْأنْهارِ في بَعْضِ صِفاتِ الأنْهارِ وهي الِاسْتِبْحارُ.

وهَذِهِ الأصْنافُ الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ كانَتْ مِن أفْضَلِ ما يَتَنافَسُونَ فِيهِ ومِن أعَزِّ ما يَتَيَسَّرُ الحُصُولُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ الكَثِيرُ مِنها، فَكَيْفَ إذا كانَ مِنها أنْهارٌ في الجَنَّةِ. وتُناوُلُ هَذِهِ الأصْنافِ مِنَ التَّفَكُّهِ الَّذِي هو تَنَعُّمُ أهْلِ اليَسارِ والرَّفاهِيَةِ.

وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرْبَعَةُ أشْرِبَةٍ هي أجْناسُ أشْرِبَتْهِمْ، فَكانُوا يَسْتَجِيدُونَ الماءَ الصّافِيَ لِأنَّ غالِبَ مِياهِهِمْ مِنَ الغُدْرانِ والأحْواضِ بِالبادِيَةِ تَمْتَلِئُ مِن ماءِ المَطَرِ أوْ مِن مُرُورِ السُّيُولِ فَإذا اسْتَقَرَّتْ أيّامًا أخَذَتْ تَتَغَيَّرُ بِالطُّحْلُبِ وبِما يَدْخُلُ فِيها مِنَ الأيْدِي والدِّلاءِ، وشُرْبِ الوُحُوشِ، وقَلِيلٌ البِلادُ الَّتِي تَكُونُ مُجاوِرَةً الأنْهارَ الجارِيَةَ.

وكَذَلِكَ اللَّبَنُ كانُوا إذا حَلَبُوا وشَرِبُوا أبْقَوْا ما اسْتَفْضَلُوهُ إلى وقْتٍ آخَرَ لِأنَّهم لا يَحْلُبُونَ إلّا حَلْبَةً واحِدَةً أوْ حَلْبَتَيْنِ في اليَوْمِ فَيَقَعُ في طَعْمِ اللَّبَنِ تَغْيِيرٌ.

فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ قَلِيلَةً عَزِيزَةً عِنْدَهم لِقِلَّةِ الأعْنابِ في الحِجازِ إلّا قَلِيلًا في الطّائِفِ، فَكانَتْ الخَمْرُ تُجْتَلَبُ مِن بِلادِ الشّامِ ومِن بِلادِ اليَمَنِ، وكانَتْ غالِيَةَ الثَّمَنِ وقَدْ يَنْقَطِعُ جَلْبُها زَمانًا في فَصْلِ الشِّتاءِ لِعُسْرِ السَّيْرِ بِها في الطُّرُقِ وفي أوْقاتِ الحُرُوبِ أيْضًا خَوْفَ انْتِهابِها.

والعَسَلُ هو أيْضًا مَن أشْرَبَتِهِمْ، قالَ تَعالى في النَّحْلِ ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ [النحل: ٦٩] والعَرَبُ يَقُولُونَ: سَقاهُ عَسَلًا، ويَقُولُونَ: أطْعَمَهُ عَسَلًا. وكانَ العَسَلُ مَرْغُوبًا فِيهِ، يُجْتَلَبُ مِن بِلادِ الجِبالِ ذاتِ النَّباتِ المُسْتَمِرِّ.

فَأمّا الثَّمَراتُ فَبَعْضُها كَثِيرٌ عِنْدَهم كالتَّمْرِ وبَعْضُها قَلِيلٌ كالرُّمّانِ.

والآسِنُ: وصْفٌ مَن أسَنَ الماءُ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ وفَرِحَ، إذا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (أسِنٍ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعِلٍ لِلْمُبالِغَةِ.

صفحة ٩٧

والخَمْرُ: عَصِيرُ العِنَبِ الَّذِي يُتْرَكُ حَتّى يُصِيبَهُ التَّخَمُّرُ وهو الحُمُوضَةُ مِثْلُ خَمِيرِ العَجِينِ.

و”لَذَّةٍ“ وصْفٌ ولَيْسَ بِاسْمٍ، وهو تَأْنِيثُ اللَّذِّ، أيِ اللَّذِيذِ قالَ بَشّارٌ:

ذَكَرْتُ شَبابِي اللَّذَّ غَيْرَ قَـرِيبِ ومَجْلِسَ لَهْوٍ طابَ بَيْنَ شُرُوبِ

واللَّذاذَةُ: انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ فِيهِ مَسَرَّةٌ، وهي ضِدُّ الألَمِ وأكْثَرُ حُصُولِهِ مِنَ الطَّعُومِ والأشْرِبَةِ والمَلامِسِ البَدَنِيَّةِ، فَوَصْفُ خَمْرٍ هُنا بِأنَّها ”لَذَّةٍ“ مَعْناهُ يَجِدُ شارِبُها لَذاذَةً في طَعْمِها، أيْ بِخِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا فَإنَّها حَرِيقَةُ الطَّعْمِ فَلَوْلا تَرَقُّبُ ما تَفْعَلُهُ في الشّارِبِ مِن نَشْوَةٍ وطَرَبٍ لَما شَرِبَها لِحُمُوضَةِ طَعْمِها.

والعَسَلُ المُصَفّى: الَّذِي خُلِّصَ مِمّا يُخالِطُ العَسَلَ مِن بَقايا الشَّمْعِ وبَقايا أعْضاءِ النَّحْلِ الَّتِي قَدْ تَمُوتُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى العَسَلِ وتَرْبِيَتِهِ في سُورَةِ النَّحْلِ.

ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أصْنافٌ مِن جَمِيعِ أجْناسِ الثَّمَراتِ، فالتَّعْرِيفُ في الثَّمَراتِ لِلْجِنْسِ، و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في حَقِيقَتِها وهو الإحاطَةُ، أيْ جَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الثَّمَراتِ مِمّا عَلِمُوهُ في الدُّنْيا وما لَمْ يَعْلَمُوهُ مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] .

و”مَغْفِرَةٌ“ عَطْفٌ عَلى ”أنْهارٌ“ وما بَعْدَهُ، أيْ وفِيها مَغْفِرَةٌ لَهم، أيْ تَجاوُزٌ عَنْهم، أيْ إطْلاقٌ في أعْمالِهِمْ لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ كَمَغْفِرَتِهِ لِأهْلِ بَدْرٍ إذْ بُيِّنَتْ بِأنْ يَعْمَلُوا ما شاءُوا في الحَدِيثِ «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» وقَدْ تَكُونُ المَغْفِرَةُ كِنايَةً عَنِ الرُّضْوانِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ - تَعالى - ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

وتَقْدِيرُ المُضافِ في مَثَلِهِ ظاهِرٌ لِلْقَرِينَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ جِيءَ بِهِ لِمُقابَلَةِ ما وُصِفَ مِن حالِ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾، أيْ أنَّ أهْلَ النّارِ مَحْرُومُونَ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ المَشْرُوباتِ. ولَيْسُوا بِذائِقِينَ إلّا الماءَ

صفحة ٩٨

الحَمِيمَ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم بِفَوْرِ سَقْيِهِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجْ هُنا عَلى طَعامِ أهْلِ النّارِ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] .

وضَمِيرُ ”سُقُوا“ راجِعٌ إلى مَن هو خالِدٌ في النّارِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) وهو الفَرِيقُ مِنَ الكافِرِينَ بَعْدَ أنْ أُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ المُفْرَدِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ خالِدٌ﴾ .

والأمْعاءُ: جَمْعُ مَعًى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها، وهو ما يَنْتَقِلُ الطَّعامُ إلَيْهِ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ المَعِدَةِ. ويُسَمّى عَفِجًا بِوَزْنِ كَتِفٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском